← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

وكانت قد غلبت عليهم الأحداث؛ وقد استشكل القاضي العضد في «الفوائد الغياثية» كونَ ﴿يرث﴾ على قراءة الرفع صفة بأنه يلزم عليه عدم إجابة دعائه ﵊ لأن يحيى ﵇ قتل في حياته، ولا يكون وارثاً إلا إذا تخلف بعده، وقد قال تعالى ﴿فاستجبنا له ووهبنا له يحيى﴾ [الأنبياء: ٩٠] قال: فتجعل استئنافية، ولا يلزم حينئذ إلا خلف ظنه ﵇ هكذا نقل لي عنه، وأنا أجلّه عن ذلك، لأنه لا يلزم تخلف دعائه ولا يتجرأ على عليّ مقامه بإخلاف ظنه، لأن الإخبار عن قتله قبله إن كان عن النبي ﷺ وصح السند، كان تسمية العلم الذي أخذه عنه في حياته إرثاً مجازاً مرسلاً باعتبار ما يؤول إليه في الجملة، لا سيما مع جواز أن يكون يحيى ﵇ علَّمه لمن عاش بعد أبيه عليهما الصلاة والسلام، وذلك لأن النبي ﷺ سمى العلم إرثاً على وجه الاستعارة التبعية بقوله ﵊ «العلماء ورثة الأنبياء» ولا شك أن من ضرورة تعلم العلم حياة المأخوذ عنه، ولم يرد منع من تسميته إرثاً حال الأخذ، هذا إذا صح

стр. 5812

أن يحيى ﵇ مات قبل زكريا ﵇، وحينئذ يؤول ﴿من وراءي﴾ بما غاب عنه، أي عجزت عن تتبع أفعال الموالي بنفسي في حال الكبر، وخفت سوء فعلهم إذا خرجوا من عندي وغابوا عني، فهب لي ولداً يكون متصفاً بصفاتي، فكان ما سأله، وإن لم يصح موته قبله بالطريق المذكور لم يصح أصلاً، وينتفي الاعتراض رأساً، فإن التواريخ القديمة إنما هي عن اليهود فهي لا شيء، مع أن البغوي نقل في أول تفسير سورة بني إسرائيل ما يقتضي موت زكريا قبل يحيى عليهما الصلاة والسلام، فإنه قال: آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكانوا من بيت آل داود ﵇ فمات زكريا ﵇، وقيل: قتل، فلما رفع الله عيسى ﵊ من بين أظهرهم وقتلوا يحيى ابتعث الله عليهم ملكاً من ملوك بابل يقال له خردوش فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأساً من رؤوس جنوده يدعى بيوزردان صاحب الفيل فقال: إني كنت قد حلفت بإلهي: لئن أنا ظهرت

стр. 5813

على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري إلا أن لا أجد أحداً أقتله، فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، وأن بيوزردان دخل بيت المقدس فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجد فيها دماً يغلي فقال: يا بني إسرائيل! ما شأن هذا الدم يغلي؟ قالوا: هذا دم قربان لنا قربناه فلم يقبل منا، فقال: ما صدقتموني، قالوا: لو كان تأول زماننا لتقبل منا، ولكن قد انقطع منا الملك والوحي فلذلك لم يقبل منا، فذبح منهم بيوزردان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلاً من رؤوسهم فلم يهدأ، فأتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحهم على الدم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من شيبهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد، فلما رأى بيوزردان أن الدم لا يهدأ قال لهم: يا بني إسرائيل! ويلكم! أصدقوني واصبروا على أمر ربكم، فقد طال ما ملكتم الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار أنثى ولا ذكر إلا قتلته، فلما رأوا الجد وشدة القتل صدقوا الخبر فقالوا: إن هذا دم نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله ، فلو أطعناه فيها لكان أرشد منا،

стр. 5814

وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه، فقال لهم بيوزردان: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكريا، قال: الآن صدقتموني، بمثل هذا ينتقم منكم ربكم، فلما رأى بيوزردان أنهم صدقوه خر ساجداً وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من كان ههنا من جيش خردوش، وخلا في بني إسرائيل، ثم قال: يا يحيى بن زكريا! قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم فاهدأ بإذن الله قبل أن لا أبقي من قومك أحداً، فهدأ الدم بإذن الله تعالى، ورفع بيوزردان عنهم القتل وقال: آمنت بالذي آمن به بنو إسرائيل وأيقنت أنه لا رب غيره، وقال لبني إسرائيل: إن خردوش أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني لست أستطيع أن أعصيه، قالوا له: افعل ما أمرت به، فأمرهم فحفروا خندقاً وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم، فذبحها حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم، فلم يظن خردوش إلا أن ما في الخندق من بني إسرائيل، فلما بلغ الدم عسكره أرسل بيوزردان أن ارفع عنهم القتل، ثم انصرف إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد.

стр. 5815

فهذا كما ترى ظاهر في أن يحيى تخلف بعد أبيه عليهما الصلاة والسلام وكذا ما تقدم في آل عمران عن الإنجيل في قصة ولادته. ولما ختم دعاءه بقوله: ﴿واجعله رب﴾ أي أيها المحسن إلي ﴿رضياً *﴾ أي بعين الرضا منك دائماً حتى يلقاك على ذلك، قيل في جواب من كأنه قال: ماذا قال له ربه الذي أحسن الظن به؟ : ﴿يا زكريا إنا﴾ أي على ما لنا من العظمة ﴿نبشرك﴾ إجابة لدعائك؛ وقراءة الجماعة غير حمزة بالتشديد أوفق من قراءة حمزة للتأكيد الذي جيء به، لأن المبشر به لغرابته جدير بالإنكار ﴿بغلام اسمه يحيى﴾ ثم وصفه بما عرف به أن مما شرفه به أن ادخر له هذا الاسم فقال: ﴿لم نجعل له﴾ فيما مضى، ولعله أتى بالجار الدال على التبعيض تخصيصاً لزمان بني إسرائيل قومه فقال: ﴿من قبل سمياً *﴾ فكأنه قيل: ما قال في جواب هذه البشارة العظمى؟ فقيل: ﴿قال﴾ عالماً بصدقها طالباً لتأكيدها، والتلذيذ بترديدها، وهل ذلك من امرأته أو غيرها؟ وهل إذا كان منها يكونان على حالتهما من الكبر أو غيرها غير طائش ولا عجل ﴿رب﴾ أي المحسن إليّ بإجابة دعائي دائماً ﴿أنّى﴾ أي

стр. 5816

من أين وكيف وعلى أيّ حال ﴿يكون لي غلام﴾ يولد لي على غاية القوة والنشاط والكمال في الذكورة ﴿وكانت﴾ أي والحال أنه كانت ﴿امرأتي﴾ كانت شابة ﴿عاقراً﴾ غير قابلة للولد عادة وأنا وهي شابان فلم يأتنا ولد لاختلال أحد السبيبن فكيف بها وقد أسنت! ﴿وقد بلغت﴾ أنا ﴿من الكبر عتياً﴾ أي أمراً في اليبس مجاوزاً للحد هو غاية في الكبر ما بعدها غاية، وقد حصل من ذلك من الضعف ويبس الأعضاء وقحلها ما يمنع في العادة من حصول الولد مطلقاً لاختلال السببين معاً فضلاً عن أن يصلح لأن يعبر عنه بغلام؛ قال البغوي في آل عمران: وقال الضحاك عن ابن عباس ﵄: كان ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة؛ وقال الرازي في اللوامع: إن هذا على الاستخبار أيعطيه الله الولد بتلك الحال أم يقلبه شاباً؟ ولله تعالى في كل صنع تدبيران: أحدهما المعروف الذي يسلكه الناس من

стр. 5817

توجيه الأسباب إلى المسببات، والآخر يتعلق بالقدرة المحضة، ولا يعرفه إلا أهل الاستبصار - انتهى. ﴿قال كذلك﴾ أي الأمر؛ ثم علله بقوله: ﴿قال ربك﴾ أي الذي عودك بالإحسان، وذكر مقول القول فقال: ﴿هو﴾ أي خلق يحيى منكما على هذه الحالة ﴿عليَّ﴾ أي خاصة ﴿هين﴾ لا فرق عندي بينه وبين غيره ﴿وقد خلقتك﴾ أي قدرتك وصورتك وأوجدتك. ولما كان القصد تشبيه حاله بالإتيان منه بولد على ضعف السبب بتقديره من النطفة على ضعف سبيتها لكونها تارة تثمر وتارة لا، وهو الأغلب، أتى بالجار إشارة إلى ذلك فقال: ﴿من قبل﴾ أي قبل هذا الزمان ﴿ولم﴾ أي والحال أنك لم: ولما كان ﵇ شديد التشوف لما يلقى عليه من المعنى في هذه البشرى، أوجز له حتى بحذف النون وليثبت أنه ليس له من ذاته إلا العدم المحض، وينفي أن يكون له من ذاته وجود ولو على أقل درجات الكون لاقتضاء حاله في هذا التعجب لتذكيره في ذلك فقال: ﴿تك شيئاً *﴾

стр. 5818

أي يعتد به، ثم أبرزتك على ما أنت عليه حين أردت، فتحقق بهذا أنه من امرأته هذه العاقر في حال كونهما شيخين، ثم قيل جواباً لمن كأنه قال: ما قال بعد علمه بذلك؟ : ﴿قال رب﴾ أي أيها المحسن إليّ بالتقريب! ﴿اجعل لي﴾ على ذلك ﴿ءاية﴾ أي علامة تدلني على وقوعه ﴿قال﴾ أي الله: ﴿ءايتك﴾ على وقوع ذلك ﴿ألا تلكم الناس﴾ أي لا تقدر على كلامهم. ولما بدئت السورة بالرحمة، وكان الليل محل تنزلها «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول» - الحديث، قال: ﴿ثلاث ليال﴾ أي بأيامها - كما ذلك عليه التعبير بالأيام في آل عمران حال كونك ﴿سوياً *﴾ من غير خرس ولا مرض ولا حبسة عن مطلق الكلام، بل تناجي ربك فيها بتسبيحه وتحميده وتلاوة كتابه وكل ما أردت من مثل ذلك وكذا من عدا الناس من الملائكة وغيرهم من صالح عباد الله، وجعلت الآية الدالة عليه سكوتاً عن غير ذكر الله دلالة على إخلاصه وانقطاعه بكليته إلى الله دون غيره ﴿فخرج﴾ عقب إعلام الله له بهذا ﴿على قومه﴾ أي عالياً على العلية منهم ﴿من المحراب﴾ الذي كان فيه وهو صدر الهيكل وأشرف ما فيه، وهو منطلق اللسان بذكر الله منحبسه

стр. 5819

عن كلام الناس ﴿فأوحى إليهم﴾ أي أشار بشفتيه من غير نطق: قال الإمام أبو الحسن الرماني في آل عمران: والرمز: الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين واليدين، والأول أغلب؛ قال: وأصله الحركة. وسبقه إلى ذلك الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري فقال: وأما الرمز فإن الأغلب من معانيه عند العرب الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين أحياناً، وذلك غير كثير فيهم، وقد يقال للخفي من الكلام الذي مثل الهمس بخفض الصوت الرمز. ثم نقل أن المراد به هنا تحرك الشفتين عن مجاهد - انتهى. وهو ظاهر أيضاً في الوحي لأنه مطلق الإشارة والكناية والكلام الخفي، فيجوز أن يكون وحيه بكل منهما، لا يقدر على غير ذلك في مخاطبته للناس، فإذا توجه إلى مناجاة ربه سبحانه انطلق أحسن انطلاق ﴿أن سبحوا﴾ أي أوجدوا التنزيه والتقديس لله تعالى بالصلاة وغيرها ﴿بكرة وعشياً *﴾ فحملت امرأته كما قلنا فولدت ولداً فسماه يحيى كما بشرناه به فكبر حتى ميز فقلنا: ﴿يا يحيى خذ الكتاب﴾ أي التوراة ﴿بقوة﴾ . ولما كانت النبوة لا يستضلع بأمرها ويقوى على حملها إلا عند استحكام العقل ببلوغ الأشد، وكان التطويق على أمرها قبل ذلك من العظمة بمكان، دل عليه النون في قوله: ﴿وءاتيناه﴾ بما لنا من

стр. 5820

العظمة ﴿الحكم﴾ أي النبوة والفهم للتوراة ﴿صبياً *﴾ لغلبة الروح عليه، وهذه الخارقة لم تقتض الحكمة أن تكون لنبينا ﷺ لأن قومه لا عهد لهم بالنبوة، فكانوا إذا كذبوا لا يكون لهم من أنفسهم ما يلزمهم من التناقض، فعُوّض أعظم من ذلك بغرائز الصدق التي أوجبت له تسميته بالأمين ليكونوا بذلك مكذبين لأنفسهم في تكذيبهم له. وبمزيد إبقاء معجزته القرآنيه بعده تدعو الناس إلى دينه دعاء لا مرد له ﴿و﴾ آتيناه ﴿حناناً﴾ أي رحمة وهيبة ووقاراً ورقة قلب ورزقاً وبركة ﴿من لدنا﴾ من مستقرب المستغرب من عظمتنا بلا واسطة تعليم ولا تجربة ﴿وزكاة﴾ أي طهارة في نيته تفيض على أفعاله وأقواله ﴿وكان﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿تقياً *﴾ حوافاً لله تعالى ﴿وبراً﴾ أي واسع الأخلاق محسناً ﴿بوالديه ولم يكن﴾ جبلة وطبعاً ﴿جباراً﴾ عليهما ولا على غيرهما؛ ثم قيده بقوله: ﴿عصياً *﴾ إشارة إلى أن يفعل فعل الجبارين من الغلظة والقتل والبطش بمن يستحق ذلك كما قال تعالى لخاتم النبيين ﷺ ﴿جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم﴾ [التحريم: ٩] فكان مطيعاً لله قائماً بحقوقه وحقوق عباده على ما ينبغي، فهنيئاً له ما أعطاه من

стр. 5821

هذه الخلال القاضية بالكمال، والتعبير بصيغة المبالغة يفهم أن المنفي الجبل عليها، وما دونها يذهبه الله بغسل القلب أو غيره ﴿وسلام﴾ أي أيّ سلام ﴿عليه﴾ منا ﴿يوم ولد﴾ من كل سوء يلحق بالولادة وما بعدها في شيء من أمر الدين ﴿ويوم يموت﴾ من كرب الموت وما بعده، ولعله نكر السلام لأنه قتل فما سلم بدنه بخلاف ما يأتي في عيسى ﵊ ﴿ويوم يبعث﴾ من كل ما يخاف بعد ذلك ﴿حياً *﴾ حياة هي الحياة للانتفاع بها، إجابة لدعوة أبيه في أن يكون رضياً، وخص هذه الأوقات لأن من سلم فيها سلم في غيرها لأنها أصعب منه؛ أخرج الطبراني عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كل بني آدم يلقى الله يوم القيامة بذنب وقد يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا ﵉ فإنه كان سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين، وأهوى النبي ﷺ إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: ذكره مثل هذه القذاة» قال الهيثمي: وفيه حجاج ابن سليمان الرعيني وثقه ابن حبان وغيره وضعفه أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله ثقات، وأخرجه أيضاً عن عبد الله بن عمرو ابن عباس ﵃، لكن ليس فيه

стр. 5822

ذكر الذكر، ولفظ ابن عباس ﵄: كنت في حلقة في المسجد نتذاكر فضائل الأنبياء - فذكره حتى قال: فقال رسول الله ﷺ : «ما ينبغي أن يكون أحد خيراً من يحيى بن زكريا، قلنا: يا رسول الله! وكيف ذاك؟ قال: ألم تسمعوا الله كيف نعته في القرآن؟ ﴿يا يحيى خذ الكتاب﴾ - إلى قوله: ﴿حياً﴾ ، مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين لم يعمل سيئة ولم يهم بهم» ورواه أيضاً البزار وفيه على بن زيد بن جدعان ضعفه الجمهور - وقد وثق، وبقية رجاله ثقات. وأشار سبحانه بالتنقل في هذه الأطوار إلى موضع الرد على من ادعى لله ولداً من حيث إن ذلك قاضٍ على الولد نفسه وعلى أبيه بالحاجة، وذلك مانع لكل من الولد والوالد من الصلاحية لمرتبة الإلهية المنزهة عن الحاجة، وقد مضى في آل عمران ما تجب مراجعته.

стр. 5823

ولما كان حاصل القصة أنه ولد أخرجه الله تعالى عن سبب هو في ضعفه قريب من العدم، أما من جهته فبلوغه إلى حد من السن وحال في المزاج لا يقبل حركة الجماع عادة، أما من جهة زوجته فلزيادتها مع يأسها ببلوغها إلى نحو ذلك السن بكونها عاقراً لم تقبل حبلاً قط،

стр. 5824

أتبعه بقصة هي أغرب من قصته بكونها ليس فيها إلا سبب واحد وهو المرأة، وعدم فيها سبب الذكورية أصلاً، إشارة إلى أنه تعالى يخلق ما يشاء تارة بسبب قوي، وتارة بسبب ضعيف، وتارة بلا سبب، ومن كان كذلك كان مستغنياً عن الولد؛ ولما كان على اليهود الآمرين بالسؤال تعنتاً عن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين أن ينصحوا العرب بالإعلام بأن دينهم باطل لشركهم، فلم يفعلوا فكانوا جديرين بالتبكيت، وكانت قصة زكريا أعظم في تبكيتهم بمباشرتهم لقتله وقتل ولده يحيى ﵉، قدمها في الذكر، وتوطئة لأمر عيسى ﵇ كما مضى بيانه في آل عمران إلزاماً لهم بالاعتراف به، وللنصارى بالاعتراف بأنه عبد، كما اعترف كل منهما بأمر يحيى ﵇، وذلك بما جمع بينهما من خرق العادة، وكانت قصة يحيى أولى من قصة إسحاق ﵉ لما تقدم، ولمشاهدة الذين اختلفوا في عيسى ﵇ من الفريقين لأمره وأمر يحيى عليهم الصلاة والسلام لما لهما من الاتحاد في الزمن مع ما لهما من قرب النسب، ولما كانت قصة عيسى ﵇ أغرب، أشار إلى ذلك بتغيير السياق فقال عاطفاً على ما تقديره: اذكر هذا لهم: ﴿واذكر﴾ - بلفظ الأمر ﴿في الكتاب مريم﴾ ابنة عمران خالة يحيى - كما في الصحيح

стр. 5825

من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة الأنصاري ﵄ في حديث الإسراء: «فلما خلصت فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة» ثم أبدل من ﴿مريم﴾ بدل اشتمال قوله: ﴿إذ﴾ أي اذكر ما اتفق لها حين ﴿انتبذت﴾ أي كلفت نفسها أن اعتزلت وانفردت ﴿من أهلها﴾ حالة ﴿مكاناً شرقياً *﴾ عن مكانهم، فكان انفرادها في جهة مطالع الأنوار إشارة إلى ما يأتيها من الروح الإلهي ﴿فاتخذت﴾ أي أخذت بقصد وتكلف، ودل على قرب المكان بالإتيان بالجار فقال: ﴿من دونهم﴾ أي أدنى مكان في مكانهم لانفرادها للاغتسال أو غيره ﴿حجاباً﴾ يسترها ﴿فأرسلنا﴾ لأمر يدل على عظمتنا ﴿إليها روحنا﴾ جبرائيل ﵇ ليعلمها بما يريد الله بها من الكرامة بولادة عيسى ﵇ من غير أب، لئلا يشتبه عليها الأمر، ويتشعب بها الفكر، فتقتل نفسها غماً ﴿فتمثل لها﴾ أي تشبح وهو روحاني بصورة الجسماني ﴿بشراً سوياً *﴾ في خلقه حسن الشكل لئلا تشتد نفرتها وروعها منه؛ ثم أخرج القصة مخرج الاستئناف فقال دالاً على حزمها وخلوص تعبدها لله والتجائها إليه وشهودها له بحيث لا تركن إلى سواه: ﴿قالت﴾ .

стр. 5826

ولما كان على أنهى ما يكون من الجمال والخلال الصالحة والكمال، فكان بحيث يستبعد غاية الاستبعاد أن يتعوذ منه أكدت فقالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن﴾ ربي الذي رحمته عامة لجميع عباده في الدنيا والآخرة، وله بنا خصوصية في إسباغ الرحمة وإتمام النعمة ﴿منك﴾ ولما تفرست فيه - بما أنار الله من بصيرتها وأصفى من سريرتها - التقوى، ألهبته وهيجته للعمل بمضمون هذه الاستعاذة بقولها: ﴿إن كنت تقياً * قال﴾ جبرئيل ﵇ مجيباً لها بما معناه: إني لست ممن تخشين أن يكون متهماً، مؤكداً لأجل استعاذتها، ﴿إنما أنا رسول ربك﴾ أي الذي عذت به أي فأنا لست متهماً، متصف بما ذكرت وزيادة الرسلية، وعبر باسم الرب المقتضي للإحسان لطفاً بها، ولأن هذه السورة مصدرة بالرحمة، ومن أعظم مقاصدها تعداد النعم على خلص عباده ﴿لأهب﴾ بأمره أو ليهب هو على القراءة الأخرى ﴿لك﴾ وقدم المتعلق تشويقاً إلى المفعول ليكون أوقع في النفس؛ ثم بينه معبراً بما هو أكثر خيراً وأقعد في باب البشرى وأنسب لمقصود السورة مع أنه لا ينافي ما ذكر في آل عمران بقوله:

стр. 5827

﴿غلاماً﴾ أي ولداً ذكراً في غاية القوة والرجولية ﴿زكياً *﴾ طاهراً من كل ما يدنس البشر: نامياً على الخير والبركة ﴿قالت﴾ مريم: ﴿أنّى﴾ أي من أين وكيف ﴿يكون لي غلام﴾ ألده ﴿ولم يمسسني بشر﴾ بنكاح أصلاً حلال ولا غيره بشبهة ولا غيرها. ولما هالها هذا الأمر، أداها الحال إلى غاية الإسراع في إلقاء ما تريد من المعاني لها لعلها تستريح مما تصورته، فضاق عليها المقام، فأوجزت حتى بحذف النون من «كان» ولتفهم أن هذا المعنى منفي كونه على أبلغ وجوهه فقالت ﴿ولم أك﴾ . ولما كان المولود سر من يلده، وكان التعبير عنه بما هو من مادة الغلمة دالاً على غاية الكمال في الرجولية المقتضي لغاية القوة في أمر النكاح نفت أن يكون فيها شيء من ذلك فقالت: ﴿بغياً *﴾ أي ليكون دأبي الفجور، ولم يأت «بغية» لغلبة إيقاعه على النساء، فكان مثل حائض وعاقر في عدم الإلباس ولأن بغية، لا يقال إلا للمتلبسة به ﴿قال﴾ أي جبريل ﵇ ﴿كذلك﴾ القول الذي قلت لك يكون.

стр. 5828

ولما كان لسان الحال قائلاً: كيف يكون بغير سبب؟ أجاب بقوله: ﴿قال﴾ ولما بنيت هذه السورة على الرحمة واللطف والإحسان بعباد الرحمن، عبر باسم الرب الذي صدرت به بخلاف سورة التوحيد آل عمران المصدرة بالاسم الأعظم فقال: ﴿ربك هو﴾ أي المذكور وهو أيجاد الولد على هذه الهيئة ﴿عليّ﴾ أي وحدي لا يقدر عليه أحد غيري ﴿هين﴾ أي خصصناك به ليكون شرفاً به لك. ولما كان ذلك أعظم الخوارق، نبه عليه بالنون في قوله، عطفاً على ما قدرته مما أفهمه السياق: ﴿ولنجعله﴾ بما لنا من العظمة ﴿ءاية للناس﴾ أي علامة على كمال قدرتنا على البعث أدل من الآية في يحيى ﵇، وبه تمام القسمة الرباعية في خلق البشر، فإنهه أوجده من أنثى بلا ذكر، وحواء من ذكر بلا أنثى وآدم ﵇ لا من ذكر ولا أنثى، وبقية أولاده من ذكر وأنثى معاً ﴿ورحمة منا﴾ لمن آمن به في أول زمانه، ولأكثر الخلق بالإيمان والإنجاء من المحن في آخر زمانه، لا كآية صالح ﵇ لأنها كانت آية استئصال لأهل الضلال ﴿وكان﴾ ذلك كله ﴿أمراً مقضياً *﴾ أي محكوماً به مبتوتاً هو في غاية السهولة لا مانع منه أصلاً، ونبه

стр. 5829

على سرعة تسبيب الحمل عن هذا القول وإن كان التقدير بما أرشد إليه في غير هذه السورة: فنفخ في درعها فوصل النفخ إلى جوفها ﴿فحملته﴾ وعقب بالحمل قوله: ﴿فانتبذت به﴾ أي فاعتزلت - وهو في بطنها - حالة ﴿مكاناً قصياً *﴾ أي بعيداً من أهلها أو من المكان الشرقي، وأشار إلى قرب الولادة من الحمل بفاء التعقيب في قوله: ﴿فأجاءها﴾ أي فأتى بها وألجأها ﴿المخاض﴾ وهو تحرك الولد في بطنها للولادة ﴿إلى جذع النخلة﴾ وهو ما برز منها من الأرض ولم يبلغ الأغصان، وكان تعريفها لأنه لم يكن في تلك البلاد الباردة غيرها، فكانت كالعلم لما فيها من العجب، لأن النخل من أقل الأشجار صبراً على البرد، ولعلها ألجئت إليها دون غيرها من الأشجار على كثرتها لمناسبة حال النخلة لها، لأنها لا تحمل إلا بإلقاح من ذكور النخل، فحملها بمجرد هزها أنسب شيء لإتيانها بولد من غير والد، فكيف إذا كان ذلك في غير وقته! فكيف إذا كانت يابسة! مع ما لها فيها من المنافع بالاستناد إليها والاعتماد عليها، وكون رطبها خرسة للنفساء وغاية في نفعها وغير ذلك.

стр. 5830

ولما كان ذلك أمراً صعباً عليها جداً، كان كأنه قيل: يا ليت شعري! ما كان حالها؟ فقيل: ﴿قالت﴾ لما حصل عندها من خوف العار: ﴿ياليتني مت﴾ ولما كانت كذلك أشارت إلى استغراق الزمان بالموت بمعنى عدم الوجود فقالت من غير جار: ﴿قبل هذا﴾ أي الأمر العظيم ﴿وكنت نسياً﴾ أي شيئاً من شأنه أن ينسى ﴿منسياً *﴾ أي متروكاً بالفعل لا يخطر على بال، فولدته ﴿فناداها من تحتها﴾ وهو عيسى ﵇ ﴿ألا تحزني﴾ قال الرازي في اللوامع: والأصح أن مدة حملها له وولادته ساعة لأنه كان مبدعاً، ولم يكن من نطفة تدور في أدوار الخلقة - انتهى. ونقله ابن كثير وقال: غريب عن ابن عباس ﵄، ويؤيده أنه لم ينقل في كتابنا ولا عن نبينا ﷺ أنهم أنكروا عليها زمن الحمل، ولو علموا به لأنكروه ولو أنكروه لنقل كما نقل إنكار الولادة. ولما أنكروا الولادة فكأنها قالت: لم لا أحزن؟ وتوقعت ما يعلل به؟ قال: ﴿قد جعل ربك﴾ أي المحسن إليك ﴿تحتك﴾ في هذه الأرض التي لا ماء جارياً بها ﴿سرياً *﴾ جدولاً من

стр. 5831

الماء جليلاً آية لك تطيب نفسك ﴿وهزي إليك﴾ أي أوقعي الهز وهو جذب بتحريك. ولما كان المقصود التهويل لصرف فكرها عما دهمها من الهم جعله قاصراً فكأنها قالت: ما أهز؟ إذ لم يكن في الجذع ما يتوقع نفعه بهزه، فقال مصرحاً بالمهزوز: ﴿بجذع النخلة﴾ التي أنت تحتها مع يبسها وكون الوقت ليس وقت حملها فكأنها قالت: ولم ذاك؛ فقال: ﴿تساقط عليك﴾ من أعلاها ﴿رطباً جنياً *﴾ طرياً آية أخرى عظيمة تطيب النفس وتذهب بالحزن، وتدل على البراءة، والتعبير بصيغة التفاعل في قراءة الجماعة وحمزة للدلالة على أن التمر يسقط منها، ومن حقه أن يكون منتفياً لأنها غير متأهلة لذلك، فهو ظاهر في أنه على وجه خارق للعادة، وقراءة الجماعة بالإدغام تشير مع ذلك إلى أنه مع شدته يكاد أن يخفي كونه منها ليبسها وعدم إقنائها، وقراءة حمزة بالفتح والتخفيف تشير إلى سهولة تساقطه وكثرته، وقراءة حفص عن عاصم بالضم وكسر القاف من فاعل،

стр. 5832

تدل على الكثرة وأنه ظاهر في كونه من فعلها.

стр. 5833

ولما كان من المعلوم أنها هزت فتساقط الرطب، سبب عنه قوله: ﴿فكلي﴾ أي فتسبب عن الإنعام عليك بالماء والرطب أن يقال لك تمكيناً من كل منهما كلي من الرطب ﴿واشربي﴾ من ماء السرى ﴿وقري﴾ أي استقري ﴿عيناً﴾ بالنوم، فإن المهموم لا ينام، والعين لا تستقر ما دامت يقظى، وعن الأصمعي أن المعنى: ولتبرد دمعتك، لأن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة، واشتقاق «قري» من القرور، وهو الماء البارد - انتهى. وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: وحكى الفراء أن قريشاً ومن حولهم يقولون: قررت به عيناً - أي بكسر العين - أقر، وأن أسداً وقيساً وتميماً يقولون: قررت به عيناً - أي بالفتح - أقر، قال - يعني الفراء: فمن قال: قررت - أي بالكسر - قراً، وقرى عيناً - أي بالفتح، وهي القراءة المعروفة، ومن قال: قررت، - أي بالفتح قراً وقري عيناً - بكسر القاف أي وهي الشاذة، قال - أي القزاز: هي لغة كل من لقيت من أهل نجد، والمصدر قرة وقرور.

стр. 5834

وسيأتي في القصص ما ينفع هنا، وهو على كل حال كناية عن طيب النفس وتأهلها لأن تنام بالكفاية في الدنيا بطعام البدن وغذاء الروح بكونه آية باهرة، والآخرة بالكرامة وذلك على أنفع الوجوه، قيل: ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل؛ ثم سبب عن ذلك قوله مؤكداً إيذاناً بأن أكثر رؤيتها في تلك الأوقات الملائكة ﵈ ﴿فإما ترين﴾ أي يا مريم ﴿من البشر أحداً﴾ لا تشكين أنه من البشر ينكر عليك ﴿فقولي﴾ لذلك المنكر جواباً له مع التأكيد تنبيهاً على البراءة لأن البريء يكون ساكناً لاطمئنانه والمرتاب يكثر كلامه وحلفه: ﴿إني نذرت للرحمن﴾ أي الذي عمت رحمته فأدخلني فيها على ضعفي وخصني بما رأيت من الخوارق ﴿صوماً﴾ أي صمتاً ينجي من كل وصمة وإمساكاً عن الكلام ﴿فلن﴾ أي فتسبب عن النذر أني لن ﴿أكلم اليوم إنسياً *﴾ فإن كلامي يقبل الرد والمجادلة ولكن يتكلم عني المولود الذي كلامه لا يقبل الدفع، وأما أنا فأنزه نفسي عن مجادلة السفهاء فلا أكلم إلا الملائكة أو الخالق بالتسبيح والتقديس وسائر أنواع الذكر، قالوا: ومن أذل الناس سفيهاً لم يجد مسافهاً، ومن

стр. 5835

الدلالة عليه بالصمت عن كلام الناس مع ما تقدم الإشارة إلى أنه ردع مجرد ﴿فأتت﴾ أي فلما سمعت هذا الكلام اشتد قلبها، وزال حزنها، وأتت ﴿به﴾ أي بعيسى ﴿قومها﴾ وإن كان فيهم قوة المحاولة لكل ما يريدونه إتيان البريء الموقن بأن الله معه ﴿تحمله﴾ غير مبالية بأحد ولا مستخفية فكأنه قيل: فما قالوا لها؟ فقيل: ﴿قالوا يا مريم﴾ ما هذا؟ مؤكدين لأن حالها في إتيانها يقتضي إنكار كلامهم ﴿لقد جئت﴾ بما نراه ﴿شيئاً فرياً *﴾ قطيعاً منكراً ﴿ياأخت هارون﴾ في زهده وورعه وعفته وهو صالح كان في زمانها أو أخو موسى ﵇ ﴿ما كان أبوك﴾ أي عمران ساعة من الدهر ﴿امرأ سوء﴾ لنقول: نزعك عرق منه ﴿وما كانت أمك﴾ في وقت من الأوقات ﴿بغياً *﴾ أي ذات بغي أي عمد لتتأسى بها ﴿فأشارت﴾ امتثالاً لما أمرت به ﴿إليه﴾ أي عيسى ليكلموه فيجيب عنها ﴿قالوا كيف نكلم﴾ يا مريم ﴿من كان في المهد﴾ أي قبيل إشارتك ﴿صبياً *﴾ لم يبلغ سن هذا الكلام، الذي لا يقوله إلا الأكابر العقلاء بل الأنبياء والتعبير ب «كان» يدل على أنه حين الإشارة إليه لم يحوجهم إلى أن يكلموه، بل حين سمع المحاورة وتمت الإشارة بدا منه قوله

стр. 5836

خارق لعادة الرضعاء والصبيان، ويمكن أن تكون تامة مشيرة إلى تمكنه في حال ما دون سن الكلام، ونصب ﴿صبياً﴾ على الحال، فلما كانت هذه العبارة مؤذنة بذلك استأنف قوله: ﴿قال﴾ أي واصفاً نفسه بما ينافي أوصاف الأخابث، مؤكداً لإنكارهم أمره فقال: ﴿إني عبد الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال لا أتعبد لغيره، إشارة إلى الاعتقاد الصحيح فيه، وأنه لا يستعبده شيطان ولا هوى ﴿ءاتاني الكتاب﴾ أي التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الصحف على صغر سني ﴿وجعلني﴾ أي في علمه ﴿نبياً *﴾ ينبىء بما يريد في الوقت الذي يريد، وقيل في ذلك: فانبئكم به ﴿وجعلني مباركاً﴾ بأنواع البركات ﴿أين ما﴾ في أي مكان ﴿كنت﴾ فيه. ولما سبق علمه سبحانه أنه يدعي في عيسى الإلهية أمره أن يقول: ﴿وأوصاني بالصلاة﴾ له طهرة للنفس ﴿والزكاة﴾ طهرة للمال فعلاً في نفسي وأمراً لغيري ﴿ما دمت حياً﴾ ليكون ذلك حجة على من أطراه لأنه لا شبهة في أن من يصلي لإله ليس بإله ﴿وبراً﴾ أي وجعلني براً، أي واسع الخلق طاهره.

стр. 5837

ولما كان السياق لبراءتها فبين الحق في وصفه، صرح ببراءتها فقال: ﴿بوالدتي﴾ أي التي أكرمها الله بإحصان الفرج والحمل بي من غير ذكر، فلا والد لي غيرها ﴿ولم يجعلني جباراً شقياً *﴾ بأن أفعل فعل الجبارين بغير استحقاق، إنما أفعل ذلك بمن يستحق، وفيه إيماء إلى أن التجبر المذموم فعل أولاد الزنا، وذلك أنه يستشعر ما عنده من النقص فيريد أن يجبره بتجبره، ثم أخبر بما له من الله من الكرامة الدائمة مشيراً إلى أنه لا يضره عدو، وإلى أنه عبد لا يصلح أن يكون إلهاً وإلى البعث فقال: ﴿والسلام﴾ أي جنسه ﴿عليَّ﴾ فلا يقدر أحد على ضرري ﴿يوم ولدت﴾ فلم يضرني الشيطان ومن يولد لا يكون إلهاً ﴿ويوم أموت﴾ كذلك أموت كامل البدن والدين، لا يقدر أحد على انتقاصهما مني كائناً من كان ﴿ويوم أبعث حياً *﴾ يوم القيامة كما تقدم في يحيى ﵇، إشارة إلى أنه في البشرية مثله سواء لم يفارقه أصلاً إلا في كونه من غير ذكر، وإذا كان جنس السلام عليه كان اللعن على أعدائه، فهو بشارة لمن صدقة فإنه منه، ونذارة لمن كذبه، ولم يكن لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثل هذه الخارقة لئلا يلتبس حاله بالكهان، لأن قومه لا عهد لهم بالخوارق إلا عندهم،

стр. 5838

وإذا تقرر ذلك في نفوسهم من الصغر صعب زواله، ولم يكن هناك ما ينفيه حال الصغر، فعوض عن ذلك إنطاق الرضعاء كمبارك اليمامة وغيره، وإنطاق الحيوانات العجم، بل والجمادات كالحجارة وذراع الشاة المسمومة والجذع اليابس وغيرها.

стр. 5839

ولما كان في ذلك من أقوال عيسى وأحواله - المنادية بالحاجة للتنقل في أطوار غيره من البشر والكرامة من الله - أعظم البيان عن بعده عما ادعى فيه النصارى من الإلهية واليهود من أنه لغير رشده، نبه على ذلك مشيراً إليه بأداة البعد فقال مبتدئاً: ﴿ذلك﴾ أي الولد العظيم الشأن، العلي الرتبة، الذي هذه أحواله وأقواله البعيدة عن صفة الإله وصفة من ارتاب في أمره؛ ثم بين اسم الإشارة أو أخبر فقال: ﴿عيسى ابن مريم﴾ أي وحدها ليس لغيرها فيه بنوة أصلاً، وهي من أولاد آدم، فهو كذلك؛ ثم عظم هذا البيان تعظيماً آخر فقال: ﴿قول﴾ أي هو - أي نسبته إلى مريم فقط - قول ﴿الحق﴾ أي الذي يطابقه الواقع، أو يكون القول عيسى نفسه كما أطلق عليه في غير هذا الموضع «كلمة» من تسمية المسبب باسم السبب وهو على هذه

стр. 5840

القراءة خبر بعد خبر أو بدل أو خبر مبتدأ محذوف، وعلى قراءة عاصم وابن عامر بالنصب، هو اغراء، أي الزموا ذلك وهو نسبته إلى مريم ﵉ وحدها ثم عجب من ضلالهم فيه بقوله: ﴿الذي فيه يمترون *﴾ أي يشكون شكاً يتكلفونه ويجادلونه به مع أن أمره في غاية الوضوح، ليس موضعاً للشك أصلاً؛ ثم دل على كونه حقاً في كونه ابن مريم لا غيرها بقوله رداً على من ضل: ﴿ما كان﴾ أي ما صح ولا تأتي ولا تصور في العقول ولا يصح ولا يتأتى لأنه من المحال لكونه يلزم منه الحاجة ﴿لله﴾ الغني عن كل شيء ﴿إن يتخذ﴾ ولما كان المقام يقتضي النفي العام، أكده ب «من» فقال: ﴿من ولد﴾ . ولما كان اتخاذ الولد من النقائص، أشار إلى ذلك بالتنزيه العام بقوله: ﴿سبحانه﴾ أي تنزه عن كل نقص من احتياج إلى ولد أو غيره ثم علل ذلك بقوله: ﴿إذا قضى أمراً﴾ أي أمر كان ﴿فإنما يقول له كن﴾ أي يريده ويعلق قدرته به ﴿فيكون *﴾ من غير حاجة إلى شيء أصلاً،

стр. 5841

فكيف ينسب إلى الاحتياج إلى الإحبال والإيلاد والتربية شيئاً فشيئاً كما أشار إليه الاتخاذ. ولما كان لسان الحال ناطقاً عن عيسى ﵊ بأن يقول: وقد قضاني الله فكنت كما أراد، فأنا عبد الله ورسوله فاعتقدوا ذلك ولا تعتقدوا سواه من الأباطيل، عطف عليه في قراءة الحرميين وأبي عمرو قوله: ﴿وإن الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿ربي وربكم﴾ أي أحسن إلى كل منا بالخلق والرزق، لا فرق بيننا في أصل ذلك ﴿فاعبدوه﴾ وحده لتفرده بالإحسان كما أعبده، وقراءة الباقين بالكسر على أنه مقول عيسى ﵇ الماضي، ويكون اعتراض ما تقدم من كلام الله بينهما للتأكيد والاهتمام. ولما كان اشتراك الخلائق في عبادة الخالق بعمل القلب والجوارح علماً وعملاً أعدل الأشياء، أشار إلى ذلك بقوله: ﴿هذا﴾ أي الذي أمرتكم به ﴿صراط مستقيم *﴾ لأنا بذلنا الحق لأهله بالاعتقاد الحق

стр. 5842

والعمل الصالح، ولم يتفضل أحد منا فيه على صاحبه. ولما كان المنهج القويم بحيث يكون سبباً للاجتماع عند كل صحيح المزاج، عجب منهم في استثمار غير ذلك منه فقال: ﴿فاختلف﴾ أي فتسبب عن هذا السبب للاجتماع أنه اختلف ﴿الأحزاب﴾ الكثيرون. ولما كان الاختلاف لم يعم جميع المسائل التي في شرعهم قال: ﴿من بينهم﴾ أي بني إسرائيل المخاطبين بذلك خاصة لم تكن فيهم فرقة من غيرهم في هذه المقالة القويمة التي لا تنبغي لمن له أدنى مسكة أن يتوقف في قبولها، فمنهم من أعلم أنها الحق فاتبعها ولم يحد عن صوابها، ومنهم من أبعد في الضلال عنها بشبه لا شيء أو هي منها؛ روي عن قتادة أنه اجتمع من أحبار بني إسرائيل أربعة: يعقوب ونسطور وملكا وإسرائيل، فقال يعقوب: عيسى هو الله نزل إلى الأرض فكذبه الثلاثة واتبعه اليعقوبية، وقال نسطور: عيسى ابن الله فكذبه الاثنان واتبعه النسطورية، وقال ملكاً: عيسى أحد

стр. 5843

ثلاثة: الله إله، ومريم إله، وعيسى إله، فكذبه الرابع واتبعه طائفة، وقال إسرائيل: عيسى عبد الله كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فاتبعه فريق من بني إسرائيل، ثم اقتتل الأربعة فغلب المؤمنون وقتلوا وظهرت اليعقوبية على الجميع - ذكر معناه أبو حيان وابن كثير ورواه عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ﴿فويل﴾ أي فتسبب عن اختلافهم أنا نقول: ويل ﴿للذين كفروا﴾ منهم ومن غيرهم ﴿من مشهد يوم عظيم *﴾ في جمعه لجميع الخلائق، وما فيه من الأهوال والقوارع.

стр. 5844

ولما كان ذلك المشهد عظيم الجمع، شديد الزحام مستوي الأرض، بعيد الأرجاء، كان حاله مقتضياً لئلا يطلعوا على غير ما يليهم من أهواله، فقال في جواب من يقول: وما عسى أن يسمعوا أو يبصروا فيه، معلماً بأن حالهم في شدة السمع والبصر جديرة بأن يعجب منها: ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ أي ما أشد سمعهم وما أنفذ بصرهم! ﴿يوم يأتوننا﴾ سامعين لكل أهواله، مبصرين لسائر أحواله، فيطلعون بذلك على جميع ما أدى عمله في الدنيا إلى ضرهم في ذلك اليوم، وجميع ما كان ينفعهم لو عملوه، فيندمون حيث لا ينفعهم الندم، ويتمنون المحال من الرجوع إلى الدنيا ونحوه ليتداركوا فلا يجابون إلى ذلك، بل يسلك بهم في كل

стр. 5845

ما يؤذيهم ويهلكهم ويرديهم، فيكونون بسلوك ذلك - وهم يعلمون ضرره عمياً وبكماً وصمّاً، لأنهم لا ينتفعون بمداركهم كما كانوا في الدنيا كذلك، لكنهم - هكذا كان الأصل، وإنما أظهر فقال: ﴿لكن الظالمون﴾ تنبيهاً على الوصف الذي أحلهم ذلك المحل ﴿اليوم في ضلال مبين *﴾ لا يسمعون ولا يبصرون. ولما كان هذا الذي تقدم إنذاراً بذلك المشهد، كان التقدير: أنذر قومك ذلك المشهد وما يسمعونه فيه ويبصرونه ﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾ نفسه في ذلك المشهد العظيم، يوم تزل القدم، ولا ينفع الندم، للمسيء على إساءته، وللمحسن على عدم ازدياده من الإحسان. ولما كان ﴿يوم﴾ مفعولاً، لا ظرفاً، أبدل منه، أو علل الإنذار فقال: ﴿إذ﴾ أي حين، أو لأنه، وعبر عن المستقبل بالماضي، إيذاناً بأنه أمر حتم لا بد منه فقال: ﴿قضي الأمر﴾ أي أمره وفرغ منه بأيسر شأن وأهون أمر، وقطعنا أنه لا بد من كونه ﴿وهم﴾ حال من ﴿أنذرهم﴾ أي والحال أنهم الآن ﴿في غفلة﴾ عما قضينا أن يكون في ذلك الوقت من أمره، لا شعور لهم بشيء منه،

стр. 5846

بل يظنون أن الدهر هكذا حياة وموت بلا آخر ﴿وهم لا يؤمنون *﴾ بأنه لا بد من كونه؛ وفي الصحيح ما يدل على أن يوم الحسرة حين يذبح الموت فقد روى مسلم عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيقال: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا، فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم! هذا الموت، ويقال: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم! هذا الموت، فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت، ثم قرأ رسول الله ﷺ وفي وراية: فذلك قوله ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر﴾ » «الآية. وأما الغفلة ففي الدنيا، روى ابن حبان في صحيحه عن النبي ﷺ ﴿إذ قضي الأمر وهم في غفلة﴾ قال في الدنيا. قال المنذري: وهو في مسلم بمعناه في آخر حديث. ولما كان الإرث هو حوز الشيء بعد موت أهله، وكان سبحانه

стр. 5847

قد قضى بموت الخلائق أجمعين، وأنه يبقى وحده، عبر عن ذلك بالإرث مقرراً به مضمون الكلام السابق، فقال مؤكداً تكذيباً لقولهم: إن الدهر لا يزال هكذا، حياة لقوم وموت لآخرين ﴿إنا نحن﴾ بعظمتنا التي اقتضت ذلك ولا بد، وأفاد الأصبهاني أن تأكيد اسم ﴿إن﴾ أفاد أن الإسناد إليه سبحانه لا إلى أحد من جنده ﴿نرث الأرض﴾ فلا ندع بها عامراً من عاقل ولا غيره. ولما كان العاقل أقوى من غيره، صرح به بعد دخوله فقال: ﴿ومن عليها﴾ أي من العقلاء، بأن نسلبهم جميع ما في أيديهم ﴿وإلينا﴾ لا إلى غيرنا من الدنيا وجبابرتها إلى غير ذلك ﴿يرجعون *﴾ معنى في الدنيا وحساً بعد الموت. ولما ذم الضالين في أمر المسيح، وعلق تهديدهم بوصف دخل فيه مشركو العرب، فأنذرهم بصريح تكذيبهم بالبعث، وغيرهم بأنهم لسوء أعمالهم كالمكذبين به، وختم ذلك بأنه الوارث وأن الرجوع إليه، ودخل في ذلك الإرث بغلبة أنبيائه وأتباعهم على أكثر أهل

стр. 5848

الأرض برجوع أهل الأديان الباطلة إليهم حتى يعم ذلك جميع أهل الأرض في زمن عيسى ﵊، وكان إبراهيم ﵇ لكثرة أولاده من العرب والروم وأهل الكتابين وراثاً لأكثر الأرض، وكان مثل زكريا في هبة الولد على كبر سنه وعقم زوجه، أتبع ذلك قوله: ﴿واذكر﴾ أي يا محمد! ﴿في الكتاب﴾ أي الذي أنزل عليك وتبلغه للناس وتعلمهم أن هذه القصة من القرآن ﴿إبراهيم﴾ أعظم آبائكم الذي نهى أباه عن الشرك يا من يكفرون تقليداً للآباء! ثم علل تشريفه بذكره له على سبيل التأكيد المعنوي بالاعتراض بين البدل والمبدل منه، واللفظي ب «إن» بقوله منبهاً على أن مخالفتهم له بالشرك والاستقسام بالأزلام ونحو ذلك تكذيب بأوصافه الحسنة: ﴿إنه كان﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿صديقاً﴾ أي بليغ الصدق في نفسه في أقواله وأفعاله، والتصديق بكل ما يأتيه مما هو أهل لأن يصدق لأنه مجبول على ذلك ولا يكون كذلك إلا وهو عامل به حق العمل فهو أبلغ من المخلص

стр. 5849

﴿نبياً *﴾ أي يخبره الله بالأخبار العظيمة جداً التي يرتفع بها في الدارين وهو أعظم الأنبياء بعد محمد - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام كما رواه الحافظ أبو البزار بسنده عن أبي هريرة ﵁ وأكده وكذا أكد فيما بعده من الأنبياء ﵈ وإن كانوا مقرين بنبواتهم تنزيلاً لهم منزلة المنكر، لجريهم في إنكارهم نبوة البشر على غير مقتضى عليهم.

стр. 5850

ولما تكفل ما تقدم من هذه السورة بنفي الشريك بقيد كونه ولداً، أتبع ذلك من قصته ما ينفي الشريك ليقتدي به أولاده في ذلك إذ كانوا يقلدون الآباء وليس في آبائهم مثله، فقال مبدلاً من ﴿إبراهيم﴾ ﴿إذ قال﴾ أي اذكر وقت قوله ﴿لأبيه﴾ هادياً له من تيه الضلال بعبادة الأصنام مستعطفاً له في كل جملة بقوله: ﴿يا أبت﴾ . ولما كان العاقل لا يفعل فعلاً إلا لثمره، نبهه على عقم فعله بقوله: ﴿لم تعبد﴾ مريداً بالاستفهام المجاملة، واللطف والرفق واللين والأدب الجميل في نصحه له كاشفاً الأمر غاية الكشف بقوله: ﴿ما لا يسمع ولا يبصر﴾ أي ليس عنده قابلية لشيء من هذين الوصفين ليرى ما أنت فيه من خدمته أو يجيبك إذا ناديته حالاً أو مآلاً. ولما كان الأعمى الأصم
следующие страницы →