← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

فليست إلا بتحريك الفاعل الواحد المختار ﴿فأنزلنا﴾ أي بعظمتنا بسبب تلك السحائب التي حملتها الرياح ﴿من السماء﴾ أي الحقيقية أو جهتها أو السحاب، لأن الأسباب المتراقية بسند الشيء تارة إلى القريب منها وتارة إلى البعيد وأخرى إلى الأبعد ﴿ماء﴾ وهو جسم مائع سيال، به حياة كل حيوان من شأنه الاغتذاء ﴿فأسقيناكموه﴾ جعلناه لكم سقياً، يقال: سقيته ماء أي ليشربه، وأسقيته أي مكنته منه ليسقي به ماشيته ومن يريد. ونفى سبحانه عن غيره ما أثبته أولاً لنفسه فقال ﴿وما أنتم له﴾ أي ذلك الماء ﴿بخازنين *﴾ والخزن: وضع الشيء في مكان مهيأ للحفظ، فثبت أن القادر عليه واحد مختار. ومادة «لقح» بتقاليبها الست تدور على اللحاق، وتلزمه القوة والعلو حساً أو معنى، فاللقاح اسم ماء الفحل - لأنه يلحق الأنثى فتحمله، وقد ألقح الفحل الناقة، ولقحت لقاحاً: حملت، والملقوح: ما لقحته من الفحل، أي أخذته، وهي الملاقيح - يعني الأجنة،

стр. 5042

واللقحة: الناقة الحلوب - لأنها أهل لأن يلحقها جائع، وألقح القوم النخل ولقحوها - إذا ألحقوها بالفحالة فعلقوها عليها. والقاحل: اليابس من الجلود، لأن أجزاءه تلاحق بعضها ببعض فضمرت، ومنه شيخ قاحل. واللحق: كل شيء لحق شيئاً أي أدركه، والملحق: الدعي - لأنه متهيىء لأنه يستلحقه كل من يريده، والملحاق: الناقة التي لا يفوتها الإبل: قال الزبيدي في مختصر العين: وفي القنوت: إن عذابك بالكغار ملحق - بالكسر، أي لاحق - لغة. والحقل: القراح الطيب - لتهيئها لمن يلحق بها، وقيل: هو الزرع إذا تشعب ورقة، وهو من ذلك أيضاً ومن لحوقه بالحصاد فيصير كالمحلوق، والحقيل: نبت، والحقيلة: الماء الرطب، أي الأخضر من البقل والشجر في الأمعاء منه، والحقيلة: حشافة التمر - للحاق كل من أرداه به، والحوقلة: الغرمول اللين - كأنه مشبه بالنبت الأخضر، أو لإمكان تثنيه كل وقت ولحوق بعض أجزائه ببعض، والحوقل:

стр. 5043

الشيخ الضعيف النكاح - كأنه منه، والحوقلة: سرعة المشي، وحقل الفرس - إذا وجع من أكل التراب - كأنه مأخوذ من الحقل، وحوقل الشيخ: اعتمد بيديه على خصره إذا تمشى - كأنه للحاق يديه خصره. والحلق مساغ الطعام والشراب، وحلوق الأرض: أوديتها ومجاريها - للحاق المياه بها، ولشبيهها بالحلوق، والحلق: حلق الشعر بالموسى، من اللحاق والقوة، والمحالق: الأكسية الخشنة التي تحلق الشعر من خشونتها، والحالق: المشؤوم الذي يحلق قومه؛ والحلق: ضرب من النبات، لورقه حموضة - كأنه لسرعة لحاق الماشية به لأنه كالفاكهة لها، والحلقة: الخاتم بلا فص - لتلاحق أجزائها بعضها ببعض، ومنه حلقة القوم، والحلقة: السلاح كله، إما من هذا لأن منها الدروع ذات الحلق، تسمية للشيء باسم جزئه، وإما من القوة والعلو المعنوي لما يلزم عنها، والحلق: المال الكثير، إما من ذلك وإما من لحاق صاحبه بمراده، والحالق: الجبل المنيف - لظهوره وعلوه ولحاقه بالجو، والحوقلة: القارورة الطويلة العنق، وحلق الطائر: ارتفع في الهواء، من هذا؛ واللقحة: الغراب؛ والحالق من الكرم والشرى: ما تعلق منه بالقضبان، فهو ظاهر في اللحاق، وحلق الضرع - إذا ارتفع إلى البطن وانضم، فهو من العلو

стр. 5044

واللحاق، وقيل: إذا كثر لبنه فهو إذاً من اللحاق، وتحلق القمر: صارت حوله دارة، وحلق قضيب الفرس حلقاً - إذا تقشر، كأنه شبه بما حلق شعره، وحي لقاح: لم يملكوا قط كأنه من القوة والعلو المعنوي؛ والقلح: صفرة تعلو الأسنان، فهو من اللحاق مع العلو، ويسمى الجعل أقلح من هذا.

стр. 5045

فلما تقرر تفصيل الخبر عما هو سبب للاحياء في الجملة، فتهيأت النفس للانتقال منه إلى الإحياء الحقيقي قياساً، قال تعالى: ﴿وإنا لنحن نحيي﴾ أي لنا هذه الصفة على وجه العظمة، فنحيي بها ما نشاء من الحيوان بروح البدن، ومن الروح بالمعارف، ومن النبات بالنمو، وإن كان أحدها حقيقة، والآخران مجاز إلا أن الجمع بينهما جائز ﴿ونميت﴾ أي لنا هذه الصفة، فنبرز بها من عظمتنا ما نشاء ﴿ونحن الوارثون *﴾ أي الإرث التام إذا مات الخلائق، الباقون بعد كل شيء كما كنا ولا شيء، ليس لأحد فينا تصرف بإماتة ولا إحياء، فثبت بذلك الوحدانية والفعل بالاختيار، فلما ثبت بهذا كمال قدرته، وكانت آثار القدرة لا تكون محكمة إلا بالعلم، قال تعالى: ﴿ولقد علمنا﴾ أي بما لنا من الإحاطة المعجزة ﴿المستقدمين منكم﴾ وهم من قضينا بموته أولاً، فيكون في موته كأنه يسارع إلى التقدم

стр. 5046

وإن كان هو وكل من أهله مجتهداً بالعلاج في تأخيره ﴿ولقد علمنا﴾ بعظمتنا ﴿المستأخرين *﴾ أي الذين نمد في أعمارهم فنؤخر موتهم حتى يكونوا كأنهم يسابقون إلى ذلك وإن عالجوا الموت بشرب سم وغيره، أو عالجه لهم غيرهم بضربهم بالسيف أو غيره، فعرف بذلك قطعاً أن الفاعل واحد مختار، وكذا كل متقدم ومتأخر في وصف من الأوصاف غير الموت، والمعنى على الأول: فنحن لا نميت أحداً قبل أجله فلا تستعجلونا بالوعيد وتهيؤوا لدفاعه إن كنتم رجالاً، فإنه لا بد أن يأتي لأنه لا يبدل القول لديّ. ولما تم الدليل على تمام القدرة وشمول العلم، ثبت قطعاً إحياء الموتى لانتفاء المانع من جهة القدرة، واقتضاء الحكمة له من جهة العلم للعدل بين العباد بالمقابلة على الصلاح والفساد، فقال تعالى مؤكداً لإنكارهم: ﴿وإن ربك﴾ أي المحسن إليك بالانتقام لك ممن يعاديك، وإقرار عينك من مخالفيك ﴿هو﴾ أي وحده ﴿يحشرهم﴾ أي يجمعهم إلى أرض القيامة بعد إعادتهم؛ قال الرماني: وأصله جمع الحيوان إلى

стр. 5047

مكان؛ ثم علل ذلك فقال مؤكداً لأجل اعتقادهم ما يستلزم الإنكار: ﴿إنه حكيم﴾ أي يفعل الأشياء في أتم مواضعها بحيث لا يقدر أحد على نقضها ﴿عليم *﴾ بالغ العلم فلا يخفى عليه شيء، وهو يريد أن ترى حكمته بكشف الغطاء عند تمييز أهل السعادة والشقاء؛ والحكمة: العلم الذي يصرف عما لا ينبغي، وأصلها المنع. ولما جرت سنته الإلهية أنه يذكر ابتداء الخلق دليلاً على الإعادة سابقاً ولاحقاً، وابتدأ هنا بذكر الحشر لما قام عليه من الدليل بإحياء الأرض، توقع السامع تفصيل ابتداء الخلق الذي هو أدل دليل على البعث بعد إجماله في قوله ﴿وإنا لنحن نحيي﴾ فقال مفتتحاً بحرف التوقع: ﴿ولقد خلقنا﴾ أي بالعظمة الباهرة ﴿الإنسان﴾ أي الآنس بنفسه، الناسي لغيره ﴿من صلصال﴾ أي طين يابس، له عند النقر صلصلة أي صوت شديد متردد في الهواء، فإن كان فيه مد من غير ترجيع فهو صلل، فالمراد شديد يبسه ولكنه غير مطبوخ، وأما

стр. 5048

المطبوخ فهو فخار: ثم بين أصل الصلصال فقال: ﴿من حمإٍ﴾ أي طين أسود منتن ﴿مسنون *﴾ أي مصبوب مهيأ لعمل ما يراد منه بالدلك والتحسين من الذهاب والاضطراب والجعل على طبع وطريقة مستوية، وكل ذلك على غاية السهولة والطواعية والهوان، فذكر أصل الإنسان وما وقع له من إبليس - الذي هو أصل الجن كما أن آدم ﵇ أبو البشر - من الكيد حتى أخرجه من دار الصفاء إلى دار الكدر، ليحذره العقلاء من بني آدم، وفي التنبيه بابتداء الخلق على وصول البشر إلى أصل كان بمحض القدرة مخالف لهم في التكوين بين أبوين، وانتهاء الجن إلى أصل ليس خلقه كخلقهم تنبيه عظيم على انتهاء الموجودات إلى موجود لا يجانسهم، بل هو خالق غير مخلوق، فاعل بالاختيار، واحد لا شريك له، ولا اعتراض عليه، قادر على ما يريد سبحانه، وفي خلقه من الماء - الذي هو كالأب - والطين - الذي هو كالأم - بمساعدة النار والهواء من الحكمة أن يكون ملائماً لما في هذا العالم، فيكون بقاءه بذلك الذي خلق منه في مأكله ومشربه وملبسه وسائر أموره، وذلك أدل على حكمة الخالق وعلمه ووحدانيته.

стр. 5049

ومادة «صل» تدور على الصلصال الذي هو الطين مطلقاً، أو الطين الحر يخلط بالرمل، أو الطين ما لم يجعل خزفاً، ويتفرع جميع معاني المادة منه، لأن من لوازمه في أوله الماء واللين بنداوته وسهولة خلطه لغيره، فيأتي الخفاء لأنه يغرز فيه بغير صوت، ومنها قبول التصفية من الغش، ومنها في آخره الصلابة لشدة اليبس، فيلزم تضامّ الأجزاء وتضايقها على انتظام أو غير انتظام، والصوت، وشدة الانفصال بالتشقق، ومن لوازمه التغير بالنتن، فيأتي الخبث والفساد، ومن لوازمه شدة الاختلاط بحيث إذا نشب فيه شيء عسر خلاصه، ومن لوازمه تميزه عما عداه، ومحل يصنع فيه. فمن الصوت واليبس: صليل الحديد والإبل ونحو ذلك، يقال: صل الحديد واللجام: امتد صوته، فإن توهم ترجيع الصوت قيل: صلصل، وصل البيض: سمع له طنين عند القراع، والمسمار صليلاً: ضرب فأكره أن يدخل في الشيء، والإبل صليلاً: يبست أمعاؤها من العطش فسمع لها صوت عند الشرب.

стр. 5050

ومن الصوت: صلصل: أوعد وتهدد، وقتل سيد العسكر - لظهور الصيت بذلك، وصلصل الرعد: صفا صوته، والكلمة: أخرجها متحذلقاً، وطائر أو الفاختة، والراعي الحاذق، والمصلل - كمحدث: السيد الكريم الحسيب، والخالص النسب، والأسكف وهو الإسكاف عند العامة، وتصلصل الغدير: جفت حمأته، فتهيأ لأن يصوت يبسه، والحلي: صوت، وحمار صُلصُل وصُلاصل - بضمهما، وصلصال ومُصلصِل: مصوت. ومن النتن: صلول اللحم والماء، يقال: صل اللحم صلولاً: أنتن، والماء: أجن، والصليان - بكسرتين مشددة اللام: ما تغير من اللحم، والصلة - بالضم: الريح المنتنة.

стр. 5051

ومن اليبس: الصلة، وهي الجلد اليابس قبل الدباغ، والنعل، والأرض، أو اليابسة - وصل السقاء صليلاً: يبس. أو أرض لم تمطر بين ممطورتين، والصل - بالكسر: القرن، وشجر، والسيف القاطع. ومن النداوة: الصلة، وهي التراب الندي؛ ومن الماء أعم من أن يكون كثيراً أو قليلاً: الصلة للمطرة الواسعة والمتفرقة القليلة، والصلة - بالضم: بقية الماء وغيره، وكذا الصلصلة والصلصل - بضمهما: بقية الماء في الغدير، وكذا من الدهن والزيت، وأما التفرق فمن التشقق، والصلة: القطعة من العشب، سميت باسم المطر تسمية للمسبب باسم السبب. ومن اللين: الصلالة - بالكسر - لبطانة الخف أو ساقها، والصلصل - كهدهد: ناصية الفرس ويفتح، أو بياض في شعر معرفته، وما ابيض من شعر ظهره، وهذا من التمييز أيضاً؛ ومن المحل: القدح أو الصغير منه، والمصلة - بالكسر: الإناء يصفى فيه الشراب؛ ومن الخبث: الصل - بالكسر للحية مطلقاً، أو الدقيقة الصفراء، والداهية،

стр. 5052

والتسيف القاطع - شبه بذلك لإهلاكه، وإنه لصل أصلال: داهٍ منكر في الخصومة وغيرها، وصلتهم الصالة: أصابتهم الداهية، وهذا أيضاً من شدة الانتشاب، ومن التشقق: الصال وهو الماء يقع على الأرض فتشقق. ومن التصفية: صللنا الحب المختلط بالتراب: صببنا فيه ماء فعزلنا كلاًّ على حياله، وصل الشراب صلاً صفاه، والمصلة - بالكسر: الإناء يصفي فيه. ومن تضام الأجزاء وتضايقها، وقد يكون مع الانتظام ومنه: تلصيص البنيان، أي ترصيصه، وقد لا يشترط فيه الانتظام ومنه: التص بمعنى التزق، واللص وهو تقارب المنكبين، وتقارب الأضراس، وتضام مرفقي الفرس إلى زوره، واللصاء من الجباه: الضيقة، والمرأة الملتزقة الفخدين لا فرجة بينهما، والزنجي: ألص الأليتين،

стр. 5053

وإغلاق الباب؛ ومن إطلاقه على ما ليس منتظماً وإن لم يكن تقارب: اللصاء من الغنم، وهي ما أقبل أحد قرينها وأدبر الآخر، ومن الخفاء الذي هو من لوازم الطين وهو ندي: اللص - بالفتح، وهو فعل الشيء في ستر، والسارق، ويثلث. ومادة «سن» تدور على الدلك، ويلزمه التحسين، فمن الدلك: السن - بالكسر، وهو الضرس والخبة من الثوم - تشبه به، والثور الوحشي، وسنان الرمح، ومكان البري من القلم، والأكل الشديد، والقرن، وشعبة المنجل، ومقدار العمر - لأنه لما مر على صاحبه كان كأنه دلكه، والمسانّ من الإبل: الكبار، وسن السكين وغيره فهو مسنون، والمسن - بالكسر: آلة السن، وسنن رمحه إليه: سدده، وسن الأضراس: سوكها، والإبل: ساقها سريعاً - لتدالكها عند الازدحام، وسن الأمر: بينه - فكأنه هيأه لأن يركب فيدلك بالأفكار أو غيرها، وسن الطين: عمله فخاراً، وفلاناً: طعنه بالسنان أو عضه بالأسنان، والفحل الناقة: كبها على وجهها، وعليه

стр. 5054

الدرع أو الماء: صبه، والطريقة: سارها، واستن: استاك. والفرسُ: قمص، والسراب: اضطرب، والسنة - بالكسر: الفأس لها خلفان، والسنة - بالضم: السيرة أو الطبيعة - كأنها عولجت حتى انقادت، والسنة من الله: حكمه وأمره ونهيه، وسنن الطريق - مثلثة وبضمتين: نهجه وجهته، وجاءت الريح سناسن: على طريقة واحدة، والحمأ المسنون: المنتن - لأنه تهيأ لأن يدلك بالآية جبلاً حتى يصلح لما يستعمل فيه، والفحل يسانّ الناقة: يكدمها ويطردها حتى ينوخها ليسفدها، والسنين - كأمير: ما يسقط من الحجر إذا حككته، والأرض التي أكل نباتها كالمسنونة، والسنسن - بالكسر: العطش - كأنه سن الأمعاء حتى أحرقها، ورأس المحالة، أي البكرة العظيمة، وحرف فقار الظهر كالسن والسنسنة، ورأس عظام الصدر، أو طرف الضلع التي في الصدر، والمستسن: الطريق المسلوك، والمستن: الأسد، والسنن - محركة:

стр. 5055

الإبل تستن في عدوها، والسنينة - كسفينة: الرمل المرتفع المستطيل على وجه الأرض، وهو من المسنون بمعنى المصبوب: وسنني هذا الشيء: شهى إليّ الطعام - كأنه سن المعدة حتى قطعت بعد كلالها، وتسانت الفحول: تكادمت، والنّس: سرعة الذهاب، ويلزمه تدالك الأعضاء، ونسيس الإنسان: مجهوده - لأن ذلك لا يكون إلا بعد أشد الاضطراب، والنسيسة: الحشاشة، وهي بقية الروح من المريض والجريح - كأنها صدمت حتى ذهب أكثرها، ونس اللحم: ذهب بلله من شدة الطبخ - لأن إحراق النار أعظم دلكٍ، وكذا نس الحطب - إذا أخرجت النار زبده على رأسه - لقيام الإحراق مقام الرضخ فيما يستخرج دهنه، ونس من العطش: جف، من ذلك؛ ومن التحسين: سنن المنطق - إذا حسنه، وسن الأمر: بينه، والطين: عمله فخاراً، والمال: أرسله في الرعي أو أحسن القيام عليه حتى

стр. 5056

كأنه صقله، والشيء: صوره، والسنة - بالضم: الوجه، أو حُرُّه، أو دائرته، أو الصورة أو الجبهة، ورجل مسنون الوجه: مملسه حسنه سَهْلُه، أو في وجهه وأنفه طول، وكل ذلك يرجع إلى الدلك أيضاً - والله أعلم. وقال أبو حيان: قال ابن عباس ﵄: المسنون: الرطب، ومعناه المصبوب، لأنه لا يكون مصبوباً إلا وهو رطب؛ وقال الرازي في اللوامع: وهذا إشارة إلى درجات خلق آدم ﵇ ومراتبه، وأشار الله تعالى إلى ذلك في مواضع مختلفة حسبما اقتضته الحكمة فقال في موضع ﴿خلقه من تراب﴾ [آل عمران: ٥٩] إشارة إلى المبدإ الأول، وفي آخر ﴿من طين﴾ إشارة إلى الجمع بين الماء والتراب، وفي آخر ﴿من حمإٍ مسنون﴾ إشارة إلى الطين المتغير المستقر على حالة من الاعتدال تصلح لقبول الصورة، وفي آخر ﴿من صلصال﴾ إشارة إلى يبسه وسماع صلصلة منه، وفي آخر ﴿من صلصال كالفخار﴾ [الرحمن: ١٤] وهو الذي قد أصلح بأثر من النار فصار كالخذف، وبهذه القوة النارية حصل في الإنسان أثر من الشيطنة - انتهى. وقال الرماني: وقد تضمنت الآيات البيان عمّا يوجبه تقليب الحيوان من حال إلى حال

стр. 5057

من جاعل قادر قلّبه من أصل هو أبعد شيء من حال الحيوان إلى الحيوان، وقال: إن الحكمة في جعله من الحمأة العبرة في أنه قلب من تلك الحال الحقيرة في الصفة إلى هذه الحال الجليلة.

стр. 5058

ولما ذكر سبحانه خلق الإنسان، أتبعه ذكر ما خلقه قبله من الجنان فقال: ﴿والجان﴾ أي الذي هو للجن كآدم ﵇ للناس: وقيل: هو إبليس ﴿خلقناه﴾ وعبر عن تقليل زمان سبق خلقه وتقريبه بإثبات الجار فقال: ﴿من قبل﴾ أي قبل خلق الإنسان ﴿من نار السموم *﴾ أي الحر الشديد، قيل: هي نار لا دخان لها، يكون منها الصواعق، وهي بين السماء وبين الحجاب، فإذا أراد الله تعالى خرقت الحجاب، فهدت إلى ما أمرت به، فالهداة التي يسمعها الناس هي خرق ذلك الحجاب؛ وقال الرازي في اللوامع: نار لطيفة تناهت في الغليان في أفق الهواء، وهي بالإضافة إلى النار التي جعلها الله تعالى متاعاً كالجمد إلى الماء والحجر إلى التراب - انتهى. وقال عبد الله: هذه السموم جزء من سبعين جزءاً من السموم

стр. 5059

التي خلق الله منها الجان، وهي مأخوذة من دخولها بلطفها في مسام البدن، ومنه السم القاتل - انتهى. ولما كانت نعمة الإيجاد كافية في إخلاص العبادة للموجد، ثم لم يعتبرها أهل الضلال، أشار تعالى إلى نعمة هي أكبر منها، وهي التفضيل على جميع المخلوقات على وجه مبين لسبب الضلال، فقال عاطفاً على ما تقديره: اذكر هذا فإنه كافٍ في المراد لكل ذي لب: ﴿وإذ﴾ أي واذكر قول ربك إذ ﴿قال ربك﴾ أي المحسن إليك بتشريف أبيك آدم ﵇ لتشريفك ﴿للملائكة﴾ ولما كان مما يتوقف فيه، أكده فقال: ﴿إني خالق بشراً﴾ أي حيواناً غير مُلبَس البشرة بما جعله عليه من الطبيعة على الصورة الإنسانية ﴿من صلصال﴾ أي طين شديد اليبس ﴿من حمإ﴾ أي طين أسود منتن ﴿مسنون *﴾ أي مصور بصورة الآدمي في تجويفه وأعضائه كأنه مصبوب في قالب؛ قال الرماني: وأصله الاستمرار في جهة من قولهم: على سَنن واحد ﴿فإذا سويته﴾ أي عدلته وأتممته وهيأته لنفخ الروح تهيئة قريبة من الفعل ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ أي خلقت الحياة فيه

стр. 5060

كما تعلق النار بالفتيلة بالنفخ، وهو تمثيل، وأضاف الروح إليه تشريفاً، وهو ما يصير به الجسم حياً، وأشرف منه ما يصير به الروح عالماً، وأشرف منه ما يصير به العالم عاملاً خاشعاً ﴿فقعوا له﴾ أي تعظيماً، حال كونكم ﴿ساجدين *﴾ أي اسجدوا له سجود من كان في مبادرته به وسهولة انقياده كأنه وقع من غير اختياره ﴿فسجد الملائكة﴾ أي بسبب هذا الأمر من غير توقف لما جاء الوقت الذي أمرتهم فيه لذلك البشر، وهو أبوكم آدم ﵇ وأنتم في صلبه ﴿كلهم أجمعون *﴾ .

стр. 5061

ولما أبلغ في تأكيد ما أفهمه الجمع، استثنى فقال: ﴿إلا إبليس﴾ قيل: هو من قوم من الملائكة، وقيل: بل - لكونه كان واحداً بينهم منضافاً إليهم عاملاً بأعمالهم - كان معموراً فيهم، فكان كأنه منهم، فصح استثناءه لذلك، فكأنه قيل: ما فعل. فقيل استعظاماً لمخالفته: ﴿أبى أن يكون﴾ أي لشكاسة في جبلته ﴿من الساجدين *﴾ أو إنه لم يقل: فأبى - بالعطف، لأن الاستثناء منقطع، فإن إبليس من نار والملائكة من نور، وهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون بخلافه، فكأنه قيل: فما فعل به الملك؟ فقيل: لم يعاجله بالعقوبة، بل

стр. 5062

أخره إلى أجله المحكوم به في الأزل كما أنه لم يعاجلكم لذلك، فكأنه قيل: فما قال له؟ فقيل: ﴿قال﴾ له ليقيم الحجة عليه عند الخلائق ظاهراً كما قدمت عليه الحجة في العلم باطناً: ﴿يا إبليس﴾ اختار هذا الاسم هنا لأن الإبلاس معناه اليأس من كل خير، والسكون والانكسار، والحزن والتحير، وانقطاع الحجة والندم ﴿مالك﴾ أي شيء لك من الأعذار في ﴿ألا تكون﴾ أي بقلبك وقالبك ﴿مع الساجدين *﴾ لمن أمرتك بالسجود له وأنت تعلم مما أنا عليه من العظمة والجلال ما لا يعلمه كثير من الخلق ﴿قال لم أكن﴾ وأكد إظهاراً للإصرار والإضرار بالكبر فقال: ﴿لأسجد لبشر﴾ أي ظاهر البدن، لا قدرة له على التشكل والتطور ﴿خلقته من صلصال﴾ أي طين يابس لا منعة فيه، بل إذا نقر أجاب بالتصويت ﴿من حمإ﴾ أي طين متغير أسود كدر ﴿مسنون *﴾ أي مصور بصورة الفخار متهيىء للدلك، لا يرد يد لامس، وأنا خير منه لأنك خلقتني من نار نافعة بالإشراق، ممتنعة ممن يريدها بالإحراق، فخضوعي له منافٍ لحالي وممتنع مني، وإلزامي به جور، فكأنه قيل: فماذا أجيب؟ فقيل: ﴿قال فاخرج﴾ أي تسبب عن كبرك

стр. 5063

أني أقول لك: اخرج ﴿منها﴾ أي من دار القدس، قيل: السماء، وقيل: الجنة ﴿فإنك رجيم *﴾ أي مطرود إذ الرجم لا يكون إلا لمن هو بعيد يراد الزيادة في إبعاده بل إهلاكه، وعلة الإخراج أنها دار لا يقيم بها متكبر عاصٍ بمخالفة أمري، فإن لي الحاكم النافذ والعظمة التامة المقتضية لوجوب الطاعة، لا ينبغي لمن أمرته بما مر أن يتخلف عن أمري فضلاً عن أن يضرب لي الأمثال، ويواجهني بالجدال، طاعناً فيما لي من الجلال والجمال؛ ثم أكد بُعده بالإخبار باستمراره فقال: ﴿وإن عليك﴾ أي خاصة ﴿اللعنة﴾ أي الكاملة للقضاء بالمباشرة لأسباب البعد ﴿إلى يوم الدين *﴾ أي إلى يوم انقطاع التكليف وطلوع صبح الجزاء بفناء الخلق أجمعين وفوات الأمد التي تصح فيه التوبة التي سبب القرب، فذلك إيذان بدوام الطرد، وتوالي البعد والمقت، فلا يتمكن في هذا الأمد من عمل يكون سبباً للقرب من حضرة الأنس، وجناب القدس، ومن منع من التوبة عن الكفر في وقتها يعلم قطعاً أنه لا يغفر له، فهو معذب أبداً.

стр. 5064

ولما علم من هذا دوام لعنه، لأنه منع التقرب في دار العمل،

стр. 5065

وما بعد ذلك محل الجزاء لا العمل، وكان ذلك مفهماً لإنظاره إلى ذلك الحد، وكان ظاهره أن لعنه معني به، كان كأنه قيل: فماذا قال حين سمع ذلك؟ فقيل: ﴿قال﴾ ذاكراً صفة الإحسان والتسبب في سؤال الإنظار: ﴿رب﴾ فاعترف بالعبودية والإحسان إليه، ولم يحمله ذلك على التوبة للحكم بدوام لعنه فلا يطمع طامع في إيمان من ختم بكفره بالإجابة إلى ما يقترح، وأتى بفاء السبب لما فهم من الإملاء فقال: ﴿فأنظرني﴾ والإنظار: تأخير المحتاج للنظر في أمره ﴿إلى يوم يبعثون *﴾ فحمل يوم الدين على حقيقته، وأراد التصريح بالإنظار إليه ليأمن الموت. فكأنه قيل: ماذا قيل له؟ فقيل: ﴿قال﴾ له ربه: ﴿فإنك﴾ أي بسبب ما تقدم من الحكم ﴿من المنظرين *﴾ وقطع عليه ما دبج به من المكر فقال: ﴿إلى﴾ ولما كان اليوم ما يتم فيه أمر ظاهر، وكانت الأيام الهائلة ثلاثة: زمان موت الأحياء الخارجين من دار الخلد، ثم بعث الأموات، ثم الفصل بينهم بإحلال كل فريق في داره، قال: ﴿يوم﴾ ولما كان الوقت أدل ألفاظ الزمان على الأجل، قال: ﴿الوقت﴾ ولما كان قد دبج في سؤاله هذا تدبيجاً أوهم تجاهله بتحتم

стр. 5066

الموت على كل مكلف، بين تعالى أنه مما لا يجهل فقال: ﴿المعلوم *﴾ أي الذي قدرت عليك الموت فيه، وهو النفخة الأولى وما يتبعها من موت كل مخلوق لم يكن في دار الخلد. ولما أفهم ما تقدم - كما قلنا - الحكم بإغوائه، كان السامع كأنه قال: فماذا قال؟ فقيل: ﴿قال﴾ منسوباً نفسه بالمعبود العلي - الذي لا يسأل عما يفعل، وكل أفعاله عدل وحكمة - بعد أن رفع نفسه على العبد البشري: ﴿رب﴾ أي أيها الموجد والمربي لي وعزتك ﴿بما أغويتني﴾ أي بسبب إغوائك لي من أجلهم، وللاهتمام بهذا السبب قدمه على جواب القسم الدال على المقسم به، وهو قوله: ﴿لأزينن لهم﴾ أي تزييناً عظيماً، المعاصي والمباحات الجارّة إليها الشاغلة عن الطاعة الصارفة عنها ﴿في الأرض﴾ أي التي هي محل الغفلة وهم منها، والشيء إلى ما هو منه أميل، فهي بهذا التقدير

стр. 5067

مساوية لآية «ص» «فبعزتك» ؛ والتزيين: جعل الشيء متقبلاً في النفس من جهة الطبع والعقل بحق أو بباطل ﴿ولأغوينهم﴾ أي بالإضلال عن الطريق الحميدة ﴿أجمعين﴾ انتقاماً لنفسي ﴿إلا عبادك منهم﴾ أي المشرفين بالإضافة إليك، فهم لذلك لا يميلون عنك إلى شيء سواك، فلذلك أبدل منهم ﴿المخلصين *﴾ فزاد بهذا الكلام في الضلال، ولم يقدر أن يقول بدل ذلك: ربّ تب عليّ - ونحوه من الاستعطاف كما قال آدم ﵇ لما حفه اللطف وداركه العفو، فارعوا هذه النعمة! والإخلاص: إفراد الشيء عما يشوبه من غيره، فكأنه قيل: فبماذا أجيب؟ فقيل: ﴿قال﴾ الله في جوابه، راداً على ما أوهمه كلامه من أن له فعلاً يستقل به، مكذباً له: ﴿هذا﴾ أي الذي ذكرته من حال المستثنى والمستثنى منه ﴿صراط عليّ مستقيم *﴾ لأني قضيت به ولو لم تقله أنت وحكمت به عليك وعليهم، فلا محيص لكم عنه، فكأنه قيل: عليّ إقامته، أو هو وارد عليّ ألا عوج لسالكيه عن الرجوع إليّ والمرور عليّ - يعني أنه لا يقدر أحد أن يعمل شيئاً

стр. 5068

بغير إرادتي، فإني بالمرصاد؛ ثم شرح ذلك بقوله - مضيفاً جميع العباد إليه كما هو الحقيقة، نافياً ما قد يوهمه الكلام من أن لإبليس عملاً مستقلاً -: ﴿إن عبادي﴾ أي عامة ﴿ليس لك﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿عليهم سلطان﴾ أي لتردهم كلهم عما يرضيني ﴿إلا من اتبعك﴾ أي بتعمد منه ورغبة في اتباعك ﴿من الغاوين﴾ ومات عن غير توبة؛ فإني جعلت لك عليهم سلطاناً بالتزيين والإغواء، وقيل وهو ظاهر: إن الإضافة للتشريف، فلا تشمل إلا الخلص، فحينئذ يكون الاستثناء منقطعاً، وفائدة سوقه بصورة الاستثناء - على تقدير الانقطاع - الترغيب في رتبة التشرف بالإضافة إليه والرجوع عن اتباع العدو إلى الإقبال عليه، لأن ذوي الأنفس الأبية والهمم العلية ينافسون في ذلك المقام، ويرونه - كما هو الحق - أعلى مرام ﴿وإن جهنم لموعدهم﴾ أي الغاوين من إبليس ومن شايعه ﴿أجمعين *﴾ ثم بين أنهم متفاوتون فيها فقال: ﴿لها سبعة أبواب﴾ قال الرماني: وهي أطباق بعضها فوق بعض - عن علي بن أبي طالب ﵁ والحسن وقتادة وابن جريح ﵏ ﴿لكل باب منهم﴾ أي الغاوين خاصة، لا يشاركهم

стр. 5069

فيه مخلص ﴿جزء مقسوم *﴾ معلوم لنا من القدم لتقديرنا إياه، لا يزيد شيئاً ولا ينقص شيئا، فلا فعل فيه بغير التسبب الذي أظهرناه، لنربط به الأحكام على ما يقتضيه عقولكم ومجاري عاداتكم، وعن ابن جريح أن العليا جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، وفي نسخة تقديم سقر على لظى، وعن الضحاك أن العليا لأهل التوحيد، ثم يخرجون، والثانية للنصارى، والثالثة لليهود، والرابعة للصائبة، والخامسة للمجوس، والسادسة لمشركي العرب، والسابعة للمنافقين، والسبب في تصاعدها اختلاف أنواع الكفر في الغلط والخفة ﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾ [الكهف: ٤٩] رحمة منه سبحانه، ولعلها كانت سبعة باعتبار أصناف الكفار، لأنهم إما معطلة أو مثبتة، والمثبتة إما يهود أو صابئة أو نصارى أو مجوس أو عباد أوثان، والكل إما مصارحون أو منافقون، ولما كان المنافق لا يعرف ظاهراً من أيّها هو؟ عدَّ قسماً واحداً ووكل أمره في ميزه إلى العليم الخبير، ولما كان الكل عاملين بما لم يأذن به الله كانوا في حكم المعطلة، لوصفهم الله بغير صفته، فرجعت

стр. 5070

الأقسام إلى ستة، فأضيفت إليها العصاة من كل فرقة فجعلت جزء الطبقة العليا من النار مقابلة لقسم المنافقين من كل أمة، لعملهم أعمال الكفار مع الإيمان، كما أن عمل المنافقين عمل المؤمنين مع الكفران، فكانوا أخفى الكفار فكان لهم الدرك الأسفل من النار، ثم رأيت في «رشف النصائح الإيمانية وكشف الفضائح اليونانية» للعارف بالله تعالى شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي ﵀ أنها جعلت سبعة على وفق الأعضاء السبعة من العين، والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرجل، لأنها مصادر السيئات، فكانت مواردها الأبواب السبعة - وهو مأخوذ من كتاب المحاسبة من كتاب الإحياء للإمام الغزالي - ولما كانت هي بعينها مصادر الحسنات بشرط النية، والنية من أعمال القلب، زادت الأعضاء واحداً، فجعلت أبواب الجنان ثمانية هذا معنى قوله، قال: وأعمال القلوب من السيئات غير مؤاخذ بها. ولما ذكر الكافرين وما جرهم إلى الضلال، وجرأهم على قبائح الأعمال، ذكر المخلصين فقال - مؤكداً لإنكار المكذبين بالبعث: ﴿إن المتقين﴾ أي العريقين في هذا الوصف؛ والمتقي: من جعل

стр. 5071

الإيمان بإخلاصه حاجزاً بينه وبين العقاب ﴿في جنَّات وعيون﴾ .

стр. 5072

ولما كان المنزل لا يحسن إلا بالسلامة والأنس والأمن، قال تعالى: ﴿ادخلوها﴾ أي يقال لهم ذلك ﴿بسلام﴾ أي سالمين من كل آفة، مرحباً بكم ومسلماً عليكم حال الدخول ﴿آمنين *﴾ من ذلك دائماً. ولما كان الأنس لا يكمل إلا بالجنس مع كمال المودة وصفاء القلوب عن الكدر، قال: ﴿ونزعنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿ما في صدورهم من غل﴾ أي حقد ينغل أي ينغرز في القلب حال كونهم ﴿إخواناً﴾ أي متصافين، حال كونهم ﴿على سرر﴾ جمع سرير، وهو مجلس رفيع موطأ للسرور ﴿متقابلين *﴾ لا يرى بعضهم قفا بعض؛ في آخر الثقفيات عن الجنيد ﵀ أنه قال: ما أحلى الاجتماع مع الأصحاب! وما أمرّ الاجتماع مع الأضداد! ولما كان النظر في الدوام والمآل بعد ذلك، قال: ﴿لا يمسّهم فيها نصب﴾ أي إعياء وتعب وجهد ومشقة ﴿وما هم منها﴾ ولما كان المنكى في كل شيء إنما هو الإكراه، بني للمفعول قوله: ﴿بمخرجين *﴾ . ولما كان المفهوم من هذا السياق أن الناجي إنما هو المتقي المخلص

стр. 5073

الذي ليس للشيطان عليه سلطان، وكان مفهوم المخلص من لا شائبة فيه، وكان الإنسان محل النقصان، وكان وقوعه في النقص منافياً للوفاء بحق التقوى والإخلاص، وكان ربما أيأسه ذلك من الإسعاد، فأوجب له التمادي في البعاد، قال سبحانه - جواباً لمن كأنه قال: فما حال من لم يقم بحق التقوى؟ ﴿نبىء عبادي﴾ أي أخبرهم إخباراً جليلاً ﴿أني أنا﴾ أي وحدي ﴿الغفور الرحيم *﴾ أي الذي أحاط - محوه للذنوب وإكرامه لمن يريد - بجميع ما يريد، لا اعتراض لأحد عليه. ولما كان ذلك ربما سبباً للاغترار الموجب للإصرار، قال تعالى: ﴿وأن عذابي هو﴾ أي وحده ﴿العذاب الأليم *﴾ أي الكامل في الإيلام، فعلم أن الأول لمن استغفر، والثاني لمت أصر، وعرف من ذلك أن المتقين إنما دخلوا الجنة بعفوه، والغاوين إنما عذبوا بعدله، فهو لف ونشر مشوش - على ما هو الأفصح. ولما أتم سبحانه شرح قوله: ﴿وليعلموا أنما هو إله واحد﴾ وما تبعه من الدلالة على البعث، شرع في شرح ﴿وليذكر أولوا الألباب﴾ بقصة الخليل ﵇ وما بعدها مع الوفاء بذكر المعاد، تارة تلويحاً

стр. 5074

وتارة تصريحاً، والرجز عن الاجتراء على طلب الإتيان بالملائكة ﵈، والالتفات إلى قوله: ﴿الحمد لله الذي وهب لي على الكبر اسماعيل واسحاق﴾ [إبراهيم: ٣٩] في أسلوب شارح لما تعقبه هذه القصة، فإن حصول القنوط سبب لآية المغفرة، والإخبار بعذاب الأمم تمثيل لآية العذاب ليزدجر المخاطبون، وأفراد لهم ذكر من هو أقرب إلى بلادهم ممن يعرفونه من المعذبين لأنه أوقع في النفس، فقال تعالى: ﴿ونبئهم﴾ أي خبرهم إخباراً عظيماً ﴿عن ضيف إبراهيم *﴾ والضيف هو المنضم إلى غيره لطلب القرى، فهؤلاء سموا بهذا الاسم لأنهم على صورة الضيف، فهو من دلالة التضمن ﴿إذ دخلوا عليه﴾ أي إبراهيم ﵇ ﴿فقالوا﴾ أي عقب الدخول ﴿سلاماً﴾ . ولما كان طلبهم في هذه الصورة للملائكة على وجه أوكد مما في سورة هود ﵇، أشار لهم إلى ما في رؤية الملائكة من الخوف ولو كانوا مبشرين وفي أحسن صورة من صور البشر - بقوله: ﴿قال﴾ بلسان الحال أو القال: ﴿إنا﴾ أي أنا ومن عندي ﴿منكم وجلون *﴾ وأسقط ذكر جوابه بالسلام، ولا يقدح ذلك فيما في سورة هود وغيرها

стр. 5075

من ذكره، فإن إذ ظرف زمان بمعنى حين، والحين قد يكون واسعاً، فيذكر ما فيه تارة جميعه على ترتيبه، وأخرى على غير ذلك، وتارة بعضه مع إسقاط البعض مع صدق جميع وجوه الإخبار لكونه كان مشتملاً على الجميع، وتكون هذه التصرفات على هذه الوجوه لمعانٍ يستخرجها من أراد الله.

стр. 5076

ولما أخبر أنه أخبرهم بوجله منهم، تشوف السامع إلى جوابهم فقال: ﴿قالوا﴾ مريدين أمنه: ﴿لا توجل﴾ والوجل: اضطراب النفس لتوقع ما يكره؛ ثم عللوا ذلك بقولهم مؤكدين لقلع ما في نفسه من الوجل المنافي للبشرى ﴿إنا نبشرك بغلام﴾ أي ولد ذكر هو في غاية القوة وليس هو كأولاد الشيوخ ضعيفاً. ولما كان خوفه لخفاء أمرهم عليه، كان للوصف بالعلم في هذا السياق مزيد مزية فقالوا: ﴿عليم *﴾ فكأنه قيل: فما قال؟ فقيل: ﴿قال﴾ مظهراً للتعجب إرادة تحقيق الأمر وتأكيده: ﴿أبشرتموني﴾ أي بذلك ﴿على أن مسني الكبر﴾ أي الذي لا حركة معه يأتي منها ولد، أم على أن أعود شاباً؟ ولذلك سبب عنه قوله: ﴿فبم تبشرون *﴾ بينوا لي ذلك بياناً شافياً

стр. 5077

﴿قالوا بشرناك بالحق﴾ أي الأمر الثابت المقطوع به الواقع لا محالة الذي يطابق خبرنا ﴿فلا تكن﴾ أي بسبب تبشيرنا لك بالحق ﴿من القانطين *﴾ أي الآئسين الذين ركنوا إلى يأسهم، لقولك نحو أقوالهم. فلما ألهبوه بهذا النهي ﴿قال﴾ منكراً لأن يكون من القانطين: ﴿ومن يقنط﴾ أي ييأس هذا اليأس ﴿من رحمة ربه﴾ أي الذي لم يزل إحسانه دارّاً عليه ﴿إلا الضالون *﴾ أي المخطئون طريق الاعتقاد الصحيح في ربهم من تمام القدرة وأنه لا تضره معصية ولا تنفعه طاعة، وهذا إشارة إلى أنه ما كان قانطاً، وإنما كان مريداً لتحقيق الخبر، وفي هذا تلويح إلى أمر المعاد. فلما تحقق البشرى ورأى إتيانهم مجتمعين على غير الصفة التي يأتي عليها الملك للوحي، وكان هو وغيره من العارفين بالله عالمين بأنه ما تنزل الملائكة إلا بالحق، كان ذلك سبباً لأن يسألهم عن أمرهم ليزول وجله كله، فلذلك ﴿قال فما﴾ بفاء السبب ﴿خطبكم﴾ قال أبو حيان: والخطب لا يكاد يقال إلا في الأمر الشديد - انتهى. وقال الرماني: إنه الأمر الجليل ﴿يا أيها المرسلون *﴾ فإنكم ما جئتم إلا لأمر عظيم يكون فيصلاً بين هالك وناج ﴿قالوا إنا﴾ ولما كان عالماً بمرسلهم، بنوا للمفعول

стр. 5078

قولهم: ﴿أرسلنا﴾ أي بإرسال العزيز الحكيم الذي أنت أعرف الناس في هذا الزمان به ﴿إلى قوم﴾ أي ذوي منعة ﴿مجرمين﴾ أي عريقين في الإجرام كلهم.

стр. 5079

ولما كان إرسالهم للعذاب، قالوا مستثنين من الضمير في ﴿مجرمين﴾ أي قد أجرموا كلهم إجراماً عظيماً ﴿إلا آل لوط﴾ فاستثنوهم من أن يكونوا مجرمين، المستلزم لكونهم ما أرسلوا لتعذيبهم، فكان ذلك محركاً للنفس إلى السؤال عن حالهم، فإنهم ممن وقع الإرسال بسببه، فأجابوا بقولهم: ﴿إنا لمنجوهم﴾ أي تنجية عظيمة بتدريج الأسباب على العادة ﴿أجمعين إلا امرأته﴾ . فلما استثنوها من أن ينجّوها فكان أمرها محتملاً لأن تعذب ولأن ينجيها الله تعالى بسبب غيرهم، تشوفت النفس للوقوف على ما قضى الله به من ذلك، فقيل بإسناد الفعل إلى أنفسهم لما لهم من الاختصاص بالمقدر سبحانه: ﴿قدرنا﴾ ولما كان فعل التقدير متضمناً للعلم، علقه عن قوله: ﴿إنها﴾ أي امرأته، وأكد لأجل ما أشير إليه هنا من عظيم تشوف الخليل ﵇ إلى معرفة أمرهم

стр. 5080

وتشديد سؤاله، في نجاة لوط ﵇ وجميع آله - كما مضى التصريح به في هود - فطماً له عن سؤال في نجاتها بخلاف ما في النمل، فإن سياقها عار عن ذلك ﴿لمن الغابرين﴾ أي الباقين الذين لا ينجون مع لوط ﵇، بل تكون في الهلاك والعبرة؛ والآل - قال الرماني: أهل من يرجعون إلى ولايته، ولهذا يقال: أهل البلد، ولا يقال آل البلد، والتقدير: جعل الشيء على مقدار غيره لتظهر المساواة والمباينة، والغابر: الباقي فيمن يهلك. فلما تم ما أريد الإخبار عنه من تحاورهم مع إبراهيم ﵇، أخبر عن أمرهم مع لوط ﵇، فقال: ﴿فلما﴾ بالفاء الدالة على سرعة وصولهم إليه، وكأنه ما اشتد إنكاره لهم إلا بعد الدخول إلى منزله، إما لخوفه عليهم وهم لا يخافون، أو غير ذلك من أحوال لا تشبه أحوال البشر فلذا قال: ﴿جاء آل لوط﴾ أي في منزله ﴿المرسلون *﴾ أي لإهلاك قومه ﴿قال إنكم قوم﴾ أي أقوياء ﴿منكرون *﴾ لا بد أن يكون عن إتيانكم إلى هذه البلدة
следующие страницы →