Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.
стр. 5251
ولا يحل التصرف في مال المالك إلا بإذنه؛ ثم قال عطفاً على ما أنكره عليهم هناك: ﴿ويعبدون﴾ وأشار إلى سفول المراتب كلها عن رتبته سبحانه فقال تعالى: ﴿من دون الله﴾ أي من غير من له الجلال والإكرام مما هو في غاية السفول من الأصنام وغيرها ﴿ما لا يملك﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿لهم رزقاً﴾ تاركين من بيده جميع الرزق، وهو ذو العلو المطلق الذي رزقهم من الطيبات؛ ثم بين جهة الرزق فقال تعالى: ﴿من السماوات والأرض﴾ ثم أكد تعميم هذا النفي بقوله - مبدلاً من ﴿رزقاً﴾ ، مبيناً أن تنوينه للتحقير -: ﴿شيئاً﴾ ثم أكد حقارتهم بقوله جامعاً لأن ما عجز عند الاجتماع فهو عند الانفراد أعجز: ﴿ولا يستطيعون﴾ أي ليس لهم نوع استطاعة أصلاً، ولك أن تجعله معطوفاً على ما مضى من المعجَّب منه من أقوالهم وأفعالهم في قوله ﴿ويجعلون لله ما يكرهون﴾ ونحوه.
стр. 5252
ولما دحض بهذه الحجة جميع ما أقاموه من الشبه وضربوه من الأمثال فيما ارتكبوه من قولهم إن الملك لا يتوصل إليه إلا
стр. 5253
بأعوان من حاجب ونائب ونحو ذلك، ولا يتوصل إليه إلا بأنواع القربان، فعبدوا الأصنام، وفعلوا لها ما يفعل له تشبيهاً به عز شأنه، وتعالى سلطانه، لأن الفرق أن ملوك الدنيا المقيس عليهم إنما أقاموا مَن ذكر لحاجتهم وضعف مُلكهم ومِلكهم، فحالهم مخالف لوصف من لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يشغله شأن عن شأن، وكل شيء في قبضته وتحت قهره وعظمته، فلذلك تسبب عنها قوله تعالى: ﴿فلا تضربوا لله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿الأمثال﴾ أي فتشبهوه تشبيهاً بغيره وإن ضرب لكم هو الأمثال؛ قال أبو حيان وغيره: قال ابن عباس ﵄: أي لا تشبهوه بخلقه - انتهى. وهو - كما قال في الكشاف - تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به، لأن من يضرب الأمثال مشبه حالاً بحال وقصة بقصة - انتهى. وهذا النهي عام في كل مثل لخطر الأمر خشية أن يكون ذلك المثل غير لائق بمقداره، وقد تقرر أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، لا سيما في هذا لأن الخطأ فيه كفر، ويدل على ذلك تعليل الحكم بقوله تعالى: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره ﴿يعلم﴾
стр. 5254
أي له جميع صفة العلم، فإذا ضرب مثلاً أتقنه بإحاطة علمه بحيث لا يقدر غيره أن يبدي فرقاً ما بين الممثل والممثل به في الأمر الممثل له ﴿وأنتم لا تعلمون *﴾ أي ليس لكم علم أصلاً، فلذلك تعمون عن الشمس وتلبّس عليكم ما ليس فيه لبس، وهذا المقام عال ومسلكه وعر، وسالكه على غاية من الخطر.
ولما ختم سبحانه بذلك تأكيداً لإبطال مذهب عبدة الأصنام بسلب العلم الذي هو مناط السداد عنهم، حسن أن يصل به قوله - إقامة للدليل على علمه بأن أمثاله لا يتطرق إليها الطعن، ولا يتوجه نحوها الشكوك -: ﴿ضرب الله﴾ أي الذي له كمال العلم وتمام القدرة ﴿مثلاً﴾ بالأحرار والعبيد له ولما عبدتموه معه؛ ثم أبدل من مثلاً: ﴿عبداً﴾ ولما كان العبد يطلق على الحر بالنسبة إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿مملوكاً﴾ لا مكاتباً ولا فيه شائبة للحرية ﴿ولا يقدر على شيء﴾ بإذن سيده ولا غيره، وهذا مثل شركائهم، ثم عطف على «عبداً» قوله: ﴿ومن رزقناه منا﴾ من الأحرار ﴿رزقاً حسناً﴾ واسعاً طيباً ﴿فهو ينفق منه﴾ دائماً، وهو معنى ﴿سراً وجهراً﴾ وهذا مثل الإله وله المثل الأعلى؛ ثم بكتهم إنكاراً عليهم بقوله تعالى:
стр. 5255
﴿هل يستوون﴾ أي هذان الفريقان الممثل بهما، لأن المراد الجنس، فإذا كان لا يسوغ في عقل أن يسوي بين مخلوقين: أحدهما حر مقتدر والآخر مملوك عاجز، فكيف يسوي بين حجر موات أو غيره وبين الله الذي له القدرة التامة على كل شيء؟
ولما كان الجواب قطعاً: لا، وعلم أن الفاضل ما كان مثالاً له سبحانه، على أن من سوى بينهما أو فعل ما يؤول إلى التسوية أجهل الجهلة.
فثبت مضمون ﴿إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ وأن غيره تعالى لا يساوي شيئاً، فثبت بلا ريب أنه المختص بالمثل الأعلى، فعبر عن ذلك بقوله تعالى: ﴿الحمد لله﴾ أي له الإحاطة بالعلم وجميع صفات الكمال التي منها اختصاصه بالشكر، لكونه هو المنعم وليس لغيره إحاطة بشيء من ذلك ولا غيره، فكأنهم قالوا: نحن نعلم ذلك، فقيل: ﴿بل أكثرهم﴾ أي في الظاهر والباطن - بما أشار إليه الإضمار ﴿لا يعلمون *﴾ لكونهم يسوون به غيره، ومن نفى عنه العلم - الذي هو أعلى صفات الكمال - كان في عداد الأنعام، فهم لذلك يشبهون به ما ذكر، ويضربون الأمثال الباطلة، ويضيفون نعمه إلى ما لا يعد، ولعله أتى بضمير الغيبة لقصر ذلك على من ختم بموته على الضلال، أو يقال وهو أرشق: لما كان الجواب قطعاً: لا يستووت والفاضل مثالك، فقد علم كل ذي لب أن لك المثل الأعلى، فترجم عن وصفه
стр. 5256
بقوله «الحمد لله» أي الإحاطة بصفات الكمال للملك الأعظم، وعن نسبتهم إلى علم ذلك بقوله تعالى ﴿بل أكثرهم لا يعلمون﴾ أي ليس لهم علم بشيء أصلاً، لأنهم يعملون في هذا بالجهل، فنسبتهم إلى الغباوة أحسن في حقهم من نسسبتهم إلى الضلال على علم، وسيأتي في سورة لقمان إن شاء الله تعالى ما يكون نافعاً في هذا المقام، وإنما فسرت الحمد بما تقدم لأنه قد مضى في سورة الفاتحة أن مادة «حمد» تدور على بلوغ الغاية، ويلزم منه الاتساع والإحاطة والاستدارة، فيلزمها مطأطأة الرأس وقد يلزم الغاية الرضى فيلزمه الشكر، وبيانه أن الحمد بمعنى الرضا والشكر لأنهما يكونان غالباً من غاية الإحسان، ويرجع إلى ذلك الحمد بمعنى الجزاء وقضاء الحق، وحماداك - بالضم، أي غايتك، ويوم محتمد: شديد الحر، وحمد النار - محركة: صوت التهابها، وأما يتحمد عليّ - بمعنى يمتن - فأصله: يذكر ما يلزم منه حمده، ومنه المدح: وهو حسن الثناء، وتمدح بمعنى تكلف أن يمدح وافتخر
стр. 5257
وتشبع بما ليس عنده، فإنه في كل ذلك بذل جهده، ودحمه - كمنع: دفعه شديداً، والمرأة: نكحها - لما في ذلك من بلوغ الغاية في الشهوة وما يلزمها من الدفع ونحوه، والدحم - بالكسر: الأصل - لأنه غاية الشيء الذي ينتهي إليه، وحدم النار - ويحرك: شدة احتراقها وحميها، واحتدم الدم: اشتدت حمرته حتى يسود، والحدمة - محركة: النار - لأنها غاية الحر، والحدمة أيضاً: صوتها - لدلالته على قوة التهابها، ومن ذلك الحدمة أيضاً لصوت جوف الحية، أو صوت في الجوف كأنه تغيظ - لأنه يدل على غاية التهاب الباطن، والحدمة - كفرحة: السريعة الغلي من القدور؛ ومن الاتساع: تمدحت الأرض أي اتسعت؛ ومن الاستدارة: الداحوم لحبالة الثعلب - لأنها بلغت الغاية من مراد الصائد، ولأنه لما لم يقدر على الخلاص منها كانت كأنها قد أحاطت به، والدمحمح: المستدير الململم، ودمح تدميحاً: طأطأ رأسه - لأن الانعطاف مبدأ الاستدارة - والله الموفق.
ولما انقضى هذا المثل كافياً في المراد، ملزماً لهم لاعترافهم بأن الأصنام عبيد الله في قولهم «لبيك اللهم لبيك لا شريك لك
стр. 5258
إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، وكان ربما كابر مكابر فقال: إنهم ليسوا ملكاً له، أتبعه مثلاً آخر لا تمكن المكابرة فيه، فقال تعالى: ﴿وضرب الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة أيضاً ﴿مثلاً﴾ ثم أبدل منه ﴿رجلين﴾ ثم استأنف البيان لما أجمل فقال تعالى: ﴿أحدهما أبكم﴾ أي ولد أخرس؛ ثم ترجم بكمته التي أريد بها أنه لا يَفهم ولا يُفهِم بقوله: ﴿لا يقدر على شيء﴾ أي أصلاً ﴿وهو كل﴾ أي ثقل وعيال، والأصل فيه الغلظ الذي يمنع من النفوذ، كلت السكين كلولاً - إذا غلظت شفرتها فلم تقطع، وكل لسانه - إذا لم ينبعث في القول، لغلظه وذهاب حده - قاله الرماني ﴿على مولاه﴾ الذي يلي أمره؛ ثم بين ذلك بقوله تعالى: ﴿أينما يوجهه﴾ أي يرسله ويصرفه ذلك المولى ﴿لا يأت بخير﴾ وهذا مثل شركائهم الذين هم عيال ووبال على عبدتهم.
стр. 5259
ولما انكشف ضلالهم في تسويتهم الأنداد - الذين لا قدرة لهم على شيء ما - بالله الذي له الإحاطة بكل شيء قدرة وعلماً، حسن كل الحسن توبيخهم والإنكار عليهم بقوله تعالى: ﴿هل يستوي هو﴾ أي هذا المذكور ﴿ومن﴾ أي ورجل آخر على ضد صفته، فهو عالم فطن قوي خبير مبارك الأمر ميمون النقيبة ﴿يأمر﴾ بما له من العلم والقدرة ﴿بالعدل﴾ أي ببذل النصيحة لغيره ﴿وهو﴾ في نفسه ظاهراً وباطناً ﴿على صراط﴾ أي طريق واضح واسع ﴿مستقيم﴾ أي عامل بما يأمر به، وهذا مثال للمعبود بالحق الذي يكفي عابده جميع المؤن، وهو دال على كمال علمه وتمام قدرته.
стр. 5260
ولما تم هذان المثلان، الدالان على تمام علمه وشمول قدرته، والقاضيان بأن غيره عدم، عطف على قوله ﴿إن الله يعلم﴾ قوله مصرحاً بتمام علمه وشمول قدرته: ﴿ولله﴾ أي هذا علم الله في المشاهدات الذي علم من هذه الأدلة أنه مختص به، ولذي الجلال والإكرام وحده ﴿غيب السماوات والأرض﴾ كما أن له وحده شهادتهما، فما أراد
стр. 5261
من ذلك كانت قدرته عليه كقدرته على الشهادة من الساعة التي تنكرونها استعظاماً لها، ومن غيرهما بما فصله لكم من أول السورة إلى هنا من خلق السماوات والأرض وما فيهما ﴿وما أمر الساعة﴾ وهي الوقت الذي يكون فيه البعث، على اعتقادكم أنها لا تكون استبعاداً لها واستصعاباً لأمرها في سرعته عند الناس لو رأوه، ولذا عبر عنه بالساعة ﴿إلا كلمح البصر﴾ أي كرجع الطرف المنسوب إلى البصر أيّ بصر كان ﴿أو هو أقرب﴾ وإذا الخلق قد قاموا من قبورهم مهطعين إلى الداعي - هذا بالنسبة إلى علمهم وقياسهم، وأما بالنسبة إليه سبحانه فأمره في الجلالة والعظم والسرعة والإتقان يجل عن الوصف، وتقصر عنه العقول، ولا شك فيه ولا تردد، ولذلك علله بقوله تعالى: ﴿إن الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿على كل شيء﴾ أي ممكن ﴿قدير *﴾ .
ولما انقضى توبيخهم على إيمانهم بالباطل وكفرانهم بالحق وما استتبعه، وختم بأمر الساعة، عطف على قوله تعالى ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً﴾ ما هو من أدلة الساعة وكمال القدرة والفعل بالاختيار من النشأة الأولى، فقال تعالى: ﴿والله﴾ أي الذي له العظمة كلها
стр. 5262
﴿أخرجكم﴾ بعلمه وقدرته ﴿من بطون أمهاتكم﴾ والذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطن الأرض بلا فرق بل بطريق الأولى، حال كونكم عند الإخراج ﴿لا تعلمون شيئاً﴾ من الأشياء قل أو جل، وعطف على ﴿أخرجكم﴾ قوله: ﴿وجعل لكم﴾ بذلك أيضاً ﴿السمع والأبصار والأفئدة﴾ آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه، وفتق مواضعها وسواها وعدلها وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يده، ولا يتمكن من شق شيء منه بآلة، فالذي قدر على ذلك في البطون إبداعاً قادر على إعادته في بطن الأرض، بل بطريق الأولى، ولعله جمعهما دون السمع، لأن التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا الله؛ والأفئدة هي القلوب التي هيأها للفهم وإصلاح البدن بما أودعها من الحرارة اللطيفة القابلة للمعاني الدقيقة ﴿لعلكم تشكرون *﴾ أي لتصيروا - بمعارف القلوب التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات - في حال يرجى فيها شكركم لما أفاض عليكم من لطائف صنعه، بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة وحسن التعرف، فتعترفوا له بجميع ما أتتكم به رسله، وأهمه
стр. 5263
الذي تبنى عليه جميع مقاصد الأصول أو المنعم عليكم بهذه النعم إله واحد عالم بكل شيء قادر على كل شيء فاعل بالاختيار، وأن الطبائع من جملة مقدوراته، لا فعل لها إلا بتصريفه.
ولما كان المقصود من تعداد هذه النعم الإعلام بأنه الفاعل بالاختيار وحده لا الطبائع ولا غيرها، دلهم على ذلك مضموناً إلى ما مضى بقوله مقرراً لهم: ﴿ألم يروا﴾ بالخطاب والغيبة - على اختلاف القراءتين لأن سياق الكلام وسباقه يحتمل المقبل والمعرض بخلاف سياق الملك فإنه للمعرض فقط، فلذا اختلف القراء هنا وأجمعوا هناك ﴿إلى الطير مسخرات﴾ أي مذللات للطيران بما أقامهن الله فيه من المصالح والحكم بالطيران وغيره ﴿في جو السماء﴾ في الهواء بين الخافقين بما لا تقدرون عليه بوجه من الوجوه مع مشاركتكم لها في السمع والبصر وزيادتكم عليها بالعقول، فعلم قطعاً ما وصل بذلك من قوله: ﴿ما يمسكهن﴾ أي في الجو عن الوقوع.
стр. 5264
ولما كان للسياق هنا مدخل عظيم في الرد على أهل الطبائع وهم الفلاسفة، ولهم وقع عظيم في قلوب الناس، عبر بالاسم الأعظم، إشارة إلى أنه لا يقوى على رد شبههم إلا من أحاط علماً بمعاني الأسماء الحسنى، فكان متمكناً من علم أصول الدين فقال: ﴿إلا الله﴾ أي الملك الأعظم، لأن نسبتكم وإياها إلى الطبيعة واحدة، فلو كان ذلك فعلها لا ستويتم؛ ثم نبههم على ما في ذلك من الحكم بقوله: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم من إخراجكم على تلك الهيئة، والإنعام عليكم بما ليس لها، وتقديرها على ما لم تقدروا عليه مع نقصها عنكم ﴿لآيات﴾ ولما كان من لم ينتفع بالشيء كأنه لم يملكه، قال تعالى: ﴿لقوم يؤمنون *﴾ أي هيأهم الفاعل المختار للإيمان.
стр. 5265
ولما ذكرهم سبحانه بنعمة الإدراك بعد ابتداء الخلق، وأتبعه ما منّ به على الطير من الارتفاع الحامي لها من الحر، أتبعه ما يسكنون إليه فيظلهم ويجمعهم لأنه أهم الأشياء للحيوان، فقال تعالى: ﴿والله﴾ أي الذي له الحكمة البالغة والقدرة الشاملة ﴿جعل لكم﴾ أي أيها الغافلون ﴿من بيوتكم﴾ أصل البيت المأوى ليلاً ثم اتسع فيه ﴿سكناً﴾ هو
стр. 5266
مصدر بمعنى مفعول، ولم يسلط عليكم فيها الحشرات والوحوش كما سلطكم عليهم؛ ثم أتبع ما يخص الحضر ما يصلح له وللسفر بما ميزهم به عن الطير وغيرها من سائر الحيوانات، فقال تعالى: ﴿وجعل لكم﴾ أي إنعاماً عليكم ﴿من جلود الأنعام﴾ التي سلطكم عليها.
ولما كانت الخيام، التي من جلود الأنعام، في ظلها الظليل تقارب بيوت القرى، جمعها جمعاً فقال تعالى: ﴿بيوتاً﴾ فإنهم قالوا: إن هذا الجمع بالمسكن أخص، والأبيات بالشعر أخص ﴿تستخفونها﴾ أي تطالبون بالاصطناع خفها فتجدونها كذلك ﴿يوم ظعنكم﴾ أي وقت ارتحالكم، وعبر به لأنه في النهار أكثر ﴿ويوم إقامتكم﴾ ثم أتبعه ما به كمال السكن فقال تعالى: ﴿ومن أصوافها﴾ أي الضأن منها ﴿وأوبارها﴾ وهي للإبل كالصوف للغنم ﴿وأشعارها﴾ وهي ما كان من المعز ونحوه من المساكن والملابس والمفارش والأخبية وغيرها ﴿أثاثاً﴾ أي متاعاً من متاع البيت كثيراً، من قولهم: شهر أثيث أي كثير، وأث النبت. إذا كثر ﴿ومتاعاً﴾ تتمتعون به
стр. 5267
﴿إلى حين *﴾ أي وقت غير معين بحسب كل إنسان في فقد ذلك، وأعرض عن ذكر الحرير والكتان والقطن لأنها لم تكن من صناعتهم، وإشارة إلى الاقتصاد وعدم الإسراف.
ولما ذكر ما يخصهم، أتبعه ما يشاركون فيه سائر الحيوانات فقال: ﴿والله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام ﴿جعل لكم﴾ أي من غير حاجة منه سبحانه ﴿مما خلق ظلالاً﴾ من الأشجار والجبال وغيرها ﴿وجعل لكم﴾ أي مع غناه المطلق ﴿من الجبال أكناناً﴾ جمع كن وهو ما يستكن به - أي يستتر - من الكهوف ونحوها، ولو كان الخالق غير مختار لكانت على سنن واحد لا ظلال ولا أكنان؛ ثم أتبع ذلك ما هداهم إليه عوضاً مما جعله لسائر الحيوان فقال: ﴿وجعل لكم﴾ أي مَنّاً منه عليكم ﴿سرابيل﴾ أي ثياباً ﴿تقيكم الحر﴾ وهي كل ما لبس من قميص وغيره - كما قال الزجاج.
ولما كانت السرابيل نوعاً واحداً، لم يكرر «جعل» فقال تعالى: ﴿وسرابيل﴾ أي دروعاً ومغافر وغيرها ﴿تقيكم بأسكم﴾ أضافه إليهم إفهاماً لأنه الحرب، وذلك كما جعل لبقية الحيوان - من الأصواف ونحوها والأنياب والأظفار ونحوها - ما هو نحو ذلك يمنع
стр. 5268
من الحر والبرد، ومن سلاح العدو، ولم يذكر سبحانه هنا وقاية البرد لتقدمها في قوله تعالى ﴿لكم فيها دفء﴾ [النحل: ٥] .
ولما تم ذلك كان كأنه قيل: نبهنا سبحانه بهذا الكلام على تمام نعمة الإيجاد، فهل بعدها من نعمة؟ فقال: نعم! ﴿كذلك﴾ أي كما أتم نعمة الإيجاد عليكم هذا الإتمام العظيم بهذه الأمور ونبهكم عليها ﴿يتم نعمته عليكم﴾ في الدنيا والدين بالهداية والبيان لطريق النجاة والمنافع، والتنبيه على دقائق ذلك بعد جلائله ﴿لعلكم تسلمون *﴾ أي ليكون حالكم - بما ترون من كثرة إحسانه بما لا يقدر عليه غيره مع وضوح الأمر - حال من يرجى منه إسلام قياده لربه، فلا يسكن ولا يتحرك إلا في طاعته.
стр. 5269
فلما صار هذا البيان، إلى أجلى من العيان، كان ربما وقع في الوهم أنهم إن لم يجيبوا لِحقَ الداعي بسبب إعراضهم حرج، فقال تعالى نافياً لذلك معرضاً عنهم بإعراض المغضب، مقبلاً عليه
стр. 5270
صلى الله عليه وعلى آله وسلم إقبال المسلي، معبراً بصيغة التفعل المفهمة لأن الفطر الأولى داعية إلى الإقبال على الله فلا يعرض صاحبها عما يرضيه سبحانه إلا بنوع معالجة: ﴿فإن تولوا﴾ أي كلفوا أنفسهم الإعراض ومتابعة الأهواء فلا تقصير عليك بسبب توليهم ولا حرج ﴿فإنما﴾ أي بسبب أنه إنما ﴿عليك البلاغ المبين *﴾ وليس عليك أن تردهم عن العناد، فكأنه قيل: فهل كان إعراضهم عن جهل أو عناد؟ فقيل فيهم وفيهم: ﴿يعرفون﴾ أي كلهم ﴿نعمت الله﴾ أي الملك الأعظم، التي تقدم عد بعضها في هذه السورة وغيرها ﴿ثم ينكرونها﴾ بعبادتهم غير المنعم بها أو بتكذيب الآتي بالتنبيه عليها، بعضهم لضعف معرفته، وبعضهم عناداً، وكان بعضهم يقول: هي من الله ولكن بشفاعة آلهتنا ﴿وأكثرهم﴾ أي المدعوين بالنسبة إلى جميع أهل الأرض الذين أدركتهم دعوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم ﴿الكافرون *﴾ أي المعاندون الراسخون في الكفر.
ولما كان من أجل المقاصد بهذه الأساليب التخويف من البعث، وكان من المعلوم أنه ليس بعد الإعراض عن البيان والإصرار على كفران المعروف من الإحسان إلا المجازاة لأن الحكيم يمهل ولا يهمل،
стр. 5271
قال تعالى: عاطفاً على ثمرة ﴿فإنما عليك البلاغ المبين﴾ وهي: فبلغهم وبين لهم ولا تيأس من رجوعهم: ﴿ويوم﴾ أي وخوفهم يوم ﴿نبعث﴾ بعد البعث ﴿من كل أمة شهيداً﴾ يحكم بقوله الملك إجراء للأمر على ما يتعارفون وإن كان غنياً عن شهيد.
ولما كان الإذن لهم في الاعتذار في بعض المواقف الطويلة في ذلك اليوم متعذراً، عبر عنه سبحانه بأداة البعد فقال تعالى: ﴿ثم لا يؤذن﴾ أي لا يقع إذن على تقدير من التقادير ﴿للذين كفروا﴾ أي بعد شهادة الشهداء في الاعتذار كما يؤذن في هذه الدار للمشهود عليه عند السؤال في الإعذار، لأنه لا عذر هناك في الحقيقة ﴿ولا هم﴾ أي خاصة ﴿يستعتبون *﴾ أي ولا يطلب منهم الإعتاب المؤثر للرضى وهو إزالة العتب وهو الموجدة المعبر بها عن الغضب المعبر به عن آثاره من السطوة والانتقام، وأخذ العذاب لأهل الإجرام من قبيح ما ارتكبوا، لأن تلك الدار ليست بدار تكليف؛ ثم وصل به أن ما يوجبه الغضب يدوم عليهم في ذلك اليوم، فقال تعالى عاطفاً على
стр. 5272
ما بعد «ثم» : ﴿وإذا رءا﴾ وأظهر موضع الإضمار تعميماً فقال تعالى: ﴿الذين ظلموا﴾ فعبر بالوصف الموجب للعذاب ﴿العذاب﴾ بعد الموقف وشهادة الشهداء، وجزاء الشرط محذوف لدلالة ما قرن بالفاعلية تقديره: لابسهم ﴿فلا يخفف﴾ أي يحصل تخفيف بنوع من الأنواع ولا بأحد من الخلق ﴿عنهم﴾ شيء منه ﴿ولا هم ينظرون *﴾ بالتأخير ولا لحظة بوجه من الوجوه على تقدير من التقادير من أحد ما.
ولما بين سبحانه حاصل أمرهم في البعث وما بعده، وما من أهم المهم أمرهم في الموقف مع شركائهم الذين كانوا يترجونهم، عطف على ذلك قوله تعالى: ﴿وإذا رءا﴾ أي بالعين يوم القيامة ﴿الذين أشركوا﴾ فأظهر أيضاً الوصف المناسب للمقام ﴿شركاءهم﴾ أي الآلهة التي كانوا يدعونها شركاء ﴿قالوا ربنا﴾ يا من أحسن إلينا وربانا! ﴿هؤلاء شركاؤنا﴾ أضافوهم إلى أنفسهم لأنه لا حقيقة لشركتهم سوى تسميتهم لها الموجب لضرهم؛ ثم بينوا المراد بقولهم: ﴿الذين كنا ندعوا﴾ أي نعبد.
ولما كانت المراتب متكثرة دون رتبته سبحانه لأن علوه غير منحصر، أدخل الجار فقال تعالى: ﴿من دونك﴾ ليقربونا إليك، فأكرمنا لأجلهم
стр. 5273
جرياً على منهاجهم في الدنيا في الجهل والغباوة، فخاف الشركاء من عواقب هذا القول والإقرار عليه سطوات الغضب ﴿فألقوا﴾ أي الشركاء ﴿إليهم﴾ أي المشركين ﴿القول﴾ أي بادروا به حتى كان إسراعه إليهم إسراع شيء ثقيل يلقى من علو؛ وأكدوا قولهم لأنه مطاعنة لقول المشركين فقالوا: ﴿إنكم لكاذبون *﴾ في جعلنا شركاء وأنا نستحق العبادة أو نشفع أو يكون لنا أمر نستحق به أن نذكر ﴿وألقوا﴾ أي الشركاء ﴿إلى الله﴾ أي الملك الأعلى ﴿يومئذ﴾ أي يوم القيامة إذ نبعث من كل أمة شهيداً ﴿السلم﴾ أي الانقياد والاستسلام بما علم به الكفار أنهم من جملة العبيد لا أمر لهم أصلاً، فأصلد زندهم، وخاب قصدهم، وقيد بذلك اليوم لأنهم كانوا في الدنيا - بتزيين الشياطين لأمورهم ونطقهم على ألسنتهم - بحيث يظن عابدوهم أن لهم منعة، وبهم قوة ويجوز أن يكون ضمير «ألقوا» للمشركين ﴿وضل عنهم﴾ أي عن الكفار ﴿ما كانوا﴾ أي بجبلاتهم ﴿يفترون *﴾ أي يتعمدون من دعوى النفع لهم والضر كذباً وفجوراً، فكأنه قيل: هذا للذين أشركوا، فما للذين كانوا دعاة إلى الشرك مانعين من الانتقال عنه؟ فقيل: ﴿الذين كفروا﴾ أي أوجدوا
стр. 5274
الكفر في أنفسهم ﴿وصدوا﴾ مع ذلك غيرهم ﴿عن سبيل الله﴾ أي الذي له الإحاطة كلها ﴿زدناهم﴾ أي بما لنا من العظمة، بصدهم غيرهم ﴿عذاباً فوق العذاب﴾ الذي استحقوه على مطلق الشرك ﴿بما كانوا﴾ أي كوناً جبلياً ﴿يفسدون *﴾ أي يوقعون الفساد ويجددونه؛ ثم كرر التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما أفهمته الآية السالفة، وهو أن الشهادة تقع على الأمم لا لهم، وتكون بحضرتهم، فقال تعالى: ﴿ويوم﴾ أي وخوفهم يوم ﴿نبعث﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿في كل أمة﴾ من الأمم ﴿شهيداً﴾ أي هو في أعلى رتب الشهادة ﴿عليهم﴾ .
ولما كانت بعثة الأنبياء السابقين ﵈ خاصة بقومهم إلا قليلاً، قال: ﴿من أنفسهم﴾ وهو نبيهم.
ولما كان لذلك اليوم من التحقق ما لا شبهة فيه بوجه وكذا شهادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عبر بالماضي إشارة إلى ذلك، وإلى أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يزل من حين بعثه متصفاً بهذه الصفة العلية فقال تعالى: ﴿وجئنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿بك شهيداً﴾ أي شهادة هي مناسبة لعظمتنا ﴿على هؤلاء﴾ أي الذين بعثناك
стр. 5275
إليهم وهم أهل الأرض، وأكثرهم ليس من وقوعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك لم يقيد بعثته بشيء؛ ثم بين أنه لا إعذار في شهدائه فإنه لا حجة في ذلك اليوم لمن خالف أمره اليوم، لأنه سبحانه أزاح العلل، وترك الأمر على بيضاء نقية ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فقال عاطفاً على قوله ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب﴾ - الآية، المتعقب لقوله ﴿لا جرم﴾ - الآيتين: ﴿ونزلنا﴾ أي بعظمتنا بحسب التدريج والتنجيم ﴿عليك الكتاب﴾ الجامع للهدى ﴿تبياناً﴾ أي لأجل البيان التام، قالوا: وهو اسم وليس بمصدر كتلقاء ﴿لكل شيء﴾ ورد عليك من أسئلتهم ووقائعهم وغير ذلك، وهو في أعلى طبقات البيان كما أنه في أعلى طبقات البلاغة، لأن المعنى به أسرع إلى الأفهام وأظهر، في الإدراك، والنفس أشد تقبلاً له لما هو عليه من حسن النظام والقرب إلى الافهام، وإنما احتيج إلى تفسيره مع أنه في نهاية البيان لتقصير الإنسان في العلم بمذاهب العرب الذين هم الأصل في هذا اللسان، وتقصير العرب عن جميع مقاصده كما قصروا عن درجته في البلاغة، فرجعت الحاجة إلى تقصير الفهم لا إلى تقصير الكلام في البيان، ولهذا تفاوت الناس في فهمه لتفاوتهم في درجات البلاغة ومعرفة طرق العرب في جميع أساليبها؛ قال الإمام الشافعي
стр. 5276
رضي الله عنه في آخر خطبة الرسالة بعد أن دعا الله تعالى أن يرزقه فهماً في كتابه ثم في سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، واحتج بآيات منها هذه، وذلك لأنه سبحانه بين فيه التوحيد والمبدأ والمعاد والأمر والنهي والحلال والحرام والحدود والأحكام بالنص على بعضها، وبالإحالة على السنة في الآخر، وعلى الإجماع في نحو قوله تعالى ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ [النساء: ١١٥] وعلى الاقتداء بالخلفاء الراشدين في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» وبالاقتداء بجميع أصحابه ﵃ في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤوا طرق القياس والاجتهاد ولم يخرج أحد منهم عن الكتاب والسنة، فهو من دلائل النبوة في كونه صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهيداً لكونه ما أخبر عنهم إلا بما هم أهله.
стр. 5277
ولما كان لتبيان قد يكون للضلال، قال تعالى: ﴿وهدى﴾ أي موصلاً إلى المقصود. ولما كان ذلك قد لا يكون على سبيل الإكرام، قال تعالى: ﴿ورحمة﴾ ولما كان الإكرام قد لا يكون بما هو في أعلى طبقات السرور، قال سبحانه: ﴿وبشرى﴾ أي بشارة عظيمة جداً ﴿للمسلمين﴾ ويجوز أن يكون التقدير ﴿في كل أمة شهيداً عليهم﴾ وهو رسولهم الذي أرسلناه إليهم في الدنيا ﴿وجئنا بك شهيداً على هؤلاء﴾ لكوننا أرسلناك إليهم وجعلناك أميناً عليهم ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾ فلا عذر لهم، فيكون معطوفاً على ما دل الكلام السابق دلالة واضحة على تقديره.
стр. 5278
ولما بين تعالى فضل هذا القرآن بما يقطع حجتهم، وكان قد قدم فضل من يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، أخذ يبين اتصاف القرآن ببيان كل شيء، وتضمنه لذلك الطريق الأقوم، فقال تعالى جامعاً لما يتصل بالتكاليف فرضاً ونفلاً، وما يتصل بالأخلاق والآداب عموماً وخصوصاً: ﴿إن الله﴾ أي الملك المستجمع لصفات الكمال ﴿يأمر بالعدل﴾ وهو الإنصاف الذي لا يقبل عمل يدونه،
стр. 5279
وأول درجاته التوحيد الذي بنيت السورة عليه، والعدل يعتبر تارة في المعنى فيراد به هيئة في الإنسان تطلب بها المساواة، وتارة في العقل فيراد به التقسيط القائم على الاستواء، وتارة يقال: هو الفضل كله من حيث إنه لا يخرج شيء من الفضائل عنه، وتارة يقال: هو أكمل الفضائل من حيث إن صاحبه يقدر على استعماله في نفسه وفي غيره، وهو ميزان الله المبرأ من كل زلة وبه يستتب أمر العالم، وبه قامت السماوات والأرض، وهو وسط كل أطرافه جور، وبالجملة الشرع مجمع العدل، وبه تعرف حقائقه، ومن استقام على نهج الحق فقد استتب على منهج العدل - ذكره الرازي في اللوامع وفيه تلخيص، وفي آخر الجزء الخامس عشر من الثقفيات أن عمر بن عبد العزيز ﵁ قال لمحمد بن كعب القرظي ﵁: صف لي العدل، فقال: كن لصغير الناس أباً، ولكبيرهم ابناً، وللمثل أخاً، وللنساء كذلك، وعاقب الناس بقدر ذنوبهم على قدر أجسامهم، ولا تضربن
стр. 5280
لغضبك سوطاً واحداً فتعدَّى فتكون من العادين انتهى. ﴿والإحسان﴾ وهو فعل الطاعة على أعلى الوجوه، فالعدل فرض، والإحسان فضل، وهو مجاوزة النصفة إلى التحامل على النفس، لأنه ربما وقع في الفرض نقص فجبر بالنفل، وهو في التوحيد الارتقاء عن أول الدرجات، ومن أعلاه الغنى عن الأكوان، وتكون الأكوان في غيبتها عند انبساط نور الحق كالنجوم في انطماسها عند انتشار نور الشمس، وغايته الفناء حتى عن هذا الغنى، وشهود الله وحده، وهو التوحيد على الحقيقة كما في حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» وهو روح الإنسانية، ففي الجزء الثامن من الثقفيات عن عاصم بن كليب الجرمي قال:: «حدثني أبي كليب أنه شهد مع أبيه جنازة شهدها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: وأنا غلام أعقل وأفهم، قال: فانتهى بالجنازة إلى القبر ولما يمكن لها فجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقولسوّ ذا أو خذ ذا! قال: حتى ظن الناس أنها سنة، فالتفت إليهم فقال: أن هذا لا ينفع الميت ولا يضره، ولكن الله تعالى يحب من العامل إذا
стр. 5281
عمل أن يحسن»
﴿وإيتاء ذي القربى﴾ فإنه من الإحسان، وهو أولى الناس بالبر، وذلك جامع للاحسان في صلة الرحم.
ولما أمر بالمكارم، نهى عن المساوىء والملائم فقال تعالى: ﴿وينهى عن الفحشاء﴾ وهي ما اشتد تقصيره عن العدل فكان ضد الإحسان ﴿والمنكر﴾ وهو ما قصر عن العدل في الجملة ﴿والبغي﴾ وهو الاستعلاء على الغير ظلماً، وقال البيضاوي في سورة الشورى: هو طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتجزأ كمية أو كيفية. وهو من المنكر، صرح به اهتماماً، وهو أخو قطيعة الرحم ومشارك لها في تعجيل العقوبة «ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم» رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي بكرة ﵁ ورفعه، وأصل البغي الإدارة، كأنه صار بفهم هذا المعنى المحظور - المحذور عند حذف مفعوله، لأن الإنسان - لكونه مجبولاً على النقصان - لا يكاد يصلح منه إرادة، فعليه أن يكون مسلوب الاختيار، مع الملك الجبار، الواحد القهار، فتكون إرادته تابعة لإرادته، واختياره من وراء طاعته، وعن الحسن أن الخلقين
стр. 5282
الأولين ما تركا طاعة إلا جمعاها والأخيرين ما تركا معصية إلا جمعاها.
ولما دعا هذا الكلام على وجازته إلى أمهات الفضائل لي هي العلم والعدل والعفة والشجاعة، وزاد من الحسن ما شاء، فإن الإحسان من ثمرات العفة، والنهي عن البغي الذي هو من ثمرات الشجاعة المذمومة إذن فيما سواه منها، ولا يقوم شيء من ذلك إلا بالعلم وكان هذا أبلغ وعظ، نبه عليه سبحانه بقوله تعالى: ﴿يعظكم﴾ أي يأمركم بما يرقق قلوبكم من مصاحبة ثلاثة ومجانبة ثلاثة ﴿لعلكم تذكرون *﴾ أي ليكون حالكم حال من يرجى تذكره، لما في ذلك من المعالي بما وهب الله من العقل، الداعي إلى كل خير، الناهي عن كل ضير، فإن كل أحد من طفل وغيره يكره أن يفعل معه شيء من هذه المنهيات، فمن كان له عقل واعتبر بعقله علم أن غيره يكره منه ما يكره هو منه، ويعلم أنه إن لم يكف عن فعل ما يكره أخوه وقع التشاجر، فيحصل الفساد المؤدي إلى خراب الأرض، هذا في الفعل مع أمثاله من المخلوقين، فكيف بالخالق بأن يصفه بما لا يليق به سبحانه، وعز اسمه، وتعالى جده، وعظم أمره! .
стр. 5283
ولما تقررت هذه الجمل التي جمعت - بجمعها للمأمورات والمنهيات ما تضيق عنه الدفاتر والصدور، وشهد لها المعاندون من بلغاء العرب أنها بلغت قاموس البحر وتعالت عن طوق البشر، عطف على ما أفهمه السياق - من نحو: فتذكروا أو فالزموا ما أمرتم به ونابذوا ما نهيتم عنه - بعض ما أجملته، وبدأ بما هو مع جمعه أهم وهو الوفاء بالعهد الذي يفهم منه العلماء بالله ما دل عليه العقل من الحجج القاطعة بالتوحيد وصدق الرسل ووجوب اتباعهم، فكانت أعظم العهود، ويفهم منه غيرهم ما يتعارفونه مما يجري بينهم من المواثيق، فإذا ساروا فيها بما أمر سبحانه وتحروا رضاه علماً منهم بأنه العدل، قادهم ذلك إلى رتبة الأولين فقال تعالى: ﴿وأوفوا﴾ أي أوقعوا الوفاء الذي لا وفاء في الحقيقة غيره ﴿بعهد الله﴾ أي الملك الأعلى الذي عاهدكم عليه بأدلة العقل والنقل من التوحيد وغيره من أصول الدين وفروعه
﴿الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق﴾ [الرعد: ٢٠] ﴿وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ [البقرة: ٢٧] ﴿إذا عاهدتم﴾ بتقبلكم له بإذعانكم لأمثاله من الأدلة فيما عرف من عوائدكم، وصرحتم به
стр. 5284
عند شدائدكم ﴿ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون﴾ ثم عطف عليه ما هو من جنسه وأخص منه فقال تعالى: ﴿ولا تنقضوا الأيمان﴾ واحترز عن لغو اليمين بقوله تعالى: ﴿بعد توكيدها﴾ وحذف الجار لأن المنهي عنه إنما هو استغراق زمان البعد بالنقض، وذلك لا يكون إلا بالكذب الشامل له كله، بعضه بالقوة وبعضه بالفعل، ولعله جمع إشارة إلى أن المذموم استهانتها من غير توقف على كفارة، لأن من فعل ذلك ولو في واحدة كان فاعلاً ذلك في الجميع، بخلاف من ينقض ما نقضه خير بالكفارة فإنه ناقض للبعض لا للكل، لأنه دائر مع الخير والأول دائر مع الهوى؛ ثم حذرهم من النقض بأنه مطلع قادر، فقال تعالى مقبحاً حالهم إذ ذاك: ﴿وقد جعلتم الله﴾ أي الذي له العظمة كلها ﴿عليكم كفيلاً﴾ أي شاهداً ورقيباً.
ولما كان من شأن الرقيب حفظ أحوال من يراقبه، قال تعالى مرغباً مرهباً: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿يعلم ما تفعلون *﴾ فلم تفعلوا شيئاً إلا بمشيئته وقدرته، فكانت كفالته مجعولة بهذا الاعتبار وإن لم يصرح بالجعل، فمتى نقضتم فعل بكم فعل الكفيل القادر
стр. 5285
بالمكفول المماطل من أحد الحق والعقوبة.
ولما أمر بالوفاء ونهى عن النقض، شرع في تأكيد وجوب الوفاء وتحريم النقض وتقبيحه تنفيراً منه فقال تعالى: ﴿ولا تكونوا﴾ أي في نقضكم لهذا الأمر المعنوي ﴿كالتي نقضت غزلها﴾ ولما كان النقض لم يستغرق زمان البعد، قال تعالى: ﴿من بعد قوة﴾ عظيمة حصلت له ﴿أنكاثاً﴾ أي أنقاضاً، جمع نكث وهو كل شيء نقض بعد الفتل سواء كان حبلاً أو غزلاً، فهو مصدر مجموع من نقضت لأنه بمعنى نكثت، قال في القاموس: النكث - بالكسر أن تنقض أخلاق الأكسية لتغزل ثانية. فيكون مثل جلست قعوداً، أي فتكونوا بفعلكم ذلك كهذه المرأة التي ضربتم المثل بها في الخرق مع ادعائكم أنه يضرب بأدناكم المثل في العقل، ثم وصل بذلك ما يعرف أنهم أسفه من تلك المرأة بسبب أن ضررها لا يتعداها، وأما الضرر بفعلهم فإنه مفسد لذات البين فقال تعالى: ﴿تتخذون﴾
стр. 5286
أي بتكليف الفطرة الأولى ضد ما تدعو إليه من الوفاء ﴿أيمانكم دخلاً﴾ أي فيضمحل كونها أيماناً إلى كونها ذريعة إلى الفساد بالخداع والغرور ﴿بينكم﴾ من حيث إن المحلوف له يطمئن فيفجأه الضرر، ولو كان على حذر لما نيل منه ولا جسر عليه، وكل ما أدخل في الشيء على فساد فهو دخل ﴿إن﴾ أي تفعلون ذلك بسب أن ﴿تكون أمة﴾ أي وهي الخادعة أو المخدوعة لأجل سلامتها ﴿هي﴾ أي خاصة ﴿أربى﴾ أي أزيد وأعلى ﴿من أمة﴾ في القوة أو العدد، فإذا وجدت نفاداً لزيادتها غدرت.
ولما عظم عليهم النقض، وبين أن من أسبابه الزيادة، حذرهم غوائل البطر فقال تعالى: ﴿إنما يبلوكم﴾ أي يختبركم ﴿الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿به﴾ أي يعاملكم معاملة المختبر بالأيمان والزيادة ليظهر للناس تمسككم بالوفاء أو انخلاعكم منه اعتماداً على كثرة أنصاركم وقلة أنصار من نقضتم عهده من المؤمنين «أو غيرهم» مع قدرته سبحانه على ما يريد، فيوشك أن يعاقب بالمخالفة فيضعف القوي ويقلل
стр. 5287
الكثير ﴿وليبينن لكم﴾ أي إذا تجلى لفصل القضاء ﴿يوم القيامة﴾ مع هذا كله ﴿ما كنتم﴾ أي بجبلاتكم ﴿فيه تختلفون *﴾ فاحذروا يوم العرض على ملك الملوك بحضرة الرؤساء والملوك وجميع المعبودات والكل بحضرته الشماء داخرون، ولديه صاغرون، ومن نوقش الحساب يهلك.
стр. 5288
ولما أمر ونهى، وخوف من العذاب في القيامة، وكان ربما ظن من لا علم له - وهم الأكثر - من كثرة التصريح بالحوالة على القيامة نقص القدرة في هذه الدار، صرح بنفي ذلك بقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه، أن يجعلكم أمة واحدة لا خلاف بينكم في أصول الدين ولا فروعه ﴿لجعلكم أمة واحدة﴾ متفقة على أمر واحد لا تؤم غيره، منفياً عنها أسباب الخلاف ﴿ولكن﴾ لم يشأ ذلك وشاء اختلافكم، فهو ﴿يضل من يشاء﴾ عدلاً منه، لأنه تام الملك عام الملك ولو كان الذي أضله على أحسن الحالات ﴿ويهدي﴾ بفضله ﴿من يشاء﴾ ولو كان على أخس الأحوال،
стр. 5289
فبذلك يكونون مختلفين في المقاصد، يؤم هذا غير ما يؤمه هذا، فيأتي الخلاف مع تأدية العقل إلى أن الاجتماع خير من الافتراق فالاختلاف مع هذا من قدرته الباهرة.
ولما تقرر بهذا أن الكل فعله وحده فلا فعل لغيره أصلاً، كان ربما أوقع في الوهم أنه لا حرج على أحد في شيء يفعله بين أن السؤال يكون عن المباشرة ظاهراً على ما يتعارف الناس في إسناد الفعل إلى من ظهر اكتسابه له، فقال تعالى مرغباً مرهباً مؤكداً لإنكارهم البعث عما ينشأ عنه: ﴿ولتسئلن عما كنتم﴾ أي كوناً أنتم مجبولون عليه ﴿تعلمون *﴾ وإن دق، فيجازي كلاًّ منكم على عمله وإن كان غنياً عن السؤال، فهو بكل شيء عليم.
ولما بين أن الكذب وما جر إليه أقبح القبائح، وأبعد الأشياء عن المكارم، وكان من أعظم أسباب الخلاف، فكان أمره جديراً بالتأكيد، أعاد الزجر عنه بأبلغ مما مضى بصريح النهي مرهباً مما يترتب على ذلك، فقال معبراً بالافتعال إشارة إلى أن ذلك لا يفعل
стр. 5290
إلا بعلاج شديد من النفس لأن الفطرة السليمة يشتد نفارها منه: ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً﴾ أي فساداً ومكراً وداء وخديعة ﴿بينكم﴾ أي في داخل عقولكم وأجسامكم ﴿فتزل﴾ أي فيكون ذلك سبباً لأن تزل ﴿قدم﴾ هي في غاية العظمة بسبب الثبات ﴿بعد ثبوتها﴾ عن مركزها الذي كانت به من دين أو دنيا، فلا يصير لها قرار فتسقط عن مرتبتها، وزلل القدم تقوله العرب لكل ساقط في ورطة بعد سلامة ﴿وتذوقوا السوء﴾ مع تلك الزلزلة ﴿بما صددتم﴾ أي أنفسكم ومنعتم غيركم بأيمانكم التي أردتم بها الإفساد لإخفاء الحق ﴿عن سبيل الله﴾ أي الملك الأعلى، يتجدد لكم هذا الفعل ما دمتم على هذا الوصف ﴿ولكم﴾ مع ذلك ﴿عذاب عظيم﴾ ثابت غير منفك إذا متم على ذلك.
ولما كان هذا خاصاً بالأيمان، أتبعه النهي عن الخيانة في عموم العهد تأكيداً بعد تأكيد للدلالة على عظيم النقض فقال تعالى: ﴿ولا تشتروا﴾ أي تكلفوا أنفسكم لجاجاً وتركاً للنظر في
следующие страницы →