← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

بل يظنون أن الدهر هكذا حياة وموت بلا آخر ﴿وهم لا يؤمنون *﴾ بأنه لا بد من كونه؛ وفي الصحيح ما يدل على أن يوم الحسرة حين يذبح الموت فقد روى مسلم عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيقال: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا، فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم! هذا الموت، ويقال: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم! هذا الموت، فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت، ثم قرأ رسول الله ﷺ وفي وراية: فذلك قوله ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر﴾ » «الآية. وأما الغفلة ففي الدنيا، روى ابن حبان في صحيحه عن النبي ﷺ ﴿إذ قضي الأمر وهم في غفلة﴾ قال في الدنيا. قال المنذري: وهو في مسلم بمعناه في آخر حديث. ولما كان الإرث هو حوز الشيء بعد موت أهله، وكان سبحانه

стр. 5847

قد قضى بموت الخلائق أجمعين، وأنه يبقى وحده، عبر عن ذلك بالإرث مقرراً به مضمون الكلام السابق، فقال مؤكداً تكذيباً لقولهم: إن الدهر لا يزال هكذا، حياة لقوم وموت لآخرين ﴿إنا نحن﴾ بعظمتنا التي اقتضت ذلك ولا بد، وأفاد الأصبهاني أن تأكيد اسم ﴿إن﴾ أفاد أن الإسناد إليه سبحانه لا إلى أحد من جنده ﴿نرث الأرض﴾ فلا ندع بها عامراً من عاقل ولا غيره. ولما كان العاقل أقوى من غيره، صرح به بعد دخوله فقال: ﴿ومن عليها﴾ أي من العقلاء، بأن نسلبهم جميع ما في أيديهم ﴿وإلينا﴾ لا إلى غيرنا من الدنيا وجبابرتها إلى غير ذلك ﴿يرجعون *﴾ معنى في الدنيا وحساً بعد الموت. ولما ذم الضالين في أمر المسيح، وعلق تهديدهم بوصف دخل فيه مشركو العرب، فأنذرهم بصريح تكذيبهم بالبعث، وغيرهم بأنهم لسوء أعمالهم كالمكذبين به، وختم ذلك بأنه الوارث وأن الرجوع إليه، ودخل في ذلك الإرث بغلبة أنبيائه وأتباعهم على أكثر أهل

стр. 5848

الأرض برجوع أهل الأديان الباطلة إليهم حتى يعم ذلك جميع أهل الأرض في زمن عيسى ﵊، وكان إبراهيم ﵇ لكثرة أولاده من العرب والروم وأهل الكتابين وراثاً لأكثر الأرض، وكان مثل زكريا في هبة الولد على كبر سنه وعقم زوجه، أتبع ذلك قوله: ﴿واذكر﴾ أي يا محمد! ﴿في الكتاب﴾ أي الذي أنزل عليك وتبلغه للناس وتعلمهم أن هذه القصة من القرآن ﴿إبراهيم﴾ أعظم آبائكم الذي نهى أباه عن الشرك يا من يكفرون تقليداً للآباء! ثم علل تشريفه بذكره له على سبيل التأكيد المعنوي بالاعتراض بين البدل والمبدل منه، واللفظي ب «إن» بقوله منبهاً على أن مخالفتهم له بالشرك والاستقسام بالأزلام ونحو ذلك تكذيب بأوصافه الحسنة: ﴿إنه كان﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿صديقاً﴾ أي بليغ الصدق في نفسه في أقواله وأفعاله، والتصديق بكل ما يأتيه مما هو أهل لأن يصدق لأنه مجبول على ذلك ولا يكون كذلك إلا وهو عامل به حق العمل فهو أبلغ من المخلص

стр. 5849

﴿نبياً *﴾ أي يخبره الله بالأخبار العظيمة جداً التي يرتفع بها في الدارين وهو أعظم الأنبياء بعد محمد - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام كما رواه الحافظ أبو البزار بسنده عن أبي هريرة ﵁ وأكده وكذا أكد فيما بعده من الأنبياء ﵈ وإن كانوا مقرين بنبواتهم تنزيلاً لهم منزلة المنكر، لجريهم في إنكارهم نبوة البشر على غير مقتضى عليهم.

стр. 5850

ولما تكفل ما تقدم من هذه السورة بنفي الشريك بقيد كونه ولداً، أتبع ذلك من قصته ما ينفي الشريك ليقتدي به أولاده في ذلك إذ كانوا يقلدون الآباء وليس في آبائهم مثله، فقال مبدلاً من ﴿إبراهيم﴾ ﴿إذ قال﴾ أي اذكر وقت قوله ﴿لأبيه﴾ هادياً له من تيه الضلال بعبادة الأصنام مستعطفاً له في كل جملة بقوله: ﴿يا أبت﴾ . ولما كان العاقل لا يفعل فعلاً إلا لثمره، نبهه على عقم فعله بقوله: ﴿لم تعبد﴾ مريداً بالاستفهام المجاملة، واللطف والرفق واللين والأدب الجميل في نصحه له كاشفاً الأمر غاية الكشف بقوله: ﴿ما لا يسمع ولا يبصر﴾ أي ليس عنده قابلية لشيء من هذين الوصفين ليرى ما أنت فيه من خدمته أو يجيبك إذا ناديته حالاً أو مآلاً. ولما كان الأعمى الأصم

стр. 5851

قد ينفع بكلام أو غيره، قال: ﴿ولا يغني عنك شيئاً *﴾ من الإغناء. ولما نبهه على أن ما يعبده لا يستحق العبادة، بل لا تجوز عبادته، لنقصه مطلقاً ثم نقصه عن عابده، ولن يكون المعبود دون العابد أصلاً، وكان أقل ما يصل إليه بذلك مقام الحيرة، نبهه على أنه أهل للهداية، فقال مكرراً لوصفه المذكور بالعطف والود: ﴿ياأبت﴾ وأكد علماً منه أنه ينكر أن يكون ابنه أعرف منه بشيء فقال: ﴿إني قد جاءني﴾ من المعبود الحق ﴿من العلم ما لم يأتك﴾ منه ﴿فاتبعني﴾ أي فتسبب عن ذلك أني أقول لك وجوباً على النهي عن المنكر ونصيحة لما لك علي من الحق: اجتهد في تبعي ﴿أهدك صراطاً سوياً *﴾ لا عوج فيه، كما أني لو كنت معك في طريق محسوس وأخبرتك أن أمامنا مهالك لا ينجو منها أحد، وأمرتك أن تسلك مكاناً غير ذلك، لأطعتني، لو عصيتني فيه عدك كل أحد غاوياً. ولما بين أنه لا نفع فيما يعبده، ونبهه على الوصف المقتضي لوجوب الاقتداء به، بين له ما في عبادة معبوده من الضر فقال: ﴿يا أبت لا تعبد الشيطان﴾ فإن الأصنام ليس لها دعوة أصلاً، والله تعالى قد حرم عبادة غيره مطلقاً على لسان كل

стр. 5852

ولي له، فتعين أن يكون الآمر بذلك الشيطان، فكان هو المعبود بعبادتها في الحقيقة؛ ثم علل هذا النهي فقال: ﴿إن الشيطان﴾ البعيد من كل خير المحترق باللعنة، وذكر الوصف الموجب للإملاء للعاصي فقال: ﴿كان للرحمن﴾ المنعم بجميع النعم القادر على سلبها، ولم يقل: للجبار - لئلا يتوهم أنه ما أملى لعاصيه مع جبروته إلا للعجز عنه ﴿عصياً *﴾ بالقوة من حين خلق، وبالفعل من حين أمره بالسجود لأبيك آدم فأبى فهو عدو لله وله، والمطيع للعاصي لشيء عاص لذلك الشيء، لأن صديق العدو عدو. فلما بين له أنه بذلك عاص للمنعم، خوفه من إزالته لنعمته فقال: ﴿يا أبت إني أخاف﴾ لمحبتي لك وغيرتي عليك ﴿أن يمسك عذاب﴾ أي عذاب كائن ﴿من الرحمن﴾ أي الذي هو ولي كل من يتولاه لعصيانك إياه ﴿فتكون﴾ أي فتسبب عن ذلك أن تكون ﴿للشيطان﴾ وحده وهو عدوك المعروف العداوة ﴿ولياً *﴾ فلا يكون لك نصرة أصلاً، مع ما يوصف به من السخافة باتباع العدو الدني، واجتناب الولي العلي. فلما وصل إلى هذا الحد من البيان، كان كأنه قيل: ماذا كان جوابه؟ فقيل: ﴿قال﴾ مقابلاً لذلك الأدب العظيم والحكمة البالغة

стр. 5853

الناشئة عن لطافة العلم بغاية الفظاظة الباعث كثافة الجهل، منكراً عليه في جميع ما قال بإنكار ما بعثه عليه من تحقير آلهته: ﴿أراغب﴾ قدم الخبر لشدة عنايته والتعجيب من تلك الرغبة والإنكار لها، إشارة إلى أنه لا يفعلها أحد؛ ثم صرح له بالمواجهة بالغلظة فقال: ﴿أنت﴾ وقال: ﴿عن ءالهتي﴾ بإضافتها إلى نفسه فقط، إشارة إلى مبالغته في تعظيمها؛ والرغبة عن الشيء: تركه عمداً. ثم ناداه باسمه لا بلفظ النبوة المذكر بالشفقة والعطف زيادة في الإشارة إلى المقاطعة وتوابعها فقال: ﴿يا إبراهيم﴾ ثم استأنف قوله مقسماً: ﴿لئن لم تنته﴾ عما أنت عليه ﴿لأرجمنك﴾ أي لأقتلنك، فإن ذلك جزاء المخالفة في الدين، فاحذرني ولا تتعرض لذلك مني وانته ﴿واهجرني﴾ أي ابعد عني ﴿ملياً﴾ أي زماناً طويلاً لأجل ما صدر منك هذا الكلام، وفي ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتأسية فيما كان يلقى من الأذى، ويقاسي من قومه من العناء، ومن عمه أبي لهب من الشدائد والبلايا - بأعظم آبائه وأقربهم به شبهاً ﴿قال﴾ أي إبراهيم ﵇ مقابلاً لما كان من طيش الجهل بما يحق لمثله من رزانة العلم: ﴿سلام عليك﴾ أي أنت سالم مني ما لم أومر فيك بشيء؛ ثم استأنف قوله: ﴿سأستغفر﴾ بوعد لا خلف فيه ﴿لك ربي﴾

стр. 5854

أي المحسن إليّ بأن أطلب لك منه غفران ذنوبك بأن يوفقك للاسلام الجابّ لما قبله، لأن هذا كان قبل أن يعلم أنه عدو لله محتوم بشقاوته بدليل عدم جزمه بعذابه في قوله: ﴿إني أخاف أن يمسك﴾ . ثم علل إقدامه على ذلك إشارة إلى أنه مقام خطر بما له من الإذلال لما له من مزيد القرب فقال: ﴿إنه كان بي﴾ أي في جميع أحوالي ﴿حفيّاً *﴾ أي مبالغاً في إكرامي مرة بعد مرة وكرة إثر كرة، ثم عطف على عدوه بالإحسان وعده بما سأل فيه الهجرة فقال: ﴿وأعتزلكم﴾ أي جميعاً بترك بلادكم؛ وأشار إلى أن من شرط المعبود أن يكون أهلاً للمناداة في الشدائد بقوله: ﴿وما تدعون﴾ أي تعبدون ﴿من دون الله﴾ الذي له الكمال كله، فمن أقبل عليه وحده أصاب، ومن أقبل على غيره فقد خاب ولم يقيد الاعتزال بزمن، بل أشار إلى أنهم ما داموا على هذا الدين فهو معتزل لهم ﴿وأدعوا﴾ أي أعبد ﴿ربي﴾ وحده لاستحقاقه ذلك مني بتفرده بالإحسان إليّ، ثم دعا لنفسه بما نبههم به على خيبة مسعاهم فقال غير جازم بإجابة دعوته وقبول عبادته إجلالاً لربه وهضماً لنفسه: ﴿عسى ألاّ أكون﴾ أي كوناً ثابتاً كأنه احترز بذلك

стр. 5855

عما لا بد للأولياء منه في الدنيا من البلاء ﴿بدعاء ربي﴾ المتفرد بالإحسان إلي ﴿شقياً *﴾ كما كنتم أنتم أشقياء بعبادة ما عبدتموه، لأنه لا يجيب دعاءكم ولا ينفعكم ولا يضركم. ولما رأى من أبيه ومعاشريه ما رأى، عزم على نشر شقة النوى مختاراً للغربة في البلاد على غربة الأضداد، فكان كما قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمة الله: وما غربة الإنسان في شقة النوى ... ولكنها والله في عدم الشكل وإني غريب بين بست وأهلها ... وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي وحقق ما عزم عليه؛ ثم بين تحقيق رجائه وإجابة دعائه فقال: ﴿فلما اعتزلهم﴾ أي بالهجرة إلى الأرض المقدسة ﴿وما يعبدون﴾ أي على الاستمرار ﴿من دون الله﴾ الجامع لجميع معاني العظمة التي لا ينبغي العبادة لغيره ﴿وهبنا﴾ أي على ما لنا من العظمة ﴿له﴾ كما هو الشأن في كل كن ترك شيئاً لله ﴿إسحاق﴾ ولداً له لصلبه من زوجته العاقر العقيم بعد تجاوزها سن اليأس وأخذه هو في السن إلى حد لا يولد لمثله ﴿ويعقوب﴾ ولداً لإسحاق وخصهما

стр. 5856

بالذكر للزومهما محل إقامته وقيامهما بعد موته بخلافته فيه وأما إسماعيل ﵇ فكان الله سبحانه هو المتولي لتربيته بعد نقله رضيعاً إلى المسجد الحرام وإيحائه به تلك المشاعر العظام فأخروه بالذكر جاعلاً له أصلاً برأسه؛ ثم صرح بما وهب لأولاده جزاء على هجرته فقال: ﴿وكلاًّ﴾ أي منهما ﴿جعلنا نبياً *﴾ عالي المقدار، ويخبر بالأخبار كما جعلنا إبراهيم ﵇ نبياً ﴿ووهبنا لهم﴾ كلهم ﴿من رحمتنا﴾ أي شيئاً عظيماً جداً، بالبركة في الأموال والأولاد وإجابة الدعاء، واللطف في القضاء وغير ذلك من خيري الدنيا والآخرة ﴿وجعلنا لهم﴾ بما لنا من العظمة ﴿لسان صدق عليّاً﴾ أي ذكراً صادقاً رفيع القدر جداً يحمدون به ويثنى عليهم من جميع أهل الملل على كر الأعصار، ومر الليل والنهار، وعبر باللسان عما يوجد به، وفي ذلك ترغيب في الهجرة ثانياً بعد ما رغب فيها بقصة أهل الكهف أولاً، وأشار إليها بقوله في ﴿سبحان﴾ ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق﴾ [الإسراء: ٨٠] الآية.

стр. 5857

ولما كان موسى أول من نوه الله بأسمائهم، على لسانه في التوراة، وأظهر محامدهم، وشهر مناقبهم، وتوارث ذلك أبناؤهم منه حتى شاع أمرهم وذاع، وملأ الأسماع، وطار في الأقطار، حتى عم البراري والبحار، عقب ذكرهم بذكره فقال: ﴿واذكر في الكتاب﴾

стр. 5858

أي الذي لا كتاب مثله في الكمال ﴿موسى﴾ أي الذي أنقذ الله به بني إسرائيل من العبودية والذل ختى تمكنوا من آثار آبائهم، وكان موافقاً لأبيه إبراهيم ﵈ في أن كلاً منهما أراد ملك زمانه الذي ادعى الربوبية قتله خوفاً على ملكه منه، فأنجاه الله منه، وأمر موسى أعجب لأنه سبحانه أنجاه من الذبح بالذباح، ثم علل ذكره له بقوله: ﴿إنه كان﴾ أي كوناً عريقاً فيه ﴿مخلصاً﴾ لله تعالى في توحيده وجميع أعماله كما أشارت إليه قراءة الجمهور - من غير كلفة في شيء، في ذلك لأن الله أخلصه له كما في قراءة الكوفيين بالفتح ﴿وكان رسولاً﴾ إلى بني إسرائيل والقبط ﴿نبياً *﴾ ينبئه الله بما يريد من وحيه لينبىء به المرسل إليهم، فيرفع بذلك قدره، فصار الإخبار بالنبوة عنه مرتين: إحداهما في ضمن ﴿رسولاً﴾ والأخرى صريحاً مع إفهام العلو باشتقاقه من النبوة، وبكون النبأ لا يطلق عليه غالباً إلا على خبر عظيم، فصار المراد: رسولاً عالياً مقداره ويخبر بالأخبار الجليلة، وفيه دفع لما يتوهم من أنه رسول عن بعض رسله كما في أصحاب يس؛ وعطف على ذلك دليله الدال على ما صدرت به السورة من الرحمة، فرحمه بتأنيس وحشته وتأهيل غربته بتلذيذه بالخطاب وإعطائه الكتاب

стр. 5859

فقال: ﴿وناديناه﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿من جانب الطور﴾ أي الجانب ﴿الأيمن﴾ فأنبأناه هنالك - حين كان متوجهاً إلى مصر - بأنه رسولنا، ثم واعدناه إليه بعد إغراق آل فرعون، فكان لبني إسرائيل به من العجائب في رحمتهم بإنزال الكتاب، والإلذاذ بالخطاب، من جوف السحاب، وفي إماتتهم لما طلبوا الرؤية، ثم إحيائهم وغير ذلك ما يجل عن الوصف على ما هو مذكور في التوراة، وتقدم كثير منه في هذا الكتاب ﴿وقربناه﴾ بما لنا من العظمة تقريب تشريف حال كونه ﴿نجيّاً *﴾ نخبره من أمرنا بلا واسطة من النجوى وهي السر والكلام بين الاثنين كالسر، والتشاور كما في يوسف ويأتي في المجادلة ﴿ووهبنا له﴾ أي هبة تليق بعظمتنا ﴿من رحمتنا﴾ له لما سألنا ﴿أخاه﴾ أي معاضدة أخيه وبينه بقوله: ﴿هارون﴾ حال كونه ﴿نبياً *﴾ أو هو بدل أي نبوته شددنا به أزره، وقوينا به أمره، وكان يخلفه من قومه عند ذهابه إلى ساحة المناجاة، ومع ذلك فأشركوا بي صورة عجل، فلا تعجب من غرورهم للعرب مع مباشرتهم لهذه العظائم. ولما كان إسماعيل ﵊ هو الذي ساعد أباه

стр. 5860

إبراهيم ﵇ في بناء البيت الذي كان من الأفعال التي أبقى الله بها ذكره، وشهر أمره وكان موافقاً لموسى ﵇ في ظهور آية الماء الذي به حياة كل شيء وإن كانت آية موسى ﵇ انقضت بانقضائه، وآيته هو باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي التي كانت سبب حياته وماؤها ببركته أفضل مياه الأرض، وجعل سبحانه آية الماء التي أظهرها له سبب حفظه من الجن والإنس والوحش وسائر المفسدين، إشارة إلى أنه سبحانه يحيي بولده محمد ﷺ الذي غذاه بذلك الماء ورباه عند ذلك البيت إلى أن اصطفاه برسالته، فحسدته اليهود وأمرت بالتعنت عليه - ما لم يحي بغيره، ويجعله قطب الوجود كما خصه - من بين آل إبراهيم ﵇ بالبيت الذي هو كذلك قطب الوجود، ويشفي به من داء الجهل، ويغني به من مرير الفقر، كما جعل ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم، وكان ﷺ آخر من شيد قدرهم، وأعظم من أعلى ذكرهم، عقب ذكره بذلك فقال: ﴿واذكر في الكتاب﴾ أباك الأقرب ﴿إسماعيل﴾ ابن إبراهيم ﵉ الذي هم معترفون بنبوته، ومفتخرون برسالته وأبوته، فلزم بذلك فساد تعليلهم إنكار نبوتك بأنك من البشر، ثم علل ذكره والتنويه بقدره بقوله معلماً بصعوبة الوفاء بالتأكيد:

стр. 5861

﴿إنه كان﴾ جبلة وطبعاً ﴿صادق الوعد﴾ في حق الله وغيره لمعونة الله له على ذلك، بسبب أنه لا يعد وعداً إلا مقروناً بالاستثناء كما قال لأبيه حين أخبرهم بأمر ذبحه ﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ فكن أبي كذلك ولا تقولن لشي إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله، وخصه بالمدح به - وإن كان الأنبياء كلهم كذلك - لقصة الذبح فلا يلزم منه تفضيله ﴿وكان رسولاً نبياً﴾ نبأه الله بأخباره، وأرسله إلى قومه جرهم قاله الأصبهاني. وأتى أهل البراري بدين أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام فأحياها الله بنور الإيمان الناشىء عن روح العلم ووصفه بالرسالة زيادة على وصف أخيه إسحاق ﵉ وتقدم في أمر موسى ﵇ سر الجمع بين الوصفين؛ وفي صحيح مسلم وجامع الترمذي - عن واثلة بن الأسقع ﵁ «أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ﵇» وفي رواية الترمذي «أن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل» ﴿وكان يأمر أهله بالصلاة﴾ التي هي طهرة البدن وقرة العين وخير العون على جميع المآرب

стр. 5862

﴿والزكاة﴾ التي هي طهرة المال، كما أوصى الله بذلك جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتقدم في هذه السورة أنه أوصى بذلك عيسى ﵇ ﴿وكان عند ربه﴾ لعبادته على حسب ما أقامته ربوبيته ﴿مرضياً *﴾ فاقتد أنت به فإنه من أجل آبائك، لتجمع بين طهارة القول والبدن والمال، فتنال رتبة الرضا.

стр. 5863

ولما كان إسماعيل ﵇ قد رفع بالسكنى حياً إلى أعلى مكان في الأرض رتبة، وكان أول نبي رمى بالسهام، وكان إدريس ﵇ مع رفعته إلى المكان العلي - أول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار، وأول من نظر في علم النجوم والحساب، وخط بالقلم، وخاط الثياب ولبس الجبة وكان أغربهم قصة، وأعجبهم أمراً، وأقدمهم زمناً، ختم به هذه القصص تأييداً لهذا النبي الكريم، بما بين له من القصص التي هي أغرب مما أمر اليهود بالتعنت فيه، وإشارة إلى أن الله تعالى يؤتي أتباعه من علوم إدريس الأرضية والسماوية مما يستحق أن يحفظ بالخط ويودع بطون الكتب لضيق الصدور عن حفظه ما لم يؤته أمة من الأمم، وأنه يجمع شملهم، وترهيباً للمتعنتين بأنهم إن لم ينتهوا وضع فيهم السلاح كما فعل إدريس ﵇ بكفار زمانه فقال: ﴿واذكر في الكتاب﴾ أي الجامع

стр. 5864

لكل ما يحتاج إليه من القصص المتقدمين والمتأخرين ﴿إدريس﴾ أي الذي هو أبعد ممن تعنت بهم اليهود زماناً، وأخفى منهم شأناً، وهو جد أبي نوح ﵇ واسمه حنوخ بمهملة ونون وآخره معجمة ﴿إنه كان صديقاً﴾ أي صادقاً في أقواله وأفعاله، ومصدقاً بما أتاه عن الله من آياته على ألسنة الملائكة ﴿نبياً *﴾ ينبئه الله تعالى بما يوحيه إليه من الأمر العظيم، رفعة لقدره، فينبىء به الناس الذين أرسل إليهم ﴿ورفعناه﴾ جزاء منا له على تقواه وإحسانه، رفعة تليق بعظمتنا، فأحللناه ﴿مكاناً علياً *﴾ أي الجنة أو السماء الرابعة، وهي التي رآه النبي ﷺ بها ليلة الإسراء؛ قال ابن قتيبة في المعارف: وفي التوراة أن أخنوخ أحسن قدام الله فرفعه إليه - انتهى. وفي نسخة ترجمه التوراة وهي قديمة جداً وقابلتها مع بعض فضلاء الربانيين من اليهود وعلى ترجمة سعيد الفيومي بالمعنى وكان هو القارىء ما نصه: وكانت جميع حياة حنوخ ثلاثمائة وخمساً وستين سنة، فأرضى حنوخ الله ففقد لأن الله غيبه، وفي نسخة

стр. 5865

أخرى: لأن الله قبله، وفي أخرى: لأن الله أخذه. وهو قريب مما قال ابن قتيبة، لأن أصل الكلام عبراني، وإنما نقله إلى العربي المترجمون، فكل ترجم على قدر فهمه من ذلك اللسان، ويؤيد أن المراد الجنة ما في مجمع الزوائد للحافظ نور الدين الهيثمي عن معجمي الطبراني - الأوسط والأصغر إن لم يكن موضوعاً: حدثنا محمد بن واسط ثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي ثنا حجاج بن محمد بن أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد ابن أسلم عن عبيد الله بن أبي رافع عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إن إدريس ﵇ كان صديقاً لملك الموت فسأله أن يريه الجنة والنار، فصعد بإدريس فأراه النار ففزع منها، وكاد يغشى عليه فالتف عليه ملك الموت بجناحه، فقال ملك الموت: أليس قد رأيتها؟ قال: بلى! ولم أر كاليوم قط، ثم انطلق به حتى أراه الجنة فدخلها فقال له ملك الموت: انطلق! قد رأيتها، قال: إلى أين؟ قال ملك الموت: حيث كنت، قال إدريس: لا والله! لا أخرج منها بعد إذ دخلتها، فقيل لملك الموت: أليس أنت أدخلته إياها وأنه ليس لأحد دخلها أن يخرج منها» . وقال: لا يروى عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد، وقال الحافظ نور الدين: إبراهيم المصيصي متروك.

стр. 5866

قلت وفي لسان الميزان لتلميذه شيخنا حافظ العصر ابن حجر عن الذهبي أنه كذاب، وعن ابن حبان أنه كان يسوي الحديث، أي يدلس تدليس التسوية. وفي تفسير البغوي عن وهب قريب من هذا، وفيه أنه سأل ملك الموت أن يقبض روحه ويردها إليه بعد ساعة، فأوحى الله إليه أن يفعل، وفيه أنه احتج في امتناعه من الخروج بأن كل نفس ذائقة الموت وقد ذاقه، وأنه لا بد من ورود النار وقد وردها، وأنه ليس أحد يخرج من الجنة، فأوحى الله إلى ملك الموت: بإذني دخل الجنة - يعني: فخلِّ سبيله - فهو حي هناك. وفي تفسير البغوي أيضاً عن كعب وغيره أن إدريس ﵇ مشى ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال: يا رب! فكيف بمن يحملها؟ اللهم! خفف عنه من ثقلها، فخفف عنه فسأل ربه عن السبب فأخبره فسأل أن يكون بينهما خلة، فأتاه فسأله إدريس ﵇ أن يسأل ملك الموت أن يؤخر أجله، فقال: لا يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها، وأنا مكلمه، فرفع إدريس ﵇ فوضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت وكلمه فقال: ليس ذلك إليّ، ولكن إن أحببت أعلمته أجله

стр. 5867

فيتقدم في نفسه، قال: نعم! فنظر في ديوانه فقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبداً، قال: وكيف ذلك؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس، قال: فإني أتيتك وتركته هناك، قال: انطلق فلا أراك تجده إلا وقد مات، فوالله ما بقي من أجل إدريس ﵇ شيء، فرجع الملك فوجده ميتاً. ومن جيد المناسبات أن إسماعيل وإدرس عليهما الصلاة والسلام اشتركا في البيان بالعلم واللسان، فإسماعيل ﵇ أول من أجاد البيان باللسان، وإدريس ﵇ أول من أعرب الخطاب بالكتاب، فقد روى الطبراني عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أول من فتق لسانه بهذه العربية إسماعيل ﵇» ولأحمد عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أول من خط بالقلم إدريس ﵇» . ولما انقضى كشف هذه الأخبار، العلية المقدار، الجليلة الأسرار، شرع سبحانه ينسب أهلها بأشرف نسبهم، ويذكر أمتن سببهم هزاً

стр. 5868

لمن وافقهم في النسب إلى الموافقة في السبب فقال: ﴿أولئك﴾ أي العالو الرتب، الشرفاء النسب ﴿الذين أنعم الله﴾ بما له من صفات الكمال التي بها أقام آدم ﵇ وهم في ظهره، مع ما طبعه عليه من الأمور المتضادة حتى نجاه من مكر إبليس، ونجى بها نوحاً ﵇ وهم في صلبه من ذلك الكرب العظيم، وإبراهيم ﵇ وهم في قواه مع اضطرام النار وإطفاء السن وإصلاد العظم، وأعلى بها إسرائيل ﵇ وبنيه في سوط الفراق وامتهان العبودية وانتهاك الاتهام حتى كان أبناؤه معدن الملوك والأنبياء، ومحل الأتقياء والأصفياء، إلى غير ذلك من جليل الأنبياء وعظيم الأصطفاء والاجتباء ﴿عليهم﴾ بما خصهم به من مزيد القرب إليه، وعظيم المنزلة لديه؛ وبين الموصول بقوله: ﴿من النبيين﴾ أي المصطفين للنبوة الذين أبنأهم الله بدقائق الحكم، ورفع محالهم بين الأمم، وأنبؤوا الناس بجلائل الكلم، وأمروهم بطاهر الشيم. ولما كانوا بعض بني آدم الذين تقدم أنا كرمناهم، قال إشارة إلى ما في ذلك من النعمة عليهم وهم يرونها: ﴿من ذرية ءادم﴾ صفينا أبي البشر الذي خلقه الله من التراب بيده، وأسجد له ملائكته، وإدريس أحقهم بذلك. ولما كان في إنجاء نوح ﵇ وإغراق قومه من القدرة الباهرة ما لا يخفى، نبه عليه بنون العظمة في قوله مشيراً إلى أعظم النعمة عليهم

стр. 5869

بالتبعيض، وإلى أن نبيهم من ذريته كما كان هو من ذرية إدريس ﵇ الذي هو من ذرية آدم، فكما كان كل منهم رسولاً فكذلك هو وإبراهيم أقربهم إلى ذلك: ﴿وممن حملنا مع نوح﴾ صفينا أول رسول أرسلناه بعد افتراق أهل الأرض وإشراكهم، من خلص العباد، وأهل الرشاد، وجعلناه شكوراً، وإبراهيم أقربهم إلى ذلك ﴿ومن ذرية إبراهيم﴾ خليلنا الذي كان له في إعدام الأنداد ما اشتهر به من فضله بين العباد، وإسماعيل وإسحاق أولاهم بذلك، ثم يعقوب ﴿وإسراءيل﴾ صفينا، وهم الباقون: موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم بنت داود - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام - فكما كان هؤلاء رسلاً وهم من ذرية إبراهيم الذي هو من ذرية نوح فكذا نبيكم الذي هو من ذرية إسماعيل الذي هو من إبراهيم لصلبه وهو أول أولاده كما كان إسرائيل من ذريته، فالإرسال من ذرية من هو ابنه لصلبه أولى من الإرسال من ذرية من بينه وبينه واسطة، وإلا كان بنو إسرائيل أشرف منكم وأبوهم أشرف من أبيكم، فلا تردوا الكرامة، يا من يتنافسون في المفاخرة والزعامة ﴿وممن هدينا﴾ إلى أقوم الطرق ﴿واجتبينا﴾ أي فعلنا بهم فعل من يتخير الشيء وينتقيه بأن أسبغنا عليهم من النعم ما يجل عن الوصف؛ وعطف الأوصاف بالواو إشارة إلى التمكن فيها.

стр. 5870

ولما ذكر ما حباهم به، ذكر ما تسبب عن ذلك فقال مستأنفاً ﴿إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن﴾ العام النعمة، فكيف بهم إذا أعلاهم جلال أو خصتهم رحمة من جلائل النعم، من فيض الجود والكرم، فسمعوا خصوص هذا القرآن ﴿خروا سجداً﴾ للمنعم عليهم تقرباً إليه، لما لهم من البصائر المنيرة في ذكر نعمه عليهم وإحسانه إليهم ﴿وبكياً *﴾ خوفاً منه وشوقاً إليه، فوصفهم بسرعة الخشوع من ذكر الله الناشىء عن دوام الخضوع والناشىء عنه الإسراع بالسجود في حالة البكاء، وجعلهما حالتين بالعطف بالواو لعراقة المتحلي بهما في كل منهما عل انفراده، وعبر بالاسم في كل من السجود والبكاء، إشارة إلى أن خوفهم دائم كما أن خضوعهم دائم لعظمة الكبير الجليل، لأن تلك الحضرة لا تغيب عنهم أصلاً، وإن حصل غير البكاء فللتأنيس لمن أرسلوا إليه ليوصلوه إلى قريب من رتبتهم بحسن عشرتهم على تفاوت المراتب، وتباين المطالب، وحذف ذكر الأذقان لدلالتها -

стр. 5871

كما تقدم في سبحان - على نوع دهشة، فهي - وإن أعلت صاحبها عمن لم يبلغها - حالة دون مقام الراسخين في حضرة الجلال، لأنهم - مع كونهم في الذروة من مقام الخوف - في أعلى درجات الكمال من حضور الفكر وانشراح الصدر - لتلقي واردات الحق وإلقائها إلى الخلق، انظر إلى ثبات الصديق ﵁ لعلو مقامه عن غيره - عند وفاة النبي ﷺ مع أنه أوفاهم من المحبة مشرباً، وأصفاهم مورداً، وأوفرهم حزناً، وأكثرهم غماً وهماً، حتى أنه اعتراه لذلك مرض السل حتى مات به وجداً وأسفاً ومن هنا تعلم السر في إرسال النبي ﷺ الأنبجانية التي ألهت في الصلاة بأعلامها في الصلاة إلى أبي جهم لأنه ﵁ ربما كان من أهل الجمع في الصلاة فلا يرى غيره سبحانه فناء عن كل فان بخلاف النبي فإنه لكماله متمكن في كل من مقامي الجمع والفرق في كل حالة ولهذا يرى من خلفه في الصلاة ولا يخفى عليه خشوعهم. ولما كان من المقاصد العظيمة تبكيت اليهود، لأنهم أهل الكتاب وعندهم من علوم الأنبياء ما ليس عند العرب وقد استرشدوهم واستنصحوهم، فقد كان أوجب الواجبات عليهم محض النصح لهم، فأبدى سبحانه من تبكيتهم ما تقدم إلى أن ختمه بأن جميع الأنبياء كانوا لله

стр. 5872

سجداً ولأمره خضعاً، عقب ذلك بتوبيخ هو أعظم داخل فيه وهو أشد مما تقدم لمن خاف الله ورسله فقال: ﴿فخلف من بعدهم﴾ أي في بعض الزمان الذي بعد هؤلاء الأصفياء سريعاً ﴿خلف﴾ هم في غاية الرداءة ﴿أضاعوا الصلاة﴾ الناهية عن الفحشاء والمنكر التي هي طهرة الأبدان، وعصمة الأديان، وأعظم الأعمال، بتركها أو تأخيرها عن وقتها والإخلال بحدودها، فكانوا لما سواها أضيع، فأظلمت قلوبهم فأعرضوا عن داعي العقل ﴿واتبعوا﴾ أي بغاية جهدهم ﴿الشهوات﴾ التي توجب العار في الدنيا والنار في الآخرة، فلا يقربها من يستحق أن يعد بين الرجال، من تغيير أحكام الكتاب وتبديل ما فيه مما تخالف الأهواء كالرجم في الزنا، وتحريم الرشى والربا، ونحو ذلك، وأعظمه كتم البشارة بالنبي العربي الذي هو من ولد إسماعيل ﴿فسوف يلقون﴾ أي يلابسون - وعدا لا خلف فيه بعد طول المهلة - جزاء فعلهم هذا ﴿غيّاً *﴾ أي شراً يتعقب ضلالاً عظيماً، فلا يزالون في عمى عن طريق الرشاد لا يستطيعون إليه سبيلاً، وهم على بصيرة من أنهم على خطأ وضلال، ولكنهم مقهورون على ذلك بما زين لهم منه حتى صارت لهم فيه أتم رغبة، وذلك أعظم الشر، ولم يزل سبحانه يستدرجهم بالنعم إلى

стр. 5873

أن قطعوا بالظفر والغلبة حتى أناخت بهم سطوات العزة، فأخذوا على غرة، ولا أنكأ من الأخذ على هذه الصفة بعد توطين النفس على الفوز، وهو من وادي قوله ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً﴾ [الإسراء: ٩٧] مع قوله ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ وجزاء من كان هذا ديدنه في الدنيا والآخرة معروف لكل من له أدنى بصيرة أنه العار ثم النار، وأيضاً فإن من ضل أخطأ طريق الفلاح من الجنة وغيرها فخاب، ومن خاب فقد هلك؛ قال أبو علي الجبائي: والغي هو الخيبة في اللغة - انتهى. ويجوز أن يراد بالغي الهلاك، إما من قولهم - أغوية - وزن أثفية - أي مهلكة، وإما من تسمية الشيء باسم ما يلزمه.

стр. 5874

ولما أخبر تعالى عنهم بالخيبة، فتح لهم باب التوبة، وحداهم إلى غسل هذه الحوبة، بقوله: ﴿إلا من تاب﴾ أي مما هو عليه من الضلال، بإيثار سفساف الأعمال، على أوصاف الكمال، فحافظ على الصلاة، وكف نفسه عن الشهوات ﴿وءامن﴾ بما أخذ عليه به العهد ﴿وعمل﴾ بعد إيمانه تصديقاً له ﴿صالحاً﴾ من الصلوات والزكاة وغيرها، ولم يؤكدهما لما أفهمته التوبة من إظهار عمل الصلاة التي هي أم العبادات ﴿فأولئك﴾ العالو الهمم، الطاهرو الشيم ﴿يدخلون الجنة﴾ التي وعد المتقون ﴿ولا يظلمون﴾ من ظالم ما

стр. 5875

﴿شيئاً *﴾ من أعمالهم؛ ثم بينها بقوله: ﴿جنات عدن﴾ أي إقامة لا ظعن عنها بوجه من الوجوه ﴿التي وعد الرحمن﴾ الشامل النعم ﴿عباده﴾ الذين هو أرحم بهم من الوالدة بولدها؛ وعبر عنهم بوصف العبودية للإشعار بالتحنن، وعداً كائناً ﴿بالغيب﴾ الذي لا اطلاع لهم عليه أصلاً إلا من قبلنا، فآمنوا به فاستحقوا ذلك بفضله سبحانه على إيمانهم بالغيب. ولما كان من شأن الوعود الغائبة - على ما يتعارفه الناس بينهم - احتمال عدم الوقوع، بين أن وعده ليس كذلك بقوله: ﴿إنه كان﴾ أي كوناً هو سنة ماضية ﴿وعده مأتيّاً *﴾ أي مقصوداً بالفعل، فلا بد من وقوعه، فهو كقوله تعالى ﴿إن كان وعد ربنا لمفعولاً﴾ [الإسراء: ١٠٨] . ولما كانت الجنة دار الحق، وكان أنكأ شيء لذوي الأقدار الباطل، وكان أقل ما ينكأ منه سماعه، نفى ذلك عنها أبلغ وجه فقال: ﴿لا يسمعون فيها لغواً﴾ أي شيئاً ما من الباطل الذي لا ثمرة له. ولما كانت السلامة ضد الباطل من كل وجه، قال: ﴿إلا﴾ أي لكن ﴿سلاماً﴾ لا عطب معه ولا عيب ولا نقص أصلاً فيه، وأورد على صورة الاستثناء من باب قول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب

стр. 5876

ويحسن أن يراد باللغو مطلق الكلام؛ قال في القاموس: لغا لغواً: تكلم. أي لا يسمعون فيها كلاماً إلا كلاماً يدل على السلامة، ولا يسمعون شيئاً يدل على عطب أحد منهم ولا عطب شيء فيها. ولما كان الرزق من أسباب السلامة قال: ﴿ولهم رزقهم﴾ أي على قدر ما يتمنونه ويشتهونه على وجه لا بد من إتيانه ولا كلفة عليهم فيه ولا يمن عليهم به ﴿فيها بكرة وعشياً *﴾ أي دواماً، لا يحتاجون إلى طلبه في وقت من الأوقات، وفي تفسير عبد الرزاق عن مجاهد: وليس فيها بكرة ولا عشي، لكنهم يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. أي أنهم خوطبوا بما يعرفون كما أشار إليه تأخير الظرف إذ لو قدم لأوهم بعدهم عن ذلك بالجنة. ولما باينت بهذه الأوصاف دار الباطل، أشار إلى علو رتبتها وما هو سببها بقوله: ﴿تلك الجنة﴾ بأداة البعد لعلو قدرها، وعظم أمرها ﴿التي نورث﴾ أي نعطي عطاء الإرث الذي لا نكد فيه من حين التأهل له بالموت ولا كد ولا استرجاع ﴿من عبادنا﴾ الذين أخلصناهم لنا، فخلصوا عن الشرك نية وعملاً ﴿من كان﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿تقياً *﴾ أي مبالغاً في التقوى، فهو في غاية الخوف منا لاستحضاره أنه عبد؛ قال الرازي في اللوامع: وما تقرب أحد إلى ربه بشيء أزين عليه من ملازمة العبودية وإظهار الافتقار، والعبد يكون ذليلاً بأوصافه،

стр. 5877

عزيزاً بأوصاف الحق تعالى - انتهى. وذلك إشارة إلى سبب إيراثها التقوى. ولما كرر سبحانه الوصف بالتقى في هذه السورة ثلاث مرات، وختمه بأنه سبب للمقصود بالذات، وهو الراحة الدائمة بالوراثة لدار الخلد على وجه الإقامة المستمرة، وصفة الملك الذي لا كدر فيه بوجه ولا تخلف عن مراد، أتبعه ما بعده إشارة إلى ما تنال به التقوى، وهو الوقوف مع الأمر مراقبة للأمر على ﴿وبالحق أنزلناه﴾ [الإسراء: ١٠٥] لأنه لما كان العلم واقعاً بأن جميع سورة الكهف شارحة لمسألتين من مسائل قريش، وبعض سورة سبحان شارح للثالثة، ولطول الفصل صدرت قصة ذي القرنين بقوله ﴿ويسألونك﴾ إعلاماً بعطفها على مسألة الروح المصدرة بمثل ذلك، وجاءت سورة مريم كاشفة - تبكيتاً لأهل الكتاب الكاتمين للحق - عن أغرب من تلك القصص وأقدم زماناً وأعظم شأناً من أخبار الأنبياء المذكورين ومن أسرع التبديل بعدهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات، فثبت بذلك أن هذا كله مرتب لإجابة سؤالهم وأنه كلام الله قطعاً، إذ لو كان من عند النبي ﷺ ما وعدهم الإجابة في الغد إلا وهو قادر عليها، لما هو معلوم قطعاً من رزانة عقله، وغزارة فطنته، ومتانة رأيه، ولو قدر على ذلك ما تركهم يتكلمون في عرضه بما الموت أسهل منه، لما علم منه من الشهامة والأنفة والبعد عما يقارب الشين، وبان بذلك أن الله سبحانه وعز شأنه ما أجمل أمر الروح

стр. 5878

ولا أخر الإجابة خمس عشرة ليلة أو أقل أو أكثر من عجز ولا جهل، وثبت بذلك كله وبما بين من صنعه لأهل الكهف ولذي القرنين وفي ولادة يحيى وعيسى وإسحاق عليهم الصلاة والسلام تمام قدرته المستلزم لكمال علمه، وكان الإخبار عن ذلك مطابقاً للواقع الذي ثبت بعضه بالنقل الصحيح وبعضه بأدلة العقل القاطعة، ثبت مضمون قوله تعالى ﴿وبالحق أنزلناه وبالحق نزل﴾ وأن هذا الكتاب قيم لا عوج فيه، فعطف عليه الجواب عن قول النبي ﷺ لجبرئيل ﵊ «لقد أبطات عليّ يا جبرئيل حتى سؤت ظناً» ونحوه مما ذكر في أسباب النزول، فقال على لسان جبرئيل ﵊: ﴿وما نتنزل﴾ أي أنا ولا أحد من الملائكة بإنزال الكتاب ولا غيره ﴿إلا بأمر ربك﴾ المحسن إليك في جميع الأمر في التقديم والتأخير لئلا يقع في بعض الأوهام أنه حق في نفسه، ولكنه نزل بغير أمره سبحانه، ووقع الخطاب مقترناً بالوصف المفهم لمزيد الإكرام تطييباً لقلبه ﷺ وإشارة إلى أنه محسن إليه، ولفظ التنزل مشير إلى الإكرام، وهو التردد مرة بعد مرة ووقتاً غب وقت، ولا يكون إلا لذلك لأن النزول للعذاب يقتضي به الأمر في مثل لمح البصر، وكان هذا عقب ذكر القيامة بذكر الجنة كما كان المعطوف عليه عقب ﴿فإذا جاء وعد الآخرة﴾ [الإسراء: ٧] وكما كان ختام مسائلهم بذكر الآخرة في قوله

стр. 5879

﴿فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء﴾ [الكهف: ٩٨]- إلى آخر السورة ليكون ذلك أشد تثبيتاً للبعث وأعظم تأكيداً، وإن استطلت هذا العطف مع بعد ما بين المعطوف والمعطوف عليه واستعظمته واستنكرته لذلك واستبعدته فقل: لما كشفت هذه السورة عن هذه القصص الغريبة، وكان المتعنتون ربما قالوا: نريد أن يخبرنا هذا الذي ينزل عليك بجميع أنباء الأقدمين وأخبار الماضين، قال جواباً عن ذلك أن قيل: ما أنزلنا عليك بأخبار هؤلاء إلا بأمر ربك، وما نتنزل فيما يأتي أيضاً إلا بأمر ربك؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿له ما بين أيدينا﴾ أي من المكان والزمان وما فيهما ﴿وما خلفنا﴾ من ذلك ﴿وما بين ذلك﴾ وهو نحن والمكان والزمان اللذان نحن بهما وما فوقه وتحته، ونحن نعلم ذلك ونعمل على حسب ما نعلم، فلا نتصرف في ملكه إلا بأمره ﴿وما كان﴾ على تقدير من التقادير ﴿ربك نسياً *﴾ أي ذا نسيان لشيء من الأشياء فيترك تفصيل أمر الروح، ويؤخر الجواب عن الوقت الذي وعدتهم فيه لخفاء شيء من ذلك عليه، ولا ينسى ما يصلحك فيحتاج إلى مذكر به، ولا ينسى أحداً منا فينزل في وقت نسيانه له بل هو دائم الاطلاع على حركتنا وسكناتنا، فنحن له في غاية المراقبة، وهو سبحانه يصرفنا بحسب الحكمة في كل وقت تقتضيه حكمته، لا يكون شيء من ذلك إلا في الوقت الذي حده له وأراده فيه، ولا يخرج شيء من الأشياء وإن دق عن مراده. ويجوز أن يقال في التعبير بصيغة فعيل أنه لا يتمكن العبد من الغيبة

стр. 5880

عن السيد بغير إذنه إلا أن كان بحيث يمكن أن يغفل وأن تطول غفلته وتعظم لكونه مجبولاً عليها، أو أنه لما استلبث الوحي في أمر الأسئلة التي سألوا عنها من الروح وما معها خمس عشرة ليلة أو أكثر أو أقل - على اختلاف الروايات، فكان ذلك موهماً للأغبياء أنه نسيان، وكان مثل ذلك لا يفعله إلا كثير النسيان، نفى هذا الوهم بما اقتضاه من الصيغة ونفى قليل ذلك وكثيرة في السورة التي بعدها ضماً لدليل العقل بقوله ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ [طه: ٥٢] لما اقتضاه السياق، فأتى في كل أسلوب بما يناسبه مع الوفاء بما يجب من حق الاعتقاد، وهذه الآية مع ﴿وبالحق أنزلناه﴾ و ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن﴾ [الإسراء: ٨٨] مثل ﴿قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات﴾ [هود: ٣]- الآيتين في سورة هود ﵇، على ما قدمت في بيانه غير أن ما جمع هناك فصل هنا في أول الجواب على أسئلتهم بآية ﴿قل لئن اجتمعت﴾ وأثنائه بآية ﴿وبالحق أنزلناه﴾ وآخره بهذه الآية، لتكون الآيات رابطة على هذه الأجوبة وتوابعها وضابطة لها كالشهب والحرس الشديد بالنسبة إلى السماء، فلا يبغيها متعنت من جهة من جهاتها كيداً إلا رد خاسئاً، ولا يرميها بقادح ألا كان رميه خاطئاً. ولما وصف بنفوذ الأمر واتساع العلم على وجه ثبت

стр. 5881

به ما أخبر به عن الجنة، فثبت أمر البعث، أتبع ذلك ما يقرره على وجه أصرح منه وأعم فقال مبدلاً من ﴿ربك﴾ : ﴿رب السماوات والأرض﴾ اللتين نحن من جملة ما فيهما من عباده ﴿وما بينهما﴾ منا ومن غيرنا من الأحياء وغيرها ﴿فاعبده﴾ بالمراقبة الدائمة على ما ينبغي له من مثلك ﴿واصطبر﴾ أي اصبر صبراً عظيماً بغاية جهدك على كل ما ينبغي الاصطبار عليه كذلك ﴿لعبادته﴾ أي لأجلها فإنها لا تكون إلا عن مجاهدة شديدة؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿هل تعلم له سمياً *﴾ أي متصفاً بوصف من أوصافه اتصافاً حقيقياً، أو مسمى باسمه، العلمَ الواقع موقع لأنه لا مماثل له حتى ولا في مجرد الاسم، وإيراده بصورة الاستفهام كالدعوى بدليلها.

стр. 5882

ولما تبين بذلك وبما ذكر في هاتين السورتين مما سألوا عنه ومن غيره شمولُ علمه وتمام قدرته لا سيما في إيجاد البشر تارة من التراب، وتارة من ذكر وأنثى في حكم العدم، وتارة من أنثى بلا ذكر، وثبت ذلك كله، فانكشفت الشبه، وتضاءلت موجبات المراء، وانقمعت مخيلات الفتن، عجب منها في إنكارهم البعث وهم يشاهدون

стр. 5883

ما ذكر من قدرته وعلمه، عاطفاً على التعجب في قولهم ﴿وقالوا ءاذا كنا﴾ تعجيباً أشد من ذلك فقال: ﴿ويقول﴾ بلفظ المضارع المؤذن بالتجدد بعد هذا البيان المقتضي حتماً لاعتقاده البعث فضلاً عن إنكار مرة من المرات، ليخبر عنها بصيغة الماضي، فكيف بالمداومة على ذلك المشار إليها بصيغة المضارع؛ وعبر بالمفرد وإن كان للجنس لأن الإنكار على الواحد يستلزم الإنكار على المتعدد فقال: ﴿الإنسان﴾ أي الذي خلقناه ولم يك شيئاً، مع ما فضلناه به من العقل، ونصبنا له من الدلائل، فشغله الإنس بنفسه عن التأمل في كمال ربه منكراً مستبعداً: ﴿أءذا ما مت﴾ ثم دل على شدة استبعاده لذلك بقوله مخلصاً للام الابتداء إلى التوكيد سالخاً لها عما من شأنها الدلالة عليه من الحال لتجامع ما يخلص للاستقبال: ﴿لسوف أخرج﴾ أي يخرجني مخرج ﴿حياً *﴾ أي بعد طول الرقاد، وتفتت الأجزاء والمواد، وجاء بهذه التأكيدات لأن ما بعد الموت وقت كون الحياة منكرة على زعمه، والعامل في ﴿إذا﴾ فعل من معنى ﴿أخرج﴾ لا هو، لمنع لام الابتداء لعمله فيما قبله؛ ثم قابل إنكاره الباطل بإنكار هو الحق فقال عطفاً على يقول أو على ما تقديره: ألا يذكر ما لنا من تمام القدرة بخلق ما هو أكبر من ذلك من جميع الأكوان: ﴿أو لا يذكر﴾ بإسكان الذال

стр. 5884

على قراءة نافع وابن عامر وعاصم إشارة إلى أنه أدنى ذكر من هذا يرشده إلى الحق، وقراءة الباقين بفتح الذال والكاف وتشديدهما يشير إلى أنه - لاستغراقه في الغفلة - يحتاج إلى تأمل شديد ﴿الإنسان﴾ أي الآنس بنفسه، المجترىء بهذا الإنكار على ربه وقوفاً مع نفسه ﴿أنا خلقناه﴾ وأشار الجار إلى سبقه بالعدم فقال: ﴿من قبل﴾ أي من قبل جدله هذا أي بما لنا من القدرة والعظمة. ولما كان المقام لتحقيره بكونه عدماً، أعدم من التعبير عن ذلك ما أمكن إعدامه، وهو النون، لتناسب العبارة المعتبر فقال: ﴿ولم يك شيئاً *﴾ أصلاً، وإنا بمقتضى ذلك قادرون على إعادته فلا ينكر ذلك. ولما كان كلام الكافر صورته صورة استفهام، وهو جحد في الحقيقة وإنكار، وكان إنكار المهدَّد لشيء يقتدر عليه المهدد سبباً لأن يحققه لما مقسماً عليه، قال تعالى مجيباً عن إنكاره مؤذناً بالغضب عليهم بالإعراض عنهم مخاطباً لنبيه ﷺ تفخيماً لشأنه وتعظيماً لأمره: ﴿فوربك﴾ المحسن إليك بالانتقام منهم. ولما كان الإنكار للبعث يلزم منه الاحتقار، أتى بنون العظمة، استمر في هذا التحلي بهذا المظهر إلى آخر وصف هذا اليوم فقال: ﴿لنحشرنهم﴾ بعد البعث ﴿والشياطين﴾ الذين يضلونهم بجعل كل واحد

стр. 5885

منهم مع قرينه الذي أضله، في سلسلة ﴿ثم لنحضرنهم﴾ بعد طول الوقوف ﴿حول جهنم﴾ التي هم بها مكذبون، يحيطون بها لضيق رأسها وبعد قعرها، حال كونهم ﴿جثياً *﴾ على الركب من هول المطلع وشدة الذل، مستوقرين تهيؤوا للمبادرة إلى امتثال الأوامر ﴿ثم لننزعن﴾ أي لنأخذن أخذاً بشدة وعنف ﴿من كل شيعة﴾ أي فرقة مرتبطة بمذهب واحد. ولما كان التقدير: لننزعن أغناهم، وهم الذين إذا نظرت إلى كل واحد منهم بخصوصه حكمت بأنه أغنى الناس، علم أنهم بحيث يحتاج إلى السؤال عنهم لإشكال أمرهم فقال: ﴿أيهم أشد على الرحمن﴾ الذي غمرهم بالإحسان ﴿عتياً *﴾ أي تكبراً متجاوزاً للحد، انتزاعاً يعلم به أهل الموقف أنه أقل من القليل، وأوهى أمراً من القتيل، وأن له سبحانه - مع صفة الرحمة التي غمرهم إحسانها وبرها - صفات أخرى من الجلال والكبرياء والجبروت والانتقام. ولما تقدم ما هو في صورة الاستفهام، أتبعه ما يزيل ما قد يقع بسببه من بعض الأوهام، فقال: ﴿ثم﴾ وعزتنا! ﴿لنحن﴾ لشمول علمنا وكمال قدرتنا وعظمتنا ﴿أعلم﴾ من كل عالم ﴿بالذين هم﴾ لظواهرهم وبواطنهم ﴿أولى بها﴾ أي جهنم ﴿صلياً *﴾ وبالذين هم أولى بكل طبقة من دركاتها من جميع الخلق من المنتزعين وغيرهم، فلا يظن بنا أنا نضع أحداً في غير دركته أو غير طبقته من دركته؛
следующие страницы →