← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

غير نافعكم ﴿فإن مصيركم﴾ أي صيرورتكم ﴿إلى النار *﴾ بسبب تمتعكم على هذا الوجه. ولما ذكر كفرهم وضلالهم عن السبيل وما أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن يقول لهم، وكان ذلك محركاً لنفس السامع إلى الوقوف على ما يقال لمن خلع الأنداد وكان أوثق عرى السبيل بعد الإيمان وأعمها الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر، والنفقة الشاملة لوجوه البر، أمره تعالى أن يندب أولياءه إلى الإقبال إلى ما أعرض عنه أعداؤه، والإعراض عما أقبلوا بالتمتع عليه من ذلك، فقال ﴿قل لعبادي﴾ فوصفهم بأشرف أوصافهم، وأضافهم إلى ضميره الشريف تحبيباً لهم فيه، ثم أتبع هذا الوصف ما يناسبه من إذعانهم لسيدهم فقال: ﴿الذين آمنوا﴾ أي أوجدوا هذا الوصف. ولما كان قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحسن قول، فهو جالٍ لصدأ القلوب، وموجب لتهذيب النفوس، قال جازماً: ﴿يقيموا الصلاة﴾ التي هي زكاة القوة وصلة العبد بربه ﴿وينفقوا﴾ وخفف عنهم بقوله: ﴿مما رزقناهم﴾ أي بعظمتنا، فهو لنا

стр. 4972

دونهم، من أنواع النفقات المقيمة لشرائعه من الصدقات وغيرها، إتقاناً لما بينهم وبينه من الأسباب لينقذوا أنفسهم من النار، واقتصر على هاتين الخلتين لأنه لم يكن فرض في مكة غيرهما مع ما تقدم من فضلهما وعمومهما، ولعله سيق سياق الشرط تنبيهاً لهم على أن مجرد قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقوى الأسباب فيجب عليهم ألا يتخلفوا عنه أصلاً؛ ثم أشار إلى المداومة على هاتين الخصلتين بقوله: ﴿سراً وعلانية﴾ ويجوز أن يراد بالسر النافلة، وبالعلانية الفرض؛ ثم رهب من تهاون في خدمته من اليوم الذي كان الإعراض عنه سبب الضلال، فقال مشيراً بالجار إلى قصر مدة أعمالهم: ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ أي عظيم جداً ليس هو كشيء من الأيام التي تعرفونها ﴿إلا بيع فيه﴾ لأسير بفداء ﴿ولا خلال *﴾ أي مخالات وموادات يكون عنها شفاعة أو نصر، جمع خلة كقلة وقلال، أو هو مصدر، وذلك إشارة إلى أنه لا يكون شيء منهما سبباً لخلاص هالك.

стр. 4973

ولما نفى جميع الأسباب النافعة في الدنيا في ذلك اليوم، كان كأنه قيل: فمن الحكم فيه حتى أنه يسير سيرة لا نعرفها؟

стр. 4974

فقيل: ﴿الله﴾ أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء؛ ثم أتبعه بصفات تدل على ما دعا إليه الرسل من وحدانيته وما أخبروا به من قدرته على كل شيء فلا يقدر أحد على مغالبته، وعلى المعاد وعلى غناه فلا يبايع، فقال: ﴿الذي خلق السماوات والأرض﴾ وهما أكبر خلقاً منكم وأعظم شأناً، ثم عقبه بأدل الأمور على الإعادة مع ما فيه من عظيم المنة بأن به الحياة، فقال: ﴿وأنزل من السماء ماء﴾ ولما كان ذلك سبب النمو قال: ﴿فأخرج به﴾ أي بالماء الذي جعل منه كل شيء حي ﴿من الثمرات﴾ أي الشجرية وغيرهما ﴿رزقاً لكم﴾ بعد يبس الأرض وجفاف نباتها، وليس ذلك بدون إحياء الموتى؛ ثم أتبعه ما ادخره في الأرض من مياه البحار والأنهار، وذكر أعم ما يظهر من البحار فقال: ﴿وسخر لكم الفلك﴾ وعلل ذلك بقوله: ﴿لتجري في البحر﴾ ولما كان ذلك أمراً باهراً للعقل، بين عظمته بقوله: ﴿بأمره﴾ ولما كانت الأنهار من النعم الكبار بعد نعمة البحار، قال: ﴿وسخر لكم الأنهار *﴾ ثم أتبعه ما جعله سبباً لكمال التصرف وإنضاج

стр. 4975

الثمار المسقيّة بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض فقال: ﴿وسخر لكم الشمس والقمر﴾ حال كونهما ﴿دائبين﴾ أي في سيرهما وإنارتهما وما ينشأ عنهما من الإصلاح بالطبخ والإنضاج في المعادن والنبات والحيوان؛ قال الرماني: والدؤوب: مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه؛ ثم ذكر تعالى ما ينشأ عن وجود الشمس وعدمها فقال: ﴿وسخر لكم الّيل﴾ أي الذي القمر آيته ﴿والنهار *﴾ أي الذي الشمس آيته، يوجد كل منهما بعد تصرمه، ولو كان أحدهما سرمداً لاختل الحال بعدم النبات والحيوان كما هو كذلك حيث لا تغرب الشمس في الجنوب وحيث لا تطلع في الشمال؛ ثم عم بعد أن خص فقال: ﴿وآتاكم﴾ . ولما كان الكمال لا يكون إلا في الجنة قال: ﴿من كل ما سألتموه﴾ أي ما أنتم محتاجون إليه فأنتم سائلوه بالقوة؛ ثم حقق وجه العظم بفرض ما يوجب العجز فقال: ﴿وإن تعدوا﴾ أيها الناس كلكم ﴿نعمت الله﴾ أي تروموا عد إنعام الملك الأعلى الذي له الكمال المطلق أو تأخذوا في عدّه، وعبر عنه بالنعمة إرشاداً إلى الاستدلال بالأثر

стр. 4976

على المؤثر ﴿لا تحصوها﴾ أي لا تحيطوا بها ولا تعرفوا عد الحصى المقابلة لها إن عددتموها بها كما كانت عادة العرب، أو لا تجدوا من الحصى ما يوفي بعددها، هذا في النعمة الواحدة فكيف بما زاد! فهذا شرح قوله أول السورة ﴿الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض﴾ وقد ظهر به أنه لا يوجد شيء إلا هو ملك الله فضلاً عن أن يوجد شيء يداينه فضلاً عن شيء يماثله، فثبت أنه لا بيع ولا خلال يوم دينونة العباد، وتقريب العجز عن العد للإفهام أن السلامة من كل داء ذكره الأطباء في كتبهم - على كثرتها وطولها - نعمة على العبد، وذلك متعسر الحصر، وكل ما ذكروه صريحاً في جنب ما دخل تحت كلياتهم تلويحاً - قليل، فكيف بما لم يطلعهم الله عليه ولم يهدهم بوجه إليه، هذا في الجسم، وأما في العقل فالسلامة من كل عقد زائغ، ودين باطل وضلال مائل، وذلك لا يحصيه إلا خالق الفكر وفاطر الفطر سبحانه، ما أعزه وأعظم شأنه! . ولما كان أكثر هذه السورة في بيان الكفرة وما لهم، وبيان أن أكثر الخلق هالك معرض عما يأتيه من نعمة الهداية على أيدي الرسل

стр. 4977

الدعاة إلى من له جميع النعم للحياة الطيبة بسعادة الدارين، ختم الآية ببيان ما اقتضى ذلك من صفات الإنسان فقال: ﴿إن الإنسان﴾ أي هذا النوع لما له من الأنس بنفسه، والنسيان لما ينفعه ويضره، والاضطراب بسبب ما يغمه ويسره ﴿لظلوم كفار﴾ أي بليغ الظلم والكفر حيث يهمل الشكر، ويتعداه إلى الكفر، وختم مثل ذلك في سورة النحل ب ﴿غفور رحيم﴾ لأن تلك سورة النعم، بدئت بالنهي عن استعجال العذاب، لأن الرحمة أسبق، ومن الرحمة إمهال الناس وإمتاعهم بالمنافع، فالتقدير إذن هناك: ﴿وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار﴾ ولكن ربه لا يعاجله بالعقوبة لأنه غفور رحيم، وأما هذه السورة فبدئت بأن الناس في الظلمات.

стр. 4978

ولما انقضى المأمور به من القول لكافر النعمة وشاكرها وسبب ذلك والدليل عليه، وبان أنه خالق الموجودات كلها وربها، فلا يصح أصلاً أن يكون شيء منها شريكاً. أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يذكرهم بأيام الله عند أبيهم إبراهيم ﵇ للدلالة على تبديلهم النعمة ظلماً منهم وكفراً، في أسلوب دال على البعث، مشير إلى وجوب براءتهم من الأصنام حيث كان محط حالهم فيها تقليد الآباء وهو

стр. 4979

أعظم آبائهم، وإلى ما سنه لهم من إقامتهم الصلاة وشكرهم لنعمه بالانفاق وغيره، فقال ناعياً عليهم - مع المخالفة لصريح العقل وقاطع النقل عقوق أبيهم الأعظم، عطفاً على ﴿قل لعبادي الذين آمنوا﴾ أو على ﴿وإذ قال موسى لقومه﴾ : ﴿وإذ﴾ أي واذكر لهم مذكراً بأيام الله خبر إبراهيم إذ ﴿قال إبراهيم رب﴾ أي أيها المحسن إليّ بإجابة دعائي في جعل القفر الذي وضعت به ولدي بلداً عظيماً. ولما كان السياق لإخراج الرسل من محالهم، وكان ذلك مفهماً لأن المحل الذي يقع الإخراج منه بلد يسكن فيه، واتبعه سبحانه بأن المتعرضين بدلوا نعمة الله - بما أسكن فيه من الأمن بعد جعله له بلداً - بما أحدثوا فيه من الإخافة لخير أهله، ومن الإنذار لمن أنعم عليهم بكل ما فيه من الخير، كان الأنسب تعريفه فقال: ﴿اجعل هذا البلد﴾ أي الذي يريدون إخراج الرسول منه ﴿آمناً﴾ أي ذا أمن بأمان أهله، وكأن هذا الدعاء صدر منه بعد أن سكن الناس مكة وصارت مدينة، والذي في البقرة كان حيث وضع ابنه مع أمه وهي خالية عن ساكن، فدعا أن يجعلها الله بلداً، وأن يجعلها بعد ذلك موصوفة

стр. 4980

بالأمن، وهو سكون النفس إلى زوال الضر. ولما دعا بالأمن من فساد الأموال والأبدان، أتبعه بالدعاء بالأمن من فساد الأديان، فقال: ﴿واجنبني﴾ أي اصرفني ﴿وبني﴾ أي لصلبي، وأسقط البنات إشارة إلى الاستقلال، وإنما هن تابعات دائماً ﴿أن نعبد﴾ أي عبادة مستمرة تكون موجبة للنار ﴿الأصنام *﴾ أي اجعلنا في جانب غير جانب عبادتها، والصنم: المنحوت على خلقة البشر، وما كان منحوتاً على غير خلقة البشر فهو وثن - قاله الطبري عن مجاهد؛ تم بين زيادة الاهتمام بأمر الأصنام بإعادة النداء، وأسقط الأداة - زيادة في التملق بكونه من أهل القرب والانقطاع إليه سبحانه معللاً لما قبله - في قوله: ﴿رب﴾ بإفراد المضاف إليه ليكون الكلام الواحد على نظام واحد ﴿إنهن أضللن﴾ إسناد مجازي علاقته السببية ﴿كثيراً من الناس فمن﴾ أي فتسبب عن بغضي لهن أن أقول: من ﴿تبعني﴾ من جميع الناس في تجنبها ﴿فإنه مني﴾ أي من حزبي لكونه على طريقتي وديني، فأتني ما وعدتني فيه من الفوز ﴿ومن عصاني﴾ فضل بها فقد استحق النار، فإن عذبته فهو عبادك، وإن غفرت له فأنت لذلك، لأن لك أن تفعل ما تشاء ﴿فإنك غفور﴾ أي بليغ الستر ﴿رحيم *﴾ أي بليغ الإكرام بعد ستر الذنوب؛

стр. 4981

وأكد للإعلام بزيادة رغبته في العفو لأنه لا ينقص به شيء من عزته سبحانه ولا حكمته - كما أشار إليه دعاء عيسى ﵇ في المائدة. ولما دعا بدرء المفاسد الناشئة من من نوعي الإنسان والشيطان بأمن البلد وإيمانه ذكر السبب الحامل له على تخصيصه بذلك مستجلباً للمصالح، فقال: ﴿ربنا﴾ أي يا رب وربَّ من قضيت أنه يتبعني بتربيتك لنا أحسن تربية ﴿إني أسكنت﴾ وكأن الله سبحانه كان قد أخبره أنه يكثر نسله حتى يكونوا كالنجوم، وذلك بعد البشارة بإسحاق ﵇ فقال: ﴿من ذريتي﴾ وساقه مؤكداً تنبيهاً على أنه - لكونه على وجه لا يسمح به أحد - لا يكاد يصدق، وللإعلام بأنه راغب فيه ﴿بواد﴾ هو مكة المشرفة لكونها في فضاء منخفض بين جبال تجري به السيول ﴿غير ذي زرع﴾ . ولما نفى عنه الرفد الدنيوي، أثبت له الأخروي، إشارة إلى أن الدارين ضرتان لا تجتمعان، وكأن هذا الدعاء كان بعد بنائه البيت - كما تقدمت الإشارة إليه أيضاً بتعريف البلد، فقال: ﴿عند بيتك المحرم﴾ أي الذي حرمت التعرض إليه ومنعته بالهيبة فلم يملكه أحد سواك،

стр. 4982

وجُعل له حريم يأمن فيه الوحش والطير؛ والكسنى: اتخاذ مأوى يسكن إليه متى شاء، والوادي: سفح الجبل العظيم، ومنه قيل للأنهار: أودية، لأن حافاتها كالجبال لها، والزرع: نبات ينفرش من غير ساق؛ ثم بين غرضه من إسكانهم هناك فقال: ﴿ربنا﴾ أي أيها المحسن إلينا ﴿ليقيموا الصلاة﴾ ما أسكنتهم في هذا الوادي الموصوف إلا لهذا الغرض المنافي لعبادة غيرك، ولأن أولى الناس بإقامتها حاضرو البيت المتوجه بها إليه. ولما كان اشتغالهم بالعبادة وكونهم في ذلك الوادي أمرين بعيدين عن أسباب المعاش، تسبب عنه قوله: ﴿فاجعل أفئدة﴾ أي قلوباً محترقة بالأشواق ﴿من الناس﴾ أي من أفئدة الذين هم أهل للاضطراب، بكون احتراقها بالشوق مانعاً من اضطرابها ﴿تهوي﴾ أي تقصدهم فتسرع نحوهم برغبة وشوق إسراع من ينزل من حالق؛ وزاد المعنى وضوحاً وأكده بحرف الغاية الدال على بعد لأن الشيء كلما بعد مدى

стр. 4983

مرماه اشتد وقعه فقال: ﴿إليهم﴾ ولما دعا لهم بالدين، دعا لهم بالرزق المتضمن للدعاء لجيرانهم فقال: ﴿وارزقهم﴾ أي على يد من يهوي إليهم ﴿من الثمرات﴾ أي التي أنبتها في بلادهم؛ وبين العلة الصالحة بقوله: ﴿لعلهم يشكرون *﴾ أي ليكون حالهم حال من يرجى شكرهم لما يرون من نعمك الخارقة للعوائد في ذلك الموضع البعيد عن الفضل لولا عنايتك فيشتغلوا بعبادتك لإغنائك لهم وإحسانك إليهم، وقد أجاب الله دعوته؛ فالآية لتذكير قريش بهذه النعم الجليلة عليهم ببركة أبيهم الأعظم الذي نهى عن عبادة الأوثان.

стр. 4984

ولما فرغ من الدعاء بالأهم من الإبقاء على الفطرة الأولى المشوقة للعزائم إلى العكوف في دارة الأنس، ومن الكفاية لهم المعاش، المنتج للشكر بإنفاق الفضل، وتبين من ذلك أنهم خالفوا أعظم آبائهم في جميع ما قصده لهم من المصالح، أتبعه ما يحث على الإخلاص في ذلك وغيره له ولغيره ليكون أنجح للمراد بضمان الإسعاد ولا سيما مع تكرير النداء الدال على مزيد التضرع فقال: ﴿ربنا﴾ أي أيها المحسن إلينا المالك لجميع أمورنا ﴿إنك تعلم ما﴾ أي جميع ما

стр. 4985

﴿نخفي وما نعلن﴾ ثم أشار إلى عموم علمه فقال: ﴿وما يخفى على الله﴾ أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً. وبالغ في النفي فقال: ﴿من شيء﴾ من ذلك ولا غيره ﴿في الأرض﴾ ولما كان في سياق المبالغة، أعاد النافي تأكيداً فقال: ﴿ولا في السماء *﴾ أي فهو غير محتاج إلى التعريف بالدعاء، فالدعاء إنما هو لإظهار العبودية، واسم الجنس شامل لما فوق الواحد، ومن فوائد التعبير بالإفراد الدلالة على أن من كان محيطاً بكل ما في المتقابلين من غير أن يحجبه أحدهما عن الآخر، كان محيطاً بغيرهما كذلك من غير فرق. ولما تم ما دعا به من النزاهة عن رجاسة الشرك وتبين بتقديمه أن أهم المهمات البراءة منه، أتبعه الحمد على ما رزق من النعم وما تبع ذلك من الإشارة إلى وجوب الشكر فقال: ﴿الحمد لله﴾ أي المستجمع لصفات الكمال ﴿الذي وهب﴾ والهبة: هبة تمليك من غير عقد، منّاً منه ﴿لي﴾ حال كوني مستعلياً ﴿على الكبر﴾ ومتمكناً منه على يأس من الولد ﴿إسماعيل﴾ الذي أسكنته هنا ﴿وإسحاق﴾ وهذا يدل على ما تقدم فهمي له من أن هذا الدعاء كان بعد بناء البيت

стр. 4986

وطمأنينته بإسحاق ﵇، عن ابن عباس ﵄ أن سنه كان عند ولادة إسماعيل ﵇ تسعاً وتسعين سنة، وعند ولادة إسحاق ﵇ كان مائة سنة واثنتي عشرة سنة. ولما كان إتيان الولد له في سن لا يولد فيه لمثله، وجميع ما دعا به من الخوارق فوجوده لا يكاد يصدق، أشار إلى ذلك بتأكيد قوله: ﴿إن ربي﴾ أي المحسن إليّ ﴿لسميع الدعاء *﴾ أي من شأنه إجابة الدعاء على الوجه الأبلغ تعريضاً بالأنداد وإشارة إلى ما تضمنه تأسفه على العقم، فقد تقدم في سورة البقرة عن التوراة أنه لما خلّص ابن أخيه لوطاً من الأسر قال له الله: يا إبراهيم! أنا أكانفك وأساعدك لأن ثوابك قد جزل، فقال إبرم: اللهم ربي! ما الذي تنحلني وأنا خارج من الدنيا بلا نسل ويرثني اليعازر غلامي الدمشقي؟ فقال له الرب: لا يرثك هذا، بل ابنك

стр. 4987

الذي يخرج من صلبك فهو يرثك، وقال له: انظر إلى السماء وأحص النجوم إن كنت تقدر أن تحصيها، فكذلك تكون ذريتك، فآمن إبرم بالله. ولما تم الحمد على النعمة بعد الدعاء بالتخلي من منافي السعادة وختمه بالحمد على إجابة الدعاء، انتهز الفرصة في إتباعه الدعاء بالتحلي بحلية العبادة التي أخبر أنها قصده بإسكانه من ذريته ثم إقامتها، إشارة إلى صعوبتها على النفس إلا بمعونة الله فقال: ﴿رب﴾ أي أيها الموجد لي المالك لأمري ﴿اجعلني مقيم الصلاة﴾ أي هذا النوع الدال على غاية الخضوع، دائم الإقامة لها، وكأن الله تعالى أعلمه بأنه يكون من ذريته من يكفر فقال أدباً: ﴿ومن ذريتي﴾ . ولما كانت أعظم الأركان بعد الإيمان، أفراد الضمير للدعاء بها متملقاً لله تعالى بما عليه من النعم التي لم ينعمها على أحد كان في ذلك الزمان غيره، كما أشار إلى ذلك باسم الرب، ثم زاد في التضرع بقوله: ﴿ربنا﴾ أي أيها المحسن إلينا، وجمع الضمير المضاف إليه بالنظر إلى من تبعه من ذريته لأن ما بعده كلام آخر، أي رب وربَّ

стр. 4988

مّن وفقته بتربيتك وإحسانك لإقامة الصلاة من ذريتي ﴿وتقبل دعاء *﴾ كله بذلك وغيره، بأن تجعله مقبولاً جعلَ من كأنه راغب فيه مفتن به.

стр. 4989

ولما كان الإنسان ولو اجتهد كل الاجتهاد - محل العجز الموجب للتقصير المفتقر للستر، قال مشيراً إلى ذلك: ﴿ربنا﴾ أي أيها المالك لأمورنا المدبر لنا ﴿اغفر لي﴾ ثم أشرك معه أقرب الناس إليه وأحقهم بشكره فقال: ﴿ولوالدي﴾ وقد كان استغفاره لهما قبل أن يعلم أن أباه مات كافراً، وقد علم من السياق أنه إذا كان وحده أضاف إلى ضميره، وإذا تقدم ما يحسن جمعه معه جمع إن كان ما بعده مستقلاً، ثم كل من تبعه في الدين من ذريته وغيرهم فقال: ﴿وللمؤمنين﴾ أي العريقين في الوصف ﴿يوم يقوم﴾ أي يظهر ويتحقق على أعلى وجوهه ﴿الحساب *﴾ . ولما ختم دعاءه بيوم الحساب الموجب ذكره لكل سعادة ونسيانه لكل شقاوة، ذكر بعض ما يتفق فيه رجوعاً إلى ما مضى من أحوال يوم القيامة على أحسن وجه، فقال - عاطفاً على قوله ﴿قل لعبادي﴾ وجل المقصد تهديد أهل الظلم بالإشراك وغيره، وخاطب الرأس الذي لا يمكن ذلك منه ليكون أوقع في قلب

стр. 4990

غيره -: ﴿ولا تحسبن الله﴾ أي الملك الأعظم الذي هو أحكم الحاكمين. ولما كان اعتقاد ترك الحساب يلزم منه نسبة الحاكم إلى العجز أو السفه أو الغفلة، وكان قد أثبت قدرته وحكمته في هذه السورة وغيرها نزهةً عن الغفلة لينتبه المنكرون للبعث من غفلتهم فقال: ﴿غافلاً﴾ والغفلة: ذهاب المعنى عن النفس ﴿عما يعمل الظالمون *﴾ الذين بدلوا نعمة الله كفراً، فكانوا عريقين في الظلم وإن كان مستند ظلمهم شبهاً علمية يقيمونها، فكأنه قيل: فما الذي يفعل بهم؟ فقال: ﴿إنما يؤخرهم﴾ أي يؤخر حسابهم على النقير والقطمير سواء عذبوا في الدنيا أو لا ﴿ليوم تشخص﴾ أي تفتح فتكون بحيث لا تطرف ﴿فيه﴾ منهم ﴿الأبصار *﴾ أي حال كونهم ﴿مهطعين﴾ أي مسرعين غاية الإسراع إلى حيث دعوا خوفاً وجزعاً، مع الإقبال بالبصر نحو الداعي لا يلفتونه إلى غيره ﴿مقنعي رؤوسهم﴾ أي رافعيها وناصبيها ناظرين في ذل وخشوع إلى جهة واحدة، وهي جهة الداعي، لا يلتفتون يميناً

стр. 4991

ولا شمالاً، وهذا كناية عن أشد الذل والصغار، ثم أتبعه ما يؤكده فقال مصرحاً بمعنى الشخوص: ﴿لا يرتد إليهم﴾ ولما كانوا في هيئة الأعين في الطرف والسكون قريباً من السواء، وحد فقال: ﴿طرفهم﴾ بل أعينهم شاخصة دائمة الفتح لا تطرف كالمحتضر لما بأصحابها من الهول ﴿وأفئدتهم﴾ جمع فؤاد، وهو العضو الذي من شأنه أن يحمى بالغضب؛ قال في القاموس: والتفؤد: التحرق والتوقد، ومنه الفؤاد للقلب مذكر، جمعه أفئدة. ﴿هواء *﴾ أي عدم فارغة لا شيء فيها من الجرأة والأنفة التي يظهرونها الآن كما قال حسان بن ثابت ﵁: ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوف نخب هواء والهواء: الخلاء الذي لم تشغله الأجرام، والنخب: الجبان، وكذا الهواء - قاله في القاموس. فأنذرهم أهوال ذلك اليوم فإنه لا يبقى معهم فيه شيء مما هم فيه من الإباء والاستكبار ﴿وأنذر﴾ أي يا محمد ﴿الناس﴾ جميعاً، ما يحل بهم ﴿يوم يأتيهم العذاب﴾ وينكشف

стр. 4992

عنهم الغطاء بالموت أو البعث. ولما كانوا عند إتيان العذاب قبل الموت لا ينكسرون بالكلية، بين أنهم إذ ذاك على غير هذا، فقال عاطفاً على «يأتيهم» : ﴿فيقول الذين ظلموا﴾ أي أوجدوا هذا الوصف ولو على أدنى الوجوه منهم ومن غيرهم بسبب إتيانه من غير تمهل، وقد زال عنهم ما يفتخرون به من الأنفة والحمية والشماخة والكبر لما رأوا من الأهوال التي لا قبل لهم بها ولا صبر عليها: ﴿ربنا﴾ أي أيها المحسن إلينا بالخلق والرزق والتربية ﴿أخرنا﴾ أي أمهلنا ﴿إلى أجل قريب﴾ فإنك إن تؤخرنا إليه ﴿نجب دعوتك﴾ أي استدراكاً لما فرطنا فيه؛ والإجابة: القطع على موافقة الداعي بالإرادة ﴿ونتبع﴾ أي بغاية الرغبة ﴿الرسل﴾ فيقال لهم: إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، أولم تكونوا تقولون: إن عرى صبركم لا تنحل، وحد عزائمكم لا يفل؟ ﴿أولم تكونوا﴾ أي كوناً أنتم فيه في غاية المكنة ﴿أقسمتم﴾ أي جهلاً وسفهاً أو أشراً وبطراً. ولما لم يكن وقت إقسامهم مستغرقاً للزمان قال: ﴿من قبل﴾

стр. 4993

وبين الجواب المقسم عليه بقوله - حاكياً معنى قولهم لا لفظه - ليكون صريحاً في المراد من غير احتمال لتعنت لو قيل: ما لنا؟ : ﴿ما لكم﴾ وأكد النفي فقال: ﴿من زوال﴾ عما أنتم عليه من الكفران وعدم الإذعان للإيمان، أو من هذه الدار إلى الدار الآخرة، أو من منازلكم التي أنتم بها، كناية عن ثبات الأمر وعدم المبالاة بالمخالف كائناً من كان ﴿و﴾ الحال أنكم ﴿سكنتم﴾ أي في الدنيا ﴿في مساكن الذين ظلموا﴾ أي بوضع الأشياء في غير مواضعها كما فعلتم أنتم ﴿أنفسهم﴾ فأحلوا قومهم مثلكم دار البور ﴿وتبين﴾ أي غاية البيان ﴿لكم﴾ بالخبر والمشاهدة. ولما كان حال أحدهم في غاية العجب، بنه بالاستفهام على أنه أهل لأن يسأل عنه فقال: ﴿كيف فعلنا﴾ أي على عظمتنا ﴿بهم﴾ حين انتقمنا منهم فلم تعتبروا بأحوالهم ﴿وضربنا﴾ أي على ما لنا من العظمة ﴿لكم الأمثال *﴾ المبينة أن سنة الله جرت - ولن تجد لسنة الله تبديلاً - أن الظالمين كما جمعهم اسم الظلم يجمعهم ميسم الهلاك، فجمعنا لكم بين طريقي الاعتبار: السمع والبصر، ثم لم تنتفعوا بشيء منهما ﴿و﴾ الحال أنه بان لكم أنهم حين

стр. 4994

فعلنا بهم ما فعلنا ﴿قد مكروا مكرهم﴾ أي الشديد العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم بحيث لم يبق لهم مكر غيره في تأييد الكفر وإبطال الحق؛ والمكر: الفتل إلى الضرر على وجه الحيلة ﴿و﴾ الحال أنه ﴿عند الله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿مكرهم﴾ هو وحده به عالم من جميع وجوهه وإن دق، وعلى إبطاله قادر وإن جل ﴿وإن كان مكرهم﴾ من القوة والضخامة ﴿لتزول﴾ أي لأجل أن تزول ﴿منه الجبال *﴾ والتقدير على قراءة فتح اللام الأولى ورفع الثانية: وإن كان بحيث إنه تزول منه الجبال، والمعنيان متقاربان، وقيل: «إن» نافية، واللام لتأكيد النفي؛ والجبال: الآيات والشرائع، بل هي أثبت.

стр. 4995

ولما تقرر ذلك من علمه سبحانه وقدرته، تسبب عنه أن يقال وهو كما تقدم في أن المراد الأمة لبلوغ الأمر كل مبلغ، خوطب به الرأس ليكون أوقع في قلوبهم: ﴿فلا تحسبن الله﴾

стр. 4996

أي الذي له الكمال كله، فإن من ظن ذلك كان ناقص العقل ﴿مخلف وعده رسله﴾ في أنه يعز أوليائه ويذل أعداءه ويهلكهم بظلمهم، ويسكن أولياءه الأرض من بعدهم؛ ثم علل ذلك بقوله - مؤكداً لأن كثرة المخالفين وقوتهم على تمادي الأيام تعرّض السامع للإنكار: ﴿إن الله﴾ أي ذا الجلال والإكرام ﴿عزيز﴾ أي يقدر ولا يقدر عليه ﴿ذو انتقام *﴾ ممن يخالف أمره. ولما تقررت عظمة ذلك اليوم الذي تشخص فيه الأبصار، وكان أعظم يوم يظهر فيه الانتقام، بينه بقوله: ﴿يوم تبدل﴾ أي تبديلاً غريباً عظيماً ﴿الأرض﴾ أي هذا الجنس ﴿غير الأرض﴾ أي التي تعرفونها ﴿والسماوات﴾ بعد انتشار كواكبها وانفطارها وغير ذلك من شؤونها؛ والتبديل: تغيير الشيء أو صفته إلى بدل ﴿وبرزوا﴾ أي الظالمون الذين كانوا يقولون: إنهم لا يعرضون على الله للحساب؛ والبروز: ظهور الشخص مما كان ملتبساً به ﴿لله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿الواحد﴾ الذي لا شريك له ﴿القهار *﴾ الذي لا يدافعه شيء عن مراده، فصاروا بذلك البروز بحيث لا يشكون أنه لا يخفى منهم خافية، وأما المؤمنون فلم يزالوا يعلمون ذلك:

стр. 4997

روى مسلم والترمذي عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن قوله تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض﴾ الآية قلت: يا رسول الله فأين يكون للناس يومئذ؟ قال: على الصراط. ولما ذكر بروزهم له ذكر حالهم في ذلك البروز فقال: ﴿وترى المجرمين﴾ أي وتراهم، ولكنه أظهر لتعدد صفاتهم التي أوجبت لهم الخزي؛ والإجرام: قطع ما يجوز من العمل بفعل ما لا يجوز ﴿يومئذ﴾ أي إذ كانت هذه الأمور العظام ﴿مقرنين﴾ أي مجموعاً كل منهم إلى نظيره، أو مجموعة أيديهم إلى أعناقهم جمعاً فيه شدة وضيق ﴿في الأصفاد *﴾ أي القيود، والمراد هنا الأغلال، أي السلاسل التي تجمع الأيدي فيها إلى الأعناق ويقرنون فيها مع أشكالهم؛ ثم بين لباسهم بقوله: ﴿سرابيلهم﴾ أي قمصهم السابغة ﴿من قطران﴾ وهو ما يهنأ به الإبل، ومن شأنه أنه سرع فيه

стр. 4998

اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن الريح. ولما كان هذا اللباس مع نتنه وفظاعته شديد الانفعال بالنار، بين أنه يسلطها عليهم فقال: ﴿وتغشى﴾ ولما كان الوجه أشرف ما في الحيوان، فإهانته إهانة عظيمة لصاحبه، ذكره وقدمه تعجيلاً لإفهام الإهانة فقال: ﴿وجوههم النار﴾ أي تعلوها باشتعالها، فعلم أنه يلزم من غشيانها لها اضطرامها فيما ضمخ بالقطران من باب الأولى؛ ثم بين علة هذه الأفعال في ذلك اليوم، فقال معبراً بالجزاء والكسب الذي هو محط التكليف وظن النفع، لاقتضاء سياق القهر لهما: ب ﴿ليجزي الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿كل نفس﴾ طائعة أو عاصية. ولما عظم الأمر بإسناد الجزاء إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال، اقتضى ذلك أن يكون نفس الكسب هو الجزاء، لأن ذلك أبدع وأدق في الصنع وأبرع بأن يصور بما يحق من الصور المليحة عند إرادة الثواب، والقبيحة عند إرادة العقاب، فلذلك أسقط الباء - التي

стр. 4999

ستذكر في «حم المؤمن» وقال: ﴿ما كسبت﴾ والجزاء: مقابلة العمل بما يقتضيه من خير أو شر؛ والكسب: فعل ما يستجلب به نفع أو يستدفع به ضر، ومن جزاء المؤمن عقوبة من عاداه في الله. ولما كان حساب كل نفس جديراً بأن يستعظم، قال: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الإحاطة المطلقة ﴿سريع الحساب *﴾ أي لا يشغله حساب نفس عن حساب أخرى ولا شأن عن شأن. ولما اشتملت هذه السورة على ما قرع سمعك من هذه المواعظ والأمثال والحكم التي أبكمت البلغاء، وأخرست الفصحاء، وبهرت العقول، ترجمها سبحانه بما يصلح عنواناً لجميع القرآن فقال: ﴿هذا﴾ أي الكتاب الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴿بلاغ﴾ أي كافٍ غاية الكفاية في الإيصال ﴿للناس﴾ ليصلوا به إلى الله بما يتحلون به من المزايا في سلوك صراطه القويم، فإن مادة «بلغ» بأي ترتيب كان - تدور على الوصول، وتارة تلزمها القوة وتارة الإعياء الناشىء عن الضعف:

стр. 5000

بلغ المكان بلوغاً: وصل إليه؛ وبُلغ الرجل - كعني: جهد، والبليغ: الفصيح يبلغ بعبارته كنه ضميره، والبلاغ - كسحاب: الكفاية، لأنها توصل إلى القصد، وبالغ مبالغة - إذا اجتهد ولم يقصر، وتبلغت به العلة: اشتدت. والغلباء: الحديقة المتكاثفة، ومن القبائل: العزيزة الممتنعة، والأغلب: الأسد. ولغب: أعيا - لاجتهاده في البلوغ، واللغب: ما بين الثنايا من اللحم، واللغب - ككتف: الكلام الفاسد - يرجع إلى الإعياء، وكذا الضعيف الأحمق، والسهم الذي لم يحسن بريه كاللغاب - بالضم، والتغلب: طول الطرد. والبغل من أشد الحيوان وأبلغها للقصد، وبغل تبغيلاً: بلّد وأعيا، والإبل: مشت بين الهملجة والعنق. ولما كان متعلق البلاغ الذي قدرته بالوصول يتضمن البشارة، عطف عليه النذارة بانياً للمفعول، لأن النافع مطلق النذارة، وكل أحد متأهل

стр. 5001

لأن يكون واعظاً به مقبولاً، لأن من سمعه فكأنما سمعه من الله لتميزه بإعجازه عن كل كلام، فقال: ﴿ولينذروا﴾ أي من أي منذر كان فيقوم عليهم الحجة ﴿به﴾ فيحذروا عقاب الله فيتخلوا عن الدنايا. ولما أشار إلى جميع الفروع فعلاً وتركاً، مع إشارته إلى أصل التوحيد لأنه أول الوصول، صرح به على حدته لجلالته في قوله: ﴿وليعلموا أنما هو﴾ أي الإله ﴿إله واحد﴾ فيكون همهم واحداً. ولما تمت الإشارة إلى الدين أصلاً وفرعاً، نبه على المواعظ والأمثال بتذكر ما له من الآيات والمصنوعات، والبطش بمن خالفه من الأمم، وأشار إلى أن أدلة الوحدانية والحشر لا تحتاج إلى كبير تذكر، لأنها في غاية الوضوح ولا سيما بعد تنبيه الرسل، فأدغم تاء التفعل، فقال: ﴿وليذكر﴾ أي منهم ﴿أولوا الألباب *﴾ أي الصافية، والعقول الوافية، فيفتحوا عيون بصائرهم فيعلموا أنه لا وصول لهم مع الغفلة فيلزموا المراقبة فلا يزالوا في رياض المقاربة. ويعلموا - بما ركز في طبائعهم وجرى من عوائدهم - أن أقل حكامهم لا يرضى بأن يدع رعيته يتهارجون

стр. 5002

لا ينصف بينهم ولا يجزى أحداً منهم بما كسب، فيكون ذلك منه انسلاخاً من رتبة الحكم التي هي خاصته، فكيف يدعون ذلك في أحكم الحاكمين، فقد تكفلت هذه الآية على وجازتها بجميع علم الشريعة أصولاً وفروعاً، وعلم الحقيقة نهايات وشروعاً، على سبيل الإجمال وقد انطبق آخر السورة على أولها، لأن هذا عين الخروج من الظلمات إلى النور بهذا الكتاب الحامل على كل صواب - والله الموفق للصواب وحسن المآب.

стр. 5003

سورة الحجر مقصودها وصف الكتاب بأنه في الذروة من الجمع للمعاني الواضحة للحق من غير اختلاف أصلا، وأشكل ما فيها وأمثلة في هذا المعنى قصة أصحاب الحجر، فإن وضوح آيتهم عندهم وعند كل من شاهدها أو سمع بها كوضوح ما دل عليه مقصود هذه السورة في أمر الكتاب عند جميع العرب لا سيما قريش، وأيضا آيتهم في غاية الإيضاح للحق والجمع لمعانيه الدائرة على التوحيد المقتضي للاجتماع على الداعي، ومن يتضح ويتأيد ما اخترته من الإعراب لقوله تعالى (كما أنزلنا

стр. 5004

على المقتسمين) ، ومن هنا تعليقي له ب (كانوا عنا معرضين) المقتضي لشدة الملابسة بين شأنهم في كفرهم وشأن قريش في مثل ذلك - كما ستراه، على أن لفظ الحجر يدل على مادل عليه مقصود السورة من الجمع والاستدارة التي روحها الإحاطة المميزة للمحاط به من غيره بلا لبس أصلا - والله أعلم.

стр. 5005

﴿بسم الله﴾ الواحد الأحد الجامع لما شتت من بدد ﴿الرحمن﴾ الذي جمع خلقه في رحمة البيان ﴿الرحيم *﴾ الذي خص الأبرار بما أباحهم الرضوان. لما ختم التي قبلها بعنوان الكتاب، ابتدأ هذه بشرح ذلك العنوان، وأوله وصفه بأنه جامع والخير كله في الجمع والشر كله في الفرقة، فقال تعالى: ﴿الر تلك﴾ أي هذه الآيات العالية المقام، النفسية المرام ﴿آيات الكتاب﴾ أي الكامل غاية الكمال الذي لا كتاب على الحقيقة غيره، الجامع لجمع ما يقوم به الوجود من الخيرات، القاطع في قضائه من غير شك ولا تردد، الغالب بأحكامه القاهرة في وعده ووعيده وأحكامه في إعجازه لجميع من يعانده.

стр. 5006

ولما كان الغالب في هذه السورة القطع الذي هو من لوازم الكتاب قدمه، وذلك أنه قطع بأمر الأجل والملائكة، وحفظ الكتاب والرمي بالشهب، وكفاية المستهزئين، فكان كما قال سبحانه ﴿و﴾ آيات ﴿قرآن﴾ أي قرآن جامع ناشر مفصل واصل، إذ التنوين للتعظيم ﴿مبين *﴾ لجميع ما يجمع الهمم على الله فيوصل إلى السعادة، وهذه الإبانة - التي لم تدع لبساً - هو متصف بها، مع كونه جامعاً للأصول ناشراً للفروع لا خلل فيه يدخل منه عليه، ولا فصم يؤتى منه إليه، فأعجب لأمر حاوٍ لجميع وفرق وفصل ووصل: والإبانة: إظهار المعنى للنفس بما يميزه عن غيره، لأن أصل الإبانة الفصل: فهذا شرح كونه بلاغاً، فمقصود هذه السورة اعتقاد كون القرآن بلاغاً جامعاً للأمور الموصلة إلى الله، مغنياً عن جميع الأسباب، فلا ينبغي الالتفات إلى شيء سواه ﴿ذرهم يأكلوا﴾ ، ﴿لا تمدن عينيك﴾ ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ وكان الجمع بين الوصفين الدال كل منهما على الجمع إشارة إلى الرد عليهم في جعلهم القرآن عضين، وأن قولهم شديد المباعدة لمعناه. مع أن المفهومين - مع تصادقهما على شيء واحد - متغايران، فالكتاب: ما يدون في الطروس، والقرآن:

стр. 5007

ما يقرأ باللسان، فكأن الأول إشارة إلى حفظه في الطروس بالكتابة، والثاني إلى حفظه في الصدور بالدراسة، وسيأتي قوله ﴿وإنا له لحافظون﴾ مؤيداً لذلك، وكل من مادتي كتب وقرأ بجميع التقاليب تدور على الجمع. أما «كتب» - وتنقلب إلى كبت وتبك وبكت وبتك - فقال في المجمل: كتبت الكتاب أكتبه وهو من الجمع، والكتاب أيضاً: الدواة - تسمية للشيء باسم ما هو آلته، والمكتب - كمعظم: العنقود أكل بعض ما فيه - تشبيهاً له بالمكتوب، والكتيبة: الجيش والجماعة المستحيزة من الخيل إذا أغارت من المائة إلى الألف - انتهى. وكتبت البغلة - إذا جمعت بين شفري رحمها بحلقة؛ وقال القزاز: وأصله - أي الكتاب - ضمك الشيء إلى الشيء، فكأنه سمي بذلك لضم الحروف بعضها إلى بعض، كتبت المزادة - إذا خرزتها،

стр. 5008

يعني: فضممت بعضها إلى بعض. والكتبة - بالضم: السير يخرز به، وما يكتب به حياء الناقة لئلا ينزي عليها، والإكتاب: شد رأس القربة، والكتيبة: جماعة تكتبوا، أي تجمعوا، وتكتب الرجل - بتقديم الموحدة - إذا تقبض، ومنه الكتاب - بضم الكاف وتخفيف التاء الفوقانية لسهم صغير يتعلم به الصبيان الرمي - كذا قال القزاز إنه مخفف، وفي القاموس: وزنه كرمان - وزاد أنه مدور الرأس، وكتبت الناقة تكتيباً: صررتها، واكتتب بطنه: أمسك، والمكتوتب: الممتلىء والمنتفخ؛ ويلزم الجمع القطع والغلبة التي هي من لوازم القدرة، فمن القطع: الكتاب بمعنى الفرض والحكم والقدر؛ والبتك: القطع ولذلك قيل للسيف: باتك، أي قاطع، ومن الغلبة والقدرة: الكتاب بمعنى القدر، قال ابن الأعرابي: والكاتب عندهم العالم، وقال القزاز: والكاتب: الحافظ، وهذان يرجعان أيضاً إلى نفس الجمع - لجمع الحافظ المحفوظ والعالم المعلوم؛ وكبت الله العدو - بتقديم الموحدة: صرفه ذليلاً، وهو من تكبت الرجل - إذا تقبض، وعبارة

стр. 5009

القزاز: كبت أعداءه: ردهم بغيظهم، أي فانقمعوا وانجمعوا عما كانوا انتشروا له، وكبت الرجل - إذا صرعه على وجهه، وبكته تبكيتاً - إذا أنبّه أو ضربه بعصى أو سيف ونحوهما، لما يلزمه من تصاغر نفسه وتقبضها. وأما قرأ، مهموزاً - وينقلب إلى رقأ، وأرق، وأقر، وغير مهموز يائياً وتراكيبه خمسة: قري، وقير، ورقي، وريق، وواوياً وتراكيبه ستة: قرو، وقور، ورقو، وروق، ووقر، وورق - فهو للجمع أيضاً، ويلزمه الإمساك، وربما كان عنه الانتشار، فمن الجمع: قرأت القرآن، أي تلوته فجعلت بعض حروفه وكلماته وآياته تالياً لبعض متصلاً به مجموعاً معه، ويلزم القراءة النسك، ومنه القارىء والمتقرىء والقراء - كرمان. أي الناسك، ويلزم عنه الفقه، ولذا قيل: تقرأ - إذا تفقه، وهو من الجمع نفسه أيضاً لأن الناسك جمع النسك إلى القراءة وانجمع همه، والفقيه جمع الفقه إليها؛ قال في المجمل: والقرآن من القرء وهو الجمع، أي وزناً ومعنى، وفي القاموس: وقرأ ﵇: أبلغه كأقرأه، ولا يقال: أقرأه، إلا إذا

стр. 5010

كان السلام مكتوباً؛ وقال الزبيدي في مختصر العين: وقرأت المرأة قرءاً، إذا رأت دماً، وأقرأت - إذا حاضت فهي مقرىء - انتهى. فكأنه عبر بذلك عند رؤية الدم لأنه لا يعرف أن المرأة جمعته إلا برؤيته، وهو من الانتشار الذي قد يلزم الجمع، أو يكون فعل هنا للإزالة، فمعناه: أزالت إمساك الدم كما أن هذا معنى أقرأت فإن فعل - لخفته وكثرة دوره - يتصرف في معاني جميع الأبواب، وقال في المجمل: وأقرأت المرأة: خرجت من طهر إلى حيض أو حيض إلى طهر، قلت: فالأول يكون فيه أفعل للإزالة، والثاني للدخول في الشيء كما تقول: اتهم الرجل وأنجد - إذا دخل في تهامة أو نجد، قال: والقرء: وقت يكون للطهر مرة وللحيض مرة، قلت: فالأول للجمع نفسه، والثاني لأنه دليل الجمع، قال: والجمع قروء، ويقال: ﴿القروء﴾ هو الطهر، وذلك أن المرأة الطاهرة كان الدم اجتمع وامتسك في بدنها فهو من: قريت الماء، وقرى الآكل الطعام في شدقه، وقد يختلف اللفظان فيهمز أحدهما ولا يهمز الآخر،
следующие страницы →