← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

ولما فرغ من هذه التربية في أثناء القصة وختمها بالترجية في الهداية للأرشد، وكان علم مدة لبثهم أدق وأخفى من علم عددهم، شرع في إكمالها مبيناً لهذا الأخفى، عاطفاً على قوله ﴿قالوا ربكم أعلم بما لبثتم﴾ [الكهف: ١٩] أو على «فأووا إليه» الذي أرشد إلى تقديره قولهم: ﴿فأووا إلى الكهف﴾ كما مضى، المختوم بنشر الرحمة وتهيئة المرفق بعد قوله ﴿إذ أوى الفتية﴾ المختوم بقولهم ﴿وهيىء لنا من أمرنا رشداً﴾ فقال بياناً لإجمال ﴿سنين عدداً﴾ محققاً لقوله تعالى: ﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾ : ﴿ولبثوا في كهفهم﴾ نياماً ﴿ثلاث﴾ أي مدة ثلاث ﴿مائة سنين﴾ شمسية بحساب اليهود الآمرين بهذا السؤال، وعبر بلفظ السنة إشارة إلى ذمها بما وقع فيها من علو أهل الكفر وطغيانهم بما أوجب خوف الصديقين وهجرتهم وإن كان وقع فيها خصب في النبات وسعة في الرزق، وذلك يدل على استغراق الكفر لمدة نومهم. ولما كان المباشرون للسؤال هم العرب قال: ﴿وازدادوا تسعاً *﴾ أي من السنين القمرية إذا حسب الكل بحساب القمر، لأن تفاوت ما بين السنة الشمسية والقمرية عشرة أيام وإحدى وعشرون ساعة وخمسا ساعة كما تقدم في النسيء من براءة، فإذا حسبت زيادة السني القمرية على الثلاتمائة الشمسية باعتبار نقص أيامها

стр. 5672

عنها كانت تسع سنين، وكأن مدة لبثهم كانت عند اليهود أقل من ذلك أو أكثر، فقال على طريق الجواب لسؤال من يقول: فإن قال أحد غير هذا فما يقال له؟ ﴿قل الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿أعلم﴾ منكم ﴿بما لبثوا﴾ ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿له﴾ أي وحده ﴿غيب السماوات والأرض﴾ يعلمه كله على ما هو عليه، ولا ينسى شيئاً من الماضي ولا يعزب عنه شيء من الحاضر، ولا يعجز عن شيء من الآتي، فلا ريب فيما يخبر به. ولما كان السمع والبصر مناطي العلم، وكان متصفاً منهما بما لا يعلمه حق علمه غيره، عجب من ذلك بقوله تعالى: ﴿أبصر به وأسمع﴾ ولما كان القائم بشيء قد يقوم غيره مقامه إما بقهر أو شرك، نفى ذلك فانسد باب العلم عن غيره إلا من جهته فقال تعالى: ﴿ما لهم﴾ أي لهؤلاء السائلين ولا المسؤولين الراجمين بالغيب من أصحاب الكهف ﴿من دونه﴾ وأعرق بقوله تعالى: ﴿من ولي﴾ يجيرهم منه أو بغير ما أخبر به ﴿ولا يشرك﴾ أي الله ﴿في حكمه أحداً *﴾ فيفعل شيئاً بغير أمره أو يخبر بشيء من غير طريقه. ولما تقرر أنه لا شك في قوله: ولا يقدر أحد أن يأتي بما

стр. 5673

يماثله فكيف بما ينافيه مع كونه مختصاً بتمام العلم وشمول القدرة، حسن تعقيبه بقوله عطفاً على ﴿قل لله أعلم﴾ : ﴿واتل﴾ أي اقرأ على وجه الملازمة ﴿ما أوحي إليك﴾ وبنى الفعل للمجهول لأن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو على القطع بأن الموحى إليه هو الله ﴿من كتاب ربك﴾ الذي أحسن تربيتك في قصة أهل الكهف وغيرها، على من رغب فيه غير ملتفت إلى غيره واتبعوا ما فيه واثقين بوعده ووعيده وإثباته ونفيه وعلى غيرهم. ولما كان الحامل على الكف عن إبلاغ رسالة المرسل وجدان من ينقضها أو عمي على المرسل، قال تعالى: ﴿لا مبدل لكلماته﴾ فلا شك في وقوعها فلا عذر في التقصير في إبلاغها، والنسخ ليس بتبديل بهذا المعنى بل هو غاية لما كان ﴿ولن تجد﴾ أي بوجه من الوجوه ﴿من دونه﴾ أي أدنى منزلة من رتبته الشماء إلى آخر المنازل ﴿ملتحداً *﴾ أي ملجأ ومتحيزاً تميل إليه فيمنعك منه إن قصرت في ذلك. ولما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم كثير الأسف على توليهم عنه يكاد يبخع نفسه حسرة عليهم وكانوا يقولون له إذا رأوا مثل هذا الحق الذي لا يجدون له مدفعاً:

стр. 5674

لو طردت هؤلاء الفقراء وأبعدتهم عنك مثل عمار وصهيب وبلال فإنه يؤذينا ريح جبابهم ونأنف من مجالستهم جلسنا إليك وسمعنا منك ورجونا أن نتبعك، قال يرغبه في أتباعه مزهداً فيمن عداهم كائناً من كان، معلماً أنه ليس فيهم ملجأ لمن خالف أمر الله وأنهم لا يريدون إلا تبديل كلمات الله فسيذلهم عن قريب ولا يجدون لهم ملتحداً: ﴿واصبر نفسك﴾ أي احبسها وثبتها في تلاوته وتبيين معانيه ﴿مع الذين يدعون ربهم﴾ شكراً لإحسانه، واعترافاً بامتنانه، وكنى عن المداومة بما يدل على البعث الذي كانت قصة أهل الكهف دليلاً عليه فقال تعالى: ﴿بالغداة﴾ أي التي الانتقال فيها من النوم إلى اليقظة كالانتقال من الموت إلى الحياة ﴿والعشي﴾ أي التي الانتقال فيها من اليقظة إلى النوم كالانتقال من الحياة إلى الموت؛ ثم مدحهم بقوله تعالى معللاً لدعائهم: ﴿يريدون﴾ أي بذلك ﴿وجهه﴾ لا غير ذلك في رجاء ثواب أو خوف عقاب وإن كانوا في غاية الرثاثة، وأكد ذلك بالنهي عن ضده فقال مؤكداً للمعنى لقصر الفعل وتضمينه فعلاً آخر: ﴿ولا تعد عيناك﴾ علواً ونبوءاً وتجاوزاً

стр. 5675

﴿عنهم﴾ إلى غيرهم، أي لا تعرض عنهم، حال كونك ﴿تريد زينة الحياة الدنيا﴾ التي قدمنا في هذه السورة أنا زينا بها الأرض لنبلوهم بذلك، فإنهم وإن كانوا اليوم عند هؤلاء مؤخرين فهم عند الملك الأعلى مقدمون، وليكونن عن قريب - إذا بعثنا من نريد من العباد بالحياة من برزخ الجهل - في الطبقة العليا من أهل العز، وأما بعد البعث الحقيقي فلتكونن لهم مواكب يهاب الدنو منها كما كان لأهل الكهف بعد بعثهم من هذه الرقدة بعد أن كانوا في حياتهم قبلها هاربين مستخفين في غاية الخوف والذل، وأما إن عدّت العينان أحداً لما غفل عنه من الذكر، وأحل به من الشكر، فليس ذلك من النهي في شيء لأنه لم يرد به الإ الآخرة. ولما بلغ في أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمجالسة المسلمين، نهاه عن الالتفات إلى الغافلين، وأكد الإعراض عن الناكبين فقال تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا﴾ بعظمتنا ﴿قلبه﴾ أي جعلناه غافلاً، لأن الفعل فيه لنا لا له ﴿عن ذكرنا﴾ بتلك الزينة.

стр. 5676

ولما كان التقدير: فغفل، لأن عظمتنا لا يغلبها شيء فلا يكون إلا ما نريد، عطف على فعل المطاوعة قوله تعالى: ﴿واتبع هواه﴾ بالميل إلى ما استدرجناه به منها والأنفة من مجالسة أوليائنا الذين أكرمناهم بالحماية منها لأن ذكر الله مطلع الأنوار، فإذا أفلت الأنوار تراكمت الظلمة فجاء الهوى فأقبل على الخلق ﴿وكان أمره فرطاً *﴾ أي متجاوزاً للحد مسرفاً فيه متقدماً على الحق، فيكون الحق منبوذاً به وراء الظهر مفرطاً فيه بالتقصير فإن ربك سبحانه سينجي أتباعك على ضعفهم منهم كما أنجى أصحاب الكهف، ويزيدك بأن يعليهم عليهم ويدفع الجبابرة في أيديهم لأنهم مقبلون على الله معرضون عما سواه، وغيرهم مقبل على غيره معرض عنه.

стр. 5677

ولما رغبه في أوليائه، وزهده في أعدائه، ترضية بقدره بعد أن قص الحق من قصة أهل الكهف للمتعنتين، علمه ما يقول لهم على وجه يعمهم ويعم غيرهم ويعم القصة وغيرها فقال تعالى مهدداً ومتوعداً - كما نقل عن علي ﵁ وكذا عن غيره:

стр. 5678

﴿وقل﴾ أي لهم ولغيرهم: هذا الذي جئتكم به من هذا الوحي العربي العري عن العوج، الظاهر الإعجاز، الباهر الحجج ﴿الحق﴾ كائناً ﴿من ربكم﴾ المحسن إليكم في أمر أهل الكهف وغيرهم من صبر نفسي مع المؤمنين، والإعراض عمن سواهم وغير ذلك، لا ما قلتموه في أمرهم، ويجوز أن يكون الحق مبتدأ ﴿فمن شاء﴾ أي منكم ومن غيركم ﴿فليؤمن﴾ بهذا الذي قصصناه فيهم وفي غيرهم، فهو مقبول مرغوب فيه وإن كان فقيراً زريّ الهيئة ولم ينفع إلا نفسه ﴿ومن شاء﴾ منكم ومن غيركم ﴿فليكفر﴾ فهو أهل لأن يعرض عنه ولا يلتفت إليه وإن كان أغنى الناس وأحسنهم هيئة، وإن تعاظمت هيبته لما اشتد من أذاه، وأفرط من ظلمه، وسنشفي قلوب المؤمنين في الدارين بالانتقام منه، والآية دالة على أن كلاًّ من الكفر والإيمان موقوف على المشيئة بخلق الله تعالى، لأن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه وذلك القصد إن كان بقصد آخر يتقدمه لزم أن

стр. 5679

يكون كل قصد مسبوقاً بقصد آخر إلى غير النهاية وهو محال، فوجب أن تنتهي تلك القصود إلى قصد يخلقه الله في العبد على سبيل الضرورة يجب به الفعل، فإلإنسان مضطر في صورة مختار، فلا دليل للمعتزلة في هذه الآية. ولما هدد السامعين بما حاصله: ليختر كل امرىء لنفسه ما يجده غداً عند الله تعالى، اتبع هذا التهديد تفصيلاً لما أعد للفريقين من الوعد والوعيد لفاً ونشراً مشوشاً - بما يليق بهذا الأسلوب المشير إلى أنه لا كفوء له من نون العظمة فقال تعالى: ﴿إنا اعتدنا﴾ أي هيأنا بما لنا من العظمة تهيئة قريبة جداً، وأحضرنا على وجه ضخم شديد تام التقدير ﴿للظالمين﴾ أي لمن لم يؤمن، ولكنه وصف إشارة إلى تعليق الحكم به ﴿ناراً﴾ جعلناها معدة لهم ﴿أحاط بهم﴾ كلهم ﴿سرادقها﴾ أي حائطها الذي يدار حولها كما يدار الحظير حول الخيمة من جميع الجوانب. ولما كان المحرور شديد الطلب للماء قال تعالى: ﴿وإن يستغيثوا﴾ من حر النار فيطلبوا الغيث - وهو ماء المطر - والغوث بإحضاره لهم؛ وشاكل استغاثتهم تهكماً بهم فقال تعالى: ﴿يغاثوا بماء﴾ ليس كالماء الذي قدمنا الإشارة إلى أنا نحيي به الأرض بعد صيرورتها صعيداً جرزاً،

стр. 5680

بل ﴿كالمهل﴾ وهو القطران الرقيق وما ذاب في صفر أو حديد والزيت أو درديّه - قاله في القاموس. وشبهه به من أجل تناهي الحر مع كونه ثخيناً، وبين وجه الشبه بقوله تعالى: ﴿يشوي الوجوه﴾ أي إذا قرب إلى الفم فكيف بالفم والجوف! ثم وصل بذلك ذمه فقال تعالى: ﴿بئس الشراب﴾ أي هو، فإنه أسود منتن غليظ حار، وعطف عليه ذم النار المعدة لهم فقال تعالى: ﴿وساءت مرتفقاً *﴾ أي منزلاً يعد للارتفاق، فكأنه قيل: فما لمن آمن؟ فقال تعالى: ﴿إن الذين ءامنوا﴾ ولما كان الإيمان هو الإذعان للأوامر، عطف عليه ما يحقق ذلك فقال تعالى: ﴿وعملوا الصالحات﴾ ثم عظم جزاءهم بقوله تعالى: ﴿إنا لا نضيع﴾ أي بوجه من الوجوه لما يقتضيه عظمتنا ﴿أجر من أحسن عملاً *﴾ مشيراً بإظهار ضميرهم إلى أنهم استحقوا بذلك الوصف بالإحسان، فكأنه قيل: فما لهم؟ فقال مفصلاً لما أجمل من وعدهم: ﴿أولئك﴾ أي العالو الرتبة ﴿لهم جنات عدن﴾ أي إقامة، فكأنه قيل: ما لهم فيها؟ فقيل: ﴿تجري من تحتهم﴾ أي تحت منازلهم ﴿الأنهار﴾ فكأنه قيل: ثم ماذا؟ فقيل: ﴿يحلون فيها﴾

стр. 5681

وبنى الفعل للمجهول لأن القصد وجود التحلية، وهي لعزتها إنما يؤتى بها من الغيب فضلاً من الله تعالى. ولما كان الله أعظم من كل شيء، فكانت نعمه لا يحصى نوع منها، قال تعالى مبعضاً: ﴿من أساور﴾ جمع أسورة جمع سوار، كما يلبس ذلك ملوك الدنيا من جبابرة الكفرة في بعض الأقاليم كأهل فارس. ولما كان لمقصودها نظر إلى التفضيل والفعل بالاختيار على الإطلاق، وقع الترغيب في طاعته بما هو أعلى من الفضة فقال مبعضاً أيضاً: ﴿من ذهب﴾ أي ذهب هو في غاية العظمة. ولما كان اللباس جزاء العمل وكان موجوداً عندهم، أسند الفعل إليهم فقال تعالى: ﴿ويلبسون ثياباً خضراً﴾ ثم وصفها بقوله تعالى: ﴿من سندس﴾ وهو ما رقّ من الديباج ﴿وإستبرق﴾ وهو ما غلظ منه؛ ثم استأنف الوصف عن حال جلوسهم فيها بأنه جلوس الملوك المتمكنين من النعيم فقال تعالى: ﴿متكئين فيها﴾ أي لأنهم في غاية الراحة ﴿على الأرائك﴾ أي الأسرع عليها الحجل، ثم مدح هذا فقال تعالى: ﴿نعم الثواب﴾ أي هو لو لم يكن لها وصف غير ما سمعتم فكيف ولها من الأوصاف

стр. 5682

ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى! وإلى ذلك أشار بقوله تعالى: ﴿وحسنت﴾ أي الجنة كلها، وميز ذلك بقوله تعالى: ﴿مرتفقاً *﴾ .

стр. 5683

ولما كان إنما محط حال المشركين العاجل، وكان قد تقدم قولهم ﴿أو يكون لك جنة من نخيل وعنب﴾ [الإسراء: ٩١] الآية، وقوله تعالى: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها﴾ [الكهف: ٧] الآية، وقوله تعالى: في حق فقراء المؤمنين الذين تقذروهم ﴿ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا﴾ [الكهف: ٢٨] الآية واستمر إلى أن ختم بأن جنات المؤمنين عظيم حسنها من جهة الارتفاق، عطف على قوله تعالى ﴿وقل الحق من ربكم﴾ [الكهف: ٢٩] قوله تعالى كاشفاً بضرب المثل أن ما فيه الكفار من الارتفاق العاجل ليس أهلاً لأن يفتخر به لأنه إلى زوال: ﴿واضرب لهم﴾ أي لهؤلاء الضعفاء والمتجبرين الذين يستكبرون على المؤمنين، ويطلبون طردهم لضعفهم وفقرهم: ﴿مثلاً﴾ لما آتاهم الله من زينة الحياة الدنيا، فاعتمدوا عليهم وركنوا إليه ولم يشكروا من آتاهم إياه عليه، بل أداهم إلى الافتقار والتكبر على من زوى ذلك عنه إكراماً له وصيانة عنه ﴿رجلين﴾ فكأنه قيل: فما مثلهما؟ فقيل: ﴿جعلنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿لأحدهما﴾ وهو المجعول مثلاً لهم ﴿جنتين﴾ أي بساتين يستر ما

стр. 5684

فيهما من الأشجار من يدخلهما على أي وضع من الأوضاع كانتا، ومن جملة الأوضاع أن تكون إحداهما من السهل والأخرى في الجبل، ليبعد عموم عاهة لهما لأنها إما من برد أو حر ﴿من أعناب﴾ لأنها من أشجار البلاد الباردة وتصبر على الحر، وهي فاكهة وقوت بالعنب والزبيب والخل وغيرها ﴿وحففناهما﴾ أي حططناهما بعظمتنا ﴿بنخل﴾ لأنها من أشجار البلاد الحارة، وتصبر على البرد، وربما منعت عن الأعناب بعض أسباب العاهات، وثمرها فاكهة بالبسر والرطب وقوت بالتمر والخل فكأن النخل كالإكليل من وراء العنب، وهو مما يؤثره الدهاقين لأنه في غاية البهجة والمنفعة ﴿وجعلنا بينهما﴾ أي أرضي الجنتين ﴿زرعاً *﴾ لبعد شمول الآفة للكل، لأن زمان الزرع ومكانه غير زمان أثمار الشجر المقدم ومكانه، وذلك هو العمدة في القوت، فكانت الجنتان أرضاً جامعة لخير الفواكه وأفضل الأقوات، وعمارتهما متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينها، مع سعة الأطراف، وتباعد الأكناف، وحسن الهيئات والأوصاف. ولما كان الشجر قد يكون فاسداً من جهة أرضه، نفى ذلك بقوله تعالى؛ جواباً لمن كأنه قال: ما حال أرضهما المنتج لزكاء ثمرهما؟ :

стр. 5685

﴿كلتا﴾ أي كل واحدة من ﴿الجنتين﴾ المذكورتين ﴿ءاتت أكلها﴾ أي ما يطلب منها ويؤكل من ثمر وحب، كاملاً غير منسوب شيء منهما إلى نقص ولا رداءة، وهو معنى: ﴿ولم تظلم﴾ أي تنقص حساً ولا معنى كمن يضع الشيء في غير موضعه ﴿منه شيئاً﴾ . ولما كان الشجر ربما أضر بدوامه قلة السقي قال تعالى: ﴿وفجرنا﴾ أي تفجيراً يناسب عظمتنا ﴿خلالهما نهراً *﴾ أي يمتد فيتشعب فيكون كالأنهار لتدوم طراوة الأرض ويستغني عن المطر عند القحط؛ ثم زاد في ضخامة هذا الرجل فبين أن له غير هاتين الجنتين والزرع بقوله تعالى: ﴿وكان له﴾ أي صاحب الجنتين ﴿ثمر﴾ أي مال مثمر غير ما تقدم كثير، ذو أنواع ليكون متمكناً من العمارة بالأعوان والآلات وجميع ما يريد ﴿فقال﴾ أي هذا الكافر ﴿لصاحبه﴾ أي المسلم المجعول مثلاً لفقراء المؤمنين ﴿وهو﴾ أي صاحب الجنان ﴿يحاوره﴾ أي يراجعه الكلام، من حار يحور - إذا رجع افتخاراً عليه وتقبيحاً لحاله بالنسبة إليه، والمسلم

стр. 5686

يحاوره بالوعظ وتقبيح الركون إلى الدنيا: ﴿أنا أكثر منك مالاً﴾ لما ترى من جناني وثماري ﴿وأعز نفراً *﴾ أي ناساً يقومون معي في المهمات، وينفرون عند الضرورات، لأن ذلك لازم لكثرة المال ﴿ودخل جنته﴾ وحد لإرادة الجنس ودلالة على ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة، وإشارة إلى أنه لا جنة له غيرها لأنه لا حظ له في الآخرة ﴿وهو﴾ أي والحال أنه ﴿ظالم لنفسه﴾ بالاعتماد على ماله والإعراض عن ربه؛ ثم استأنف بيان ظلمه بقوله: ﴿قال﴾ لما استولى عليه من طول أمله وشدة حرصه وتمادي غفلته واطراحه للنظر في العواقب بطول المهلة وسبوغ النعمة: ﴿ما أظن أن تبيد﴾ أي تهلك هلاكاً ظاهراً مستولياً ﴿هذه أبداً *﴾ ثم زاد في الطغيان والبطر بقصر النظر على الحاضر فقال: ﴿وما أظن الساعة قائمة﴾ استلذاذاً بما هو فيه وإخلاداً إليه واعتماداً عليه. ولما كان الإنسان مجبولاً على غلبة الرجاء عليه، فإذا حصل له من دواعي الغنى وطول الراحة وبلوغ المأمول والاستدراج بالظفر بالسؤال ما يربيه، ويثبت أصوله ويقويه، اضمحل الخوف فلم يزل يتضاءل حتى لا يتلاشى فكان عدماً، فقال تعالى حاكياً عن هذا الكافر

стр. 5687

ما أثمر له الرجاء من أمانه من سوء ما يأتي به القدر مقسماً: ﴿ولئن رددت﴾ أي ردني راد ﴿إلى ربي﴾ المحسن إلي في هذه الدار، في السعة على تقدير قيامها الذي يستعمل في فرضه أداة الشك ﴿لأجدن خيراً منها﴾ أي هذه الجنة؛ وقرأ ابن كثير وابن عامر بالتثنية للجنتين ﴿منقلباً *﴾ أي من جهة الانقلاب وزمانه ومكانه، لأنه ما أعطاني ذلك إلا باستحقاقي، وهو وصف لي غير منفك في الدارين، وإن لم يقولوا نحو هذا بألسنة مقالهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به، فكأنه قيل: إن هذا لفي عداد البهائم حيث قصر النظر على الجزئيات، ولم يجوز أن يكون التمويل استدراجاً، فما قال له الآخر؟ فقيل: ﴿قال له صاحبه وهو﴾ أي والحال إن ذلك الصاحب ﴿يحاوره﴾ منكراً عليه: ﴿أكفرت﴾ . ولما كان كفره بإنكار البعث، دل عليه بقوله تعالى: ﴿بالذي خلقك من تراب﴾ بخلق أصلك ﴿ثم من نطفة﴾ متولدة من أغذية أصلها تراب ﴿ثم سواك﴾ بعد أن أولدك وطورك في أطوار النشأة

стр. 5688

﴿رجلاً *﴾ حيث نفيت إعادته لمن ابتدأ خلقهم على هذا الوجه تكذيباً للرسل واستقصاراً للقدرة، ولم تثبت لها في الإعادة ما ثبت لها بعلمك في الابتداء، ثم لم تجوزها بعد القطع بالنفي إلا على سبيل الفرض بأداة الشك، وهي من دعائم أصول الدين الذي لا يقتنع فيه إلا بالقطع، ونسبته إلى العبث الذي لا يرضاه عاقل إذ جعلت غاية هذا الخلق البديع في هذا التطوير العظيم الموت الذي لو كان غاية كما زعمت - لفوّت على المطيع الثواب، وعلى العاصي العقاب.

стр. 5689

ولما أنكر على صاحبه، أخبر عن اعتقاده بما يضاد اعتقاد صاحبه، فقال مؤكداً لأجل إنكار صاحبه مستدركاً لأجل كفرانه: ﴿لكنا﴾ لكن أنا. ولما كان سبحانه لا شيء أظهر منه ولا شيء أبطن منه، أشار إلى ذلك جميعاً بإضماره قبل الذكر فقال تعالى: ﴿هو﴾ أي الظاهر أتم ظهور فلا يخفى أصلاً، ويجوز أن يكون الضمير للذي خلقك ﴿الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿ربي﴾ وحده، لم يحسن إليّ خلقاً ورزقاً أحد غيره، هذا اعتقادي في الماضي والحال

стр. 5690

﴿ولا أشرك بربي﴾ المحسن إليّ في عبادتي ﴿أحداً *﴾ كما لم يشاركه في إحسانه إليّ أحد، فإن الكل خلقه وعبيده، وأنى يكون العبد شريكاً للرب! فإني لا أرى الغنى والفقر إلا منه، وأنت - لما اعتمدت على مالك - كنت مشركاً به. ولما كان المؤمنون على طريق الأنبياء في إرادة الخير والإرشاد إلى سبيل النجاة وعدم الحقد على أحد بشر أسلفه وجهل قدمه، قال له مصرحاً بالتعليم بعد أن لوح له به فيما ذكره عن نفسه مما يجب عليه: ﴿ولولا إذ﴾ أي وهلا حين ﴿دخلت جنتك قلت﴾ ما يدل على تفويضك الأمر فيها وفي غيرها إلى الله تعالى كما تقدم الإرشاد إليه في آية ﴿ولا تقولن لشي﴾ [الكهف: ٢٣] تاركاً للافتخار بها، ومستحضراً لأن الذي وهبكها قادر على سلبك إياها ليقودك ذلك إلى التوحيد وعدم الشرك، فلا تفرح بها ولا بغيرها مما يفنى لأنه لا ينبغي الفرح إلا بما يؤمن عليه بالزوال ﴿ما شاء الله﴾ أي الذي له الأمر كله، كان، سواء كان حاضراً أو ماضياً أو مستقبلاً، ولذلك أعراها عن الجواب، لا ما يشاؤه غيره ولا يشاؤه هو سبحانه؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿لا قوة﴾ أي لأحد على بستان وغيره ﴿إلا بالله﴾

стр. 5691

أي المتوحد بالكمال، فلا شريك له، وأفادت هذه الكلمة إثبات القوة لله وبراءة العبد منها، والتنبيه على أنه لا قدرة لأحد من الخلق إلا بتقديره، فلا يخاف من غيره، والتنبيه على فساد قول الفلاسفة في الطبائع من أنها مؤثرة بنفسها. ولما قدم ما يجب عليه في نفسه منبهاً به لصاحبه، ثم ما يجب عليه من التصريح بالإرشاد في أسلوب مقرر أن الأمر كله لله، لا شيء لأحد غيره، أنتج قوله تعالى: ﴿إن ترن﴾ أي أيها المفتخر بما له عليّ! ﴿أنا﴾ ولما ذكر ضمير الفصل، ذكر مفعول (ترى) الثاني فقال: ﴿أقل منك﴾ وميز القليل بقوله: ﴿مالاً وولداً *﴾ أي من جهة المال والولد الذي هو أعز نفر الإنسان. ولما أقر هذا المؤمن بالعجز والافتقار، في نظير ما أبدى الكافر من التقوى والافتخار، سبب عن ذلك ما جرت به العادة في كل جزاء، داعياً بصورة التوقع فقال تعالى: ﴿فعسى ربي﴾ المحسن إليّ ﴿أن يؤتين﴾ من خزائن رزقه ﴿خيراً من جنتك﴾ فيحسن إليّ بالغنى كما أحسن إليّ بالفقر المقترن بالتوحيد، المنتج للسعادة ﴿ويرسل عليها﴾

стр. 5692

أي جنتك ﴿حسباناً﴾ أي مرامي من الصواعق والبرد الشديد ﴿من السماء﴾ . ولما كانت المصابحة بالمصيبة أنكى ما يكون، قال تعالى: ﴿فتصبح﴾ بعد كونها قرة للعين بما تهتز به من الأشجار والزروع ﴿صعيداً زلقاً *﴾ أي أرضاً يزلق عليها لملاستها باستئصال نباتها، فلا ينبت فيها نبات، ولا يثبت فيها قدم ﴿أو يصبح ماؤها غوراً﴾ وصف بالمصدر لأنه أبلغ ﴿فلن تستطيع﴾ أنت ﴿له طلباً *﴾ .

стр. 5693

ولما كان من المعلوم أن هذا المؤمن المخلص بعين الرضى، كان من المعلوم أن التقدير: فاستجيب لهذا الرجل المؤمن، أو: فحقق له ما توقعه فخيب ظن المشرك، فعطف عليه قوله: ﴿وأحيط﴾ أي أوقعت الإحاطة بالهلاك، بني للمفعول لأن الفكر حاصل بإحاطة الهلاك من غير نظر إلى فاعل مخصوص، وللدلالة على سهولته ﴿بثمرة﴾ أي الرجل المشرك، كله فاستؤصل هلاكاً ما في السهل منه وما في الجبل، وما يصبر منه على البرد والحر وما لا يصبر ﴿فأصبح يقلب كفيه﴾ ندماً، ويضرب إحداهما على الأخرى تحسراً ﴿على ما أنفق فيها﴾ لعمارتها ونمائها ﴿وهي خاوية﴾

стр. 5694

أي ساقطة مع الخلو ﴿على عروشها﴾ أي دعائمها التي كانت تحملها فسقطت على الأرض وسقطت هي فوقها ﴿ويقول﴾ تمنياً لرد ما فات لحيرته وذهول عقله ودهشته: ﴿يا ليتني﴾ تمنياً لاعتماده على الله من غير إشراك بالاعتماد على الفاني ﴿لم أشرك بربي أحداً *﴾ كما قال له صاحبه، فندم حيث لم ينفعه الندم على ما فرط في الماضي لأجل ما فاته من الدنيا، لا حرصاً على الإيمان لحصول الفوز في العقبى، لقصور عقله ووقوفه مع المحسوسات المشاهدات ﴿ولم تكن له فئة﴾ أي جماعة لا من نفره الذين اعتز بهم ولا من غيرهم ﴿ينصرونه﴾ مما وقع فيه ﴿من دون الله﴾ أي بغير عون من الملك الأعظم ﴿وما كان﴾ هو ﴿منتصراً *﴾ بنفسه، بل ليس الأمر في ذلك إلا لله وحده. ولما أنتج هذا المثل قطعاً أنه لا أمر لغير الله المرجو لنصر أوليائه بعد ذلهم، ولإغنائهم بعد فقرهم، ولإذلال أعدائه بعد عزهم وكبرهم، وإفقارهم بعد إغنائهم وجبرهم، وأن غيره إنما هو كالخيال لا حقيقة له، صرح بذلك في قوله تعالى: ﴿هنالك﴾ أي في مثل هذه الشدائد العظيمة ﴿الولاية﴾ أي النصرة - على قراءة الفتح، والسلطان - على الكسر، وهي قراءة حمزة

стр. 5695

والكسائي، والفتح لغيرهما، وهما بمعنى واحد، وهو المصدر كما صدر به في القاموس. ﴿لله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿الحق﴾ أي الثابت الذي لا يحول يوماً ولا يزول، ولا يغفل ساعة ولا ينام، ولا ولاية لغيره بوجه - هذا على قراءة الجماعة بالجر على الوصف وهو في قراءة أبي عمرو والكسائي بالرفع على الاستئناف والقطع تقليلاً، تنبيهاً على أن فزعهم في مثل هذه الأزمات إليه دون غيره برهان قاطع على أنه الحق وما سواه باطل، وأن الفخر بالعرض الزائل من أجهل الجهل، وأن المؤمنين لا يعيبهم فقرهم ولا يسوغ طردهم لأجله، وأنه يوشك أن يعود فقرهم غنى وضعفهم قوة. ولما علم من ذلك من أنه آخذ بأيدي عبيدة الأبرار وعلى أيدي عصاته الأشرار، قال تعالى: ﴿هو خير ثواباً﴾ لمن أثابه ﴿وخير عقباً *﴾ أي عاقبة عظيمة، فإن فعلا - بضمه وبضمتين - من صيغ جموع الكثرة فيفيده ذلك مبالغة وإن لم يكن جمعاً، والمعنى

стр. 5696

أنه أي ثوابه لأوليائه خير ثواب وعقباه خير عقبى.

стр. 5697

ولما أتم المثل لدنياهم الخاصة بهم التي أبطرتهم، فكانت سبب إشقائهم وهم يحسبون أنها عين إسعادهم ضرب لدار الدنيا العامة لجميع الناس في قلة بقائها وسرعة فنائها، وأن من تكبر بها كان أخس منها فقال تعالى: ﴿واضرب لهم﴾ أي لهؤلاء الكفار المغترين بالعرض الفاني، المفتخرين بكثرة الأموال والأولاد وعزة النفر ﴿مثل الحياة الدنيا﴾ أي التي صفتها - التي هم بها ناطقون - تدل على أن ضدها الأخرى، في ينوعها ونضرتها، واختلابها للنفوس ببهجتها، واستيلائها على الأهواء بزهرتها، واختداعها لذوي الشهوات بزينتها، ثم اضمحلالها وسرعة زوالها، أفرح ما كانوا بها، وأرغب ما كانوا فيها مرة بعد أخرى، على مر الأيام وكر الشهور، وتوالي الأعوام وتعاقب الدهور، بحيث نادت على نفسها بالتحذير منها والتنفير عنها للعاقل اللقن، والكيس الفطن، رغبة إلى الباقي الذي

стр. 5698

يدوم سروره، ويبقى نعيمه وحبوره، وذلك المثل ﴿كماء أنزلناه﴾ بعظمتنا واقتدارنا بعد يبس الأرض وجفاف ما فيها وزواله، وبقلعه كما تشاهدونه واستئصاله، وقال: ﴿من السماء﴾ تنبيهاً على بليغ القدرة في إمساكه في العلو وإنزاله في وقت الحاجة على الوجه النافع ﴿فاختلط﴾ أي فتعقب وتسبب عن إنزاله أنه اختلط ﴿به نبات الأرض﴾ أي التراب الذي كان نباتاً ارفت بطول العهد في بطنها، فاجتمع بالماء والتفّ وتكاثف، فهيأناه بالتخمير والصنع الذي لا يقدر عليه سوانا حتى أخرجناه من الأرض أخضر يهتز على ألوان مختلفة ومقادير متفاوتة ثم أيبسناه ﴿فأصبح هشيماً﴾ أي يابساً مكسراً مفتتاً ﴿تذروه﴾ أي تثيره وتفرقه وتذهب به ﴿الرياح﴾ حتى يصير عما قليل كأنه بقدرة الله تعالى لم يكن ﴿وكان الله﴾ أي المختص بصفات الكمال ﴿على كل شيء﴾ من ذلك وغيره إنشاء وإفناء وإعادة ﴿مقتدراً *﴾ أزلاً وأبداً، فلا تظنوا أن ما تشاهدونه من قدرته حادث. ولما تبين بهذين المثلين وغيرهما أن الدينا - التي أوردت أهلها الموارد وأحلتهم أودية المعاطب - سريعة الزوال، وشيكة الارتحال،

стр. 5699

مع كثرة الأنكاد، ودوام الأكدار، من الكد والتعب، والخوف والنصب كالزرع سواء، تقبل أولاً في غاية النضرة والبهجة، تتزايد نضرتها وبهجتها شيئاً فشيئاً، ثم تأخذ في الانتقاص والانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء، فهي جديرة لذلك بالزهد فيها والرغبة عنها، وأن لا يفتخر بها عاقل فضلاً عن أن يكاثر بها غيره، قال تعالى: ﴿المال والبنون﴾ الفانيان الفاسدان وهما أجلّ ما في هذه الدار من متاعها ﴿زينة الحياة الدنيا﴾ التي لو عاش الإنسان جميع أيامها لكان حقيقاً لصيرورة ما هو في منها إلى زوال بالإعراض عنها والبغض لها، وأنتم تعلمون ما في تحصيلهما من التعب، وما لهما بعد الحصول من سرعة العطب، وهما مع ذلك قد يكونان خيراً إن عمل فيهما بما يرضي الله، وقد يكونان شراً ويخيب الأمل فيهما، وقد يكون كل منهما سبب هلاك صاحبه وكدره، وسوء حياته وضرره ﴿والباقيات الصالحات﴾ وهي أعمال الخير المجردة التي يقصد بها وجه الله تعالى التي رغبنا فيها بقولنا ﴿لنبلوهم أيهم أحسن عملاً﴾ [الكهف: ٧] وما بعده ﴿خير﴾ أي من الزينة الفانية. ولما كان أهم ما إلى من حصل

стр. 5700

النفائس لكفايته من يحفظها له لوقت حاجته قال: ﴿عند ربك﴾ أي الجليل المواهب، العالم بالعواقب، وخير من المال والبنين في العاجل والآجل ﴿ثواباً وخير﴾ من ذلك كله ﴿أملاً *﴾ أي من جهة ما يرجو فيها من الثواب ويرجو فيها من الأمل، لأن ثوابها إلى بقاء، وأملها كل ساعة في تحقيق وعلو وارتقاء، وأمل المال والبنين يختان أحوج ما يكون إليهما. ولما ذكر المبدأ ونبه على زواله، وختم بأن المقصود منه الاختبار للرفعة بالثواب أو الضعة بالعقاب، وكان الخزي والصغار، أعظم شيء ترهبه النفوس الكبار، لا سيما إذا عظم الجمع واشتد الأمر، فكيف إذا انضم إليه الفقر فيكف إذا صاحبهما الحبس وكان يوم الحشر يوماً يجمع فيه الخلائق، فهو بالحقيقة المشهود، وتظهر فيه العظمة فهو وحده المرهوب، عقب ذكر الجزاء ذكره، لأنه أعظم يوم يظهر فيه، فقال تعالى عاطفاً على ﴿واضرب﴾ : ﴿ويوم﴾ أي واذكر لهم يوم ﴿نسير الجبال﴾ عن وجه الأرض بعواصف القدرة كما يسير نبات الأرض - بعد أن صار هشمياً - بالرياح ﴿فترى الجبال

стр. 5701

تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب﴾ [النحل: ٨٨] ﴿وترى الأرض﴾ بكمالها ﴿بارزة﴾ لا غار فيها ولا صدع ولا جبل ولا نبت ولا شجر ولا ظل ﴿و﴾ الحال أنا قد ﴿حشرناهم﴾ أي الخلائق بعظمتنا قبل التسيير بتلك الصيحة، قهراً إلى الموقف الذي ينكشف فيه المخبآت، وتظهر الفضائح والمغيبات، ويقع الحساب فيه على النقير والقطمير، والنافذ فيه بصير، فينظرون ويسمعون زلازل الجبال عند زوالها، وقعاقع الأبنية والأشجار في هدها وتباين أوصالها، وفنائها بعد عظيم مرآها واضمحلالها ﴿فلم نغادر﴾ أي نترك بما لنا من العظمة ﴿منهم﴾ أي الأولين والآخرين ﴿أحداً *﴾ لأنه لا ذهول ولا عجز.

стр. 5702

ولما ذكر سبحانه حشرهم، وكان من المعلوم أنه للعرض، ذكر كيفية ذلك العرض، فقال بانياً الفعل للمفعول عل طريقة كلام القادرين، ولأن المخوف العرض لا كونه من معين: ﴿وعرضوا على ربك﴾ أي المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك ﴿صفاً﴾ لاتساع والمسايقة إلى داره، لعرض أذل شيء وأصغره، وأطوعه وأحقره، يقال لهم تنبيهاً على مقام العظمة: ﴿لقد جئتمونا﴾ أحياء سويين حفاة عراة غرلاً ﴿كما خلقناكم﴾ بتلك العظمة ﴿أول مرة﴾ منعزلين من

стр. 5703

كل شيء كنتم تجمعونه وتفاخرون به منقادين مذعنين فتقولون ﴿هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون﴾ [يس: ٥٢] فيقال لكم: ﴿بل زعمتم﴾ أي ادعيتم جهلاً بعظمتنا ﴿أن﴾ أي أنا ﴿لن نجعل لكم﴾ على ما لنا من العظمة ﴿موعداً *﴾ أي مكاناً ووقتاً نجمعكم فيه هذا الجمع فننجز ما وعدناكم به على ألسنة الرسل ﴿ووضع﴾ بأيسر أمر بعد العرض المستعقب للجمع بأدنى إشارة ﴿الكتاب﴾ المضبوط فيه دقائق الأعمال وجلائلها على وجه بيِّن لا يخفى على قارىء ولا غيره شيء منه ﴿فترى المجرمين﴾ لتقر عينك منهم بشماتة لا خير بعدها ﴿مشفقين مما فيه﴾ من قبائح أعمالهم، وسيىء أفعالهم وأقوالهم أي خائفين دائماً خوفاً عظيماً من عقاب الحق والفضيحة عند الخلق ﴿ويقولون﴾ أي يجددون ويكررون قولهم: ﴿ياويلتنا﴾ كناية عن أنه لا نديم لهم إذ ذاك إلا الهلاك ﴿مال هذا الكتاب﴾ أي أي شيء له حال كونه على غير حال الكتب في الدنيا، ورسم لام الجر وحده إشارة إلى أنهم صاروا من قوة الرعب وشدة الكرب يقفون على بعض الكتب، وفسروا حال الكتاب التي أفظعتهم وسألوا عنها بقولهم: ﴿لا يغادر﴾ أي يترك أي يقع منه غدر، أي عدم الوفاء وهو من غادر الشيء: تركه كأن كلاًّ منهما يريد غدر الآخر، أي عدم الوفاء

стр. 5704

به، من الغدير - لقطعة من الماء يتركها السيل كأنه لم يوف لهما بأخذ ما معه، وكذا الغديرة لناقة تركها الراعي ﴿صغيرة﴾ أي من أعمالنا. ولما هالهم إثبات جميع الصغائر، بدؤوا بها، وصرحوا بالكبائر - وإن كان إثبات الصغائر يفهمها - تأكيداً لأن المقام للتهويل وتعظيم التفجع، وإشارة إلى أن الذي جرهم إليها هو الصغائر - كما قال الفضيل بن عياض ﵁ فقالوا: ﴿ولا كبيرة إلا أحصاها﴾ ولما كان الإحصاء قد لا يستلزم اطلاع صاحب الكتاب وجزاءه عليه، نفى ذلك بقوله تعالى: ﴿ووجدوا ما عملوا حاضراً﴾ كتابة وجزاء من غير أن يظلمهم سبحانه أو يظلم من عادوهم فيه ﴿ولا يظلم ربك﴾ الذي رباك بخلق القرآن ﴿أحداً *﴾ منهم ولا من غيرهم في كتاب ولا عقاب ولا ثواب، بل يجازى الأعداء بما يستحقون، تعذيباً لهم وتنعيماً لأوليائه الذين عادوهم فيه للعدل بينهم؛ روى الإمام أحمد في المسند عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سافر إلى عبد الله بن أنيس ﵁ مسيرة شهر فاستأذن عليه قال: فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، قلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من

стр. 5705

رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القصاص، فخشيت أن تموت قبل أن أسمعه، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «يحشر الله الناس - أو قال: العباد - حفاة عراة بهما قلت: وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند أحد من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله حفاة عراة بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات» . ولما ذكر البعث وختمه بإحسانه بالعدل المثمر لإعطاء كل أحد ما يستحقه، أتبعه - بما له من الفضل - بابتداء الخلق الذي هو دليله، في سياق مذكر بولايته الموجبة للإقبال عليه، وعداوة الشيطان الموجبة للإدبار عنه، مبين لما قابلوا به عدله فيهم وفي عدوهم من الظلم بفعلهم كما فعل من التكبر على آدم ﵇ بأصله، فتكبروا على فقراء المؤمنين بأصلهم وأموالهم وعشائرهم، فكان فعلهم فعله سواء، فكان

стр. 5706

قدوتهم وهو عدوهم، ولم يقتدوا بخير خلقه وهو وليهم وهو أعرف الناس به، فقال تعالى عاطفاً على ﴿واضرب﴾ : ﴿وإذ﴾ أي واذكر لهم إذ ﴿قلنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿للملائكة﴾ الذين هم أطوع شيء لأوامرنا وإبليس فيهم، قال ابن كثير: وذلك أنه كان قد ترسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك، ولهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة ﴿اسجدوا لآدم﴾ أبيهم نعمة منا عليه يجب عليهم شكرنا فيها ﴿فسجدوا﴾ كلهم ﴿إلا إبليس﴾ فكأنه قيل: ما له لم يسجد؟ فقيل: ﴿كان﴾ أي لأنه كان ﴿من الجن﴾ المخلوقين من نار، ولعل النار لما كانت نيرة وإن كانت نورانيتها مشوبة بكدورة وإحراق، عد من الملائكة لاجتماع العنصرين في مطلق النور، مع ما كان غلب عليه من العبادة، فقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان - وفي رواية: إبليس - من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» وفي مكائد الشيطان لابن أبي الدنيا عن ابن عباس ﵄ أن الجن كانت قبيلة من الملائكة. ولما كان أكثر الجن مفسداً، رجوعاً إلى الأصل الذي هو

стр. 5707

النار المحرقة لما لاصقها، المفسدة له، سبب فسقه عن كونه منهم فقال تعالى: ﴿ففسق﴾ أي خرج، يقال: فسقت الفأرة من حجرها - إذا خرجت للعيث والفساد. ﴿عن أمر ربه﴾ أي سيده ومالكه المحسن إليه بإبداعه، وغير ذلك من اصطناعه، في شأن أبيكم، إذ تكبر عليه فطرده ربه من أجلكم، فلا تستنوا به في الافتخار والتكبر على الضعفاء، فإن من كانت خطيئته في كبر لم يكن صلاحه مرجواً، ومن كانت خطيئته في معصية كان صلاحه مرجواً، ثم سبب عن هذا ما هو جدير بالإنكار فقال تعالى في أسلوب الخطاب لأنه أدل على تناهي الغضب وأوجع في التبكيت، والتكلم لأنه أنص على المقصود من التوحيد: ﴿أفتتخذونه﴾ أي أيفسق باستحقاركم فيطرده لأجلكم فيكون ذلك سبباً لأن تتخذوه ﴿وذريته﴾ شركاء لي ﴿أولياء﴾ لكم ﴿من دوني﴾ أي اتخاذاً مبتدئاً من غيري أو من أدنى رتبة من رتبتي، ليعم الاتخاذ استقلالاً وشركة، ولو كان المعنى: من دون - أي غير - اتخاذي، لأفاد الاستقلال فقط، ولو كان الاتخاذ مبتدئاً منه بأن كان هو الآمر به لم يكن ممنوعاً، وأنا وليكم المفضل عليكم

стр. 5708

﴿وهم لكم﴾ ولما كان بناء فعول للمبالغة ولا سيما وهو شبيه بالمغالاة في نحو القول، أغنى عن صيغة الجمع فقال: ﴿عدو﴾ إشارة إلى أنهم في شدة العداوة على قلب واحد. ولما كان هذا الفعل أجدر شيء بالذم، وصل به قوله تعالى: ﴿بئس﴾ وكان الأصل: لكم، ولكنه أبرز هذا الضمير لتعليق الفعل بالوصف والتعميم فقال تعالى: ﴿للظالمين بدلاً *﴾ إذا استبدلوا من ليس لهم شيء من الأمر وهم لهم عدو بمن له الأمر كله وهو لهم ولي.

стр. 5709

ولما كان الشريك لا يستأثر بفعل أمر عظيم في المشترك فيه من غير علم لشريكه به، قال معللاً للذم على هذا الظلم بما يدل عل حقارتهم عن هذه الرتبة، عادلاً في أسلوب التكلم إلى التجريد عن مظهر العظمة لئلا يتعنت من أهل الإشراك متعنت كما عدل في ﴿دوني﴾ لذلك: ﴿ما أشهدتهم﴾ أي إبليس وذريته ﴿خلق السماوات والأرض﴾ نوعاً من أنواع الإشهاد ﴿ولا خلق أنفسهم﴾ إشارة إلى أنهم مخلوقون وأنه لا يصح في عقل عاقل أن يكون مخلوق شريكاً لخالقه أصلاً ﴿وما كنت﴾ أي أزلاً وأبداً متخذهم، هكذا الأصل ولكنه أبرز إرشاداً إلى أن المضل لا يستعان به، لأنه مع عدم نفعه يضر، فقال تعالى: ﴿متخذ المضلين عضداً *﴾ إشارة إلى أنه لا يؤسف على فوات

стр. 5710

إسلام أحد، فإن من علم الله فيه خيراً أسمعه، ومن لم يسمعه فهو مضل ليس أهلاً لنصرة الدين. ولما أقام البرهان القاطع على بعد رتبتهم عن المنزلة التي أحلوهم بها من الشرك، أتبعه التعريف بأنهم مع عدم نفعهم لهم في الدنيا يتخلون عنهم في الآخرة أحوج ما يكونون إليهم تخييباً لظنهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، فقال تعالى عاطفاً على ﴿إذ قلنا﴾ عادلاً إلى مقام الغيبة، إشارة إلى بعدهم عن حضرته الشماء وتعاليه عما قد يتوهم من قوله تعالى ﴿وعرضوا على ربك صفاً لقد جئتمونا﴾ [الكهف: ٤٨] في حجب الجلال والكبرياء، وجرى حمزة في قراءته بالنون على أسلوب التكلم الذي كان فيه مع زيادة العظمة: ﴿ويوم﴾ أي واذكر يوم ﴿يقول﴾ الله لهم تهكماً بهم: ﴿نادوا شركاءي﴾ وبين أن الإضافة ليست على حقيقتها، بل هي توبيخ لهم فقال تعالى: ﴿الذين زعمتم﴾ أنهم شركاء ﴿فدعوهم﴾ تمادياً في الجهل والضلال ﴿فلم يستجيبوا لهم﴾ أي لم يطلبوا ويريدوا أن يجيبوهم إعراضاً عنهم استهانة بهم واشتغالاً بأنفسهم فضلاً عن أن يعينوهم. ولما كانوا في غاية الاستبعاد لأن يحال بينهم وبين معبوداتهم، قال في مظهر العظمة: ﴿وجعلنا بينهم﴾ أي المشركين والشركاء ﴿موبقاً *﴾
следующие страницы →