← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

ولما أخبر أنه أخبرهم بوجله منهم، تشوف السامع إلى جوابهم فقال: ﴿قالوا﴾ مريدين أمنه: ﴿لا توجل﴾ والوجل: اضطراب النفس لتوقع ما يكره؛ ثم عللوا ذلك بقولهم مؤكدين لقلع ما في نفسه من الوجل المنافي للبشرى ﴿إنا نبشرك بغلام﴾ أي ولد ذكر هو في غاية القوة وليس هو كأولاد الشيوخ ضعيفاً. ولما كان خوفه لخفاء أمرهم عليه، كان للوصف بالعلم في هذا السياق مزيد مزية فقالوا: ﴿عليم *﴾ فكأنه قيل: فما قال؟ فقيل: ﴿قال﴾ مظهراً للتعجب إرادة تحقيق الأمر وتأكيده: ﴿أبشرتموني﴾ أي بذلك ﴿على أن مسني الكبر﴾ أي الذي لا حركة معه يأتي منها ولد، أم على أن أعود شاباً؟ ولذلك سبب عنه قوله: ﴿فبم تبشرون *﴾ بينوا لي ذلك بياناً شافياً

стр. 5077

﴿قالوا بشرناك بالحق﴾ أي الأمر الثابت المقطوع به الواقع لا محالة الذي يطابق خبرنا ﴿فلا تكن﴾ أي بسبب تبشيرنا لك بالحق ﴿من القانطين *﴾ أي الآئسين الذين ركنوا إلى يأسهم، لقولك نحو أقوالهم. فلما ألهبوه بهذا النهي ﴿قال﴾ منكراً لأن يكون من القانطين: ﴿ومن يقنط﴾ أي ييأس هذا اليأس ﴿من رحمة ربه﴾ أي الذي لم يزل إحسانه دارّاً عليه ﴿إلا الضالون *﴾ أي المخطئون طريق الاعتقاد الصحيح في ربهم من تمام القدرة وأنه لا تضره معصية ولا تنفعه طاعة، وهذا إشارة إلى أنه ما كان قانطاً، وإنما كان مريداً لتحقيق الخبر، وفي هذا تلويح إلى أمر المعاد. فلما تحقق البشرى ورأى إتيانهم مجتمعين على غير الصفة التي يأتي عليها الملك للوحي، وكان هو وغيره من العارفين بالله عالمين بأنه ما تنزل الملائكة إلا بالحق، كان ذلك سبباً لأن يسألهم عن أمرهم ليزول وجله كله، فلذلك ﴿قال فما﴾ بفاء السبب ﴿خطبكم﴾ قال أبو حيان: والخطب لا يكاد يقال إلا في الأمر الشديد - انتهى. وقال الرماني: إنه الأمر الجليل ﴿يا أيها المرسلون *﴾ فإنكم ما جئتم إلا لأمر عظيم يكون فيصلاً بين هالك وناج ﴿قالوا إنا﴾ ولما كان عالماً بمرسلهم، بنوا للمفعول

стр. 5078

قولهم: ﴿أرسلنا﴾ أي بإرسال العزيز الحكيم الذي أنت أعرف الناس في هذا الزمان به ﴿إلى قوم﴾ أي ذوي منعة ﴿مجرمين﴾ أي عريقين في الإجرام كلهم.

стр. 5079

ولما كان إرسالهم للعذاب، قالوا مستثنين من الضمير في ﴿مجرمين﴾ أي قد أجرموا كلهم إجراماً عظيماً ﴿إلا آل لوط﴾ فاستثنوهم من أن يكونوا مجرمين، المستلزم لكونهم ما أرسلوا لتعذيبهم، فكان ذلك محركاً للنفس إلى السؤال عن حالهم، فإنهم ممن وقع الإرسال بسببه، فأجابوا بقولهم: ﴿إنا لمنجوهم﴾ أي تنجية عظيمة بتدريج الأسباب على العادة ﴿أجمعين إلا امرأته﴾ . فلما استثنوها من أن ينجّوها فكان أمرها محتملاً لأن تعذب ولأن ينجيها الله تعالى بسبب غيرهم، تشوفت النفس للوقوف على ما قضى الله به من ذلك، فقيل بإسناد الفعل إلى أنفسهم لما لهم من الاختصاص بالمقدر سبحانه: ﴿قدرنا﴾ ولما كان فعل التقدير متضمناً للعلم، علقه عن قوله: ﴿إنها﴾ أي امرأته، وأكد لأجل ما أشير إليه هنا من عظيم تشوف الخليل ﵇ إلى معرفة أمرهم

стр. 5080

وتشديد سؤاله، في نجاة لوط ﵇ وجميع آله - كما مضى التصريح به في هود - فطماً له عن سؤال في نجاتها بخلاف ما في النمل، فإن سياقها عار عن ذلك ﴿لمن الغابرين﴾ أي الباقين الذين لا ينجون مع لوط ﵇، بل تكون في الهلاك والعبرة؛ والآل - قال الرماني: أهل من يرجعون إلى ولايته، ولهذا يقال: أهل البلد، ولا يقال آل البلد، والتقدير: جعل الشيء على مقدار غيره لتظهر المساواة والمباينة، والغابر: الباقي فيمن يهلك. فلما تم ما أريد الإخبار عنه من تحاورهم مع إبراهيم ﵇، أخبر عن أمرهم مع لوط ﵇، فقال: ﴿فلما﴾ بالفاء الدالة على سرعة وصولهم إليه، وكأنه ما اشتد إنكاره لهم إلا بعد الدخول إلى منزله، إما لخوفه عليهم وهم لا يخافون، أو غير ذلك من أحوال لا تشبه أحوال البشر فلذا قال: ﴿جاء آل لوط﴾ أي في منزله ﴿المرسلون *﴾ أي لإهلاك قومه ﴿قال إنكم قوم﴾ أي أقوياء ﴿منكرون *﴾ لا بد أن يكون عن إتيانكم إلى هذه البلدة

стр. 5081

شر كبير لأحد من أهل الأرض، وهو معنى ﴿سيء بهم﴾ [العنكبوت: ٣٣] الآية، فقدم حكاية إنكاره إياهم وإخبارهم عن العذاب لمثل ما تقدم في قصة إبراهيم ﵇ من الزجر عن قولهم ﴿لو ما تأتينا بالملائكة﴾ المحتمل لإرادة جميع الملائكة ﴿إن كنت من الصادقين﴾ تعريفاً لهم بأن بعض الملائكة أتوا من كانا أكمل أهل ذلك الزمان على أجمل صور البشر، مبشرين لهما، ومع ذلك خافهم كل منهما، فكيف لو كان منهم جمع كثير؟ أم كيف لو كانوا على صورهم؟ أم كيف لو كان الرائي لهم غيرهما؟ أم كيف لو كان كافراً ﴿يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجراً محجوراً﴾ [الفرقان: ٢٢] ويجوز أن يكون قوله لهم هذه المقالة إنما كان عند إخبارهم له بأنهم رسل الله، ويكون المعنى حينئذ أنكم لستم على صفة الآتي بالوحي، فقد اشتد على أمركم، لكوني لا أعرفكم مع

стр. 5082

الاستيحاش منكم، وذلك بعد محاورته لقومه ثم مقارعتهم عنهم، فكان خائفاً عليهم، فلما أخبروه أنهم ملائكة خاف منهم أن يكونوا أتوا بشيء يكرهه، وقد تقدم آنفاً أن الإخبار عما كان في حين من الأحيان لا يضر تقديم بعضه على بعض ولا إسقاط بعض وذكر آخر، ولم يزد هنا الحرف الذي أصله المصدر، وهو «أن» كما في العنكبوت، لأن استنكاره لهم وإن كان مرتباً على مجيئهم إلا أنه ليس متصلاً بأوله بخلاف المساءة.

стр. 5083

ولما كانت حقيقة المنكر ما خرج عن عادة أشكاله، ولم يكن على طريقة أمثاله، أضربوا عن قوله، وكان جوابهم أن ﴿قالوا بل﴾ أي لسنا منكرين لأنا ﴿جئناك﴾ لنفرج عنك ﴿بما﴾ أي بسبب إيقاع ما ﴿كانوا﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿فيه يمترون *﴾ بما جرت عادتنا أن نأتي بمثله من العذاب الذي كانوا يشكون فيه شكاً عظيماً، يحملون نفوسهم عليه ويكذبون به، والجاهل يوصف بالشك وإن كان مكذباً من جهة ما يعرض له منه، من حيث إنه لا يرجع إلى ثقة فيما هو عليه ﴿وأتيناك بالحق﴾ الفاصل بينك وبينهم، الواقع بهم مطابقاً لإخبارنا؛ والإتيان: الانتقال إلى جهة الشيء، والذهاب: الانتقال عنه

стр. 5084

﴿وإنا لصادقون *﴾ في الإخبار بما يطابق الواقع. ولما أخبروه بوقوع العذاب بهم، أمروه بما يكون سبباً فيما أمروا به من إنجائه، فقالوا: ﴿فأسر﴾ فأتو بالفاء لأن ما بعدها مسبب عما قبلها ﴿بأهلك بقطع﴾ أي طائفة ﴿من الليل واتبع﴾ أي كلف نفسك أن تتبع ﴿أدبارهم﴾ لتكون أقربهم إلينا وإلى محل العذاب، لأنك أثبتهم قلباً وأعرفهم بالله، والشر من ورائكم، وقد جرت عادة الكبراء أن يكونوا أدنى جماعتهم إلى الأمر المخوف سماحاً بأنفسهم وتثبيتاً لغيرهم، وعلماً منهم بأن مداناة ما فيه وجل لا يقرب من أجل، وضده لا يغني من قدر، ولا يباعد من ضرر، ولئلا يشتغل قلبك بمن خالفك، وليحتشموك فلا يلتفتوا، أو يتخلف أحد منهم - وغير ذلك من المصالح؛ والدبر: جهة الخلف وهو ضد القبل ﴿ولا يلتفت﴾ أي أصلاً ﴿منكم أحد﴾ إذ لا فائدة فيه لأن الملتفت غير ثابت، لأنه إما غير مستيقن لخبرنا أو متوجع لهم، فمن التفت ناله العذاب، وذلك أيضاً أجد في الهجرة، وأسرع في السير،

стр. 5085

وأدل على إخراج ما خلفوه من منازلهم وأمتعتهم من قلوبهم، وعلى أنهم لا يرقون لمن غضب الله عليهم مع أنهم ربما رأوا ما لا تطيقه أنفسهم ﴿وامضوا حيث﴾ وتعبيره بالمضارع يشعر بأنه يكون معهم بعض الملائكة ﵈ في قوله: ﴿تؤمرون *﴾ . ولما تقرر بهذا أمر إهلاكهم من غير تصريح ولا تعيين لوقت، قال تعالى: ﴿وقضينا﴾ أي بما لنا من العظمة، موحين ﴿إليه﴾ أي خاصة ﴿ذلك الأمر﴾ وأشار إلى تعظيمه بالإشارة إليه بأداة البعد، ثم فسره بقوله: ﴿أن دابر﴾ أي آخر ﴿هؤلاء﴾ أي الحقيرين عند قدرتنا، وأشار بصيغة المفعول إلى عظمته سبحانه وسهولة الأمر عنده فقال تعالى: ﴿مقطوع﴾ حال كونهم ﴿مصبحين *﴾ ولا يقطع الدابر حتى يقطع ما دونه، لأن العدو يكون مستقبلاً لعدوه، فهو كناية عن الاستئصال بأن آخرهم وأولهم في الأخذ سواء، لأن الآخذ قادر، لا كما يفعل بعض الناس مع بعض من أنهم يملون في آخر الوقائع فيفوتهم البعض.

стр. 5086

فلما تم ما دار بينه وبين الرسل مقدماً لما بيّن، أتبعه البيان عن

стр. 5087

حال قومه إشارة إلى أن الملائكة إن كانوا بصفات البشر لم يعرفهم الكفرة، وإن كانوا بصفاتهم أو بإظهار شيء من خوارقهم لم تحتمله قواهم، فلا نفع لهم في مكاشفتهم في حالة من الحالات، فسؤالهم الإتيان بهم جهل عظيم، فقال تعالى: ﴿وجاء أهل المدينة﴾ أي التي كان هذا الأمر فيها - قالوا: وهي سدوم - لإرادة عمل الفاحشة بالأضياف ﴿يستبشرون *﴾ أي يلوح على بشراتهم السرور، فهم يوجدونه لأنفسهم إيجاد من هو شديد الرغبة في طلبه، فكان حال لوط ﵇ أن ﴿قال﴾ لهم: ﴿إن هؤلاء﴾ أي الأقرباء مني ﴿ضيفي﴾ . ولما كان إكرام الضيف إكراماً لمن هو عنده وإهانته إهانته، سبب عن ذلك ما أشار إليه الكلام فقال: ﴿فلا تفضحون *﴾ في إصابتهم بفاحشة، وكان ذلك قبل معرفته أنهم ملائكة ﴿واتقوا الله﴾ أي الذي له جميع العظمة ﴿ولا تخزون *﴾ أي بإهانة ضيفي، فيكون ذلك عاراً عليّ مدى الدهر، فلم يكفهم ذلك بل ﴿قالوا﴾ بفظاظة، عاطفين على ما تقديره: ألم تعلم أنا لا نترك هذا الأمر لشيء من الأسباب: ﴿أو لم ننهك﴾ أي من قبل هذا ﴿عن العالمين *﴾ أن تجير علينا

стр. 5088

أحداً منهم، فما وصلوا إلى هذا الحد من الوقاحة، ذكر لهم الحريم ليحملهم ذلك على الحياء، لأنه دأب من له أدنى مروءة ولا سيما ذكر الأبكار في سياق يكاد يصرح بمراده، بأن ﴿قال هؤلاء﴾ مشيراً إلى بيته الذي فيه بناته ﷺ ورضي عنهن ﴿بناتي إن كنتم﴾ ولا بد ﴿فاعلين *﴾ أي قد عزمتم عزماً ماضياً على هذا الفعل، إشارة بأداة الشك إلى أن هذا الفعل مما لا ينبغي أن يفعل، يعني وأنتم عالمون بأني لا أسلم بناتي أبداً، فعلم من ذلك أن وصولكم إلى أضيافي دون هلاكي محال. ولما ذكر ما ذكر من أمورهم وعظيم فجورهم، وهم قد فرغ من أمرهم وقضي باستئصالهم، كان كل من يعلم ذلك قاضياً بأنهم لا عقول لهم، فأتبع سبحانه ذلك ما يدل عليه بقوله: ﴿لعمرك﴾ أي وحياتك يا كريم الشمائل، وأكد لأن الحال قاض في ذلك الحين استبعاد ردهم، ولتحقيق أن ذلك ضلال منهم صرف وتعنت محض، فقال: ﴿إنهم لفي سكرتهم﴾ أي غوايتهم الجاهلية ﴿يعمهون *﴾ أي يتحيرون ولا يبصرون طريق الرشد، فلذلك لا يقبلون قول النصوح، فإن كان المخاطب لوطاً ﵇، كان ضمير الغيبة

стр. 5089

لقومه، وإن كان المخاطب نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وهو الظاهر - كان الضمير لقومه، وكان التقدير أنهم في خبط بعيد عن السنن في طلبهم إتيان الملائكة كما كان قوم لوط ﵇ يقصدون الالتذاذ بالفاحشة بمن مكن من هلاكهم، فشتان ما بين القصدين! وهيهات لما بين الفعلين! فصار المعنى أن ما قذفوك به أول السورة بهم لابك، لأن من يطلب إتيان الملائكة - مع جواز أن يكون حاله حال قوم لوط ﵇ عند إتيانهم - هو المجنون؛ والعمر - بالفتح: العمر - بالضم، وهو مدة بقاء الشيء حيّاً، لكنه لا يقال في القسم إلا بالفتح لخفته مع كثرة دور القسم، ولذلك حذفوا الذي تقديره: قسمي، والسكرة: غمور السهو للنفس.

стр. 5090

ولما تم ذلك، سبب عن القضاء دابرهم قوله تعالى: ﴿فأخذتهم﴾ أي أخذ انتقام وغلبة ﴿الصيحة﴾ أي التي هي لعظمها وهولها هي الصيحة، وغيرها عدم بالنسبة إليها؛ والأخذ: فعل يصير به الشيء في جهة الفاعل، والصيحة: صوت يخرج من الفم بشدة؛ وقوله: ﴿مشرقين *﴾ أي داخلين في الإشراق، وهو ضياء الشمس

стр. 5091

عند بزوغها، وتبين به أن وقته يسمى صبحاً لغة، فإن الصبح والصبّاح والإصباح أول النهار، ولعله يطلق عليه إلى وقت الغداء أو الزوال، أو تكون الصيحة وقت الإشراق آخر أمرهم، وقلع المدائن من أماكنها وقت الصبح ابتداء أمرهم؛ ثم بين سبحانه ما تسبب عن الصيحة متعقباً لها فقال: ﴿فجعلنا عاليها﴾ أي مدائنهم ﴿سافلها وأمطرنا﴾ . ولما كان الزجر في هذه السورة أعظم من الزجر في سورة هود ﵇، لطلبهم أن يأتي بجميع الملائكة، أعاد الضمير على المعذبين لا على مدنهم - كما مضى في سورة هود ﵇ لأن هذا أصرح، فقال: ﴿عليهم﴾ أي أهل المدائن التي قلبت المدائن لأجلهم ﴿حجارة من سجيل﴾ ثم حقق أن ذلك كله شرح لقوله ﴿وليذكر أولوا الألباب﴾ بقوله: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم جداً ﴿لآيات﴾ أي عدة من جهة غمرها بالماء بعد خسفها، ومن جهة كونه مخالفاً لمياه الأرض بالنتن والخباثة، وعدم عيش الحيوان فيه، وعدم النفع به، ومن جهة فظاعة منظرة - وغير ذلك من أمره ﴿للمتوسمين *﴾ جمع متوسم، وهو الناظر في السمة الدالة - وهي الأثر الدال في الوجه - والقرائن القاضية بالخير

стр. 5092

والشر، وكانوا يدعون أنهم أبصر الناس بمثل ذلك، فهو إلهاب لهم وتبكيت؛ ثم بين أن ذلك غير خفي عنهم ولا بعيد عمن أراد الاتعاظ به، فقال جعلاً لهم - لعدم اعتبارهم بها ومع رؤيتهم إياها في كل حين - في عداد المنكرين: ﴿وإنها﴾ أي هذه المدائن ﴿لبسبيل مقيم *﴾ أي ثابت، وهو مع ذلك مبين، فالاعتبار بها في غاية السهولة لقومك، وكانوا يمرون عليها في بعض أسفارهم إلى الشام. ولما أشار سبحانه إلى الاستدلال بالتوسم الدال - مما هي عليه من المخالفة لسائر مياه الأرض العذبة الورادة إليها على كثرتها ومع أن البلاد التي هي بها من أبهج البلاد في عذوبة المياه وطراوة الأرض وحسن الأشجار وغير ذلك - على أن لها نبأ هو في غاية الغرابة، وأتبع ذلك سهولة الوصول إليها حثاً على إتيانها بقصد نظرها والاعتبار بها والسؤال عن سبب كونها كذلك، قال تعالى مشيراً إلى زيادة الحث بالتأكيد: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم من حالها ﴿لآية﴾ أي علامة عظيمة في الدلالة علينا ﴿للمؤمنين *﴾ أي الراسخين في الصدق والتصديق، فإذا أخبروا أن سبب كونها هكذا أن الله أمر بعض جنده فرفعها ثم قلبها ثم أتبعها الحجارة ثم خسف بها وغمرها

стр. 5093

بهذا الماء - الذي هو في القذارة وعدم الثمرة مناسب لأفعال أهلها - لأجل عصيانهم رسوله صلى الله علية وعلى آله وسلم، آمنوا حذراً من مثل هذا العذاب إيماناً بالغيب. ولما ذكر هذه القصة، ضم إليها ما هو على طريقها مما عذب قومه بنوع آخر من العذاب يشابه عذاب قوم لوط في كونه ناراً من السماء، فقال مؤكداً لأجل إنكار الكفار أن يكون عذابهم لأجل التكذيب، أو عدّاً لهم - لأجل تماديهم على الغواية مع العلم به - عداد المنكرين: ﴿وإن﴾ أي وإنه ﴿كان﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿أصحاب الأيكة﴾ وهم قوم شعيب ﵇؛ والأيكة: الشجرة - عن الحسن، وجمعه الأيك كشجرة وشجر، وقيل: الأيكة: الشجر الملتف ﴿لظالمين *﴾ أي العريقين في الظلم ﴿فانتقمنا منهم﴾ أي بسبب ذلك؛ ثم أخبر عن البلدين لتقاربهما في العذاب والمكان وكونهما على طريق واحدة من طرق متاجر قريش فقال: ﴿وإنهما﴾ أي قرى قوم لوط ومحال أصحاب الأيكة ﴿لبإمام﴾ أي طريق يؤم ويتبع ويهتدي به ﴿مبين *﴾ واضح لمن أراده، بحيث إنه من شدة وضوحه موضح لعظمة الله

стр. 5094

وانتصاره لأنبيائه ممن يكذبهم، وهو مع وضوحه مقيم في مكانه لم تندرس أعلامه، ولم تنطمس آثاره، فالآية من الاحتباك: ذكر في الأولى ﴿مقيم﴾ دلالة على حذف مثله ثانياً، وفي الثانية ﴿مبين﴾ دلالة على حذف مثله أولاً.

стр. 5095

ولما كان ربما قيل: إنه لو كان لأصحاب الأيكة بيوت متقنة لمنعتهم من العذاب؟ عطف عليهم من هم على طريق أخرى من متاجرهم إلى الشام، وكانوا قد طال اغترارهم بالأمل حتى اتخذوا الجبال بيوتاً، وكانت آيتهم في غاية الوضوح فكذبوا بها، تحقيقاً لأن المتعنتين لو رأوا كل آية لقالوا إنما سكرت أبصارنا فقال: ﴿ولقد كذب﴾ . ولما كان السياق للمكذبين وما وقع لهم بتكذيبهم، قدم فاعل، فقال مشيراً إلى إتقان بيوتهم: ﴿أصحاب الحجر﴾ وهم ثمود قوم صالح ﵇، وديارهم بين المدينة الشريفة والشام ﴿المرسلين *﴾ أي كلهم بتكذيب رسولهم كما كذب هؤلاء المرسلين بتكذيبك، لأن الرسل يشهد بعضهم لبعض بالصدق، فمن كذب واحداً منهم فقد كذب الجميع، وهم في إثبات الرسالة بالمعجزة على حد سواء؛ ثم أتبع ذلك قوله: ﴿وءاتيناهم﴾ أي بعظمتنا على يد رسولهم صالح عليه السلام

стр. 5096

﴿ءاياتنا﴾ أي كلها، بإيتاء الناقة وسقيها ودرها وشربها، لأن الممكنات كلها بالنسبة إلى قدرته على حد سواء، فمن كذب بواحدة منها فقد كذب بالجميع ﴿فكانوا﴾ أي كوناً هو كالجبلة ﴿عنها﴾ أي الآيات كلها خاصة، لا عن زينة الدنيا التي تجر إلى الباطل ﴿معرضين *﴾ أي راسخين في الإعراض، لم يؤمنوا بها، التفاتاً إلى قوله تعالى ﴿ولو فتحنا عليهم باباً من السماء﴾ - الآيتين، وتمثيلاً له رداً للمقطع على المطلع؛ ثم أخبر أنهم كانوا مثل هؤلاء في الأمن من العذاب والغفلة عما يراد بهم مع أنهم كانوا أشد منهم فقال: ﴿وكانوا ينحتون﴾ والنحت: قلع جزء بعد حزء من الجسم على سبيل المسح ﴿من الجبال﴾ التي تقدم أنا جعلناها رواسي ﴿بيوتاً ءامنين *﴾ عليها من الانهدام، وبها من لحاق ما يكره، لا كبيوتكم التي لا بقاء لها على أدنى درجة ﴿فأخذتهم﴾ أي فتسبب عن تكذيبهم أن أخذتهم أخذ العذاب والانتقام ﴿الصيحة﴾ حال كونهم ﴿مصبحين *﴾ أي داخلين في الصبح ﴿فما﴾ أي فتسبب عن

стр. 5097

الصيحة أنه ما ﴿أغنى﴾ أي أجزأ ﴿عنهم ما كانوا﴾ أي بجبلاتهم ﴿يكسبون *﴾ من البيوت والأعمال والعدد والآلات الخبيثة، لأنه لا يعجزنا شيء لأنه لا كلفة علينا فيما نفعل ﴿إنما نقول له كن فيكون﴾ وفعلنا بهم ذلك لأنهم كانوا على باطل، فكان تعذيبنا لهم حقاً.

стр. 5098

ولما كان المتعنت ربما قال: ما له يخلقهم ثم يهلكهم وهو عالم حين خلقهم أنهم يكذبون؟ وكانت هذه الآية ملتفتة - مع ما فيها من ذكر الأرض - إلى تلك التي أتبعها ذكر الخافقين، استدلالاً على الساعة، قال على ذلك النمط: ﴿وما خلقنا﴾ أي على عظمتنا ﴿السماوات﴾ أي على ما لها من العلو والسعة ﴿والأرض﴾ على ما بها من المنافع والغرائب ﴿وما بينهما﴾ من هؤلاء المكذبين وعذابهم، ومن المياه والرياح والسحاب المسبب عنه النبات وغير ذلك ﴿إلا بالحق﴾ أي خلقاً ملتبساً بالحق، فيتفكر فيه من وفقه الله فيعلم النشأة الآخرة بهذه النشأة الأولى، أو بسبب الحق من إثبات ثوابت الأمور ونفي مزلزلها، لتظهر عظمتنا بإنصاف المظلوم من الظالم، وإثابة الطائع وعقاب العاصي في يوم الفصل - إلى غير ذلك من الحكم كما قال تعالى ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي

стр. 5099

الذين أحسنوا بالحسنى﴾ [النجم: ٣١] فمن أمهلناه في الدنيا أخذنا منه الحق بعد قيام الساعة، فلا بد من فعل ذلك ﴿وإن الساعة لآتية﴾ لأجل إقامة الحق لا شك في إتيانها لحكم علمها سبحانه فيظهر فيها كل ذلك، ويمكن أن يكون التقدير: فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، وما فعلنا ذلك إلا بالأمر من قولنا «كن» وهو الحق ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾ أي بالأمر ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ [الأعراف: ٥٤] يعني أنه لا مشقة علينا في شيء من ذلك، وسنعدم ذلك بالحق إذا أردنا قيام الساعة، وأن الساعة لآتيه، لأنا قد وعدنا بذلك، وليس بينكم وبين كونها إلا أن نريد فتكون كما كان غيرها مما أردناه ﴿فاصفح الصفح﴾ أي فأعرض - بسبب تحقق الأخذ بثارك - الإعراض ﴿الجميل *﴾ بالحلم ولإغضاء وسعة الصدر، في مثل قولهم ﴿ياأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾ فإنه لا بد من الأخذ لك منهم بالحق ولو لم يكن لك نصرة إلا في ذلك اليوم لكانت كافية؛ ثم علل هذا الأمر بقوله: ﴿إن ربك﴾ أي المحسن إليك الآمر لك بهذا ﴿هو﴾

стр. 5100

أي وحده ﴿الخلاّق﴾ المتكرر منه هذا الفعل في كل وقت بمجرد الأمر، فلا عجب في إيجاد ما ينسب إليه من إبداع الساعة أو غيرها، وهو لذلك عالم بأحوالكم أجمعين وما يكون منها صلاحاً لك على غاية الحكمة، لأن المصور أعلم بالصورة من ناظرها والمتبصر فيها، وصانع الشيء أدرى به من مشتريه، وباني البيت أخبر به من ساكنه، وهو الذي خلق كل ما تراه منهم فهو فعله فسلم له. ولما كان إحكام المصنوعات لا يتم إلا بالعلم، قال تعالى: ﴿العليم *﴾ أي البالغ العلم بكل المعلومات، فلا ترى أفعالهم وأقوالهم إلا منه سبحانه لأنه خالقها، وقد علمت أنه لا يضيع مثقال ذرة فاعتمد عليه في أخذ حقك، فإنه نعم المولى ونعم النصير، ولا يخفي عليه شيء منه؛ ويدل على ما قلته آية يس ﴿أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاّق العليم﴾ [يس: ٨١] أو يقال: فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون شيئاً مما أردنا من الحق، لأنا ما خلقنا عذابهم إلا بالحق كما خلقناهم بالحق، فلم يمتنع علينا شيء من ذلك ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾ أي بسبب إقامة الحق وإظهار أمرنا في العدل، ولولا أن سلطنا بعض الناس على بعض لم يظهر

стр. 5101

لهم منا هذه الصفة غاية الظهور، فنحن نعجل من الحق الذي خلقنا ذلك بسببه على قيام الساعة - ما شئنا من الابتلاء والانتقام كما فعلنا ممن قصصنا أمرهم، ونؤخر من ذلك ما بقي إلى قيام الساعة ﴿وإن الساعة لآتية﴾ لا شك فيها، فلا ندع هناك شيئاً من الحقوق إلا أقمناه ﴿فأصفح الصفح الجميل﴾ فلا بد من الأخذ لك بحقك إما في الدنيا وإما في الآخرة أن أي لأن ﴿ربك هو الخلاّق﴾ أي الفاعل للخلق مرة بعد مرة، لا تنفذ قدرته ولا تهن كلمته ﴿العليم﴾ التام العلم، فهو قادر على ذلك عالم بوجه الحكمة فيه في وقته وكيفيته، فهو يعيد الخلائق في الساعة كما بدأهم، ويستوفي إذ ذاك جميع الحقوق ويؤتيك في ذلك اليوم ما يقر به عينك. ولما ذكر صفة العلم بصيغة المبالغة، أتبعها ما آتاه في هذه الدار من مادة العلم بصيغة العظمة، فقال عطفاً على ما قدرته مما دل عليه السياق: ﴿ولقد آتيناك﴾ مما يدل على علمنا ﴿سبعاً من المثاني﴾ وهي الفاتحة الجامعة على وجازتها جميع معاني القرآن فتثني في النزول فإنها نزلت مرتين، وتثني في كل ركعة من الصلاة، وهي ثناء على الله

стр. 5102

والصالحين من عباده، وهي مقسومة بين الله وعبده، وتثني فيه مقاصدها، ويورد كل معنى من معانيها فيه بطرق مختلفة في إيضاح الدلالة عليه في قوالب الألفاظ وجواهر التراكيب الهادية إليه - وغير ذلك من التثنية ﴿والقرآن العظيم *﴾ أي الحاوي لجميع علوم الأولين والآخرين مما في جميع الكتب السالفة وغيره.

стр. 5103

ولما كان ما أوتيه وما سيؤتاه أعظم ما أوتيه مخلوق، اتصل به قوله: ﴿لا تمدن عينيك﴾ أي مداً عظيماً بالتمني والاشتهاء المصمم، ولذلك ثنى العين احتزازاً عن حديث النفس ﴿إلى ما متعنا﴾ أي على عظمتنا ﴿به أزواجاً﴾ أي أصنافاً ﴿منهم﴾ أي أهل الدنيا؛ أو يقال: إنه لما كان المقصود لكل ذي لب إنما هو التبليغ بدار الفناء إلى دار البقاء، المؤكد إتيانها في الآية السابقة، وكان القرآن - كما تقدم - كفيلاً بذلك، وسلاه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عما يؤذونه من أقوالهم، وتبين من ذلك علو درجته، توقع السامع ذكر ما

стр. 5104

أسبغ عليه من النعم فقال تعالى؛ أو يقال: إنه لما أمره سبحانه بالصبر على أذاهم، علل ذلك مما معناه أنهم خلقه، وأنه منفرد بالخلق، وهو بليغ العلم بأفعالهم مريد لها، فليس الفعل في الحقيقة إلا له، وعلى المحب أن يرضى بفعل حبيبه من حيث إنه فعله، ولما كان التقدير: فهو الذي خلقهم، وعلم قبل خلقهم ما يفعلون، عطف عليه تسلية له صلى عليه وعلى آله وسلم قوله ﴿ولقد آتيناك﴾ أي بما لنا من العظمة كما أتينا صالحاً ما تقدم ﴿سبعاً من المثاني﴾ يكون كل سبع منها كفيلاً بإغلاق باب من أبواب النيران السبعة، وهي أم القرآن الجامعة لجميع معاني القرآن التي أمرنا بإعادتها في كل ركعة، زيادة في حفظها، وتبركاً بلفظها، وتذكيراً لمعانيها، تخصيصاً لها عن بقية الذكر الذي تكلفنا بحفظه ﴿و﴾ آتيناك ﴿القرآن العظيم﴾ الجامع لجميع معاني الكتب السماوية المتكفلة بخيري الدارين مع زيادات لا تحصى، المشار إلى عظمته أول السورة بالتنوين ووصفه بأنه مبين للبراهين الساطعة على نبوتك، والأدلة القاطعة على رسالتك، الدالة على الله الموصلة إليه، والآية مع ذلك دليل على العلم المختتم به ما قبلها، فكأنه قيل: فماذا أعمل؟

стр. 5105

فقيل في معنى ﴿ذرهم يأكلوا﴾ : ﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم﴾ اكتفاء بهذا البلاغ العظيم الذي من تحلى به وأشربه قلبه أراه معايب هذه الدار فبغضه فيها وأشرف به على ما أمامه ﴿ولا تحزن عليهم﴾ لكونهم لم يؤمنوا فيخلصوا أنفسهم من النار، ويقوى بهم جانب الإسلام، وكأن هذا هو الصفح المأمور به، وهو الإعراض عنهم أصلاً ورأساً إلا في أمر البلاغ. ولما أمره في عشرتهم بما أمر، أتبعه أمره بعشرة أصحابه ﵃ بالرفق واللين فقال تعالى: ﴿واخفض﴾ أي طأطىء ﴿جناحك للمؤمنين *﴾ أي العريقين في هذا الوصف، واصبر نفسك معهم، واكتفِ بهم، فإن الله جاعل فيهم البركة، وناصرك ومعز دينك بهم، وغير محوجك إلى غيرهم، فمن أراد شقوته فلا تلتفت إليهم، وهذا كناية عن اللين، وأصله أن الطائر إذا ضم الفرخ إليه بسط جناحه ثم قبضه عليه - قاله أبو حيان؛ وفي الجزء العاشر من الثقفيات عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى

стр. 5106

آله وسلم قال: «المؤمن لين حتى تخاله من اللين أحمق» . ولما كان الغالب على الخلق التقصير، قال له: ﴿وقل﴾ أي للفريقين، مؤكداً لما للكفار من التكذيب، ولما للمؤمنين به من طيب النفس: ﴿إني أنا﴾ أي لا غيري من المنذرين بالأعداء الدنيوية ﴿النذير المبين *﴾ لمن تعمد التقصير، إنذاري منقذ له من ورطته، لأنه محتف بالأدلة القاطعة. ولما ذكر ما التحم بقصة أصحاب الحجر المقتسمين على قتل رسولهم، وختمه بالإنذار الذي هم أهله، عاد إلى تتميم أمرهم فشبههم بمن كذب من هذه الأمة فقال: ﴿كما﴾ أي كذب أولئك وآتيناهم آياتنا فأعرضوا عنها ففعلنا بهم من العذاب ما هم أهله مثل ما ﴿أنزلنا﴾ أي بعظمتنا من الآيات ﴿على المقتسمين *﴾ أي مثلهم من قريش حيث اقتسموا شعاب مكة، ينفرون الناس عنك ويفرقون القول في القرآن، فلا تأس عليهم لتكذيبهم وعنادهم مع رؤيتهم الآيات البينات، فإن سنتنا جرت بذلك فيمن أردنا شقوته كقوم صالح؛ ثم قال: ﴿الذين﴾ أي مع أنهم تقاسموا على قتلك واقتسموا طرق مكة للتنفير عنك ﴿جعلوا القرءان﴾ بأقوالهم ﴿عضين *﴾ أي قسموا القول فيه والحال

стр. 5107

أنه جامع المعاني، لا متفرق المباني - منتظم التأليف أشد انتظام. متلائم الارتباط أحكم التئام، كما قدمنا الإشارة إليه بتسميته كتاباً وقرآناً، وختمنا بأن ذلك على وجه الإبانة لاخفاء فيه، فقولهم كله عناه، فقالوا: سحر، وقالوا: شعر، وقالوا: كهانة، وقالوا: أساطير الأولين - وغير ذلك، أنزلنا عليهم آياتنا البينات وأدلتنا الواضحات، فأعرضوا عنها واشتغلوا بما لا ينفعهم من التعنت وغيره دأب أولئك فليرتقبوا مثل ما حل بهم، ومثلهم كل من تكلم في القرآن بمثل ذلك مما لا ينبغي من العرب وغيرهم؛ وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ ﴿جعلوا القرآن عضين﴾ قال: هم أهل الكتاب: اليهود والنصارى، جزؤوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وسيأتي معنى هذه اللفظة ﴿فوربك﴾ أي فتسبب عن فعلهم هذا أنا نقسم بالموجد لك، المدبر لأمرك، المحسن إليك بإرسالك ﴿لنسئلنهم أجمعين *﴾ أي هؤلاء وأولئك ﴿عما كانوا﴾ أي كوناً هو جبلة لهم ﴿يعملون *﴾ أي من تعضية القرآن وغيرها لأنا نسأل كلاًّ عما صنع ﴿فاصدع﴾

стр. 5108

أي اجهر بعلو وشدة، فارقاً بين الحق والباطل بسبب ذلك ﴿بما تؤمر﴾ به من القرآن وكتاب مبين ﴿وأعرض﴾ أي إعراض من لا يبالي ﴿عن المشركين *﴾ بالصفح الجميل عن الأذى والاجتهاد في الدعاء، ويؤيد أن قوله ﴿كما﴾ راجع إلى قصة صالح ومتعلق بها - وإن لم أر من سبقني إليه - ذكرُ الوصف الذي به تناسبت الآيتان وهو الاقتسام، ثم وصف المقتسمين بالذين جعلوا القرآن عضين، لئلا يظن أنهم الذين تقاسموا في بيات صالح، أي أتينا أولئك الآيات المقتضية للإيمان فما كان منهم إلا التكذيب والتقاسم كما أنزلنا على هؤلاء الآيات فما كان منهم إلا ذلك، وإنما عبر في أولئك ب ﴿ءاتيناهم﴾ لأن آياتهم الناقة وولدها والبئر، وهي معطاة محسوسة، لا منزلة معقولة، وقال في هؤلاء أنزلنا إشارة إلى القرآن الذين هو أعظم الآيات، أو إلى الجميع وغلب عليها القرآن لأنه أعظمها، وإلى أنهم مبطلون في جحدهم وأنه لا ينبغي لهم أن يتداخلهم نوع شك في أنه منزل لأنه أعظم من تلك الآيات مع كونها محسوسات، وأما اعتراض ما بينهما من الآيات فمن أعظم أفانين البلاغة، فإنه لما أتم قصة صالح ﵇، علم أنه المتعنتين ربما قالوا: لأيّ شيء يخلقهم ثم يهلكهم مع علمه بعدم

стр. 5109

إجابتهم؟ فرد عليهم بأنه ما خلق ﴿السماوات والأرض وما بينهما﴾ من هؤلاء المعاندين ومن أفعالهم وعذابهم وغير ذلك ﴿إلا بالحق وأن الساعة لآتية﴾ فيعلم ذلك كله بالعيان من يشك فيه الآن، وذلك حين يكشف الغطاء عن البصائر والأبصار فاصفح عنهم، فإنه لا بد من الأخذ لك بحقك، إن لم يكن في الدنيا ففي يوم الجمع، ثم أكد التصرف بالحكمة بقوله ﴿إن ربك هو الخلاّق العليم﴾ ثم سلاه - عما يضيّقون به صدره من التكذيب بالساعة، وأن الوعد بها إنما هو سحر، ونحو ذلك من القول، ومن افتخارهم بأموالهم ونسبته إلى الحاجة إلى المشي بالأسواق - بما آتاه من كنوز القرآن، وأمره بأن يزيد في التواضع واللين للمؤمنين لتطيب نفوسهم فلا يأسوا على ما فاتهم من الدنيا، وأن ينذر الجميع ويحذرهم من سطوات الله أمثال ما أنزل بالأقدمين، ثم عاد إليهم فشبههم بهؤلاء في التكذيب ليعلم أنهم أجدر منهم بالعذاب لأنهم مشبه بهم، والمشبه به أعلى من المشبه، وذلك لكونهم أشد كفراً لأن نبيهم أعظم وآياته أجل وأكثر، وأجلى وأبهر، فيكون ذلك

стр. 5110

سبب اشتداد حذرهم، ولك أن تقول ولعله أحسن: إنه تعالى لما ذكر أن ثمود سكنوا الأرض سكنى الآمنين. فأزعجتهم عنها صيحه سلبت أرواحهم، وقلبت أشباحهم، كما سيكون لأهل الأرض قاطبة بنفخة الصور، عند نفوذ المقدور، وكان قد قدم ذكر كثير مما في السماوات والأرض من الآيات والعبر بقوله تعالى ﴿ولقد جعلنا في السماء بروجاً﴾ وما بعد ذلك من الجن والإنس وغيرهما مما جعل ذكر اختراعه دليلاً على الساعة، أتبع ذلك أن سبب خلق ذلك كله وما حواه من الخافقين إنما هو الساعة فقال ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾ أي بالأمر الثابت لا بالتمويه والسحر كما أنتم تشاهدون، أو بسبب إقامة الحق وإبانته من الباطل إبانة لا شك فيها يوم الجمع الأكبر، ومن إقامة الحق تنعيم الطائع وتعذيب العاصي، وذلك بعد إتيان الساعة بنفختي الصور ﴿وإن الساعة لآتيه بالحق﴾ أيضاً، وليست سحراً كما تظنون، ولما كان إتيانها لهذا العرض مما يشفي القلب لإدراك الثأر وهو حق لا بد منه، تسبب عنه قوله تعالى ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ .

стр. 5111

ولما كانت النفس بخبر الأعلم أوثق، وكان صانع الشيء أعلم به من غيره فكيف إذا كان مع ذلك تام للعلم قال الله تعالى معللاً لذلك ﴿إن ربك﴾ أي المحسن إليك ﴿وهو الخلاّق﴾ أي التام القدرة على الإيجاد والإعدام، الفعال لذلك «العليم» البالغ العلم؛ ولما ختم بهذين الوصفين بعد تقدم الأخبار عما أوتى أهل الحجر من الآيات، وأنه خلق الوجود بالحق لا بالتمويه، وكان ذلك موجباً لتوقع الإخبار عما أوتي هذا النبي الكريم منها لإرشاد أمته، وكانت الآيات إما أن تكون من قسم الخلق كآية صالح، أو من قسم الأمر الذي هو مدار العلم، أشار إلى تفضيله ﷺ بفضل ابنه، فقال عاطفاً على ذلك ﴿ولقد ءاتيناك﴾ أي إن كنا أتينا صالحاً أو غيره آية مضت فلم يبق إلا ذكرها فقد آتيناك ﴿سبعاً من المثاني﴾ وهي الفاتحة التي خصصت بها، ثنى فيها البسملة للمبادىء، والحمدلة للكمالات، والرحمانية والرحيمية فيها للإبداع الأول والمرضي من الأعمال، وملك الدنيا المسمى بالربوبية لكونه مستوراً، وملك يوم الدين، وبينهما رحمانية الإيجاد الثاني بالمعاد ورحيمية الثواب للمرضي من الأسباب،

стр. 5112

والعبادة التي لا تكون إلا مع القدرة والاختيار، والاستعانة الناظرة إلى العجز عن كمال الاقتدار، والهداية بالهادي والمهدي، والضلال في مقابل ذلك بالمضل والضال، وفي ذلك أسرار لا تسعها الأفكار ﴿والقرآن الكريم﴾ الجامع لجميع الآيات مع كونه حقاً ثابتاً لا سحراً وخيالاً، بل هو آية باقية على وجه الدهر، مستمراً أمرها، دائماً تلاوتها وذكرها، تفني الجبال الرواسي وهي باقية، وتزول السماوات والأراضي وهي جديدة، إذا اصطف عسكر الفجرة قالت كل آية منها هل من مبارز؟ وإن رام عدو مطاولة لتحققه بالضعف صاحت لدوام قوتها: إني أناجز فلا تقوم لها قائم، ولا يحوم حول حماها حائم، ولا يروم خوض بحرها رائم. ولما كانت هذه الآية لصاحبها مغنية، ولمن فاز بقبولها معجبة مرضية، حسن كل الحسن اتباعها بقوله ﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم﴾ ولما كان كفرهم بعد بيانها إنما هو عناد، قال تعالى «ولا تحزن عليهم» ولما كان الغني بها ربما طن حسن أنفة الغنى، عقبه قوله ﴿واخفض جناحك للمؤمنين﴾ ولما كان ربما ظن أن تلاوتها تغني عن الدعاء لا سيما لمن أعرض، نفى ذلك بقوله ﴿وقل إني أنا النذير

стр. 5113

المبين﴾ تحريضاً على الاجتهاد في التحذير، وتثبيتاً للمؤمنين وإرغاماً للمعاندين، واستجلاباً لمن أراد الله إسعاده من الكافرين، إعلاماً بأن القلوب للمؤمنين بيد الله ، فلا وثوق مع ذلك بمقبل، ولا يأمن عن مدبر. ولما تم ذلك على هذا النظم الرصين، والربط الوثيق المتين، التفت الخاطر إلى حال من يندرهم، وكان كفار قريش - في تقسيمهم القول في القرآن واقتسامهم طرق مكة لإشاعة ذلك البهتان، تنفيراً لمن أراد الإيمان - أشبه شيء بالمقتسمين على صالح ﵇، قال تعالى ﴿كما﴾ أي آتينا أولئك المقتسمين آياتنا فكانوا عنها معرضين، مثل ما ﴿أنزلنا﴾ آياتنا ﴿على المقتسمين﴾ أي الذين تقاسموا برغبة كبيرة واجتهاد في ذلك ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾ أي ذا أعضاء أي أجزاء متفاصلة متباينة مثل أعضاء الجزور إذا قطعت، جمع عضة مثل عدة وأصلها عضوة ﴿فوربك لنسئلنهم أجمعين﴾ أي لا يمتنع علينا منهم أحد ﴿عما كانوا يعملون فاصدع﴾ أي بسبب أمرنا لك بالإنذار وإخبارك أنا نسأل كل واحد عما عمل ﴿بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ .

стр. 5114

ولما كان هذا الصدع في غاية الشدة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكثرة ما يلقى عليه الأذى، خفف عنه سبحانه بقوله معللاً له: ﴿إنا كفيناك﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿المستهزءين *﴾ أي شر الذين هم عريقون في الاستهزاء بك وبما جئت به، فأقررنا عينك بإهلاكهم، وزال عنك ثقل ما آذوك به، وبقي لك أجره، وسنكفيك غيرهم كما كفيناكهم، ثم وصفهم بقوله: ﴿الذين يجعلون مع الله﴾ أي مع ما رأوا من آياته الدالة على جلاله، وعظيم إحاطته وكماله ﴿إلهاً﴾ . ولما كانت المعية تفهم الغيرية، ولا سيما مع التعبير بالجعل، وكان ربما تعنت منهم متعنت باحتمال التهديد على تألهه سبحان على سبيل التجريد، أو على دعائه باسم غير الجلالة، لما ذكر المفسرون في قوله ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ [الإسراء: ١١٠] الآية آخر سبحان، زاد في الصراحة بنفي كمال كل احتمال بقوله: ﴿ءاخر﴾ قال البغوي: قال ابن عباس ﵄: سجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمكة ذات ليلة فجعل يقول في سجوده: يا الله يا رحمن،

стр. 5115

فقال أبو جهل: إن محمداً ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين؟ فأنزل الله هذه الآية يعني آية سبحان، وتسبب عن أخذنا للمستهزئين - وكانوا أعتاهم - أن يهدد الباقون بقولنا: ﴿فسوف يعلمون﴾ أي يحيط علمهم بشدة بطشنا وقدرتنا على ما نريد، ليكون وازعاً لغيرهم، أو يعلم المستهزئون وغيرهم عاقبة أمورهم في الدارين. ولما كان صدعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك على حد من المشقة عظيم وإن أريح من المستهزئين، لكثرة من بقي ممن هو على مثل رأيهم، قال يسليه ويسخي بنفسه فيه: ﴿ولقد نعلم﴾ أي تحقق وقوع علمنا على ما لنا من العظمة ﴿أنك﴾ أي على ما لك من الحلم وسعة البطان ﴿يضيق صدرك﴾ أي يوجد ضيقه ويتجدد ﴿بما يقولون﴾ عند صدعك لهم بما تؤمر، في حقك من قولهم: ﴿ياأيها الذي نزل عليه الذكر﴾ إلى آخره، وفي حق الذي أرسلك من الشرك والصاحبة والولد وغير ذلك ﴿فسبح﴾ بسبب ذلك، ملتبساً ﴿بحمد ربك﴾ أي نزهه عن صفات النقص التي منها الغفلة عما يعمل
следующие страницы →