Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.
стр. 5636
أجناسه، واختلاف ألوانه وأنواعه، وتضاد طبائعه، من مادة واحدة، يهتز بالينبوع، يبهج الناظرين ويروق المتأملين، ثم يوقفه ثم يرده باليبس والتفرق إلى التراب فيختلط به حتى لا يميزه عن بقية التراب، ثم يرسل الماء فيختلط بالتراب فيجمعه أخضر يانعاً يهتز بالنمو على أحسن ما كان، وهكذا كل سنة، فهذا بلا شك أعجب حالاً ممن حفظت أجسامهم مدة عن التغير ثم ردت أرواحهم فيها، وقد كان في سالف الدهر يعمر بعض الناس أكثر من مقدار ما لبثوا، وهذا الكهف - قيل: هو في جبال بمدينة طرسوس وهو المشهور، وقال أبو حيان: قيل: هو في الروم، وقيل: في الشام، وقيل: في الأندلس، قال: في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة، وأكثرهم قد انجرد لحمه، وبعضهم متماسك وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من عرف شأنهم، ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف، ونقل عن ابن عطية قال: دخلت إليهم سنة أربع وخمسمائة فرأيتهم بهذه الحالة وعليهم مسجد وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم، وهو في فلاة من الأرض، وبأعلى حضرة غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة يقال لها مدينة دقيوس، ونقل أبو حيان
стр. 5637
عن أبيه أنه حين كان بالأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف ويذكرون أنهم يغلطون في عدتهم إذا عدوهم وأن معهم كلباً، قال: وأما ما ذكرت من مدينة دقيوس التي بقبلي غرناطة، فقد مررت عليها مراراً لا تحصى، قال: ويترجح كون أصحاب الكهف بالأندلس - انتهى ملخصاً.
قلت: وفيه نظر، والذي يرجح المشهور ما نقل البغوي وغيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: غزونا مع معاوية بحر الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف فإن معاوية لم يصل إلى بلاد الأندلس والله أعلم.
ولما صغر أمرهم بالنسبة إلى جليل آياته وعظيم بيناته وغريب مصنوعاته، لخص قصتهم التي عدوها عجباً وتركوا الاستبصار على وحدانية الواحد القهار بما هو العجب العجيب، والنبأ الغريب، فقال تعالى: ﴿إذ أوى﴾ أي كانوا على هذه الصفة حين أووا، ولكنه أبرز الضمير لبيان أنهم شبان ليسوا بكثيري العدد فليست لهم أسنان استفادوا بها من التجارب والتعلم ما اهتدوا إليه من الدين والدنيا، ولا كثرة حفظوا بها ممن يؤذيهم أيقاظاً ورقوداً
стр. 5638
فقال تعالى: ﴿الفتية﴾ وهو أصحاب الكهف المسؤول عنهم، والشبان أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ ﴿إلى الكهف﴾ المقارب لقريتهم المشهور ببلدتهم فراراً بدينهم كما أويت أنت والصديق إلى غار ثور فراراً بدينكما ﴿فقالوا﴾ عقب استقرارهم فيه: ﴿ربنا ءاتنا﴾ ولما كانت الموجودات - كما مضى عن الحرالي في آل عمران - على ثلاث رتب: حكميات جارية على قوانين العادات، وعنديات خارقة للمطردات ولدنيات مستغرقة في الأمور الخارقات، طلبوا أعلاها فقالوا: ﴿من لدنك﴾ أي من مستبطن الأمور التي عندك ومستغربها ﴿رحمة﴾ أي إكراماً تكرمنا به كما يفعل الراحم بالمرحوم ﴿وهيىء لنا﴾ أي جميعاً لا تخيب منا أحداً ﴿من أمرنا رشداً *﴾ أي وجهاً ترشدنا فيه إلى الخلاص في الدارين، لا جرم صارت قصتهم على حسب ما أجابهم ربهم بديعة الشأن فردة في الزمان، يتحدث بها في سائر البلدان، في كل حين وأوان.
ولما أجابهم سبحانه، عبر عن ذلك بقوله تعالى: ﴿فضربنا﴾ أي عقب هذا القول وبسببه ﴿على ءاذانهم﴾ أي سددناها وأمسكناها عن
стр. 5639
السمع، وكان أصله؛ ضربنا عليها حجاباً بنوم ثقيل لا تزعج منه الأصوات، لأن من كان مستيقظاً أو نائماً نوماً خفيفاً وسمعه صحيح سمع الأصوات ﴿في الكهف﴾ أي المعهود.
ولما كانت مدة لبثهم نكرة بما كان لأهل ذلك الزمان من الشرك، عبر بما يدل على النكرة فقال تعالى: ﴿سنين﴾ : ولما كان ربما ظن أنه ذكر السنين للمبالغة لأجل بعد هذا النوم عن العادة، حقق الأمر بأن قال مبدلاً منها معرفاً لأن المراد بجمع القلة هنا الكثرة: ﴿عدداً﴾ أي متكاثرة؛ قال الزجاج كل شيء مما يعد إذا ذكر فيه العدد ووصف أريد كثرته لأنه إذا قل فهم مقدار عدده بدون التقدير فلم يحتج إلى أن يعد. ﴿ثم بعثناهم﴾ أي نبهناهم من ذلك النوم ﴿لنعلم﴾ علماً مشاهداً لغيرنا كما كنا نعلم غيباً ما جهله من يسأل فيقول: ﴿أي الحزبين﴾ هم أو من عثر عليهم من أهل زمانهم ﴿أحصى﴾ أي حسب وضبط ﴿لما﴾ أي لأجل علم ما
стр. 5640
﴿لبثوا أمداً *﴾ أي وقع إحصاءه لمدة لبثهم فإنهم هم أحصوا لبثهم فقالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، ثم تبرؤوا من علم ذلك وردوه إلى عالمه وأهل البلد، أحصوا ذلك بضرب النقد الذي وجد معهم أو غير ذلك من القرائن التي دلتهم عليه، ولكنهم وإن صادق قولهم ما في نفس الأمر أو قريباً منه فعلى سبيل الظن والتقريب، لا القطع والتحديد، بقوله تعالى
﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾ [الكهف: ٢٦] فإذا علم بجهل كل من الحزبين بأمرهم أن الله هو المختص بعلم ذلك، علم أنه المحيط بصفات الكمال، وأنه لم يتخذ ولداً، ولا له شريك في الملك، وأنه أكبر من كل ما يقع في الوهم.
стр. 5641
ولما كان الكلام على اختلاف وقع في مدتهم، وكان الحزبان معاً هم ومن خالفهم متقاربين في الجهل بإحصائه على سبيل القطع وكان اليهود الذين أمروا قريشاً بالسؤال عن أمرهم تشكيكاً في الدين لا يعلمون أمرهم على الحقيقة، نبه على ذلك بقوله - جواباً لمن كأنه قال: أيهما أحصاه؟ : ﴿نحن﴾ أو يقال: ولما أخبر الله سبحانه عن مسألة قريش الثانية، وهي قصة أهل الكهف، مجملاً لها بعض الإجمال بعد إجمال الجواب عن المسألة الأولى، وهي الروح،
стр. 5642
كان السامع جديراً بأن تستشرف نفسه إلى بيان أكثر من ذلك فيضيق صدره خشية الاقتصار على ما وقع من ذلك من الأخبار، فقال جواباً لمن كأنه قال: اسأل الإيضاح وبيان الحق من خلاف الحزبين: نحن ﴿نقص﴾ أي نخبر إخباراً تابعاً لآثارهم قدماً فقدماً ﴿عليك﴾ على وجه التفصيل ﴿نبأهم بالحق﴾ أي خبرهم العظيم وليس أحد غيرنا إلا قصاً ملتبساً بباطل: زيادة أو نقص، فكأنه قيل: ما كان نبأهم؟ فقال تعالى: ﴿إنهم فتية﴾ أي شبان ﴿ءامنوا بربهم﴾ المحسن إليهم الناظر في مصالحهم الذي تفرد بخلقهم ورزقهم، وهداهم بما وهب لهم في أصل الفطرة من العقول الجيدة النافعة.
ولما دل على الإحسان باسم الرب، وكان في فعله معهم من باهر القدرة ما لا يخفى، التفت إلى مقام العظمة فقال تعالى عاطفاً على ما تقديره: فاهتدوا بإيمانهم: ﴿وزدناهم﴾ بعد أن آمنوا ﴿هدى﴾ بما قذفنا في قلوبهم من المعارف، وشرحنا لهم صدورهم من المواهب التي حملتهم على ارتكاب المعاطب، والزهد في الدنيا والانقطاع إليه ﴿وربطنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿على قلوبهم﴾ أي قويناها، فصار ما فيها من القوى مجتمعاً غير مبدد، فكانت حالهم في الجلوة كحالهم
стр. 5643
في الخلوة ﴿إذ قاموا﴾ لله تعالى حق القيام في ذلك الجيل الكافرين بين يدي طاغيتهم دقيانوس ﴿فقالوا﴾ مخالفين لهم: ﴿ربنا﴾ الذي يستحق أن نفرده بالعبادة لتفرده بتدبيرنا، هو ﴿رب السماوات والأرض﴾ أي موجدهما ومدبرهما ﴿لن ندعوا من دونه إلهاً *﴾ بعد أن ثبت عجز كل من سواه، والله ﴿لقد قلنا إذاً﴾ أي إذا دعونا من دونه غيره ﴿شططاً﴾ أي قولاً ذا بعد مفرط عن الحق جداً؛ ثم شرعوا يستدلون على كونه شططاً بأنه لا دليل عليه، ويجوز أن يكونوا لما قالوا ذلك عرض لهم الشيطان بشبهة التقليد فقالوا مجيبين عنها: ﴿هؤلاء﴾ وأن يكونوا قالوا ذلك للملك إنقاذاً له من شرك الجهل، وبين المشار إليهم بقولهم: ﴿قومنا﴾ أي وإن كانوا أسن منا وأقوى وأجل في الدنيا ﴿اتخذوا﴾ أي مخالفين مع منهاج العقل داعي الفطرة الأولى ﴿من دونه ءالهة﴾ أشركوهم معه لشبهة واهية استغواهم بها الشيطان؛ ثم استأنفوا على طريق التخصيص ما ينبه على أنهم من حين عبادتهم إلى الآن لم يأتوا على ذلك بدليل، فقالوا منبهين على فساد التقليد في أصول الدين وأنه لا مقنع فيه بدون القطع: ﴿لولا﴾ أي هلا ﴿يأتون﴾ الآن.
стр. 5644
ولما كانوا بعبادتهم لهم قد أحلوهم محل العلماء، قال تعالى: ﴿عليهم﴾ أي على عبادتهم إياهم، وحققوا ما أرادوا من الاستعلاء بقولهم: ﴿بسلطان﴾ أي دليل قاهر ﴿بين﴾ مثل ما نأتي نحن على تفرد معبودنا بالأدلة الظاهرة، والبراهين الباهرة، فإن مثل هذا الأمر لا يقنع فيه بدون ذلك، وقد جمعنا الأدلة كلها في الاستدلال على تفرد الله باستحقاقه للعبادة بأنه تفرد بخلق الوجود، فتسبب عن عجزهم عن دليل أنهم أظلم الظالمين لافتعالهم الكذب عن ملك الملوك ومالك الملك، فلذلك قالوا: ﴿فمن أظلم ممن افترى﴾ أي تعمد ﴿على الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿كذباً *﴾ فالآية دالة على فساد التقليد في الوحدانية.
стр. 5645
ولما استدلوا على معتقدهم، وعلموا سفه من خالفهم، وهم قوم لا يدان لهم بمقاومتهم، لكثرتهم وقلتهم، تسبب عن ذلك هجرتهم ليسلم لهم دينهم، فقال تعالى شارحاً لما بقي من أمرهم، عاطفاً على ما تقديره: وقالوا أو من شاء الله منهم حين خلصوا من قومهم نجياً: لا ترجعوا إلى قومكم أبداً ما داموا على ما هم عليه، هذا إن كان المراد قيامهم بين يدي دقيانوس، وإن كان المراد من القيام الانبعاث بالعزم الصادق لم يحتج إلى هذا التقدير: ﴿وإذ﴾ أي حين ﴿اعتزلتموهم﴾
стр. 5646
أي قومكم ﴿وما﴾ أي واعتزلتم ما ﴿يعبدون إلا الله﴾ أي الذي له صفات الكمال، وهذا دليل على أنهم كانوا يشركون، ويجوز أن يكونوا سموا الانقياد كرهاً لمشيئته والخضوع بزعمهم لاقضيته عبادة ﴿فأوا﴾ أي بسبب هذا الاعتزال، وهذا دليل العامل في ﴿إذ﴾ ﴿إلى الكهف﴾ أي الغار الذي في الجبل ﴿ينشر﴾ أي يحيي ويبعث ﴿لكم ربكم﴾ الذي لم يزل يحسن إليكم ﴿من رحمته﴾ ما يكفيكم به من المهم من أمركم ﴿ويهيىء لكم من أمركم﴾ الذي من شأنه أن يهمكم ﴿مرفقاً *﴾ ترتفقون به، وهو بكسر الميم وفتح الفاء في قراءة الجماعة، وبفتحها وكسر الفاء للنافع وابن عامر، وهذا الجزم من آثار الربط على قلوبهم بما علموا من قدرته على كل شيء، وحمايته من لاذ به ولجأ إليه وعبده وتوكل عليه، ففعلوا ذلك ففعل الله ما رجوه فيه، فجعل لهم أحسن مرفق بأن أنامهم ثم أقامهم بعد مضي قرون ومرور دهور، وهدى بهم ذلك الجيل الذي أقامهم فيه ﴿وترى﴾ لو رأيت كهفهم ﴿الشمس إذا طلعت﴾ .
ولما كان حالهم خفياً، وكذا حال انتقال الشمس عند من لم يراقبه،
стр. 5647
أدغم تاء التفاعل نافع وابن كثير وأبو عمرو، وأسقطها عاصم وحمزة والكسائي، فقال تعالى: ﴿تزاور﴾ أي تتمايل وتتحرف، ولعل قراءة ابن عامر ويعقوب تزور بوزن تحمر ناظرة إلى الحال عند نهاية الميل ﴿عن كهفهم﴾ بتقلص شعاعها بارتفاعها إلى أن تزول ﴿ذات اليمين﴾ إذا كنت مستقبلاً القبلة وأنت متوجه إليه أو مستقبلاً الشمس فيصيبهم من حرها ما يمنع عنهم التعفن ويمنع سقف الكهف شدة الحرارة المفسدة في بقية النهار ﴿وإذا غربت﴾ أي أخذت في الميل إلى الغروب ﴿تقرضهم﴾ أي تعدل في مسيرها عنهم ﴿ذات الشمال﴾ كذلك، لئلا يضرهم شدة الحرارة، ويصيبهم من منافعها مثل ما كان عند الطلوع، فلا يزال كهفهم رطباً، ويأتيه من الهواء الطيب والنسيم الملائم ما يصونهم عن التعفن والفساد، فتحرر بذلك أن باب الغار مقابل لبنات نعش، وأن الجبل الذي هم فيه شمالي مكة المشرفة، ويجوز أن يكون المراد يمين من يخرج من الكهف وشماله، فلا يلزم ذلك، وقال الأصبهاني: قيل: إن باب ذلك كان مفتوحاً
стр. 5648
إلى جانب الشمال إذا طلعت الشمس عن يمين الكهف، وإذا غربت كانت على شماله.
ومادة (قرض) وليس لها إلا هذا التركيب - تدور على القطع، ويلزمه الميل عن الشيء والعدول والازورار عنه، قرضت الشيء، - بالفتح - أقرضه - بالكسر: قطعته بالمقراض أو بغيره - لأنك إذا وصلت إليه فقد حاذيته فإذا قطعته تجاوزته فانحرفت عنه، والقرض: قول الشعر خاصة - لأنه لا شيء من الكلام يشبهه فهو مقطوع منه مائل عنه بما خص به من الميزان، وهل مررت بمكان كذا؟ فتقول: قرضته ذات اليمين ليلاً، أي كان عن يميني، والقرض: ما تعطيه من المال لتقضاه - لأنك قطعته من مالك، والقرض - بالكسر: لغة فيه عن الكسائي، والقرض: ما سلفت من إحسان أو إساءة - على التشبيه، والتقريض: المدح والذم - لأنه يميز الكلام فيه تمييزاً ظاهراً، وهما يتقارضان كذا - كأن كلاًّ منهما مقرض لصاحبه وموف له على ما أقرضه، والمقارضة: المضاربة - لأن صاحب المال قطع من ماله، والعامل قطع من عمله حصة لهذا المال، قرض فلان الرباط - إذا مات،
стр. 5649
لأنه إذا انقطعت حياته انقطع كل رباط له في الدنيا، وجاء فلان وقد قرض رباطه - إذا جاء مجهوداً قد أشرف على الموت - كأنه أطلق عليه ذلك للمقاربة، والمقارضة: المشاتمة - لقطعها العرض وما بين المتشاتمين، والاقتراض: الاغتياب - من ذلك ومن القرض أيضاً، لأن من اغتاب اغتيب، وقرض - بالكسر - إذا زال من شيء إلى شيء - لأنه بوصل الثاني قطع الأول، وقرض - إذا مات، والمقارض: الزرع القليل - إما للإزالة على الضد من الكثير، أو تشبيه بمواضع الاستقاء في البئر القليلة الماء، فإن المقارض أيضاً المواضع التي يحتاج المستقي إلى أن يقرض منها الماء، أي يميح، أي يدخل الدلو في البئر فيملأها لقلة الماء - لأنها مواضع قطع الماء برفعه عن البئر والمقارض أيضاً: الجرار الكبار - كأنها لكبرها وقطعها كثيراً من الماء هي التي قطعت دون الصغار، وما عليه قراض، أي ما يقرض عنه العيون فيستره لتعدل عنه العيون - لعدم نفوذها إلى جلده، والقرض في السير هو أن تعدل عن الشيء في مسيرك، فإذا عدلت عنه فقد قرضته، والمصدر القرض وأصله من القطع، وابن مقرض - كمنبر: ويبة تقتل الحمام - كأنها سميت لقطعها حياة الحمام، وقرض البعير جرته:
стр. 5650
مضغها فهي قريض - لتقطيعها بالمضغ ولقطعها من بطنه بردها إلى حنكه للمضغ.
ولما بين تعالى أنه حفظهم من حر الشمس، بين أنه أنعشهم بروح الهواء، وألطفهم بسعة الموضع في فضاء الغار فقال: ﴿وهم في فجوة منه﴾ أي في وسط الكهف ومتسعه.
ولما شرح هذا الأمر الغريب، والنبأ العجيب، وصل به نتيجته فقال تعالى: ﴿ذلك﴾ أي المذكور العظيم من هدايتهم، وما دبروا لأنفسهم، وما دبر لهم من هذا الغار المستقبل للنسيم الطيب المصون عن كل مؤذ، وما حقق به رجاءهم مما لا يقدر عليه سواه ﴿من ءايات الله﴾ أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء علماً وقدرة، وإن كان إذا قيس إلى هذا القرآن القيم وغيره مما خصت به هذه الأمة كان يسيراً.
ولما كان انفرادهم بالهدى عن أهل ذلك القرن كلهم عجباً، وصل به ما إذا تؤمل زال عجبه فقال تعالى: ﴿من يهد﴾ ولو أيسر هداية - بما دل عليه حذف الياء في الرسم ﴿الله﴾ أي الذي له الأمر كله بخلق الهداية في قلبه للنظر في آياته التي لا تعد والانتفاع بها ﴿فهو﴾
стр. 5651
خاصة ﴿المهتد﴾ في أي زمان كان، فلن تجد له مضلاً مغوياً ﴿ومن يضلل﴾ إضلالاً ظاهرياً بما دل عليه الإظهار بإعمائه عن طريق الهدى، فهو لا غيره الضال ﴿فلن تجد له﴾ أصلاً من دونه، لأجل أن الله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه أضله ﴿ولياً مرشداً *﴾ فتجده يرى الآيات بعينه، ويسمعها بأذنه، ويحسها بجميع حواسه، ولا يعلم أنها آيات فضلاً عن أن يتدبرها وينتفع بها، فالآية من الاحتباك: ذكر الاهتداء أولاً دليلاً على حذف الضلال ثايناً، والمرشد ثانياً دليلاً على حذف المضل أولاً.
стр. 5652
ولما نبه سبحانه هذا التنبيه تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتثبيتاً أن يبخع نفسه، عطف على ما مضى بقية أمرهم فقال: ﴿وتحسبهم أيقاظاً﴾ لانفتاح أعينهم للهواء ليكون أبقى لها، ولكثرة حركاتهم ﴿وهم رقود ونقلبهم﴾ بعظمتنا في حال نومهم تقليباً كثيراً بحسب ما ينفعهم كما يكون النائم ﴿ذات﴾ أي في الجهة التي هي صاحبة ﴿اليمين﴾ منهم ﴿وذات الشمال﴾ لينال روح النسيم جميع أبدانهم ولا يتأثر ما يلي الأرض منها بطول المكث ﴿وكلبهم باسط﴾ وأعمل اسم الفاعل هذا، لأنه ليس بمعنى الماضي بل هو حكاية حال ماضية فقال: ﴿ذراعيه بالوصيد﴾ أي بباب الكهف وفنائه كما هي عادة الكلاب، وذكر هذا الكلب على طول الآباد
стр. 5653
بجميل هذا الرقاد من بركة صحبة الأمجاد.
ولما كان هذا مشوقاً إلى رؤيتهم، وصل به ما يكف عنه بقوله تعالى: ﴿لو اطلعت عليهم﴾ وهم على تلك الحال ﴿لوليت منهم فراراً﴾ أي حال وقوع بصرك عليهم ﴿ولملئت﴾ في أقل وقت بأيسر أمر ﴿منهم رعباً *﴾ لما ألبسهم الله من الهيبة، وجعل لهم من الجلالة، وتدبيراً منه لما أراد منهم ﴿وكذلك﴾ أي فعلنا بهم هذا من آياتنا من النوم وغيره، ومثل ما فعلناه بهم ﴿بعثناهم﴾ بما لنا من العظمة ﴿ليتساءلوا﴾ وأظهر بالافتعال إشارة إلى أنه في غاية الظهور. ولما كان المراد تساؤلا عن أخبار لا تعدوهم قال تعالى: ﴿بينهم﴾ أي عن أحوالهم في نومهم ويقظتهم فيزدادوا إيماناً، وثباتاً وإيقاناً، بما ينكشف لهم من الأمور العجيبة، والأحوال الغريبة فيعلم أنه لا علم لأحد غيرنا، ولا قدرة لأحد سوانا، وأن قدرتنا تامة، وعلمنا شامل، فليعلم ذلك من أنكر قدرتنا على البعث وسأل اليهود البعداء البغضاء عن نبيه الحبيب الذي أتاهم بالآيات، وأراهم البينات، فإن كانوا يستنحصون اليهود فليسألوهم عما قصصنا
стр. 5654
من هذه القصة، فإن اعترفوا به لزمهم جميعاً الإيمان والرجوع عن الغي والعدوان، وإن لم يؤمنوا علم قطعاً أنه لا يؤمن من أردنا هدايته بالآيات البينات كأهل الكهف وغيرهم، لا بإنزال الآيات المقترحات.
ولما كان المقام مقتضياً لأن يقال: ما كان تساؤلهم؟ أجيب بقوله تعالى: ﴿قال قائل منهم﴾ مستفهماً من إخوانه: ﴿كم لبثتم﴾ نائمين في هذا الكهف من ليلة أو يوم، وهذا يدل على أن هذا القائل استشعر طول لبثهم بما رأى من هيئتهم أو لغير ذلك من الأمارات؛ ثم وصل به في ذلك الأسلوب أيضاً قوله تعالى: ﴿قالوا لبثنا يوماً﴾ ودل على أن هذا الجواب مبني على الظن بقوله دالاً حيث أقرهم عليه سبحانه على جواز الاجتهاد والقول بالظن المخطىء، وأنه لا يسمى كذباً وإن كان مخالفاً للواقع ﴿أو بعض يوم﴾ كما تظنون أنتم عند قيامكم من القبور إن لبثتم إلا قليلاً، لأنه فرق بين صديق وزنديق في الجهل بما غيبه الله تعالى: فكأنه قيل: على أي شيء استقر أمرهم في ذلك؟ فأجيب بأنهم ردوا الأمر إلى الله بقوله: ﴿قالوا﴾ أي قال بعضهم إنكاراً على أنفسهم ووافق الباقون بما عندهم من التحاب في الله والتوافق فيه في الحقيقة إخوان الصفا وخلان
стр. 5655
الألفة والوفا ﴿ربكم﴾ المحسن إليكم ﴿أعلم﴾ أي من كل أحد ﴿بما لبثتم فابعثوا﴾ أي فتسبب عن إسناد العلم إلى الله تعالى أن يقال: اتركوا الخوض في هذا واشتغلوا بما ينفعكم بأن تبعثوا ﴿أحدكم بورقكم﴾ أي فضتكم ﴿هذه﴾ التي جمعتموها لمثل هذا ﴿إلى المدينة﴾ التي خرجتم منها وهي طرطوس ليأتينا بطعان فإنا جياع ﴿فلينظر أيها﴾ أي أي أهلها ﴿أزكى﴾ أي أطهر وأطيب ﴿طعاماً فليأتكم﴾ ذلك الأحد ﴿برزق منه﴾ لنأكل ﴿وليتلطف﴾ في التخفي بأمره حتى لا يتفطنوا له ﴿ولا يشعرن﴾ أي هذا المبعوث منكم في هذا الأمر ﴿بكم أحداً *﴾ أن فطنوا له فقبضوا عليه، وإن المعنى: لا يقولن ولا يفعلن ما يؤدي من غير قصد منه إلى الشعور بكم فيكون قد أشعر بما كان منه من السبب، وفي قصتهم دليل على أن حمل المسافر ما يصلحه من المنفعة رأى المتوكلين لا المتآكلين المتكلين على الإنفاقات على ما في أوعية القوم من النفقات، وفيها صحة الوكالة؛ ومادة (ورق) بجميع تراكيبها الخمسة عشر قد تقدم في سورة سبحان وغيرها أنها تدور على الجمع، فالورق مثلثة وككتف
стр. 5656
وجبل: الدراهم المضروبة - تشبيهاً بالورق في الشكل وفي الجمال، وبها جمع حال الإنسان، وحالها مقتض للجمع، والورّاق: الكثير الدراهم وهو أيضاً مورّق الكتب، وحرفته الوراقة، وما زلت منك موارقاً، أي قريباً مدانياً - أي كالذي يساجلك في قطاف الورق من شجرة واحدة فهو يأخذ من ناحية وأنت من أخرى، والمداناة: أول الجمع والورق - محركة: جمال الدنيا وبهجتها - لأنها تجمع ألواناً وأنواعاً، ولعل منه الورقة، قال في مختصر العين: إنها سواد في غبرة.
وحمامة ورقاء - أي منه، وفي القاموس: والأورق من الإبل: ما في لونه بياض إلى سواد، ورأى رجل الغول على جمل أورق فقال: جاء بأم الربيق على أريق، أي بالداهية العظيمة، صغر الأورق كسويد في أسود، والأصل وريق فقلبت واوه همزة، والأورق أيضاً من الكتاب والشجر معروف - لأنك لا تكاد تحد واحدة منه على لون واحد، ولأنه يجمع الواحدة منه إلى الأخرى ويجمع معنى ما يحمله، قال في مختصر العين: والورق: أدم رقاق منه ورق المصحف، والورق أيضاً: الخبط -
стр. 5657
لأنه لما كانت الإبل تعلفه كان كأنه هو الورق لا غيره، والورق: الحي من كل حيوان - لأن الحياة هي الجمال، وبها جماع الأمور، ولأن الورق دليل على حياة الحي من الشجر، فهو من إطلاق اسم الدال على المدلول، والورق أيضاً: ما استدار من الدم على الأرض، أو ما سقط اسم من الجراحة - لأن الاستدارة أجمع الأشكال، وهو تشبيه بورق الشجر في الشكل، والورق: المال من إبل ودراهم وغيرها - لأن جماع حياة الإنسان وكمالها بذلك كما أن كمال حياة الشجر بالورق، ولرعي المال من الحيوان الورق، والورق: حسن القوم وجمالهم - من ذلك، لأنه يجمع أمرهم ويجمع إليهم غيرهم، والورق من القوم: أحداثهم أو الضعاف من الفتيان - تشبيه بالورق لأنه لا يقيم غالباً أكثر من عام، ولأنه ضعيف في نفسه، وضعيف النفع بالنسبة إلى الثمر، والورقة - بهاء: الخسيس والكريم، ضد - للنظر تارة إلى كونه نافعاً للمرعى ودالاً على الحياة، وإلى كونه غير مقصود بالذات أخرى، ورجل ورق وامرأة ورقة: خسيسان أي لا ثمرة لهما، ومن ذلك أورق الصائد - إذا رمى فأخطأ أي لم يقع
стр. 5658
على غير الورق، أي لم تحصل له ثمرة، بل وقع على شجرة غير مثمرة، وكذا أورق القوم: أخفقوا في حاجتهم، أي رجعوا بلا ثمرة، ومن ذلك أيضاً أورقوا: كثر مالهم ودراهمهم - ضد، هذا بالنظر إلى أن في الورق جمال الشجر وحياته، والتجارة مؤرقة للمال كمجلبة أي مكثرة؛ ومنه قول القزاز في ديوانه: هذا رجل مؤرق له دراهم، والمؤرق: الذي لا شيء له - ضد، أو أنه تارة يكون للإيجاب والصيرورة نحو أغدّ البعير، وتارة للسلب نحو أشكيته، والوراق ككتاب: وقت خروج الورق من الشجر، وشجرة وريقة وورقة: كثيرة الورق، والوارقة: الشجرة الخضراء الورق الحسنته، والوراق - كسحاب: خضرة الأرض من الحشيش، وليس من الورق في شيء، وذلك أن تلك الخضرة لا تخلو عن لون آخر، والرقة - كعدة: أول نبات النصي والصليان وهما نباتان أفضل مراعي الإبل، لأنهما سبب لجمع المال للرعي، والرقة: الأرض التي يصيبها المطر في الصفرية - أي أول الخريف - أو في القيظ فتنبت
стр. 5659
فتكون خضراء - كأن ذلك النبات يكون أقل خضرة من نبات الربيع، ويكون اختلاطه لغيره من الألوان أكثر مما في الربيع، وفي القوس ورقة - بالفتح: عيب، والورقاء: الذئبة - من أجل أن الورق الخالي عن الثمر تقل الرغبة في شجره وهو دون المثمر، ولأن الورق مختلط اللون، والاختلاط في كل شيء عيب بالنسبة إلى الخالص، وتورقت الناقة: أكلت الورق.
وقار الرجل يقور: مشى على أطراف قدميه لئلا يسمع صوتهما - لأن فاعل ذلك جدير بالوصول إلى ما أراد مما يجمع شمله، ومنه قار الصيد: ختله - لأن أهل الخداع أولى بالظفر، ألا ترى الأسود تصاد به، ولو غولبت عز أخذها، وقار الشيء: قطعه من وسطه خرقاً مستديراً كقوّره - لأن الثوب يصير بذلك الخرق يجمع ما يراد منه، والاستدارة أجمع الأشكال كما سلف، والقوارة - كثمامة: ما قور الثوب وغيره، أو يخص بالأديم، وما قطعت من جوانب الشيء، والشيء الذي قطع من جوانبه - ضد، وهو من تسميه موضع الشيء باسمه، والقارة: الجبل الصغير الصلب المنقطع عن الجبال - لشدة اجتماع أجزائه بالصلابة
стр. 5660
واجتماعه في نفسه بانقطاعه عن غيره مما لو خالطه لفرقه، ولم يعرف حد على ما هو، والقارة: الصخرة العظيمة، والأرض ذات الحجارة السود - لاجتماعها في نفسها بتميزها عن غيرها بتلك الحجارة، ودار قوراء: واسعة - تشبيهاً بقوارة الثواب، ولأنها كلما اتسعت كانت أجمع، والقار: الإبل أو القطيع الضخم منها، والاقورار: تشنج الجلد وانحناء الصلب هزالاً وكبراً - لأن كلاًّ من التشنج والانحناء اجتماع، والاقورار: الضمر - لأن الضامر اجتمعت أجزاؤه، والاقورار: السمن - ضد، لأن السمين جمع اللحم والشحم، والاقورار: ذهاب نبات الأرض - لأنها تصير بذلك قوراء فتصير أجدر بأن تسع الجموع، ويمكن أن يكون الأقورار كله من السلب إلا ما للسمن، والقور: القطن الحديث أو ما رزع من عامة لأنه يلبس فيجمع البدن، ولقيت منه الأقورين - بكسر الراء، والأقوريات أي الدواهي القاطعة - تشبيهاً بما قور من الثوب، فهي للسلب، والقور - محركة: العين - لأن محلها يشبه القوارة، والمقور - كمعظم: المطلي بالقطران - لاجتماع أجزائه بذلك، واقتار: احتاج، أي صار أهلاً لأن يجمع،
стр. 5661
وتقور الليل: تهور، أي مضى، من القطع، وتقورت الحية: تثنت أي تجمعت، والقار: شجر مر - كأنه الذي تطلى به السفن، وهذا أقير من هذا: أشد مرارة - لأن المرارة تجمع اللهوات عند الذوق، والقارة قبيلة - لأن ابن الشداخ أراد أن يفرقهم فقال شاعرهم:
دعونا قارة لا تذعرونا ... فنجفل مثل إجفال الظليم
فسموا القارة بهذا وكانوا رماة، وفي المثل: قد أنصف القارة من راماها.
والرقوة: فويق الدعص من الرمل، ويقال رقو، بلا هاء - كأنه لجمعه الكثير من الرمل، أو لجمعه من يطلب الإشراف على الأماكن البعيدة بالعلو عليه لترويح النفس - والله الموفق.
стр. 5662
ولما نهوا رسولهم عن الإشعار بهم عللوا ذلك فقالوا: ﴿إنهم﴾ أي أهل المدينة ﴿إن يظهروا﴾ أي يطلعوا عالين ﴿عليكم يرجموكم﴾ أي يقتلوكم أخبث قتله إن استمسكتم بدينكم ﴿أو يعيدوكم﴾ قهراً
стр. 5663
﴿في ملتهم﴾ إن لنتم لهم ﴿ولن تفلحوا إذاً﴾ أي إذا عدتم فيها مطمئنين بها، لأنكم وإن أكرهتم ربما استدرجكم الشيطان بذلك إلى الإجابة حقيقة ﴿أبداً *﴾ أي فبعثوا أحدهم فنظر الأزكى وتلطف في الأمر، فاسترابوا منه لأنهم أنكروا ورقه لكونها من ضرب ملك لا يعرفونه فجهدوا به فلم يشعر بهم أحداً من المخالفين، وإنما أشعر بهم الملك لما رآه موافقاً لهم في الدين لأنه لم يقع النهي عنه ﴿وكذلك﴾ أي فعلنا بهم ذلك الأمر العظيم من الربط على قلوبهم، والستر لأخبارهم والحماية من الظالمين والحفظ لأجسامهم على مر الزمان، وتعاقب الحدثان، ومثل ما فعلنا بهم ذلك ﴿أعثرنا﴾ أي أظهرنا إظهار أضطرارياً، أهل البلد وأطلعناهم، وأصله أن الغافل عن الشيء ينظر إليه إذا عثر به نظر إليه فيعرفه، فكان العثار سبباً لعلمه به فأطلق اسم السبب على المسبب ﴿عليهم ليعلموا﴾ أي أهل البلد بعد أن كان حصل لبعضهم شك في حشر الأجساد لأن اعتقاد اليهود والنصارى أن البعث إنما هو للروح فقط ﴿أن وعد الله﴾ الذي له صفات الكمال بالبعث للروح والجسد معاً
стр. 5664
﴿حق﴾ لأن قيامهم بعد نومهم نيفاً وثلاثمائة سنة مع خرق العادة بحفظ أبدانهم عن الفناء من غير أكل ولا شرب مثل قيام من مات بجسمه الذي كان سواء على أن مطلق النوم دال على ذلك كما قال بعض العارفين «علمك باليقظة بعد النوم علم بالبعث بعد الموت، والبرزخ واحد غير أن للروح بالجسم في النوم تعلقاً لا يكون بالموت، وتستيقظ على ما نمت عليه كذلك تبعث على ما مت عليه» .
ولما كان من الحق ما قد يداخله شك قال تعالى: ﴿وأن﴾ أي وليعلموا أن ﴿الساعة لا ريب فيها﴾ مبيناً أنها ليست موضع شك أصلاً لما قام عليها من أدلة العقل، المؤيد في كل عصر بقواطع النقل، ومن طالع تفسير (الزيتون) من كتابي هذا حصل له هذا ذوقاً؛ ثم بين أن هذا الإعثار أتاهم بعلم نافع حال تجاذب وتنازع فقال: ﴿إذ﴾ أي ليعلموا ذلك، وأعثرنا حين ﴿يتنازعون﴾ أي أهل المدينة.
ولما كان التنازع في الغالب إنما يكون ما بين الأجانب، وكان تنازع هؤلاء مقصوراً عليهم كان الأهم بيان محله فقدمه فقال تعالى: ﴿بينهم أمرهم﴾ أي أمر أنفسهم في الحشر فقائل يقول: تحشر الأرواح مجردة: وقائل يقول: بأجسادها، أو أمر الفتية فقائل يقول: ناس صالحون، وناس يقولون: لا ندري من أمرهم غير أن الله تعالى أراد هدايتنا بهم ﴿فقالوا﴾ أي فتسبب عن هذا الإعثار أو التنازع أن قال أكثرهم: ﴿ابنوا عليهم﴾ على كل حال ﴿بنياناً﴾ يحفظهم، واتركوا التنازع فيهم، ثم عللوا ذلك بقولهم: ﴿ربهم﴾ أي المحسن إليهم بهدايتهم وحفظهم وهداية الناس بهم ﴿أعلم بهم﴾ أن كانوا صالحين أو لا، وأما أنتم فلا طريق لكم إلى علم ذلك؛ ثم استأنف على طريق الجواب لمن كأنه قال: ماذا فعلوا؟ فقال: ﴿قال الذين غلبوا على﴾ أي وقع أن كانوا غالبين على ﴿أمرهم﴾ أي ظهروا عليه وعلموا أنهم ناس صالحون فروا بدينهم من الكفار وضعف من ينازعهم؛ ويجوز - وهو أحسن - أن يكون الضمير لأهل البلد أو للغالبين أنفسهم، إشارة إلى أن الرؤساء منهم وأهل القوة كانوا أصلحهم إيماء إلى أن الله تعالى
стр. 5665
أصلح بهم أهل ذلك الزمان ﴿لنتخذن عليهم﴾ ذلك البنيان الذي اتفقنا عليه ﴿مسجداً *﴾ وهذا دليل على أنهم حين ظهروا عليهم وكلموهم أماتهم الله بعد أن علموا أن لهم مدة طويلة لا يعيش مثلها أحد في ذلك الزمان، وقبل أن يستقصوا جميع أمرهم، وفي قصتهم ترغيب في الهجرة.
стр. 5666
ولما ذكر تعالى تنازع أولئك الذين هداهم الله بهم، ذكر ما يأتي من إفاضة من علم قريشاً أن تسأل صلى الله عليه وعلى آله وسلم منهم في الفضول الذي ليس لهم إليه سبيل، ولا يظفرون
стр. 5667
فيه بدليل علماً من أعلام النبوة فقال تعالى: ﴿سيقولون﴾ أي أهل الكتاب ومن وافقهم في الخوض في ذلك بعد اعترافهم بما قصصت عليك من نبأهم بوعد لا خلف فيه: هم ﴿ثلاثة﴾ أشخاص ﴿رابعهم كلبهم﴾ ولا علم لهم بذلك، ولذلك أعراه عن الواو فدل إسقاطها على أنهم ليسوا ثلاثة وليس الكلب رابعاً ﴿ويقولون﴾ أي وسيقولون أيضاً: ﴿خمسة سادسهم كلبهم﴾ .
ولما تغير قولهم حسن جداً قوله تعالى: ﴿رجماً بالغيب﴾ أي رمياً بالأمر الغائب عنهم الذي لا اطلاع لهم عليه بوجه ﴿ويقولون﴾ أيضاً دليلاً على أنه لا علم لهم بذلك: ﴿سبعة وثامنهم كلبهم﴾ وتأخير هذا عن الرجم - وإن كان ظناً - مشعر بأنه حق، ويؤيده هذه الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل الواو حالاً عن المعرفة في نحو ﴿إلا ولها كتاب معلوم﴾ [الحجر: ٤] فإن فائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصاف الموصوف بالصفة أمر ثابت مستقر، فدلت هذه الواو على أن أهل هذا القول قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن، وفي براءة،
стр. 5668
كلام نفيس عن اتباع الوصف تارة بواو وتارة مجرداً عنها. فلما ظهر كالشمس أنه لا علم لهم بذلك كان كأنه قيل: ماذا يقال لهم؟ فقيل: ﴿قل ربي﴾ أي المحسن إليّ بإعلامي بأمرهم وغيره ﴿أعلم بعدتهم﴾ أي التي لا زيادة فيها ولا نقص، فكان كأنه قيل: قد فهم من صيغة «أعلم» أم من الخلق من يعلم أمرهم فقيل: ﴿ما يعلمهم إلا قليل *﴾ أي من الخلق وهو مؤيد لأنهم أصحاب القول الغالب، وهو، قول ابن عباس ﵄، وكان يقول: أنا من ذلك القليل. ﴿فلا﴾ أي فتسبب عن ذلك أن يقول لك على سبيل البت الداخل تحت النهي عن قفو ما ليس لك به علم: لا ﴿تمار﴾ أي تجادل وتراجع ﴿فيهم﴾ أحداً ممن يتكلم بغير ما أخبرتك به ﴿إلا مرآء ظاهراً﴾ أدلته، وهو ما أوحيت إليك به ولا تفعل فعلهم من الرجم بالغيب ﴿ولا تستفت﴾ أي تسأل سؤال مستفيد ﴿فيهم﴾ أي أهل الكهف ﴿منهم﴾ أي من الذين يدعون العلم من بني إسرائيل أو غيرهم ﴿أحداً *﴾ .
ولما كان نهيه عن استفتائهم موجباً لقصر همته على ربه سبحانه فكان من المعلوم أنه إذا سئل عن شيء، التفتت نفسه إلى تعرفه من قبله، فربما قال لما يعلم من إحاطة علم الله سبحانه وكرمه لديه: سأخبركم به غداً، كما وقع من هذه القصص، علمه الله ما يقول في كل أمر
стр. 5669
مستقبل يعزم عليه بقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيءٍ﴾ أي لأجل شيء من الأشياء التي يعزم عليها جليلها وحقيرها، عزمت على فعله: عزماً صادقاً من غير تردد وإن كنت عند نفسك في غاية القدرة عليه: ﴿إني فاعل ذلك﴾ أي الشيء وإن كان مهماً ﴿غداً *﴾ أي فيما يستقبل في حال من الأحوال ﴿إلا﴾ قولاً كائناً معه ﴿أن يشاء﴾ في المستقبل ذلك الشيء ﴿الله﴾ أي مقروناً بمشيئة الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه سبحانه تعظيماً لله أن يقطع شيء دونه واعترافاً بأنه لا حول ولا قوة إلا به، ولأنه إن قيل ذلك دون استثناء فات قبل الفعل أو عاقه عنه عائق كان كذباً منفراً عن القائل.
ولما كان النسيان من شأن الإنسان وهو غير مؤاخذ به قال تعالى: ﴿واذكر ربك﴾ أي المحسن إليك برفع المؤاخذة حال النسيان ﴿إذا نسيت﴾ الاستثناء بالاستعانة والتوكل عليه وتفويض الأمر كله بأن تقول: إن شاء الله، ونحوها في أيّ وقت تذكرت؛ وأخرج الطبراني في معجمه الأوسط في ترجمة محمد بن الحارث الجبيلي - بضم الجيم وفتح الموحدة - عن ابن عباس ﵄ أن هذا خاص برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليس لأحد منا أن يستثني إلا بصلة اليمين. ثم عطف
стр. 5670
على ما أفهمه الكلام وهو: فقل إذا نسيت: إني فاعل ذلك غداً إن شاء الله - ونحو ذلك من التعليق بالمشيئة المؤذن بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله ولا مشيئة لأحد معه قوله: ﴿وقل عسى أن يهدين ربي﴾ أي المحسن إليّ ﴿لأقرب﴾ أي الى أشد قرباً ﴿من هذا﴾ أي الذي عزمت على فعله ونسيت الاستثناء فيه فقضاه الله ولم يؤاخذني، أو فاتني أو تعسر عليّ لكوني لم أقرن العزم عليه بذكر الله ﴿رشداً *﴾ أي من جهة الرشد بأن يوفقني للاستثناء فيه عند العزم عليه مع كونه أجود أثراً وأجل عنصراً فأكون كل يوم في ترق بالأفعال الصالحة في معارج القدس، و «اقرب» أفعل تفضيل من قرب - بضم الراء - من الشيء، لازم، لا من المكسور الراء المتعدي نحو ﴿ولا تقربوا الزنى﴾ [الإسراء: ٣٢] ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ [الإسراء: ٣٤] الآية، والأقرب من رشد الاستدلال بقصة أهل الكهف التي الحديث عنها على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونحو ذلك الاستدلال على وحدانية الصانع وقدرته على البعث وغيره بالأمور الكلية أو الجزئيات القريبة المتكررة، لا بهذا الأمر الجزئي النادر المتعب ونحو هذا من المعارف الإلهية.
стр. 5671
ولما فرغ من هذه التربية في أثناء القصة وختمها بالترجية في الهداية للأرشد، وكان علم مدة لبثهم أدق وأخفى من علم عددهم، شرع في إكمالها مبيناً لهذا الأخفى، عاطفاً على قوله ﴿قالوا ربكم أعلم بما لبثتم﴾ [الكهف: ١٩] أو على «فأووا إليه» الذي أرشد إلى تقديره قولهم: ﴿فأووا إلى الكهف﴾ كما مضى، المختوم بنشر الرحمة وتهيئة المرفق بعد قوله ﴿إذ أوى الفتية﴾ المختوم بقولهم ﴿وهيىء لنا من أمرنا رشداً﴾ فقال بياناً لإجمال ﴿سنين عدداً﴾ محققاً لقوله تعالى: ﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾ : ﴿ولبثوا في كهفهم﴾ نياماً ﴿ثلاث﴾ أي مدة ثلاث ﴿مائة سنين﴾ شمسية بحساب اليهود الآمرين بهذا السؤال، وعبر بلفظ السنة إشارة إلى ذمها بما وقع فيها من علو أهل الكفر وطغيانهم بما أوجب خوف الصديقين وهجرتهم وإن كان وقع فيها خصب في النبات وسعة في الرزق، وذلك يدل على استغراق الكفر لمدة نومهم.
ولما كان المباشرون للسؤال هم العرب قال: ﴿وازدادوا تسعاً *﴾ أي من السنين القمرية إذا حسب الكل بحساب القمر، لأن تفاوت ما بين السنة الشمسية والقمرية عشرة أيام وإحدى وعشرون ساعة وخمسا ساعة كما تقدم في النسيء من براءة، فإذا حسبت زيادة السني القمرية على الثلاتمائة الشمسية باعتبار نقص أيامها
стр. 5672
عنها كانت تسع سنين، وكأن مدة لبثهم كانت عند اليهود أقل من ذلك أو أكثر، فقال على طريق الجواب لسؤال من يقول: فإن قال أحد غير هذا فما يقال له؟ ﴿قل الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿أعلم﴾ منكم ﴿بما لبثوا﴾ ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿له﴾ أي وحده ﴿غيب السماوات والأرض﴾ يعلمه كله على ما هو عليه، ولا ينسى شيئاً من الماضي ولا يعزب عنه شيء من الحاضر، ولا يعجز عن شيء من الآتي، فلا ريب فيما يخبر به.
ولما كان السمع والبصر مناطي العلم، وكان متصفاً منهما بما لا يعلمه حق علمه غيره، عجب من ذلك بقوله تعالى: ﴿أبصر به وأسمع﴾ ولما كان القائم بشيء قد يقوم غيره مقامه إما بقهر أو شرك، نفى ذلك فانسد باب العلم عن غيره إلا من جهته فقال تعالى: ﴿ما لهم﴾ أي لهؤلاء السائلين ولا المسؤولين الراجمين بالغيب من أصحاب الكهف ﴿من دونه﴾ وأعرق بقوله تعالى: ﴿من ولي﴾ يجيرهم منه أو بغير ما أخبر به ﴿ولا يشرك﴾ أي الله ﴿في حكمه أحداً *﴾ فيفعل شيئاً بغير أمره أو يخبر بشيء من غير طريقه.
ولما تقرر أنه لا شك في قوله: ولا يقدر أحد أن يأتي بما
стр. 5673
يماثله فكيف بما ينافيه مع كونه مختصاً بتمام العلم وشمول القدرة، حسن تعقيبه بقوله عطفاً على ﴿قل لله أعلم﴾ : ﴿واتل﴾ أي اقرأ على وجه الملازمة ﴿ما أوحي إليك﴾ وبنى الفعل للمجهول لأن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو على القطع بأن الموحى إليه هو الله ﴿من كتاب ربك﴾ الذي أحسن تربيتك في قصة أهل الكهف وغيرها، على من رغب فيه غير ملتفت إلى غيره واتبعوا ما فيه واثقين بوعده ووعيده وإثباته ونفيه وعلى غيرهم.
ولما كان الحامل على الكف عن إبلاغ رسالة المرسل وجدان من ينقضها أو عمي على المرسل، قال تعالى: ﴿لا مبدل لكلماته﴾ فلا شك في وقوعها فلا عذر في التقصير في إبلاغها، والنسخ ليس بتبديل بهذا المعنى بل هو غاية لما كان ﴿ولن تجد﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿من دونه﴾ أي أدنى منزلة من رتبته الشماء إلى آخر المنازل ﴿ملتحداً *﴾ أي ملجأ ومتحيزاً تميل إليه فيمنعك منه إن قصرت في ذلك.
ولما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم كثير الأسف على توليهم عنه يكاد يبخع نفسه حسرة عليهم وكانوا يقولون له إذا رأوا مثل هذا الحق الذي لا يجدون له مدفعاً:
стр. 5674
لو طردت هؤلاء الفقراء وأبعدتهم عنك مثل عمار وصهيب وبلال فإنه يؤذينا ريح جبابهم ونأنف من مجالستهم جلسنا إليك وسمعنا منك ورجونا أن نتبعك، قال يرغبه في أتباعه مزهداً فيمن عداهم كائناً من كان، معلماً أنه ليس فيهم ملجأ لمن خالف أمر الله وأنهم لا يريدون إلا تبديل كلمات الله فسيذلهم عن قريب ولا يجدون لهم ملتحداً: ﴿واصبر نفسك﴾ أي احبسها وثبتها في تلاوته وتبيين معانيه ﴿مع الذين يدعون ربهم﴾ شكراً لإحسانه، واعترافاً بامتنانه، وكنى عن المداومة بما يدل على البعث الذي كانت قصة أهل الكهف دليلاً عليه فقال تعالى: ﴿بالغداة﴾ أي التي الانتقال فيها من النوم إلى اليقظة كالانتقال من الموت إلى الحياة ﴿والعشي﴾ أي التي الانتقال فيها من اليقظة إلى النوم كالانتقال من الحياة إلى الموت؛ ثم مدحهم بقوله تعالى معللاً لدعائهم: ﴿يريدون﴾ أي بذلك ﴿وجهه﴾ لا غير ذلك في رجاء ثواب أو خوف عقاب وإن كانوا في غاية الرثاثة، وأكد ذلك بالنهي عن ضده فقال مؤكداً للمعنى لقصر الفعل وتضمينه فعلاً آخر: ﴿ولا تعد عيناك﴾ علواً ونبوءاً وتجاوزاً
стр. 5675
﴿عنهم﴾ إلى غيرهم، أي لا تعرض عنهم، حال كونك ﴿تريد زينة الحياة الدنيا﴾ التي قدمنا في هذه السورة أنا زينا بها الأرض لنبلوهم بذلك، فإنهم وإن كانوا اليوم عند هؤلاء مؤخرين فهم عند الملك الأعلى مقدمون، وليكونن عن قريب - إذا بعثنا من نريد من العباد بالحياة من برزخ الجهل - في الطبقة العليا من أهل العز، وأما بعد البعث الحقيقي فلتكونن لهم مواكب يهاب الدنو منها كما كان لأهل الكهف بعد بعثهم من هذه الرقدة بعد أن كانوا في حياتهم قبلها هاربين مستخفين في غاية الخوف والذل، وأما إن عدّت العينان أحداً لما غفل عنه من الذكر، وأحل به من الشكر، فليس ذلك من النهي في شيء لأنه لم يرد به الإ الآخرة.
ولما بلغ في أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمجالسة المسلمين، نهاه عن الالتفات إلى الغافلين، وأكد الإعراض عن الناكبين فقال تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا﴾ بعظمتنا ﴿قلبه﴾ أي جعلناه غافلاً، لأن الفعل فيه لنا لا له ﴿عن ذكرنا﴾ بتلك الزينة.
следующие страницы →