Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.
стр. 5216
﴿ويجعلون﴾ أي على سبيل التكرير ﴿لما لا يعلمون﴾ مما يعبدونه من الأصنام وغيرها لكونه في حيز العدم في نفسه وعدماً محضاً بما وصفوه به كما قال تعالى ﴿أم تنبئونه بما لا يعلم﴾ [الرعد: ٣٣] ﴿نصيباً مما رزقناهم﴾ بما لنا من العظمة، من الحرث والأنعام وغير ذلك، تقرباً إليها كما مضى شرحه في الأنعام، ولك أن تعطفه - وهو أقرب - على ﴿يشركون﴾ فيكون داخلاً في حيز «إذا» أي فاجأوا مقابلة نعمته في الإنجاء بالإشراك والتقرب برزقه إلى ما الجهل به خير من العلم به، لأنه عدم لأنه لا قدرة له ولا نفع في المقام الذي أقاموه فيه؛ ثم التفت إليهم التفاتاً مؤذناً بما يستحق على هذا الفعل من الغضب فقال تعالى: ﴿تالله﴾ أي الملك الأعظم ﴿لتسئلن﴾ يوم الجمع ﴿عما كنتم﴾ أي كوناً هو في جبلاتكم ﴿تفترون *﴾ أي تتعمدون في الدنيا من هذا الكذب، سؤال توبيخ، وهو الذي لا جواب لصاحبه إلا بما فيه فضيحته.
ولما بين سفههم في صرفهم مما آتاهم إلى ما هو في عداد العدم الذي لا يعلم، بين لهم سفهاً هو أعظم من ذلك بجعلهم لمالك الملك وملكه أحقر ما يعدونه مما أوجده لهم، لافتقارهم إليه وغناه عنه على وجه
стр. 5217
التوالد المستحيل عليه مع كراهته لأنفسهم، فصار ذلك أعجب العجب، فقال تعالى: ﴿يجعلون لله﴾ أي الذي لا معلوم على الحقيقة سواه لاستجماعه لصفات الجلال والإكرام. ولما كان المراد تقريعهم، وكانت الأنوثة ربما أطلقت على كرائم الأشجار، نص على المراد بقوله: ﴿البنات﴾ فلا أعجب منهم حيث يجعلون الوجود للمعدوم المجهول، ويجعلون العدم للموجود المعلوم؛ ثم نزه نفسه عن ذلك معجباً من وقوعه من عاقل بقوله تعالى: ﴿سبحانه﴾ .
ولما ذكر ما جعلوا له مع الغنى المطلق، بين ما نسبوا لأنفسهم مع لزوم الحاجة والضعف فقال: ﴿ولهم ما يشتهون *﴾ من البنين، وذلك في جملة اسمية مدلولها الثبات، ليكون منادياً عليهم بالفضيحة، لأنهم لا يبقون لأبنائهم ولا يبقى أبناؤهم لهم، وقد يكونون أعدى أعدائهم؛ ثم بين حالهم إذا حصل لهم نوع ما جعلوه له سبحانه فقال تعالى: ﴿وإذا﴾ أي جعلوا كذا والحال أنه إذا ﴿بشر أحدهم﴾ ولما تعين وزال المحذور، جمع بين الخساستين كما بين آخر الصافات فقال تعالى: ﴿بالأنثى﴾ أي قابل هذه البشرى
стр. 5218
التي تستحق السرور بحصول نسمة تكون سبباً لزيادة هذا النوع، وقد تكون سبب سعادته، دالة على عظمة الله - بضد ما تستحق مما لا يفيده شيئاً بأن ﴿ظل وجهه﴾ وكنى عن العبوس والتكدر والغبرة بما يفوز فيه من الغيظ بقوله تعالى: ﴿مسوداً﴾ أي من الغم والكراهة، ولعله اختير لفظ «ظل» الذي معناه العمل نهاراً وإن كان المراد العموم في النهار وغيره دلالة على شهرة هذا الوصف شهرة ما يشاهد نهاراً ﴿وهو كظيم *﴾ ممتلىء غيظاً على المرأة ولا ذنب لها بوجه، والبشارة في أصل اللغة: الخبر الذي يغير البشرة من حزن أو سرور، ثم خص في عرف اللغة بالسرور، ولا تكون إلا بالخبر الأول، ولعله عبر عنه بهذا اللفظ تنبيهاً على تعكيسهم للأمور في جعلهم وسرورهم وحزنهم وغير ذلك من أمرهم.
стр. 5219
ولما كان سواد الوجه والكظم قد لا يصحبه الخزي، وصل به قوله تعالى: ﴿يتوارى﴾ أي يستخفي بما يجعله في موضع كأنه الوراء لا اطلاع لأحد عليه ﴿من القوم﴾ أي الرجال الذين هو
стр. 5220
فيهم ﴿من سوء ما بشر به﴾ لعده له خزياً، ثم بين ما يلحقه من الحيرة في الفكر عند ذلك بقوله تعالى: ﴿أيمسكه على هون﴾ أي ذلك وسفول أمر، ولما كانوا يغيبون الموءودة في الأرض على غير هيئة الدفن، عبر عنه بالدس فقال تعالى: ﴿أم يدسه في التراب﴾ قال ابن ميلق: قال المفسرون: كانت المرأة إذا أدركها المخاض احتفرت حفيرة وجلست على شفيرها، فإن وضعت ذكراً أظهرته، وظهر السرور أهله، وإن وضعت أنثى استأذنت مستولدها، فإن شاء أمسكها على هون وإن شاء أمر بإلقائها في الحفيرة ورد التراب عليها وهي حية لتموت - انتهى. قالوا: وكان الوأد في مضر وخزاعة وتميم.
ولما كان حكمهم هذا بالغاً في القباحة، وصفه بما يستحقه فقال مؤكداً لقبحه: ﴿ألا ساء ما يحكمون *﴾ أي بجعل ما يكرهونه لمولاهم الذي لا نعمة عندهم إلا منه، وجعل ما يختارونه لهم خاصاً بهم.
ولما كان شرح هذا أنهم تكلموا بالباطل في جانبه تعالى وجانبهم، بين ما هو الحق في هذا المقام، فقال تعالى على تقدير الجواب لمن كأنه قال: فما يقال في ذلك؟ مظهراً في موضع الإضمار، تنبيهاً على الوصف الذي أوجب الإقدام على الأباطيل من غير خوف:
стр. 5221
﴿للذين لا يؤمنون﴾ أي لا يوجدون الإيمان أصلاً ﴿بالآخرة مثل﴾ أي حديث ﴿السوء﴾ من الضعف والحاجة والذل والرعونة ﴿ولله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿المثل﴾ أي الحديث أو المقدار أو الوصف أو القياس ﴿الأعلى﴾ من الغنى والقوة وجميع صفات الكمال بحيث لا يلحقه حاجة ولا ضعف ولا شائبة نقص أصلاً، وأعدل العبارات عن ذلك لا إله إلا الله، ويتأتى تنزيل المثل على الحقيقة كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى في سورة الروم.
ولما كان أمره أجل مما تدركه العقول، وتصل إليه الأفهام، أشار إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وهو﴾ لا غيره ﴿العزيز﴾ الذي لا يمتنع عليه شيء فلا نظير له ﴿الحكيم *﴾ الذي لا يوقع شيئاً إلا في محله، فلو عاملهم بما يستحقونه من هذه العظائم التي تقدمت عنهم لأخلى الأرض منهم ﴿ولو يؤاخذ الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال ﴿الناس﴾ كلهم.
ولما كان السياق للحكمة، وكان الظلم - الذي هو إيقاع الشيء في غير موقعه - شديد المنافاة لها، وكان الشرك - الذي هذا سياقه -
стр. 5222
أظلم الظلم، قال معبراً بالوصف الشامل لما وقع منهم منه بالفعل ولما هم منطوون وهو وصف لهم ولم يباشروه إلى الآن بالفعل قال: ﴿بظلمهم﴾ أي يعاملهم معاملة الناظر لخصمه المعامل له بمحض العدل من غير نظر إلى الفضل، وعبر بصيغة المفاعلة لأن دلالتها على المناقشة أبلغ ﴿ما ترك﴾ ولما اقتضى الحال ذكر الظلم، وكان سياق هذه الآية أغلظ من سياق فاطر، عبر بما يشمل كل محمول الأرض سواء كان على الظهر أو في البطن مغموراً بالماء أو لا فقال تعالى: ﴿عليها﴾ أي الأرض المعلوم أنها مستقرهم المدلول عليها التراب، وأعرق في النفي فقال تعالى: ﴿من دآبة﴾ أي نفس تدب على وجه الأرض، لأن الكل إما ظالم يعاقب بظلمه، وإما من مصالح الظالم فيهلكه عقوبة للظالم، أو لأنه ما خلقهم إلا للبشر، فإذا أهلكهم أهلكهم كما وقع قريب منه في زمن نوح ﵇ ﴿ولكن﴾ لا يفعل بهم ذلك فهو ﴿يؤخرهم﴾ إمهالاً بحكمته وحلمه ﴿إلى أجل مسمى﴾ ضربه لهم في الأزل.
стр. 5223
ولما قطع العلم بالغاية عما يكون، سبب عن ذلك الإعلام بما يكون فيه فقال: ﴿فإذا جاء أجلهم﴾ الذي حكم بأخذهم عنده ﴿لا يستأخرون﴾ أي عنه ﴿ساعة﴾ أي وقتاً هو عام التعارف بينكم، ثم عطف على جملة الشرط من أولها قوله تعالى: ﴿ولا يستقدمون *﴾ أي عن الأجل شيئاً.
стр. 5224
ولما كان ما تقدم أمارة على كراهتهم لما نسبوه إلى الله تعالى، أتبعه التصريح بعد التلويح بقوله تعالى: ﴿ويجعلون لله﴾ أي وهو الملك الأعظم ﴿ما يكرهون﴾ أي لأنفسهم، من البنات والأموال والشركاء في الرئاسة، ومن الاستخفاف برسلهم وجنودهم والتهاون برسالاتهم، ثم وصف جراءتهم مع ذلك، الكائنة في محل الخوف، المقتضية لعدم التأمل اللازم لعدم العقل فقال: ﴿وتصف﴾ أي تقول معتقدة مع القول الصفاء، ولما كان قولاً لا حقيقة له بوحه، أسنده إلى اللسان فقال: ﴿ألسنتهم﴾ أي مع ذلك مع أنه قول لا ينبغي أن يتخيله عاقل ﴿الكذب﴾ ثم بينه بقوله: ﴿أن لهم الحسنى﴾ أي عنده، ولا جهل أعظم ولا حكم أسوأ من أن تقطع بأن من تجعل له ما تكره يجعل لك ما تحب، فكأنه قيل: فما لهم
стр. 5225
عنده؟ فقيل: ﴿لا جرم﴾ أي لا ظن ولا تردد في ﴿أن لهم النار﴾ التي هي جزاء الظالمين ﴿وأنهم مفرطون *﴾ أي مقدمون معجلون إليها بتقديم من يسوقهم وإعجاله لهم؛ وقال الرماني: متروكون فيها، من قول العرب: ما أفرطت ورائي أحداً، أي ما خلفت ولا تركت، وقرأ نافع بالتخفيف والكسر، أي مبالغون في الإسراف والجراءة على الله. ولما بين مآلهم، وكانوا يقولون: إن لهم من يشفع فيهم، بين لهم ما يكون من حالهم، بالقياس على أشكالهم تهديداً، وتسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال تعالى: ﴿تالله﴾ أي الملك الأعلى ﴿لقد أرسلنا﴾ أي بما لنا من العظمة، رسلاً من الماضين ﴿إلى إمم﴾ ولما كان الإرسال بالفعل لم يستغرق زمان القبل، قال: ﴿من قبلك﴾ كما أرسلناك إلى هؤلاء ﴿فزين لهم الشيطان﴾ أي المحترق بالغضب. المطرود باللعنة ﴿أعمالهم﴾ كما زين لهؤلاء فضلوا كما ضلوا فأهلكناهم ﴿فهو﴾ لا غيره ﴿وليهم اليوم﴾ بعد إهلاكهم حال كونهم في النار ولا قدرة له على نصرهم ﴿ولهم عذاب أليم *﴾ فلا ولي لأنه لو قدر على نصرهم لما أسلمهم للهلاك وقد أطاعوه، بل لو عدموا ولايته كان ذلك أولى لهم، فهو نفي لأن يكون لهم ولي على أبلغ الوجوه.
стр. 5226
ولما كان حاصل ما مضى الخلاف والضلال والنقمة، كان كأنه قيل: فبين لهم وخوفهم ليرجعوا، فإنا ما أرسلناك إلا لذلك ﴿وما أنزلنا﴾ أي بما لنا من العظمة من جهة العلو ﴿عليك الكتاب﴾ أي الجامع لكل هدى. ولما كان في سياق الدعاء والبيان عبر بما يقتضي الإيجاب فقال: ﴿إلا لتبين﴾ أي غاية البيان ﴿لهم﴾ أي لمن أرسلت إليهم وهم الخلق كافة ﴿الذي اختلفوا فيه﴾ من جميع الأمور ديناً ودنيا لكونك أغزرهم علماً وأثقبهم فهماً، وعطف على موضع «لتبين» ما هو فعل المنزل، فقال تعالى: ﴿وهدى﴾ أي بياناً شافياً ﴿ورحمة﴾ أي وإكراماً بمحبة.
ولما كان ذلك ربما شملهم وهم على ضلالهم، نفاه بقوله تعالى: ﴿لقوم يؤمنون *﴾ والتبيين: معنى يؤدي إلى العلم بالشيء منفصلاً عن غيره، وقد يكون عن المعنى نفسه، وقد يكون عن صحته، والبرهان لا يكون إلا عن صحته فهو أخص، والاختلاف: ذهاب كل إلى غير جهة صاحبه، والهدى: بيان طريق العلم المؤدي إلى الحق.
стр. 5227
ولما انقضى الدليل على أن قلوبهم منكرة استكباراً وما يتعلق به، وختمه بما أحيا به القلوب بالإيمان والعلم بعد موتها بالكفر والجهل، وكان المقصود الأعظم من القرآن تقرير أصول أربعة: الإلهيات، والنبوات، والمعاد، وإثبات القضاء والقدر والفعل بالاختيار، وكان أجل هذه المقاصد الإلهيات، شرع في أدلة الوحدانية والقدرة والفعل بالاخيتار المستلزم للقدرة على البعث على وجه غير المتقدم ليعلم أن أدلة ذلك أكثر من أوراق الأشجار، وأجلى من ضياء النهار فعطف على قوله: ﴿والله يعلم ما تسرون وما تعلنون﴾ قوله جامعاً في الدليل بين العالم العلوي والعالم السفلي: ﴿والله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿أنزل من السماء﴾ في الوقت الذي يريده ﴿ماء﴾ بالمطر والثلج والبرد ﴿فأحيا به الأرض﴾ الغبراء. ولما كانت عادته بذلك مستمرة، وكان السياق لإثبات دعائم الدين، وكان الإحياء بالماء لا يزال أثره قائماً في زرع أو شجر في بعض الأراضي، أعرى الظرف من الجار لأن المعنى به أبلغ فقال: ﴿بعد موتها﴾ باليبوسة والجدب وتفتت النبات أصلاً ورأساً.
ولما كان ما أقامه على ذلك في هذه السورة من الأدلة قد صار إلى
стр. 5228
حد لا يحتاج معه السامع العاقل إلى أكثر من السماع، قال تعالى ﴿إن في ذلك﴾ الماء المؤثر بتدبيره هذا الأثر العظيم ﴿لآية لقوم يسمعون *﴾ هذا التنبيه في هذا الأسلوب المتضمن لما مضى من التشبيه، فيعلمون أنه ينزل من أمره ما يريده فيحيي به أجساد العباد بعد موتها كما أحيى أجساد النبات بالماء بعد موتها وأرواح الأشباح بالعلم بعد موتها، والحاصل ان هذه الأدلة لا تحتاج مع الحس إلى كبير عمل بالقلب غير الانقياد إلى الحق، وترك العناد والجهل، فهو من سماع الأذن وما ينشأ عنه من الإجابة، استعمالاً للشيء في حقيقته ومجازه، ولعله لم يختمها ب «يبصرون» لئلا يظن أن ذلك من البصيرة، فيظن أنه يحتاج فيها إلى كبير فكر فيفوت ما أريد من الإشارة إلى شدة الوضوح.
ولما ذكر سبحانه هذا الأمر العام، ونبه على ما فيه من غريب الصنع الذي غفل عنه لشدة الألف به، أتبعه بعض ما ينشأ عنه من تفاصيل الأمور، المحتوية على عجائب المقدور، وبدأ بأعمها وأشدها ملابسة لهم، وأكثرها في نفسه وأعظمها منفعة ودخلاً في قوام عيشهم، فقال: ﴿وإن لكم﴾ أي أيها المخاطبون المغمورون في النعم! ﴿في الأنعام﴾ ولما كانت الأدلة يعبر بها من الجهل
стр. 5229
إلى العلم قال: ﴿لعبرة﴾ فكأنه قيل: ما هي؟ فقيل: ﴿نسقيكم﴾ بضم النون في قراءة الجماعة من أسقاه - إذا أعد له ما يشربه دائماً من نهر أو لبن وغيرهما، وبالفتح في قراءة نافع وابن عامر وعاصم في رواية شعبة: من سقاه - إذا ناوله شيئاً فشربه.
ولما كان الأنعام اسم جمع، فكان مفرداً كما نقل ذلك سيبويه، وذكر المسقي وهو اللبن، لما اقتضاه سياق السورة من تعداد النعم فتعينت إرادة الإناث لذلك، فانتفى الالتباس مع تذكير الضمير، قال تعالى: ﴿مما﴾ أي من بعض الذي ﴿في بطونه﴾ فذكر الضمير لأمن اللبس والدلالة على قوة المعنى لكونها سورة النعم بخلاف ما في المؤمنون.
ولما كان موضع العبرة تخليص اللبن من غيره، قدم قوله تعالى: ﴿من بين فرث﴾ وهو الثفل الذي ينزل إلى الكرش، فإذا خرج منه لم يسم فرثاً ﴿ودم لبناً خالصاً﴾ من مخالط منهما أو من غيرهما
стр. 5230
يبغي عليه بلون أو رائحة؛ عن ابن عباس ﵄: إذا أكلت البهيمة العلف واستقر في كرشها طبخته، فكان أسفله فرثاً، وأوسطه لبناً، وأعلاه دماً. والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها، فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث في الكرش. ﴿سائغاً﴾ أي سهل المرور في الحقل ﴿للشاربين *﴾ ثم عطف عليه ما هو أنفس منه عندهم وأقرب إليه في المعاني المذكورة، فقال تعالى معلقاً ب «نسقيكم» ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب﴾ .
ولما كان لهم مدخل في اتخاذ ما ذكر منه بخلاف اللبن الذي لا صنع لهم يه أصلاً، أسند الأمر إليهم وليكون ذلك إشارة إلى كراهة السكر وتوطئة للنهي عنه في قوله مستأنفاً: ﴿تتخذون﴾ أي باصطناع منكم وعلاج، ولأجل استئناف هذه الجملة كان لا بد من قوله: ﴿منه﴾ أي من مائه، وعبر عن السكر
стр. 5231
بالمصدر إبلاغاً في تقبيحه، وزاد في الإبلاغ بالتعبير بأثقل المصدرين وهو المحرك، يقال: سكر سكْراً وسكَراً مثل رشد رشْداً ورشَداً، ونحل نحْلاً ونحَلاً، فقال تعالى: ﴿سكراً﴾ أي ذا سكر منشّياً مطرباً سادّاً لمجاري العقل قبيحاً غير مستحسن للرزق ﴿ورزقاً حسناً﴾ لا ينشأ عنه ضرر في بدن ولا عقل من الخل والدبس وغيرهما، ولا يسد شيئاً من المجاري، بل ربما فتحها كالحلال الطيب، فإنه ينير القلب، ويوسع العقل، والأدهان كلها تفتح سدد البدن، وهذا كما منحكم سبحانه العقل الذي لا أحسن منه فاستعمله قوم على صوابه في الوحدانية، وعكس آخرون فدنسوه بالإشراك؛ قال الرماني: قيل: السكر ما حرم من الشراب، والرزق الحسن: ما أحل منه - عن ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وإبراهيم والشعبي وأبي رزين والحسن ومجاهد وقتادة ﵃. والسكر في اللغة على أربعة أوجه: الأول ما أسكر. الثاني ما أطعم من الطعام. الثالث السكون.
стр. 5232
الرابع المصدر من السكر، وأصله انسداد المجاري مما يلقي فيها، ومنه السكر - يعني بكسر ثم سكون، ومن حمل السكر على السكر قال: إنها منسوخة بآية المائدة، والتعبير عنه بما يفهم سد المجاري يفهم كراهته عندما كان حلالاً؛ والآية من الاحتباك: ذكر السكر أولاً دال على الفتح ثانياً، وذكر الحسن دال القبيح أولاً، فالآية أدل ما في القرآن على المعتزلة في أن الرزق يطلق على الحرام، ولتقارب آيتي الأنعام والأشجار جمعهما سبحانه فقال تعالى: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم من هذه المنافع ﴿لآية﴾ ولوضوح أمرهما في كمال قدرة الخالق ووحدانيته قال تعالى: ﴿لقوم يعقلون *﴾ .
стр. 5233
ولما كان أمر النحل في الدلالة على تمام القدرة وكمال الحكمة أعجب مما تقدم وأنفس، ثلث به وأخره لأنه أقل الثلاثة عندهم، وغير الأسلوب وجعله من وحيه إيماء إلى ما فيه من غريب الأمر وبديع الشأن فقال تعالى: ﴿وأوحى ربك﴾ أي المحسن إليك بجعل العسل في مفاوز البراري المقفرة المفرطة المرارة وغيرها
стр. 5234
من الأماكن وبغير ذلك من المنافع، الدال على الفعل بالاختيار وتمام الاقتدار ﴿إلى النحل﴾ أي بالإلهام؛ قال الرازي في اللوامع: فالله تعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فبعضها بالتسخير المجرد كالجمادات، وبعضها بالإلهام والتسخير كالنحل والسرفة - أي بضم وسكون، وهي دويبة تتخذ بيتاً من دقاق العيدان فتدخله وتموت - والعنكبوت، وبعضها بالتسخير والإلهام والعقل المتفق على نظام واحد كالملائكة، وبعضها بكل ذلك والفكر والتمييز والأعمال المختلفة المبنية على الفكر كالإنسان.
ولما كان في الإيحاء معنى القول، أتى ب «أن» المفسرة فقال تعالى: ﴿أن اتخذي﴾ أي افعلي ما يفعله المتكلف من أن يأخذ ﴿من الجبال بيوتاً﴾ أيّ بيوت! ما أعجبها! ﴿ومن الشجر﴾ أي الصالحة لذلك في الغياض والجبال والصحارى ﴿ومما يعرشون *﴾ أي يرفع الناس من السقوف والجدران وغيرها، وبدأ بالبيوت لأنها من عجب الدهر في حسن الصنعة وبداعة الشكل وبراعة الإحكام وتمام التناسب.
стр. 5235
ولما كان أهم شيء للحيوان بعد الراحة من همّ المقيل الأكل، ثنى به، ولما كان عاماً في كل ثمر، ذكره بحرف التراخي إشارة إلى عجيب الصنع في ذلك وتيسيره لها، فقال تعالى: ﴿ثم كلي﴾ وأشار إلى كثرة الرزق بقوله تعالى: ﴿من كل الثمرات﴾ قالوا: من أجزاء لطيفة تقع على أوراق الأشجار من الظل، وقال بعضهم: من نفس الأزهار والأوراق.
ولما أذن لها في ذلك كله، وكان من المعلوم عادة أن تعاطيه لا يكون إلا بمشقة عظيمة في معاناة السير إليه، نبه على خرقه للعادة في تيسيره لها فقال تعالى: ﴿فاسلكي﴾ أي فتسبب عن الإذن في الأكل الإذن في السير إليه ﴿سبل ربك﴾ أي المحسن إليك بهذه التربية العظيمة لأجل الأكل ذاهبة إليه وراجعة إلى بيوتك حال كون السبل ﴿ذللاً﴾ أي موطأة للسلوك مسهلة كما قال تعالى ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً﴾ [الملك: ١٥] وأشار باسم الرب إلى أنه لولا عظيم إحسانه في تربيتها لما اهتدت إلى ذلك؛ ثم أتبعه نتيجة ذلك جواباً لمن كأنه قال: ماذا يكون عن هذا كله؟ فقال تعالى: - ﴿يخرج من بطونها﴾ - بلفت الكلام لعدم قصدها إلى هذه النتيجة ﴿شراب﴾ أيّ شراب! وهو العسل لأنه مع كونه من أجلّ المآكل هو «مما يشرب» ﴿مختلف ألوانه﴾
стр. 5236
من أبيض وأحمر وأصفر وغير ذلك، اختلافاً دالاً على أن فاعله مع تمام قدرته مختار، ثم أوضح ذلك بقوله تعالى: ﴿فيه﴾ أي مع كونه من الثمار النافعة والضارة ﴿شفاء للناس﴾ قال الإمام الرازي في اللوامع: إذ المعجونات كلها بالعسل، وقال إمام الأولياء محمد بن علي الترمذي: إنما كان ذلك لأنها ذلت لله مطيعة وأكلت من كل الثمرات: حلوها ومرها محبوبها ومكروهها، تاركة لشهواتها، فلما ذلت لأمر الله، صار هذا الأكل لله، فصار ذلك شفاء للأسقام، فكذلك إذا ذل العبد لله مطيعاً، وترك هواه، صار كلامه شفاء للقلوب السقيمة - انتهى.
وكونه شفاء - مع ما ذكر - أدل على القدرة والاختيار من اختلاف الألوان، لا جرم وصل به قوله تعالى: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم من أمرها كله ﴿لآية﴾ وكما أشار في ابتداء الآية إلى غريب الصنع في أمرها، أشار إلى مثل ذلك في الختم بقوله تعالى: ﴿لقوم يتفكرون *﴾ أي في اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة واللطائف الخفية بالبيوت المسدسة، والاهتداء إلى تلك الاجزاء اللطيفة
стр. 5237
من أطراف الأشجار والأوراق - وغير ذلك من الغرائب حيث ناطه بالفكر المبالغ فيه من الأقوياء، تأكيداً لفخامته وتعظيماً لدقته وغرابته في دلالته على تمام العلم وكمال القدرة، وقد كثر في هذه السورة إضافة الآيات إلى المخاطبين، تارة بالإفراد وتارة بالجمع، ونوطها تارة بالعقل وتارة بالفكر، وتارة بالذكر وتارة بغيرها.
وقد جعل الإمام الرباني أبو الحسن الحرالي في كتابه المفتاح لذلك باباً بعد أن جعل أسنان الألباب مثل أسنان الأجساد ما بين تمييز واحتلام وشباب وكهولة وغيرها كما تقدم نقله عنه في سورة براءة عند قوله تعالى ﴿ومنهم الذين يؤذون النبي﴾ [براءة: ٦١] فقال: الباب التاسع في وجوه إضافات الآيات واتساق الأحوال لأسنان القلوب في القرآن - أي فإن لذلك مراتب في العلم والأفهام -: اعلم أن الآيات والأحوال تضاف وتتسق لمن اتصف بما به أدرك معناها، ويؤنب عليها من تقاصر عنها، وينفي منالها عمن لم يصل إليها، وهي أطوار أظهرها
стр. 5238
آيات الاعتبار البادية لأولي الأبصار، لأن الخلق كله إنما هو عَلَم للاعتبار منه، لا أنه موجود للاقتناع به ﴿ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن ءاياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون﴾ [يونس: ٧-٨] اتخذوا ما خلق للعبرة به إلى ربه كسباً لأنفسهم حتى صار عندهم وعند أتباعهم آيتهم، لا آية خالقه ﴿أتبنون بكل ريع ءاية تعبثون﴾ [الشعراء: ١٢٨] ، ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ ثم يلي آيات الاعتبار ما ينال إدراك آيته العقل الأدنى ببداهة نظره ﴿وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ [النحل: ١٢] جمع الآيات لتعدد وجوهها في مقصد البيان، ثم يلي ما يدرك ببداهة العقل ما يحتاج إلى فكر يثيره العقل الأدنى لشغل الحواس بمنفعته عن التفكر في وجه آيته
﴿هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون﴾ [النحل: ١٠] أفرد الآية لاستناد كثرته إلى وحدة الماء ابتداء ووحدة الانتفاع انتهاء؛ ثم يلي ما يدرك بفكر العقل الأدنى ما يقبل
стр. 5239
بالإيمان ويكون آية أمر قائم على خلق، وهو مما يدرك سمعاً لأن الخلق مرئي والأمر مسموع ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون﴾ [النحل: ٦٣-٦٤-٦٥] هذه آية حياة القلوب بنور العلم والحكمة الذي أخذ سمعاً عند تقرر الإيمان، وعند هذا الحد يتناهى العقل إلى فطرة الأشد وتعلو بداهته وتترقى فطره إلى نظر ما يكون آية في نفس الناظر لأن محار غيب الكون يرد إلى وجدان نقص الناظر، وكما أن الماء آية حياة القلوب صار الشرابان: اللبن والخمر، آيتين على أحوال تخص القلوب بما يغذوها من الله غذاء اللبن وينشيها نشوة السكر، منبعثاً من بين فرث ودم ونزول الخلق المقام عن الأمر القائم عليه ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة﴾ - الآيتين إلى قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية لقوم يعقلون﴾ وهذا العقل الأعلى، وأفرد الآية لانفراد موردها في وجد القلب،
стр. 5240
وكما للعقل الأدنى فكرة تنبىء عن بداهته فكذلك للعقل الأعلى فكرة تنبىء عن عليّ فطرته ﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر - إلى قوله: لآية لقوم يتفكرون﴾ وهذا العقل الأعلى هو اللب الذي عنه يكون التذكر بالأدنى من الخلق لللأعلى من الأمر ﴿وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون﴾ [النحل: ١٣] وفي مقابلة كل من هذه الأوصاف أضداد يرد البيان فيها بحسب مقابلتها، وكذلك حكم وصف المسلمين فيها يظهر أن «لا أنجى للعبد من إسلامه نفسه لربه» ووصف المحسنين فيما يظهر قيام ظاهر حسه ﴿آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ [البقرة: ١] من استغنى بما عنده من وجدٍ لم يتفرغ لقبول غيب ﴿يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله﴾ [الحديد: ٢٨] ، ﴿إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وءامنوا ثم اتقوا وأحسنوا﴾ [المائدة: ٩٣] ، ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾ ، ﴿ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين﴾ «
стр. 5241
فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به» ﴿وفي خلقكم وما يبث من دابة ءايات لقوم يوقنون﴾ [الجاثية: ٤] ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ [الأنعام: ٧٥] ولجملة هذه الأوصاف أيضاً أضداد يرد بيان القرآن فيها بحسب تقابلها ويجري معها إفهامه، وما أوصله خفاء المسمع والمرأى إلى القلب هو فقهه، ومن فقد ذلك وصف سمعه بالصمم وعينه بالعمى، ونفى الفقه عن قلبه، ونسب إلى البهيمية، ومن لم تنل فكرته أعلام ما غاب عيانه نفي عنه العلم
﴿الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعاً﴾ [الكهف: ١٠١] ، ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ءاذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾ [الأعراف: ١٧٩] ، ﴿يقولون لئن رجعنا إلى المدينة﴾ [المنافقون: ٨]-إلى قوله: ﴿ولكن المنافقين لا يعلمون﴾ [المنافقون: ٨] ، ﴿يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ - الآية إلى قوله تعالى: ﴿ولكن المنافقين لا يفقهون﴾ نفي العلم فيما ظهرت أعلامه والفقه فيما خفي أمره، ومراد البيان عن أضدادها هذه الأوصاف بحسب تقابلها، وهذا الباب لمن يستفتحه من أنفع فواتح
стр. 5242
الفهم في القرآن - انتهى.
стр. 5243
ولما أيقظهم من رقدتهم، ونبههم على عظيم غفلتهم من عموم القدرة وشمول العلم، المقتضي للفعل بالاختيار، المحقق للبعث وغيره، من كل ما يريده سبحانه ببعض آياته المبثوثة في الآفاق من جماد ثم حيوان، وختم ذلك بما هو شفاء، ثنى ببعض ما في أنفسهم من الأدلة على ذلك مذكراً بمراتب عمر الإنسان الأربع، وهي سن الطفولية والنمو، ثم سن الشباب الذي يكون عند انتهائه الوقوف، ثم سن الكهولة وفيه يكون الانحطاط مع بقاء القوة، ثم سن الانحطاط مع ظهور الضعف وهو الشيخوخة، مضمناً ما لا يغني عنه دواء، حثاً على التفكر في آياته والتعقل لها قبل حلول ذلك الحادث، فيفوت الفوت، ويندموا حيث لا ينفع الندم، فقال: ﴿والله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿خلقكم﴾ فجعلكم بعد العدم أحياء فهّماً خصّماً ﴿ثم يتوفاكم﴾ على اختلاف الأسنان، فلا يقدر الصغير على أن يؤخر، ولا الكبير على أن يقدم، فمنكم من يموت حال قوته ﴿ومنكم من يرد﴾ أي بأيسر أمر منا، لا يقدر على مخالفته بوجه ﴿إلى أرذل العمر﴾ لأنه يهرم فيصير إلى مثل حال الطفولية
стр. 5244
في الضعف مع استقذار غيره له، ولا يرجى بعده ﴿لكي لا يعلم﴾ .
ولما كان مقصود السورة الدلالة على تمام القدرة وشمول العلم والتنزه عن كل شائبة نقص، وكان السياق هنا لذلك أيضاً بدليل ختم الآية، نزع الخافض للدلالة على استغراق الجهل لزمن ما بعد العلم، فيتصل بالموت، ولا ينفع فيه دواء ولا تجدي معه حيلة فقال: ﴿بعد علم شيئاً﴾ لا يوجد في شيء من ذلك عند إحلاله شفاء، ولا يمنعه دواء: فبادروا إلى التفكر والاعتبار قبل حلول أحد هذين، ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿عليهم قدير *﴾ أي بالغ العلم شامل القدرة، فمهما أراد كان، ومهما أراد غيره ولم يرده هو، أحاط به علمه، فسبب له بقدرته ما يمنعه.
ولما ذكر المفاوتة في الأعمار المنادية بإبطال الطبائع الموجبة للمسابقة إلى الاعتبار لأولي الأبصار للخوف كل لحظة من مصيبة الموت، ثنى بالمفاوتة في الأرزاق فقال تعالى: ﴿والله﴾ أي الذي له الأمر كله
стр. 5245
﴿فضل بعضكم﴾ أيها الناس ﴿على بعض﴾ .
ولما كانت وجوه التفضيل كثيرة، وكان التفضيل في المعاش الذي يظن الإنسان أن له قدرة على تحصيله، وكانت المفاوتة فيه أدل على تمام القدرة والفعل بالاختيار الذي السياق له، قال تعالى: ﴿في الرزق﴾ أي ولربما جعل الضعيف العاجز الجاهل أغنى من القوي المحتال العالم، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، وأقبلوا بجميع قلوبكم على ما ينفعكم من الاستبصار؛ قال الإمام أبو نعيم في الحلية: حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد ثنا أحمد بن أحمد بن عمرو الخلال قال: سمعت ابن أبي عمر يقول: كنا عند سفيان بن عيينة فذكروا الفضل بن الربيع ودهاءه، فأنشأ سفيان يقول:
كم من قويّ قوي في تقلبه ... مهذب الرأي عنه الرزق منحرف
ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط ... كأنه من خليج البحر يغترف
وعن نوادر أبي علي القالي أنه قال: قال أبو بكر بن الأنباري: وحدثني
стр. 5246
أبي قال: بعث سليمان المهلبي إلى الخليل بن أحمد بمائة ألف درهم وطالبه بصحبته فرد عليه المائة ألف، وكتب إليه هذه الأبيات:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال
سخي بنفسي أني لا أرى أحداً ... يموت هزلاً ولا يبقى على حال
فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال
والفقر في النفس لا في المال تعرفه ... ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
ولما كان جعل المملوك في رتبة المالك مما يتعاظمهم في حقوقهم مع أنه في الحقيقة لا مالك ولا مُلك، فلا يدينون لذلك ولا يدانونه وإن جل الخطب وأدى إلى ذهاب الأرواح، بل من كانت أمه مملوكة حطوا رتبته وإن كان أبوه من كان، وإن كانت العبرة عندهم في
стр. 5247
النسب بالأب، وهذا هو الذي أحوج عنترة إلى قوله:
إني امرؤ من خير عبس منصباً ... شطري وأحمي سائري بالمنصل
إلى غير ذلك مما كان يعتذر به عن جهة أمه، نبههم سبحانه على ما وقعوا فيه في حقه من ذلك بسبب الإشراك مع أنه مالك الملك وملك الملوك بعد ما اجترؤوا عليه في تفضيل أنفسهم في نسبة البنات إليه، فقال تعالى: ﴿فما الذين فضلوا﴾ أي في الرزق ﴿برادّي رزقهم﴾ أي الذي اختصوا به ﴿على ما ملكت أيمانهم﴾ وإن جل نفعهم وتعاظم عندهم وقعهم ﴿فهم فيه سواء﴾ أي فيكون بذلك الرد المالك والمملوك سواء، فهو جواب للنفي - نقله الرمال عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ﵃.
ولما وضح ذلك وضوح الشمس وظهر حتى ما به أصلاً نوع لبس، تسبب عنه الإنكار في قوله على وجه الإعراض عن خطابهم
стр. 5248
المؤذن بالمقت: ﴿أفبنعمة الله﴾ أي الذي لا رب غيره ﴿يجحدون *﴾ في جعلهم له شركاء يضيفون إليهم بعض ما أنعم به عليهم، فيسوون بينهم وبينه في ذلك وبنعمتهم يعترفون ولها يحفظون في إنزال ما ملكت أيمانهم عنهم في المراتب والأموال.
ولما ذكر الخلق والرزق، أتبعهما الألذاذ بالتأنس بالجنس من الأزواج والأولاد وغيرهما اللازم له القيام بالمصالح فقال تعالى: ﴿والله﴾ أي الذي له تمام القدرة وكمال العلم ﴿جعل لكم﴾ ولما كان الأزواج من الجنس، قال: ﴿من أنفسكم﴾ لأن الشيء آلف لنوعه وأقرب إلى جنسه ﴿أزواجاً﴾ أي تتوالدون بها ويبكون السكون إليها سبباً لبقاء نوعكم ﴿وجعل لكم﴾ أي أيها الناس الذين يوجهون رغباتهم إلى غيره! ﴿من أزواجكم بنين﴾ ولعله قدمهم للشرف؛ ثم عطف على ذلك ما هو أعم فقال: ﴿وحفدة﴾ أي من البنات والبنين وأولادهم والأصهار والأختان، جمع حافد، يخفّون في أعمالكم ويسرعون في خدمكم طاعة وموالاة، لا كما يفعل الأجانب وبعض العاقين، وهذا معنى ما نقله الرماني عن ابن عباس ﵄ من أنه فسرهم بالخدام والأعوان، وهو الصواب لأن مادة حفد
стр. 5249
تدور على الإسراع والخفة.
حفد: خفّ في العمل وأسرع، والحفد - محركة: الخدم - لخفتهم، ومشي دون الخبب، والحفدة: البنات وأولاد الأولاد أو الأصهار - لذلك، وصناع الوشي - لإسراعهم فيه وإسراع لابسه إلى لبسه منبسط النفس، والمحفد - كمجلس ومنبر: شيء يعلف فيه الدواب - لإسراعها إليه، وكمنبر: طرف الثوب لإسراع حركته، وقدح يكال به - لخفته، وكمجلس الأصل - لدوران الأمور عليه وإسراعها إليه، وسيف محتفد: سريع القطع، وأحفده: حمله على الإسراع، والفادحة: النازلة، وفوادح الدهر - خطوبه - لإسراعها بالمكروه وإسراع المنزول به ومن يهمه شأنه إلى مدافعتها، ومن ذلك فدحه الأمر: أثقله - لأن المكروه يسرع فيثقل فيكثر اضطراب المنزول به.
стр. 5250
ولما ذكر ذلك سبحانه، أتبع ما لا يطيب العيش إلا به، فقال تعالى: ﴿ورزقكم﴾ أي لإقامة أودكم وإصلاح أحوالكم؛ ولما كان كل النعيم إنما هو في الجنة، بعّض فقال: ﴿من الطيبات﴾ بجعله ملائماً للطباع، شهياً للأرواح، نافعاً للإشباع، فعلم من هذا قطعاً أن صاحب هذه الأفعال، هو المختص بالجلال، ومن أنكر شيئاً من حقه فقد ضل أبعد الضلال، فكيف بمن أنكر خيره، وعبد غيره، وهو باسم العدم أحق منه باسم الوجود، فلذلك تسبب عنه قوله معرضاً عن خطابهم إعراض المغضب: ﴿أفبالباطل﴾ أي من الأصنام وما جعلوا لهم من النصيب ﴿يؤمنون﴾ أي على سبيل التجديد والاستمرار ﴿وبنعمت الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿هم﴾ وله عليهم خاصة - غير ما يشاركون فيه الناس - من المنن ما له ﴿يكفرون﴾ حتى أنهم يجعلون مما أنعم به عليهم من السائبة والوصيلة والحامي وغيرها لأصنامهم، وذلك متضمن لكفران النعمة الكائنة منه، ومتضمن لنسبتها إلى غيره، لأنه لم يأذن لهم في شيء مما حرموه،
стр. 5251
ولا يحل التصرف في مال المالك إلا بإذنه؛ ثم قال عطفاً على ما أنكره عليهم هناك: ﴿ويعبدون﴾ وأشار إلى سفول المراتب كلها عن رتبته سبحانه فقال تعالى: ﴿من دون الله﴾ أي من غير من له الجلال والإكرام مما هو في غاية السفول من الأصنام وغيرها ﴿ما لا يملك﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿لهم رزقاً﴾ تاركين من بيده جميع الرزق، وهو ذو العلو المطلق الذي رزقهم من الطيبات؛ ثم بين جهة الرزق فقال تعالى: ﴿من السماوات والأرض﴾ ثم أكد تعميم هذا النفي بقوله - مبدلاً من ﴿رزقاً﴾ ، مبيناً أن تنوينه للتحقير -: ﴿شيئاً﴾ ثم أكد حقارتهم بقوله جامعاً لأن ما عجز عند الاجتماع فهو عند الانفراد أعجز: ﴿ولا يستطيعون﴾ أي ليس لهم نوع استطاعة أصلاً، ولك أن تجعله معطوفاً على ما مضى من المعجَّب منه من أقوالهم وأفعالهم في قوله ﴿ويجعلون لله ما يكرهون﴾ ونحوه.
стр. 5252
ولما دحض بهذه الحجة جميع ما أقاموه من الشبه وضربوه من الأمثال فيما ارتكبوه من قولهم إن الملك لا يتوصل إليه إلا
стр. 5253
بأعوان من حاجب ونائب ونحو ذلك، ولا يتوصل إليه إلا بأنواع القربان، فعبدوا الأصنام، وفعلوا لها ما يفعل له تشبيهاً به عز شأنه، وتعالى سلطانه، لأن الفرق أن ملوك الدنيا المقيس عليهم إنما أقاموا مَن ذكر لحاجتهم وضعف مُلكهم ومِلكهم، فحالهم مخالف لوصف من لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يشغله شأن عن شأن، وكل شيء في قبضته وتحت قهره وعظمته، فلذلك تسبب عنها قوله تعالى: ﴿فلا تضربوا لله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿الأمثال﴾ أي فتشبهوه تشبيهاً بغيره وإن ضرب لكم هو الأمثال؛ قال أبو حيان وغيره: قال ابن عباس ﵄: أي لا تشبهوه بخلقه - انتهى. وهو - كما قال في الكشاف - تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به، لأن من يضرب الأمثال مشبه حالاً بحال وقصة بقصة - انتهى. وهذا النهي عام في كل مثل لخطر الأمر خشية أن يكون ذلك المثل غير لائق بمقداره، وقد تقرر أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، لا سيما في هذا لأن الخطأ فيه كفر، ويدل على ذلك تعليل الحكم بقوله تعالى: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره ﴿يعلم﴾
стр. 5254
أي له جميع صفة العلم، فإذا ضرب مثلاً أتقنه بإحاطة علمه بحيث لا يقدر غيره أن يبدي فرقاً ما بين الممثل والممثل به في الأمر الممثل له ﴿وأنتم لا تعلمون *﴾ أي ليس لكم علم أصلاً، فلذلك تعمون عن الشمس وتلبّس عليكم ما ليس فيه لبس، وهذا المقام عال ومسلكه وعر، وسالكه على غاية من الخطر.
ولما ختم سبحانه بذلك تأكيداً لإبطال مذهب عبدة الأصنام بسلب العلم الذي هو مناط السداد عنهم، حسن أن يصل به قوله - إقامة للدليل على علمه بأن أمثاله لا يتطرق إليها الطعن، ولا يتوجه نحوها الشكوك -: ﴿ضرب الله﴾ أي الذي له كمال العلم وتمام القدرة ﴿مثلاً﴾ بالأحرار والعبيد له ولما عبدتموه معه؛ ثم أبدل من مثلاً: ﴿عبداً﴾ ولما كان العبد يطلق على الحر بالنسبة إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿مملوكاً﴾ لا مكاتباً ولا فيه شائبة للحرية ﴿ولا يقدر على شيء﴾ بإذن سيده ولا غيره، وهذا مثل شركائهم، ثم عطف على «عبداً» قوله: ﴿ومن رزقناه منا﴾ من الأحرار ﴿رزقاً حسناً﴾ واسعاً طيباً ﴿فهو ينفق منه﴾ دائماً، وهو معنى ﴿سراً وجهراً﴾ وهذا مثل الإله وله المثل الأعلى؛ ثم بكتهم إنكاراً عليهم بقوله تعالى:
стр. 5255
﴿هل يستوون﴾ أي هذان الفريقان الممثل بهما، لأن المراد الجنس، فإذا كان لا يسوغ في عقل أن يسوي بين مخلوقين: أحدهما حر مقتدر والآخر مملوك عاجز، فكيف يسوي بين حجر موات أو غيره وبين الله الذي له القدرة التامة على كل شيء؟
ولما كان الجواب قطعاً: لا، وعلم أن الفاضل ما كان مثالاً له سبحانه، على أن من سوى بينهما أو فعل ما يؤول إلى التسوية أجهل الجهلة.
فثبت مضمون ﴿إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ وأن غيره تعالى لا يساوي شيئاً، فثبت بلا ريب أنه المختص بالمثل الأعلى، فعبر عن ذلك بقوله تعالى: ﴿الحمد لله﴾ أي له الإحاطة بالعلم وجميع صفات الكمال التي منها اختصاصه بالشكر، لكونه هو المنعم وليس لغيره إحاطة بشيء من ذلك ولا غيره، فكأنهم قالوا: نحن نعلم ذلك، فقيل: ﴿بل أكثرهم﴾ أي في الظاهر والباطن - بما أشار إليه الإضمار ﴿لا يعلمون *﴾ لكونهم يسوون به غيره، ومن نفى عنه العلم - الذي هو أعلى صفات الكمال - كان في عداد الأنعام، فهم لذلك يشبهون به ما ذكر، ويضربون الأمثال الباطلة، ويضيفون نعمه إلى ما لا يعد، ولعله أتى بضمير الغيبة لقصر ذلك على من ختم بموته على الضلال، أو يقال وهو أرشق: لما كان الجواب قطعاً: لا يستووت والفاضل مثالك، فقد علم كل ذي لب أن لك المثل الأعلى، فترجم عن وصفه
следующие страницы →