Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.
стр. 5286
أي بتكليف الفطرة الأولى ضد ما تدعو إليه من الوفاء ﴿أيمانكم دخلاً﴾ أي فيضمحل كونها أيماناً إلى كونها ذريعة إلى الفساد بالخداع والغرور ﴿بينكم﴾ من حيث إن المحلوف له يطمئن فيفجأه الضرر، ولو كان على حذر لما نيل منه ولا جسر عليه، وكل ما أدخل في الشيء على فساد فهو دخل ﴿إن﴾ أي تفعلون ذلك بسب أن ﴿تكون أمة﴾ أي وهي الخادعة أو المخدوعة لأجل سلامتها ﴿هي﴾ أي خاصة ﴿أربى﴾ أي أزيد وأعلى ﴿من أمة﴾ في القوة أو العدد، فإذا وجدت نفاداً لزيادتها غدرت.
ولما عظم عليهم النقض، وبين أن من أسبابه الزيادة، حذرهم غوائل البطر فقال تعالى: ﴿إنما يبلوكم﴾ أي يختبركم ﴿الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿به﴾ أي يعاملكم معاملة المختبر بالأيمان والزيادة ليظهر للناس تمسككم بالوفاء أو انخلاعكم منه اعتماداً على كثرة أنصاركم وقلة أنصار من نقضتم عهده من المؤمنين «أو غيرهم» مع قدرته سبحانه على ما يريد، فيوشك أن يعاقب بالمخالفة فيضعف القوي ويقلل
стр. 5287
الكثير ﴿وليبينن لكم﴾ أي إذا تجلى لفصل القضاء ﴿يوم القيامة﴾ مع هذا كله ﴿ما كنتم﴾ أي بجبلاتكم ﴿فيه تختلفون *﴾ فاحذروا يوم العرض على ملك الملوك بحضرة الرؤساء والملوك وجميع المعبودات والكل بحضرته الشماء داخرون، ولديه صاغرون، ومن نوقش الحساب يهلك.
стр. 5288
ولما أمر ونهى، وخوف من العذاب في القيامة، وكان ربما ظن من لا علم له - وهم الأكثر - من كثرة التصريح بالحوالة على القيامة نقص القدرة في هذه الدار، صرح بنفي ذلك بقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه، أن يجعلكم أمة واحدة لا خلاف بينكم في أصول الدين ولا فروعه ﴿لجعلكم أمة واحدة﴾ متفقة على أمر واحد لا تؤم غيره، منفياً عنها أسباب الخلاف ﴿ولكن﴾ لم يشأ ذلك وشاء اختلافكم، فهو ﴿يضل من يشاء﴾ عدلاً منه، لأنه تام الملك عام الملك ولو كان الذي أضله على أحسن الحالات ﴿ويهدي﴾ بفضله ﴿من يشاء﴾ ولو كان على أخس الأحوال،
стр. 5289
فبذلك يكونون مختلفين في المقاصد، يؤم هذا غير ما يؤمه هذا، فيأتي الخلاف مع تأدية العقل إلى أن الاجتماع خير من الافتراق فالاختلاف مع هذا من قدرته الباهرة.
ولما تقرر بهذا أن الكل فعله وحده فلا فعل لغيره أصلاً، كان ربما أوقع في الوهم أنه لا حرج على أحد في شيء يفعله بين أن السؤال يكون عن المباشرة ظاهراً على ما يتعارف الناس في إسناد الفعل إلى من ظهر اكتسابه له، فقال تعالى مرغباً مرهباً مؤكداً لإنكارهم البعث عما ينشأ عنه: ﴿ولتسئلن عما كنتم﴾ أي كوناً أنتم مجبولون عليه ﴿تعلمون *﴾ وإن دق، فيجازي كلاًّ منكم على عمله وإن كان غنياً عن السؤال، فهو بكل شيء عليم.
ولما بين أن الكذب وما جر إليه أقبح القبائح، وأبعد الأشياء عن المكارم، وكان من أعظم أسباب الخلاف، فكان أمره جديراً بالتأكيد، أعاد الزجر عنه بأبلغ مما مضى بصريح النهي مرهباً مما يترتب على ذلك، فقال معبراً بالافتعال إشارة إلى أن ذلك لا يفعل
стр. 5290
إلا بعلاج شديد من النفس لأن الفطرة السليمة يشتد نفارها منه: ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً﴾ أي فساداً ومكراً وداء وخديعة ﴿بينكم﴾ أي في داخل عقولكم وأجسامكم ﴿فتزل﴾ أي فيكون ذلك سبباً لأن تزل ﴿قدم﴾ هي في غاية العظمة بسبب الثبات ﴿بعد ثبوتها﴾ عن مركزها الذي كانت به من دين أو دنيا، فلا يصير لها قرار فتسقط عن مرتبتها، وزلل القدم تقوله العرب لكل ساقط في ورطة بعد سلامة ﴿وتذوقوا السوء﴾ مع تلك الزلزلة ﴿بما صددتم﴾ أي أنفسكم ومنعتم غيركم بأيمانكم التي أردتم بها الإفساد لإخفاء الحق ﴿عن سبيل الله﴾ أي الملك الأعلى، يتجدد لكم هذا الفعل ما دمتم على هذا الوصف ﴿ولكم﴾ مع ذلك ﴿عذاب عظيم﴾ ثابت غير منفك إذا متم على ذلك.
ولما كان هذا خاصاً بالأيمان، أتبعه النهي عن الخيانة في عموم العهد تأكيداً بعد تأكيد للدلالة على عظيم النقض فقال تعالى: ﴿ولا تشتروا﴾ أي تكلفوا أنفسكم لجاجاً وتركاً للنظر في
стр. 5291
العواقب أن تأخذوا وتستبدلوا ﴿بعهد الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿ثمناً قليلاً﴾ أي من حطام الدنيا وإن كنتم ترونه كثيراً، ثم علل قلته بقوله تعالى: ﴿إنما عند الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام من ثواب الدارين ﴿هو خير لكم﴾ ولا يعدل عن الخير إلى ما دونه إلا لجوج ناقص العقل؛ ثم شرط علم خيريته بكونهم من ذوي العلم فقال تعالى: ﴿إن كنتم﴾ أي بجبلاتكم ﴿تعلمون *﴾ أي ممن يتجدد له علم ولم تكونوا في عداد البهائم، فصار العهد الشامل للأيمان مبدوءاً في هذه الآيات بالأمر بالوفاء به ومختوماً بالنهي عن نقضه، والأيمان التي هي أخص منه وسط بين الأمر والنهي المتعلقين به، فصار الحث عليها على غاية من التأكيد عظيمة ورتبة من التوثيق جليلة، ثم بين خيريته وكثرته بقوله تعالى على سبيل التعليل: ﴿ما عندكم﴾ أي من أعراض الدنيا، وهو الذي تتعاطونه بطباعكم ﴿ينفد﴾ أي يفنى، فصاحبه منغص العيش أشد ما يكون به اغتباطاً بانقطاعه أو بتجويز انقطاعه إن كان في عداد من يعلم ﴿وما عند الله﴾ أي الذي
стр. 5292
له الأمر كله من الثواب ﴿باق﴾ فليؤتينكم منه إن ثبتم على عهده؛ ثم لوح بما في ذلك من المشقة عطفاً على هذا المقدر فقال تعالى مؤكداً لأجل تكذيب المكذبين: ﴿ولنجزين﴾ أي الله - على قراءة الجماعة بالياء ونحن - على قراءة ابن كثير وعاصم بالنون التفاتاً إلى التكلم للتعظيم ﴿الذين صبروا﴾ على الوفاء بما يرضيه من الأوامر والنواهي ﴿أجرهم﴾ ولما كان كرماء الملوك يوفون الأجور بحسب الأعمال من الأحسن وما دونه، أخبر بأنه يعمد إلى الأحسن فيرفع الكل إليه ويسوي الأدون به فقال: ﴿بأحسن ما كانوا﴾ أي كوناً هو جبلة لهم ﴿يعملون *﴾ .
ولما وعد بعد أن توعد، أتبعه ما يبين أن ذلك لا يخص شريفاً ولا وضيعاً، وإنما هو دائر مع الوصف الذي رمز إليه فيما مضى بالعدل تارة، وبالعهد أخرى، وهو الإيمان، فقال تعالى جواباً لمن كأنه قال: هذا خاص بأحد دون أحد، مرغباً في عموم شرائع الإسلام: ﴿من عمل صالحاً﴾ ولما كانت عامة، وكانت ربما خصت الذكور، بين المراد من عمومها بقوله تعالى: ﴿من ذكر أو أنثى﴾ فعم ثم قيد مشيراً بالإفراد إلى قلة الراسخين
стр. 5293
بقوله تعالى: ﴿وهو مؤمن﴾ .
ولما كان الإنسان كلما علا في درج الإيمان، كان جديراً بالبلاء والامتحان، بين تعالى أن ذلك لا ينافي سعادته، ولذلك أكد قوله: ﴿فلنحيينه﴾ دفعاً لما يتوهمه المستدرجون بما يعجل لهم طيباتهم في الحياة الدنيا ﴿حياة طيبة﴾ أي في الدنيا بما نؤتيه من ثبات القدم، وطهارة الشيم ﴿ولنجزينهم﴾ كلهم ﴿أجرهم﴾ في الدنيا والآخرة ﴿بأحسن ما كانوا﴾ أي كوناً جبلياً ﴿يعملون *﴾ قال العلماء ﵃: المطيع في عيشه هنيئة، إن كان موسراً فلا كلام فيه، وإن كان معسراً فبالقناعة والرضى بحكم النفس المطمئنة، والفاجر بالعكس، إن كان معسراً فواضح، وإن كان موسراً فحرصه لا يدعه يتهنأ فهو لا يزال في عيشة ضنك.
ولما تقررت هذه الأحكام على هذه الوجوه الجليلة، وأشارت بحسن ألفاظها وشرف سياقها إلى أغراض هي مع جلالتها غامضة دقيقة، فلاح بذلك أن القرآن تبيان لكل شيء في حق من سلم من غوائل الهوى وحبائل الشيطان، وختم ذلك بالحث على العمل الصالح، وكان القرآن تلاوة وتفكراً وعملاً بما ضمن
стр. 5294
أجل الأعمال الصالحة، تسبب عن ذلك الأمر بأنه إذا قرىء هذا القرآن المنزل على مثل تلك الأساليب الفائقة يستعاذ من الشيطان لئلا يحول بوساوسه بين القارىء وبين مثل تلك الأغراض والعمل بها، وحاصله الحث على التدبر وصرف جميع الفكر إلى التفهم والالتجاء إليه تعالى في كل عمل صالح لئلا يفسده الشيطان بوساوسه، أو يحول بين الفهم وبينه، بياناً لقدر الأعمال الصالحة، وحثاً على الإخلاص فيها وتشمير الذيل عند قصدها، لا سيما أفعال القلوب التي هي أغلب ما تقدم هنا، فقال تعالى مخاطباً لأشرف خلقه ليفهم غيره من باب الأولى فيكون أبلغ في حثه وأدعى إلى اتباعه: ﴿فإذا قرأت﴾ أي أردت أن تقرأ مثل ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا﴾ [الأعراف: ٤] ﴿القرآن﴾ الذي هو قوام العمل الصالح والداعي إليه والحاث عليه، مع كونه تبياناً لكل شيء، وهو اسم جنس يشمل القليل منه والكثير ﴿فاستعذ﴾ أي إن شئت جهراً وإن شئت سراً؛ قال الإمام الشافعي: والإسرار أولى في الصلاة، وفي قول: يجهر كما يفعل خارج الصلاة. ﴿بالله﴾ أي سل الذي له الكمال كله أن يعيذك ﴿من الشيطان﴾ أي المحترق باللعنة ﴿الرجيم *﴾ أي المطرود عن الرحمة من أن يصدك بوساوسه عن اتباعه، فإنه لا عائق
стр. 5295
عن الإذعان، لأساليبه الحسان، إلا خذلان الرحمن، بوساوس الشيطان، فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن ذلك أوفق للقرآن، وقد ورد به بعض الأخبار عن عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعاً وهو المشهور ونص عليه الإمام الشافعي ﵁، والصارف لهذا الأمر عن الوجوب أحاديث كثيرة فيها القراءة بدون ذكر تعوذ كحديث البخاري وغيره «عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له ما منعك أن تجيبني؟ قال: كنت أصلي، قال: ألم يقل الله: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾ [الأنفال: ٢٤] ثم قال: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ » وفي رواية الموطأ «أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم نادى أبياً وأنه قال: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال أبي: فقرأت ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ حتى أتيت على آخرها»
ومن طالع كتابي «مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» رأى مثل هذا أحاديث جداً من أحسنها حديث
стр. 5296
نزول سورة الكوثر، وقيل: التعوذ بعد القراءة لظاهر الآية، وختام القرآن بالمعوذتين موافق لهذا القول بالنسبة إلى الحال، والقول الأول الصحيح بالنسبة إلى ما ندب إليه المرتحل من قراءة الفاتحة وأول البقرة.
ولما كان ذلك ربما هو أوهم تعظيمه، نفى ذلك بقوله جواباً لمن كأنه قال: هل له سلطان؟ : ﴿إنه ليس له سلطان﴾ أي بحيث لا يقدر المسلط عليه على الانفكاك عنه ﴿على الذين ءامنوا﴾ بتوفيق ربهم لهم ﴿وعلى ربهم﴾ أي وحده ﴿يتوكلون *﴾ ويجوز أن يكون المعنى أنه لما تقرر في الأذهان أنه لا نجاة من الشيطان، لأنه سلط علينا بأنه يرانا من حيث لا نراه ويجري فينا مجرى الدم، وكانت فائدة الاستعاذة الإعاذة، أشير إلى حصولها بقوله على سبيل التعليل «إنه» أي استعذ بالله يعذك منه، لأنه ليس له سلطان على الذين آمنوا بالله ليردهم كلهم عما
стр. 5297
يرضي الله، وعلى ربهم وحده يتوكلون، ثم وصل بذلك ما أفهمه من أن له سلطاناً على غيرهم فقال تعالى: ﴿إنما سلطانه﴾ أي الذي يتمكن به غاية التمكن بإمكان الله له ﴿على الذين يتولونه﴾ أي تولوه وأصروا على ذلك بتجديد ولايته كل حين ﴿والذين هم﴾ أي بظواهرهم وبواطنهم ﴿به﴾ أي بالشيطان ﴿مشركون *﴾ دائماً لأنهم إذا تبعوا وساوسه، وأطاعوا أوامره فقد عبدوه فجعلوه بذلك شريكاً، فهم لا يتأملون دقائق القرآن بل ولا يفهمون ظواهره على ما هي عليه لما أعماهم به الشيطان من وساوسه، وحبسهم به عن هذه الأساليب من محابسه، فهم لا يزالون يطعنون فيه بقلوب عمية وألسنة بذية؛ ثم عطف على هذا المقدر - الذي دل عليه الكلام - ما أنتجه تسلط الشيطان عليهم فقال تعالى: ﴿وإذا بدلنا﴾ أي بعظمتنا بالنسخ ﴿ءاية﴾ سهلة كالعدة بأربعة أشهر وعشر، وقتال الواحد من المسلمين لاثنين من الكفار، أو شاقّة كتحريم الخمر وإيجاب صلوات خمس، فجعلناها
стр. 5298
﴿مكان ءاية﴾ شاقة كالعدة بحول، ومصابرة عشرة من الكفار، أو سهلة كالآيات المتضمنة لإباحة الخمر وإيجاب ركعتين أول النهار وركعتين آخره، فكانت الثانية مكان الأولى وبدلاً منها، أو يكون المعنى: نسخنا آية صعبة فجعلنا مكانها آية سهلة؛ والتبديل: رفع الشيء مع وضع غيره مكانه ﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الشاملة ﴿أعلم بما ينزل﴾ من المصالح بحسب الأوقات والأحوال بنسخ أو بغيره ﴿قالوا﴾ أي الكفار ﴿إنما أنت﴾ أي يا محمد! ﴿مفتر﴾ أي فإنك تأمر اليوم بشيء وغداً تنهى عنه وتأمر بضده، وليس الأمر كما قالوا ﴿بل أكثرهم﴾ وهم الذين يستمرون على الكفر ﴿لا يعلمون *﴾ أي لا يتجدد لهم علم، بل هم في عداد البهائم، لعدم انتفاعهم بما وهبهم الله من العقول، لانهماكهم في اتباع الشيطان، حتى زلت أقدامهم في هذا الأمر الواضح بعد إقامة البرهان بالإعجاز على أن كل ما كان معجزاً كان من عند الله، سواء كان ناسخاً أو منسوخاً أو لا، فصارت معرفة أن هذا القرآن وهذا غير قرآن بعرضه على هذا البرهان من أوضح الأمور وأسهلها تناولاً لمن أراد ذلك منهم أو من غيرهم من فرسان البلاغة
стр. 5299
فكأنه قيل: فما أقول؟ فقال: ﴿قل﴾ لمن واجهك بذلك منهم: ﴿نزله﴾ أي القرآن بحسب التدريج لأجل اتباع المصالح لإحاطة علم المتكلم به ﴿روح القدس﴾ الذي هو روح كله، ليس فيه داعٍ إلى هوى، فكيف يتوهم فيما ينزله افتراء لا سيما مع إضافته الطهر البالغ، فهو ينزله ﴿من ربك﴾ أيها المخاطب الذي أحسن إليك بإنزاله ثم بتبديله بحسب المصالح كما أحسن تربيتك بالنقل من حال إلى حال لا يصلح في واحدة منها ما يصلح في غيرها من الظهر إلى البطن، ثم من الرضاع إلى الفطام، فما بعده، فكيف تنكر تبديل الأحكام للمصالح ولا تنكر تبديل الأحوال لذلك، حال كون ذلك الإنزال ﴿بالحق﴾ أي الأمر الثابت الذي جل عن دعوى الافتراء بأنه لا يستطاع نقضه ﴿ليثبت﴾ أي تثبيتاً عظيماً ﴿الذين آمنوا﴾ في دينهم بما يرون من إعجاز البدل والمبدل مع تضاد الأحكام، وما فيه من الحكم والمصالح بحسب تلك الأحوال - مع ما كان في المنسوخ من مثل ذلك بحسب الأحوال السالفة - وليتمرنوا على حسن الانقياد، ويعلم بسرعة انقيادهم في ترك الألف تمام استسلامهم وخلوصهم عن شوائب الهوى؛ ثم عطف على محل ﴿ليثبت﴾ قوله: ﴿وهدى﴾ أي بياناً واضحاً ﴿وبشرى﴾ أي بما فيه من تجدد العهد
стр. 5300
بالملك الأعلى وتردد الرسول بينه وبينهم بوساطة نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ﴿للمسلمين *﴾ المنقادين المبرئين من الكبر الطامس للأفهام، المعمي للأحلام، ولولا مثل هذه الفوائد لفاتت حكمة تنجيمه.
стр. 5301
ولما نقض شبهتهم هذه إشارة وعبارة بما فضحهم، نقض لهم شبهة أخرى بأوضح من ذلك وأفضح فقال تعالى: ﴿ولقد نعلم﴾ أي علماً مستمراً ﴿أنهم يقولون﴾ أي أيضاً قولاً متكرراً لا يزالون يلهجون به ﴿إنما يعلمه بشر﴾ وهم يعلمون أن ذلك سفساف من القول؛ ثم استأنف الرد عليهم فقال تعالى: ﴿لسان﴾ أي لغة وكلام ﴿الذين يلحدون﴾ أي يميلون أو يشيرون ﴿إليه﴾ بإن علمه إياه، مائلين عن القصد جائرين عادلين عن الحق ظالمين ﴿أعجمي﴾ أي غير لغة العرب، وهو مع ذلك ألكن في النادية غير بين، وهو غلام كان نصرانياً لبعض قريش اختلف في اسمه، وهذا التركيب وضع في لسان العرب للإبهام والإخفاء، ومنه عجم الزبيب - لاستتاره، والعجماء: البهيمة - لأنها لا تقدر على أيضاح ما في نفسها، وأما أعجمت الكتاب فهو للإزالة.
стр. 5302
﴿وهذا﴾ أي القرآن ﴿لسان عربي مبين *﴾ أي هو من شدة بيانه مظهر لغيره أنه ذو بيان عظيم، فلو أن المعلم عربي للزمهم أن لا يعجزوا عن الإتيان بمثل ما علم، فكيف وهو أعجمي.
فلما بانت بهذا فضيحتهم، كان كأنه قيل: إن من العجب إقدامهم على مثل هذا العار وهم يدعون النزاهة؟ فأجاب بقوله تعالى: ﴿إن الذين لا يؤمنون﴾ أي يصدقون كل تصديق معترفين ﴿بآيات الله﴾ أي الذي له العظمة كلها ﴿لا يهديهم الله﴾ أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق، بل يضلهم عن القصد، فلذلك يأتون بمثل هذه الخرافات فأبشر لمن بالغ في العناد، بسد باب الفهم والسداد.
ولما كان ربما توهم أنه لكونه هو المضل لا يتوجه اللوم عليهم نفى ذلك بقوله: ﴿ولهم عذاب أليم *﴾ أي بذلك، لمباشرتهم له مع حجب المراد عنهم وخلق القدرة لهم، إجراء على عوائد بعض الخلق مع بعض.
ولما زيف شبههم، أثبت لهم ما قذفوه به وهو بريء منه مقصوراً عليهم، فقال تعالى: ﴿إنما يفتري﴾ أي يتعمد ﴿الكذب الذين لا يؤمنون﴾ أي لا يتجدد منهم الإيمان ﴿بآيات الله﴾ أي الذي له الكمال كله، فإن ردهم لما قام الدليل على أنه حق وعجزوا
стр. 5303
عنه تعمد منهم للكذب؛ ثم قصر الكذب عليهم فقال: ﴿وأولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿الكاذبون *﴾ أي العريقون في الكذب ظاهراً وباطناً.
ولما ذكر الذين لا يؤمنون مطلقاً، أتبعهم صنفاً منهم هم أشدهم كفراً فقال تعالى: ﴿من﴾ أي أي مخلوق وقع له أنه ﴿كفر بالله﴾ أي الذي له صفات الكمال، بأن قال أو عمل ما يدل على الكفر، ولما كان الكفر كله ضاراً وإن قصر زمنه، أثبت الجار فقال تعالى: ﴿ومن بعد إيمانه﴾ بالفعل أو بالقوة، لما قام على الإيمان من الأدلة التي أوصلته إلى حد لا يلبس فصار استكباره عن الإيمان ارتداداً عنه وجوب الشرط دل ما قبله وما بعده على أنه: فهو الكاذب، أو فعليه غضب من الله ﴿إلا من أكره﴾ أي وقع إكراهه على قول كلمة الكفر ﴿وقلبه﴾ أي والحال أن قلبه ﴿مطمئن بالإيمان﴾ فلا شيء عليه، وأجمعوا - مع إباحة ذلك له - أنه لا يجب عليه التكلم بالكفر، بل إن ثبت كان ذلك أرفع درجة، والآية
«نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه
стр. 5304
أكرهوه فتابعهم وهو كاره، فأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه كفر، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كلا! إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى رسول الله ﷺ وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمسح عينيه ويقول: إن عادوا فعد لهم بمثل ما قلت» ﴿ولكن من شرح﴾ أي فتح فتحاً صار يرشح به ﴿بالكفر صدراً﴾ أي منه أو من غيره بالتسبب فيه لأن حقيقة الإيمان والكفر يتعلق بالقلب دون اللسان، وإنما اللسان معبر وترجمان معرف بما في القلب لتوقع الأحكام الظاهرة ﴿فعليهم﴾ لرضاهم به ﴿غضب﴾ أي غضب؛ ثم بين جهة عظمه بكونه ﴿من الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿ولهم﴾ أي بظواهرهم وبواطنهم ﴿عذاب عظيم *﴾ لارتدادهم على أعقابهم.
ولما كان من يرجع إلى الظلمات بعد خروجه منها إلى النور جديراً بالتعجب منه، كان كأنه قيل: لم يفعلون، أو لم يفعل
стр. 5305
بهم ذلك؟ فقال تعالى: ﴿ذلك﴾ الارتداد أو الوعيد العظيم ﴿بأنهم﴾ أي بسبب أنهم ﴿استحبوا﴾ أي أحبوا حباً عظيماً ﴿الحياة الدنيا﴾ أي الدنيئة الحاضرة الفانية، فآثروها ﴿على الآخرة﴾ الباقية الفاخرة لأنهم رأوا ما فيه المؤمن من الضيق والكافر من السعة ﴿و﴾ بسبب ﴿أن الله﴾ أي الملك الذي له الغنى الأكبر ﴿لا يهدي القوم الكافرين *﴾ الذين علم استمرارهم عليه، بل يخذلهم ويسلط الشيطان عليهم يحتالهم عن دينهم.
стр. 5306
ولما كان استمرارهم على الكفر أعجب من ارتدادهم، أتبعه سببه فقال تعالى: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿الذين طبع﴾ أي ختم ختماً هو كفيل بالعطب ﴿الله﴾ أي الملك الذي لا أمر لأحد معه ﴿على قلوبهم﴾ ولما كان التفاوت في السمع نادراً، وحده فقال تعالى: ﴿وسمعهم وأبصارهم﴾ فصاروا - لعدم انتفاعهم بهذه المشاعر - كأنهم لا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون ﴿وأولئك﴾ أي الأباعد من كل خير ﴿هم الغافلون *﴾ أي الكاملو الغفلة؛ ثم أتبع ذلك جزاءهم
стр. 5307
عليه فقال تعالى: ﴿لا جرم﴾ أي لا شك ﴿أنهم في الآخرة هم﴾ أي خاصة ﴿الخاسرون *﴾ أي أكمل خسارة لأنهم خسروا رأس المال وهو نفوسهم، فلم يكن لهم مرجع يرجعون إليه.
ولما قدم الفاتن والمفتون، أتبع ذلك ذكر حكمهما على القراءتين فقال تعالى: بحرف التراخي إشارة إلى تقاصر رتبتهما عن رتبة من لم يفعل ذلك: ﴿ثم إن ربك﴾ أي المحسن إليك بالعفو عن أمتك وتخفيف الآصار عنهم في قبول توبة من ارتد بلسانه أو قلبه ﴿للذين هاجروا﴾ أهل الكفر بالنزوح من بلادهم توبة إلى الله تعالى مما كانوا فيه.
ولما كان سبحانه يقبل اليسير من العمل في أي وقت كان، أشار إلى ذلك بالجار فقال تعالى مبيناً أن الفتنة بالأذى - وإن كان بالغاً - غير قادحة في الهجرة وما تبعها، فيفيد ذلك في الهجرة بدونها من باب الأولى ﴿من بعد ما فتنوا﴾ بالبناء للمجهول - على قراءة الجماعة، لأن المضر هو الفتنة مطلقاً، وللفاعل على قراءة ابن عامر، أي ظلموا بأن فتنوا من آمن بالله حين كانوا كفاراً،
стр. 5308
أو أعطوا الفتنة من أنفسهم ففتنوها بأن أطاعوا في كلمة الكفر، أو في الرجوع مع من ردهم إلى بلاد الكفر بعد الهجرة من بعد إيمانهم ﴿ثم جاهدوا﴾ أي أوقعوا جهاد الكفار مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توبة إلى الله تعالى ﴿وصبروا﴾ على ذلك إلى أن ماتوا عليه ﴿إن ربك﴾ أي المحسن إليك بتسخير من هذه صفاتهم لك.
ولما كان له سبحانه أن يغفر الذنوب كلها ما عدا الشرك، وأن يعذب عليها كلها وعلى بعضها، وأن يقبل الصالح كله، وأن يرد بعضه، أشار إلى ذلك بالجار فقال تعالى: ﴿من بعدها﴾ أي هذه الأفعال الصالحة الواقعة بعد تلك الفاسدة وهي الفتنة ﴿لغفور﴾ أي بليغ المحو للذنوب ﴿رحيم *﴾ أي بليغ الإكرام فهو يغفر لهم ويرحمهم.
стр. 5309
ولما تقدم كثير من التحذير والتبشير، وتقدم أنه لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون، وختم ذلك بانحصار الخسار في الكفار، بيَّن اليوم الذي تظهر فيه تلك الآثار، ووصفه بغير الوصف المقدم باعتبار المواقف، فقال تعالى مبدلاً من ﴿يوم نبعث من كل أمة شهيداً﴾
стр. 5310
﴿يوم تأتي﴾ أي فيه ﴿كل نفس﴾ أي إنسان وإن عظم جرمها ﴿تجادل﴾ أي تعتذر، وعبر بالمجادلة إفهاماً للذفع بأقصى ما تقدر عليه، وأظهر في قوله: ﴿عن نفسها﴾ أي ذاتها بمفردها لا يهمها غير ذلك لما يوهم الإضمار من أن كل أحد يجادل عن جميع الأنفس. ولما كان مطلق الجزاء مخوفاً مقلقاً، بني للمفعول قوله: ﴿وتوفَّى كل نفس﴾ صالحة وغير صالحة ﴿ما عملت﴾ أي جزاء من جنسه ﴿وهم﴾ ولما كان المرهوب مطلق الظلم، وكان البناء للمفعول أبلغ جزاء في نفيه قال تعالى: ﴿لا يظلمون *﴾ أي لا يتجدد عليهم ظلم لا ظاهراً ولا باطناً، ليعلم بإبدال «يوم» من ذلك المتقدم أن الخسارة بإقامة الحق عليهم لا بمجرد إسكاتهم.
ولما عقب سبحانه ما ضرب سابقاً من الأمثال بقوله تعالى ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ وتلاه بذكر الساعة بقوله تعالى: ﴿وما أمر الساعة﴾ إلى آخره، واستمر فيما مضت مناسباته آخذاً بعضه بحجز بعض حتى ختم بالساعة وآمن من الظلم فيها، وبين أن الأعمال هناك هي مناط الجزاء، عطف على ما مضى - من الأمثال المفروضة المقدرة المرغبة - مثلاً محسوساً موجوداً، مبيناً أن الأعمال في هذه
стр. 5311
الدار أيضاً مناط الجزاء، مرهباً من المعاجلة فيها بسوط من العذاب فقال تعالى: ﴿وضرب الله﴾ أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لكم أيها المعاندون! ﴿مثلاً قرية﴾ من قرى الماضين التي تعرفونها كقرية هود أو صالح أو لوط أو شعيب ﵈ كان حالها كحالهم، وعن ابن عباس ﵄ أنها مكة ﴿كانت ءامنة﴾ أي ذات أمن يأمن به أهلها في زمن الخوف ﴿مطمئنة﴾ أي تارة بأهلها، لا يحتاجون فيها إلى نجعة وانتقال بسبب زيادة الأمن بكثرة العدد وقوة المدد، وكف الله الناس عنها، ووجود ما يحتاج إليه أهلها ﴿يأتيها﴾ أي على سبيل التجدد والاستمرار ﴿رزقها رغداً﴾ أي واسعاً طيباً ﴿من كل مكان﴾ براً وبحراً بتيسير الله تعالى لهم ذلك.
ولما كانت السعة تجر إلى البطر غالباً، نبه تعالى لهم ذلك بالفاء فقال تعالى: ﴿فكفرت﴾ ونبه سبحانه على سعة فضله بجمع القلة الدال على أن كثرة فضلة عليهم تافهة بالنسبة إلى ما عنده فقال: ﴿بأنعم الله﴾ أي الذي له الكمال كله كما كفرتم ﴿فأذاقها الله﴾
стр. 5312
أي المحيط بكل شيئ قدرة وعلماً ﴿لباس الجوع﴾ بعد رغد العيش ﴿والخوف﴾ بعد الأمن والطمأنينة حتى صار لهم ذلك بشموله لهم لباساً، وبشدة عركهم ذواقاً، فكأن النظر إلى المستعار له، وهو هنا أبلغ لدلالته على الإحاطة والذوق، ولو نظر إلى المستعار لقال: فكساها، فكان يفوت الذوق، وذلك كما نظر إليه كثيّر في قوله:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكاً ... غلقت لضحكته رقاب المال
استعار الرداء للمعروف لأنه يصون صون الرداء لما يلقى عليه، ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال، لا وصف الرداء الذي هو المستعار، ولو نظر إليه لوصفه بالسعة أو الطول مثلاً كما نظر إليه من قال ذاكراً السيف الذي يصون به الإنسان نفسه:
ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا أخا بكر بن عمرو
لي الشطر الذي ملكت يميني ... ودونك فاعتجر منه بشطر
стр. 5313
فنظر إلى المستعار وهو الرداء في لفظ الاعتجار، فبانت فضيحة ابن الراوندي في زندقته إذ قال لابن الأعرابي: هل يذاق اللباس؟ فقال له: لا بأس يا أيها النسناس! هب أن محمداً ما كان نبياً، أما كان عربياً؟ ﴿بما كانوا﴾ أي بجبلاتهم ﴿يصنعون *﴾ من الكفر والكبر، قد مرنوا عليه بكثرة المداومة مرون الإنسان على صنعته.
ولما كان تعالى لا يعذب حتى يبعث رسولاً، حقق ذلك بقوله تعالى: ﴿ولقد جاءهم﴾ أي أهل هذه القرية ﴿رسول منهم﴾ كما وقع لكم ﴿فكذبوه﴾ كما فعلتم ﴿فأخذهم العذاب﴾ كما سمعتم، وإن كان المراد بها مكة فالمراد به الجوع الذي دعا عليهم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال «اللهم أعني بسبع كسبع يوسف» وأما الخوف فما كان من جهاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهم ﴿وهم ظالمون *﴾ أي عريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها، لأنهم استمروا على كفرهم مع الجوع، وسألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الإغاثة فدعا لهم.
стр. 5314
ولما تقرر بما مضى من أدلة التوحيد، فثبت ثباتاً لا يتطرق إليه شك أن الله هو الإله وحده كما أنه هو الرازق وحده، ونبههم على دقائق في تقديره للأرزاق تدل على عظمته وشمول علمه وقدرته واختياره، فثبت أنهم ظالمون فيما جعلوا للأصنام من رزقه، وأنه ليس لأحد أن يتحرك إلا بأمره سبحانه، وختم ذلك بهذا المثل المحذر من كفران النعم، عقبه بقوله تعالى صاداً لهم عن أفعال الجاهلية: ﴿فكلوا﴾ أي فتسبب عن جميع ما مضى أن يقال لهم: كلوا ﴿مما رزقكم الله﴾ أي الذي له الجلال والجمال مما عده لكم في هذه السورة وغيرها، حال كونه ﴿حلالاً طيباً﴾ أي لا شبهة فيه ولا مانع بوجه ﴿واشكروا نعمت الله﴾ أي الذي له صفات الكمال حذراً من أن يحل بكم ما أحل بالقرية الممثل بها ﴿إن كنتم إياه﴾ أي وحده ﴿تعبدون *﴾ كما اقتضته هذه الأدلة، لأن وحده هو الذي يرزقكم وإلا عاجلكم بالعقوبة لأنه ليس بعد العناد عن البيان إلا الانتقام، فصار الكلام في الرزق والتقريع على عدم الشكر مكتنفاً الأمثال قبل وبعد.
стр. 5315
ولما كان الإذن إنما هو في بعض الرزق في الحال المذكور فاحتيج إلى معرفته، وكانت المباحات أكثر من المحظورات، حصر القليل ليعلم منه الكثير، لأن كل ضدين معروفين إجمالاً عُين أحدهما، عرف من تعيينه الآخر، فقال تعالى: ﴿إنما حرم﴾ أي الله الذي لا أمر لأحد معه ﴿عليكم الميتة﴾ التي بينت على لسان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها ميتة وإن ذكيت ﴿والدم ولحم الخنزير﴾ خصه بالذكر بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارى أكله كالدين ﴿وما أهل﴾ أي بأيّ إهلال كان من أي مهل كان. ولما كان مقصود السورة لبيان الكمال، كان تقديم غيره لتقبيح حال المعتنى به أولى فقال تعالى: ﴿لغير الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا ملك سواه ﴿به﴾ .
ولما كان الإنسان قد يضطر إلى أكل كلّ ما يمكن أكله، بين لهم أنه رفق بهم فأباح لهم سد الرمق من الحرام فقال تعالى: ﴿فمن اضطر﴾ أي كيفما وقع له الاضطرار ﴿غير باغ﴾ على مضطر آخر ﴿ولا عاد﴾ سدَّ الرمق.
ولما كان الإذن في الأكل من هذه الأشياء حال الضرورة
стр. 5316
إنما هو رخصة، وكانت الشهوة داعية إلى ما فوق المأذون فيه قال تعالى: ﴿فإن الله﴾ أي المختص بصفات الكمال، بسبب تناوله منها على ما حده ﴿غفور رحيم *﴾ فمن زاد على ما أذن له فيه فهو جدير بالانتقام.
стр. 5317
ولما تبين بهذه الآية - كما مضى تقريره في الأنعام - جميع المحرم أكله من الحيوانات، فعلم بذلك جهلهم فيما حرموه على أنفسهم لأجل أصنامهم، صرح بالنهي عنه إبلاغاً في تأكيد ذلك الحصر فقال تعالى: ﴿ولا تقولوا﴾ أي بوجه من الوجوه في وقت ما.
ولما كان تحليلهم وتحريمهم قولاً فارغاً ليس له حقيقة أصلاً، لأنه لا دليل عليه، عبر عنه بأنه وصف باللسان لا يستحق أن يدخل إلى القلب فقال تعالى: ﴿لما تصف﴾ أي لأجل الذي تصفه ﴿ألسنتكم﴾ أي من الأنعام والحروث والزروع. ولما حرك النفس إلى معرفة ما يقال لأجل ذلك، بين مقول ذلك القول فقال تعالى: ﴿الكذب﴾ أي القول الذي هو عين الكذب.
ولما اشتد التشوف إلى تعيين ذلك المقول، أبدل منه فقال تعالى: ﴿هذا حلال وهذا حرام﴾ ويجوز أن يكون ﴿الكذب﴾ مفعول ﴿تصف﴾ فتكون ﴿ما﴾ مصدرية، أي لوصفها إياه، فكأن
стр. 5318
حقيقة الكذب كانت مجهولة فلم تعرف إلا بوصف ألسنتهم لها، فهو مبالغة في وصف كلامهم بالكذب، وما بعده مقول القول.
ولما كانوا - كما تقدم يدعون أنهم أعقل الناس، فكان اللائق بهم إرخاءً للعنان النسبة إلى معرفة اللوازم عند الإقدام على الملزومات، قال تعالى: ﴿لتفتروا على الله﴾ أي الملك الأعلى ﴿الكذب﴾ لأن من قال على أحد ما لم يأذن فيه كان قوله كذباً، وكان كذبه لقصد افتراء الكذب، وإلا لكان في غاية الجهل، فدار أمرهم في مثل هذا بين الغباوة المفرطة أو قصد ما لا يقصده عاقل، وهذا باب من التهكم عجيب، فكأنه قيل: فما يستحقون على ذلك؟ فأجاب بقوله تعالى: ﴿إن الذين يفترون﴾ أي يقتطعون عمداً ﴿على الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿الكذب﴾ منكم ومن غيركم ﴿لا يفلحون *﴾ .
ولما كان الفلاح عندهم هو العيش الواسع في هذه الدنيا، أجاب من كأنه قال: فإنا ننظرهم بنعمة ورفاهة؟ فقال تعالى: ﴿متاع قليل﴾ أي ما هم فيه لفنائه وإن امتد ألف عام ﴿ولهم﴾ بعده ﴿عذاب أليم *﴾ ومن ألمه العظيم دوامه فأيّ متاع هذا.
ولما بين لهم نعمته بتوسعته عليهم بما ضيقوا به على أنفسهم، بين لهم نعمة أخرى بتمييزهم على بني إسرائيل فقال تعالى:
стр. 5319
﴿وعلى الذين هادوا﴾ أي اليهود ﴿حرمنا﴾ أي بعظمتنا عقوبة لهم بعدوانهم وكذبهم على ربهم ﴿ما قصصنا﴾ أي بما لنا من العظمة التي كان المقصوص بها معجزاً ﴿عليك﴾ .
ولما لم يكن قص ذلك عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مستغرقاً زمان القبل، أدخل الجار فقال: ﴿من قبل﴾ أي في الأنعام ﴿وما ظلمناهم﴾ أي الذين وقع منهم الهود بتحريمنا عليهم ما حرمنا ﴿ولكن كانوا﴾ أي دائماً طبعاً لهم وخلقاً مستمراً ﴿أنفسهم﴾ أي خاصة ﴿يظلمون *﴾ أي بالبغي والكفر، فضيقنا عليهم معاملة بالعدل، وعاملناكم أنتم حيث ظلمتم بالفضل، فاشكروا النعمة واحذروا غوائل النقمة.
ولما بين هذه النعمة الدنيوية عطف عليها نعمة هي أكبر منها جداً، استجلاباً لكل ظالم، وبين عظمتها بحرف التراخي فقال تعالى: ﴿ثم إن ربك﴾ أي المحسن إليك ﴿للذين عملوا السوء﴾ وهو كل ما من شأنه أن يسوء، وهو ما لا ينبغي فعله ﴿بجهالة﴾ كما عملتم وإن عظم فعلهم وتفاحش جهلهم ﴿ثم تابوا﴾ .
ولما كان سبحانه يقبل اليسير من العمل، أدخل الجار فقال تعالى: ﴿من بعد ذلك﴾ أي الذنب ول كان عظيماً، فاقتصروا على ما أذن
стр. 5320
فيه خالقهم ﴿وأصلحوا﴾ بالاستمرار على ذلك ﴿إن ربك﴾ أي المحسن إليك بتسهيل دينك وتيسيره. ولما كان إنما يغفر بعد التوبة ما عدا الشرك الواقع بعدها، أدخل الجار فقال تعالى: ﴿من بعدها﴾ أي التوبة وما تقدمها من أعمال السوء ﴿لغفور﴾ أي بليغ الستر لما عملوا من السوء ﴿رحيم *﴾ أي محسن بالإكرام فضلاً ونعمة.
стр. 5321
ولما دعاهم إلى مكارم الأخلاق ونهاهم عن مساوئها بقبوله لمن أقبل إليه وإن عظم جرمه، إجابة لدعوة أبيهم إبراهيم ﵇ في قوله ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ [إبراهيم: ٣٦] أتبع ذلك ذكره ترغيباً في اتباعه في التوحيد والميل مع الأمر والنهي إقداماً وإحجاماً إن كانوا ممن يتبع الحق أو يقلد الآباء، فقال على سبيل التعليل لما قبله: ﴿إن إبراهيم﴾ أي أباكم الأعظم إمام الموحدين ﴿كان أمة﴾ فيه من المنافع الدنيوية والأخروية ما يوجب أن يؤمه ويقصده كل أحد يمكن انتفاعه به ﴿قانتاً﴾ أي مخلصاً ﴿لله﴾ أي الملك الذي له الأمر كله ليس فيه شيء من الهوى ﴿حنيفاً﴾ ميالاً مع الأمر والنهي بنسخ أو بغيره، فكونوا حنفاء أتباعاً للحق،
стр. 5322
لما قام عليه من الأدلة، واستناناً بأعظم آبائكم.
ولما كان السياق لإثبات الكمال لإبراهيم ﵇، وكانت الأوصاف الثبوتية قريبة المأخذ سريعة الوصول إلى الفهم، وأتى بعدها وصف سلبي بجملة، حذف نون ﴿يكن﴾ منها إيجازاً وتقريباً للفهم تخفيفاً عليه وحفظاً له من أن يذهب قبل تمامها إلى غير المراد، وإعلاماً بأن الفعل منفي عنه ﵇ على أبلغ وجوه النفي لا ينسب إليه شيء منه ولو قل، فقيل: ﴿ولم يك﴾ ولما كانوا مشركين هم وكثير من أسلافهم، قبح عليهم ذلك بأن أعظم من يعتقدون عظمته من آبائهم ليس من ذلك القبيل، فقال تعالى: ﴿من المشركين *﴾ الواقفين مع الهوى، فلا تكونوا منهم؛ ثم بين حاله فقال: ﴿شاكراً﴾ ولما كان لله على من جعله أمة من النعم ما لا يحصى، بين أن ذلك كله قليل في جنب فضله، فقال مشيراً إلى ذلك بجمع القلة وإلى أن الشاكر على القليل يشكر إذا أتاه الكثير من باب الأولى: ﴿لأنعمه﴾ فهو لا يزال يزيده من فضله، فتقبل دعاءه لكم
стр. 5323
فاشكروا الله اقتداء به ليزيدكم، فكأنه قيل: فما أثابه على ذلك؟ أو علل ما قبل، فقال تعالى: ﴿اجتباه﴾ أي اختاره اختياراً تاماً ﴿وهداه﴾ أي بالبيان الأعظم والتوفيق الأكمل ﴿إلى صراط مستقيم *﴾ وهو الحنيفية السمحة، فكان ممن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، وكان مخالفاً للأبكم الموصوف في المثل السابق؛ ثم قال: ﴿وءاتيناه﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿في الدنيا﴾ بلسان الصدق والثناء الجميل الذي ذللنا له ألسنة الخلق ﴿حسنة﴾ ونبه بالتعبير عن المعطي بنون العظمة على جلالته حيث جعله إماماً معظماً لجميع أهل الملل، فجمع القلوب على محبته، وجعل له فيهم لسان صدق، ورزقه في أولاده من النبوة والصلاح والملك والكثرة ما هو مشهور.
ولما كانت عظمة الدنيا لا تعتبر إلا مقرونة بنعمة الآخرة، قال تعالى: ﴿وإنه في الآخرة﴾ وقال تعالى -: ﴿لمن الصالحين *﴾ أي له ما لهم من الثواب العظيم - معبراً ب «من» تعظيماً لمقام الصلاح وترغيباً فيه.
ولما قرر من عظمته في الدنيا والآخرة ما هو داعٍ إلى اتباعه، صرح بالأمر به تنبيهاً على زيادة عظمته بأمر متباعد في الرتبة على سائر النعوت التي أثنى عليه بها، وذلك كونه صار مقتدي لأفضل ولد آدم، مشيراً إلى ذلك بحرف التراخي الدال على علو رتبته بعلو رتبة من أمر باتباعه فيما مهده مما أمر به من التوحيد والطريق الواضح
стр. 5324
السهل فقال سبحانه: ﴿ثم أوحينا﴾ أي ثم زدناه تعظيماً وجلالة بأن أوحينا ﴿إليك﴾ وأنت أشرف الخلق، وفسر الإيحاء بقوله ترغيباً في تلقي هذا الوحي أحسن التلقي باقتفاء الأب الأعظم: ﴿أن اتبع﴾ أي بغاية جهدك ونهاية همتك.
ولما كان المراد أصل الدين وحسن الاقتضاء فيه بسهولة الانقياد والانسلاخ من كل باطل، والدعوة بالرفق مع الصبر، وتكرير الإيراد للدلائل وكل ما يدعوا إليه العقل الصرف والفطرة السليمة، عبر بالملة فقال تعالى: ﴿ملة إبراهيم﴾ ولا بعد في أن يفهم ذلك الهجرة أيضاً.
ولما كانت الحنيفية أشرف أخلاق إبراهيم ﵇، فكانت مقصودة بالذات، صرح بها فقال تعالى: ﴿حنيفاً﴾ أي الحال كونك أو كونه شديد الانجذاب مع الدليل الحق؛ ورغب العرب في التوحيد ونفرهم من الشرك بقوله تعالى: ﴿وما كان﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿من المشركين *﴾ ولما دعا سبحانه فيها إلى معالي الشيم وعدم الاعتراض، وختم بالأمر بالملة الحنيفية التي هي سهولة الانقياد للدليل، وعدم الكون مع الجامدين، اقتداء بالأب
стр. 5325
الأعظم، وكان الخلاف والعسر مخالفاً لملته، فكان لا يجر إلى خير، وكان من المعلوم أن كل حكم حدث بعده ليس من ملته، وكان اليهود يزعمون جهلاً أنه كان على دينهم، وكان السبت من أعظم شعائرهم، أنتج ذلك قوله تعالى جواباً لمن قد يدعي من اليهود أنه كان على دينهم، وتحذيراً من العقوبة على الاختلاف في الحق بالتشديد في الأمر. ﴿إنما جعل﴾ أي بجعل من لا أمر لغيره ﴿السبت﴾ أي تحريمه واحترامه أو وباله ﴿على الذين اختلفوا فيه﴾ حين أمرهم نبيهم بالجمعة فقبل ذلك بعضهم وأراد السبت آخرون، فبدلوا بالجمعة السبت. وشدد عليهم في أمره انتقاماً منهم بما تفهمه التعدية ب «على» فكان ذلك وبالاً عليهم، وفي ذلك تذكير بنعمة التيسير علينا؛ قال البغوي؛ قال الكلبي: أمرهم موسى ﵇ بالجمعة فقال: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوماً، فاعبدوه يوم الجمعة، ولا تعملوا فيه عملاً لصنعتكم، وستة أيام لصناعتكم، فأبوا إلا شرذمة منهم وقالوا:
следующие страницы →