Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.
стр. 5916
وكان أيضاً يستخفي بإسلامه فرقاً من قومه، وكان خباب بن الأرت ﵁ يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب ﵂ يقرئها القرآن، فخرج عمر يوماً متوشحاً بسيفه يريد رسول الله ﷺ ورهطاً من أصحابه ﵃ قد ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء، ومع رسول الله ﷺ عمه حمزة بن عبد المطلب وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين ﵃ أجمعين ممن كان أقام مع رسول الله ﷺ بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله ﵁ فقال: أين تريد يا عمر؟ قال أريد محمداً هذا الصابىء الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم ﵁: والله! لقد غرتك نفسك من نفسك ياعمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأيّ أهل بيتي؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو وأختك فاطمة بنت الخطاب فقد والله أسلما وتابعا محمداً على دينه فعليك بهما فرجع عمر عامداً إلى أخته وختنه وعندهما خباب بن الأرت ﵁ وعنهما، معه صحيفة فيها طه يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر تغيب
стр. 5917
خباب بن الأرت ﵁ في مخدع لهم أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب ﵂ الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا من البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئاً؟ قال: بلى! والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد ﵁ فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه ﵄: نعم! قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك! فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفاً أنظر ما هذا الذي جاء به محمد؟ وكان عمر كاتباً، فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها، قال: لاتخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت: يا أخي! إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها، فلما قرأ منها صدراً قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع ذلك خباب ﵁ خرج إليه فقال له: يا عمر! والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه ﷺ فإني سمعته أمس وهو يقول: اللهم! أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فالله الله يا عمر! فقال له عمر عند ذلك: فدلني
стр. 5918
يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم، فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا، معه فيه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوحشه ثم عمد إلى رسول الله ﷺ وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فنظر من خلال الباب فرآه متوحشاً السيف فرجع إلى رسول الله ﷺ وهو فزع فقال: يا رسول الله! هذا عمر بن الخطاب متوحشاً السيف! فقال حمزة بن عبد المطلب ﵁: فأذن له، فإن كان جاء يريد خيراً بذلناه له، وإن كان جاء يريد شراً قتلناه بسيفه، فقال رسول الله ﷺ : ائذن له، فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله ﷺ حتى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة وقال: ما جاء بك يا ابن الخطاب! فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة، فقال عمر: يا رسول الله! جئتك لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله، فكبر رسول الله ﷺ تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله ﷺ أن عمر قد أسلم، فتفرق أصحاب الرسول ﷺ من مكانهم، وقد عزّوا في أنفسهم حين أسلم عمر بن الخطاب مع إسلام حمزة ﵄، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله ﷺ وينتصفون
стр. 5919
بهما من عدوهم، فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن أسلام عمر ﵁ حين أسلم.
وكان إسلام عمر بعد إسلام حمزة ﵄ بثلاثة أيام، كما ثبت ذلك في حاشية شرح العقائد عن فوائد تمام الرازي، وصفوة الصفوة لابن الجوزي؛ قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر ﵄ قال: لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث؟ قال: قيل له: جميل بن معمر الجمحي، فغدا عليه، قال عبد الله بن عمر ﵄: وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد؟ قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه. واتبعه عمر ﵁ واتبعت أبي حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! وهم في أنديتهم حول الكعبة. ألا! إن ابن الخطاب قد صبأ قال: يقول عمر ﵁ من خلفه: كذب ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على روؤسهم قال: وطلح فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف
стр. 5920
بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها أو تركتموها لنا، قال: فبينما هو على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر، قال: فمه! رجل اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم؟ هكذا عن الرجل! قال: فوالله لكأنما كانوا ثوباً كشط عنه. وفي الروض الأنف للامام أبي القاسم السهيلي أن يونس روى عن ابن إسحاق أن عمر قال حين أسلم ﵁:
الحمد لله ذي المن الذي وجبت ... له علينا أياد ما لها غير
وقد بدأنا فكذبنا فقال لنا ... صدق الحديث نبي عنده الخبر
وقد ظلمت ابنة الخطاب ثم هدى ... ربي عشية قالوا قد صبا عمر
وقد ندمت على ما كان من زلل ... بظلمها حين تتلى عندها السور
لما دعت ربها ذا العرش جاهدة ... والدمع من عينها عجلان يبتدر
أيقنت أن الذي تدعوه خالقها ... فكاد يسبقني من عبرة درر
فقلت أشهد أن الله خالقنا ... وأن أحمد فينا اليوم مشتهر
نبي صدق أتى بالحق من ثقة ... وافى الأمانة ما في عوده خور
إذا تقرر هذا، علم أن المقصود من السورة - كما تقدم - تشريف
стр. 5921
هذا النبي الكريم ﷺ بإعلامه بالرفق بأمته، والإقبال بقلوبهم حتى يملؤوا الأرض كثرة، كما أنزل عليهم السكينة وهم في غاية الضعف والقلة، وحماهم ممن يريد قتلهم، ولين قلب عمر ﵁ بعد ما كان فيه من الغلظة وجعله وزيراً، ثم حماه بعدوه، وتأمينه ﷺ من أن يستأصلوا بعذاب، وبأنه يموت نبيهم قبلهم لا كما وقع للمهلكين من قوم نوح وهود ﵉ ومن بعدهم - بما دل عليه افتتاح هذه بنفي الشقاء وختم تلك بجعل الود وغير ذلك، والداعي إلى هذا التأمين أنه سبحانه لما ختم تلك بإهلاك القرون وإبادة الأمم بعد إنذار القوم اللد، ولم يختم سورة من السور الماضية بمثل ذلك، كان ربما أفهم أنه قد انقضت مدتهم، وحل بوارهم، وأتى دمارهم، وأنه لا يؤمن منهم - لما هم فيه من اللد - إلا من قد آمن، فحصل بذلك من الغم والحزن ما لا يعلم قدره إلا الله، لأن الأمر كان في ابتدائه، ولم يسلم منهم إلا نفر يسير جداً، فسكن سبحانه الروع بقوله: ﴿ما أنزلنا﴾ بعظمتنا ﴿عليك﴾ أي وأنت أعلم الخلق ﴿القرآن﴾ أي أعظم الكتب، الجامع لكل خير، والدافع لكل ضير، الذي يسرناه بلسانك ﴿لتشقى*﴾ أي بتعب قلبك بكونك من أقل المرسلين تابعاً بعد استئصال قومك وشقائهم بإنذارك ﴿إلا﴾ أي لكن أنزلناه
стр. 5922
﴿تذكرة﴾ أي تذكيراً عظيماً ﴿لمن يخشى*﴾ ممن أشرنا في آخر التي قبلها إلى بشارته إيماء إلى أنه سيكون فيهم من المتقين من تناسب كثرته إعجاز هذا القرآن ودوامه، وما فيه من الجمع المشار إليه بالتعبير بالقرآن لجميع ما في الكتب السالفة من الأحكام أصولاً وفروعاً، والمواعظ والرقائق، والمعارف والآداب، وأخبار الأولين والآخرين، ومصالح الدارين، وزيادته عليها بما شاء الله، لأن كثرة الأمة على قدر جلالة الكتاب، والتعبير عن «لكن» بالإشارة إلى أنه يمكن أن يكون من باب:
ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وأشار بالمصدر الجاري على غير الفعل في قوله: ﴿تنزيلاً﴾ إلى أنه يتمهل عليهم ترفقاً بهم، ولا ينزل هذا القرآن إلا تدريجاً، إزالة لشبههم، وشرحاً لصدورهم، وتسكيناً لنفوسهم، ومداً لمدة البركة فيهم بتردد الملائكة الكرام إليهم، كما أنه لم يهلكهم بمعاصيهم اكتفاء ببينة ما في الصحف الأولى، بل أرسل إليهم رسولاً لئلا يقولوا: ربنا لولا - كما اقتضته حكمته وتمت به كلمته، ولما كان رجوعهم إلى الدين على ما يشاهد منهم من الشدة والأنفة والشماخة التي سماهم الله بها قوماً لدّاً في غاية البعد، شرع سبحانه يذكر بقدرته إشارة إلى أن القلوب بيده يقلبها كيف شاء كما صورها كيف شاء، وأن شأنه الرفق والأناة، فقال ملتفتاً من التكلم إلى الغيبة ليدل على ما اقتضته النون من العظمة
стр. 5923
مقدماً ما اقتضى الحال تقديمه من سكن المدعوين المعتنى بتذكرتهم وهداية أريد منهم: ﴿ممن خلق الأرض﴾ المنخفضة.
ولما قدم الأرض إعلاماً بالاعتناء برحمها بالترفق بسكانها ليملأها بالإيمان منهم تحقيقاً لمقصود السورة تشريفاً للمنزل عليه، أتبعها محل الإنزال على سبيل الترقي من بيت العزة إلى ما كنزه في خزانة العرش فقال: ﴿والسماوات العلى*﴾ في ستة أيام، ولو شاء كانتا في لحظة.
ولما كان القادر قد لايكون ملكاً، قال دالاًّ على ملكه مادحاً له بالقطع خبراً لمبتدأ محذوف: ﴿الرحمن﴾ مفتتحاً بالوصف المفيض للنعم العامة للطائع والعاصي؛ ثم ذكر خبراً ثانياً دالاً على عموم الرحمة فقال: ﴿على العرش﴾ الحاوي لذلك كله ﴿استوى*﴾ أي أخذ في تدبير ذلك منفرداً، فخاطب العباد بما يفهمونه من قولهم: فلان استوى، أي جلس معتدلاً على سرير الملك، فانفرد بتدبيره وإن لم يكن هناك سرير ولا كون عليه أصلاً، هذا روح هذه العبارة، كما أن روح قوله ﵊ الذي رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ «القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء» أنه عظيم القدرة على ذلك، وهو عليه يسير خفيف كخفته على من هذا
стр. 5924
الحالة، وليس المراد أن هناك إصبعاً أصلاً - نبه على ذلك حجة الإسلام الغزالي، ومنه أخذ الزمخشري أن يد فلان مبسوطة كناية عن جواد وإن لم يكن هناك بد ولا بسط أصلاً.
ولما كان الملك قد لا يكون مالكاً، قال مقدماً الأشرف على العادة: ﴿له ما في السماوات﴾ أي كله من عاقل وغيره ﴿وما في الأرض﴾ جميعه ﴿وما بينهما﴾ أي السماوات والأرض ﴿وما تحت الثرى*﴾ وهو التراب النديّ، سواء قلنا: إنه آخر العالم فما تحته العدم المحض أم لا؟ فبكون تحته النور أو الحوت أو غيرهما.
стр. 5925
ولما كان الملك لا ينتظم غاية الانتظام إلا بإحاطة العلم، وكان الملك من الآدميين قد لا يعلم أحوال أقصى ملكه كما يعلم أحوال أدناه لا سيما إذا كان واسعاً ولذلك يختل بعض أمره، اعلم أنه سبحانه بخلاف ذلك، فقال حثاً على مراقبته والإخلاص له: ﴿وإن تجهر بالقول﴾ أي بهذا القرآن للبشارة والنذارة أو لغير ذلك أو بغيره، فإنه علام به وغير محتاج إلى الجهر، فلا يتكلف ذلك في غير ما أمرت بالجهر به لغرض غير الإسماع ﴿فإنه يعلم السر﴾ وهو ما يناجي به الاثنان مخافتة ﴿وأخفى*﴾ من ذلك، وهو ما في الضمائر مما تخيلته الأفكار ولم يبرز إلى الخارج
стр. 5926
وغيره من الغيب الذي لم يعلمه غيره تعالى بوجه من الوجوه، ومنه ما سيكون من الضمائر. ولما كان من هو بهذه الأوصاف من تمام العلم والقدرة ربما ظن أن له منازعاً، نفى ذلك بقوله معلماً أن هذا الظن باطل قطعاً لا شبهة له وأن ما مضى ينتج قطعاً: ﴿الله﴾ مفتتحاً بالاسم الأعظم الحاوي لصفات الكبر وغيرها ﴿لا إله إلا هو﴾ ثم علل ذلك بقوله: ﴿له﴾ أي وحده ﴿الأسماء الحسنى*﴾ أي صفات الكمال التي لا يصح ولا يتصور أن يشوبها نقص ما، بل هو متصف بها دائماً اتصافاً حقيقياً لا يمكن انفكاكه، كما يكون لغيره من الاتصاف ببعض المحاسن في بعض الأحايين ثم يعجز عنه في وقت آخر أو بالنسبة إلى زمان آخر.
ولما أتبع ذلك قصة موسى ﵇ مصدرة باستفهام مقترن بواو عطف، وأرشد ذلك إلى أن المعنى: هل تعلم له سمياً، أي متصفاً بأوصافه أو بشيء منها له بذلك الوصف مثل فعله، ولما كان الجواب قطعاً: لا، ثبت أن لا متصف بشيء من أوصافه، فعطف على هذا المقدر قصة موسى ﵇، ويكون التقدير: هل علمت بما ذكرناك به في هذه الآيات أنا نريد ما هو علينا يسير بما لنا من القدرة التامة والعلم الشامل من إسعادك في الدارين تكثير أجرك، وتفخيم أمرك، بتكثير
стр. 5927
أتباعك، وعطف عليه القصة شاهداً محسوساً على ما له من الاتصاف بما انتفى عن غيره من الأسماء الحسنى، ولاسيما ما ذكر هنا من الاتصاف بتمام القدرة والتفرد بالعظمة، وأنه يعلي هذا المصطفى بإنزال هذا الذكر عليه وإيصاله منه إليه النصرة على الملوك وسائر الأضداد، والتمكين في أقطار البلاد، وكثرة الأتباع، وإعزاز الأنصار والوزراء والأشياع، وغير ذلك بمقدار ما بين ابتداء أمرهما من التفاوت، فإن ابتداء أمر موسى ﵇ أنه أتى النار ليُقبس أهله منها ناراً أو يجد عندها هدى.
فمنح بذلك من هدى الدارين والنصرة على الأعداء كما سيقص هنا ما منح، وهذا النبي الكريم كان ابتداء أمره أنه يذهب إلى غار حراء فيتعبد الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك اجتذاباً من الحق له قبل النبوة بمدد، تدريباً له وتقوية لقلبه، فأتته النبوة وهو في مضمارها سائر، وإلى أوجها بعزمه صائر بل طائر، وموسى ﵇ رأى حين أتته النبوة آية العصا واليد، ومحمد ﷺ كان قبل النبوة لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه، كما أسنده ابن إسحاق في السيرة. وروى مسلم وغيره عن جابر بن سمرة ﵁ أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 5928
قال: «إني لأعرف حجراً كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث» فقال تعالى مقرراً تنبيهاً على أنه يذكر له منه ما يكفي في تسليته وتقوية قلبه، وتبكيت اليهود الذين توقفوا في أمره ﷺ وغشوا قريشاً حين تكلفوا طيّ شقة البين إليهم ورضوا بقولهم لهم وعليهم ليكون فائدة الاستفهام أن يفرغ أذنه الشريفة للسماع وقلبه للوعي العظيم: ﴿وهل أتاك﴾ أي يا أشرف الخلق! ﴿حديث موسى*﴾ نادباً إلى التأسي بموسى ﵇ في تحمل أعباء النبوة وتكليف الرسالة والصبر على مقامات الشدائد، وشارحاً بذكر ما في هذه السورة من سياق قصة ما أجمل منها في سورة مريم، ومقرراً بما نظمه في أساليبها ما تقدم أنه مقصد السورة من أنه يسعده ولا يشقيه، ويعزه على جميع شانئيه بإعزازه على أهل بلده بعد إخراجهم له، كما أعز موسى ﵇ من خرج من بلادهم خائفاً يترقب، ترغيباً في الهجرة ثالثاً بعد ما رغب فيها أولاً بقصة أصحاب الكهف وثانياً بقصة أبيه إبراهيم ﵇، وأنه يعلي قومه على جميع أهل الأرض، وينقذهم به بعد ضعفهم من كل شدة ويغني فقرهم ويجعلهم ملوك الأرض، يذل بهم الجبابرة، ويهلك من علم شقاوته منهم كما فعل بقوم موسى، وأشار بإنجاء موسى ﵇ على
стр. 5929
يد عدوه وإلقائه المحبة عليه وهداية السحرة دون فرعون وقومه، وعبادة بني إسرائيل العجل بعد ما رأوا من الآيات والنعم والنقم، ثم رجوعهم عنها إلى عظيم قدرته على التصرف في القلوب لمن كان يبخع نفسه لكفرهم بهذا الحديث أسفاً، وكذا ما في قصة آدم ﵇ من قوله ﴿فنسي ولم نجد له عزماً﴾ [طه: ١١٥] وقوله ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ [طه: ١٢٢] ولعله أشار بقوله ﴿واحلل عقدة من لساني﴾ [طه: ٢٧] إلى ما أنعم الله به عليه من تيسير هذا الذكر بلسانه، وأرشد بدعاء موسى ﵇ بشرح الصدر وتيسير الأمر وطلب وزيراً من أهله إلى الدعاء بمثل ذلك حتى دعا المنزل عليه هذا القرآن بأن يؤيد الله الدين بأحد الرجلين، فأيده بأعظم وزير: عمر بن الخطاب ﵁ كما مضى هذا إلى تمام ما اشتمل عليه سياق قصة موسى ﵇ هنا، إتماماً لتبكيت اليهود على تعليمهم قريشاً أن يسألوا النبي ﷺ عن الروح، وما ذكر معها من دقائق، من أمر قصة نبيهم ﷺ ، لا يعلمها أحد منهم أو إلا حذّاقهم، منها أن الموعد كان يوم الزينة، ومنها إيمان السحرة إيماناً كاملاً، ومنها التهديد بتصليبهم في جذوع النخل، ومنها إلقاء السامري لأثر الرسول، فإني لم أر أحداً من اليهود يعرف ذلك، وأخبرني بعض فضلائهم أنه لا ذكر لذلك عندهم.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما ذكر سبحانه قصة إبراهيم ﵇ وما منحه وأعطاه، وقصص الأنبياء بعده بما خصهم به،
стр. 5930
وأعقب ذلك بقوله تعالى ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم﴾ [مريم: ٥٨] وكان ظاهر الكلام تخصيص هؤلاء بهذه المناصب العلية، والدرجات المنفية الجليلة لا سيما وقد اتبع ذلك بقوله ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً﴾ [مريم: ٥٩] كان هذا مظنة إشفاق وخوف فاتبعه تعالى بملاطفة نبيه محمد ﷺ ملاطفة المحبوب المقرب المجتبى فقال ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ وأيضاً فقد ختمت سورة مريم يقوله ﴿وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً﴾ بعد قوله ﴿وتنذر به قوماً لداً﴾ وقد رأى ﵊ من تأخر قريش عن الإسلام ولددها ما أوجب إشفاقه وخوفه عليهم. ولا شك أنه ﵊ يحزنه تأخير إيمانهم، ولذلك قيل له ﴿فلا تحزن عليهم﴾ فكأنه ﵊ ظن أنه يستصعب المقصود من استجابتهم، أو ينقطع الرجاء من إنابتهم فيطول العناء والمشقة، فبشره بقوله: ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ فلا عليك من لدد هؤلاء وتوقفهم، فيستجيب من انطوى على الخشية إذا ذكر وحرك إلى النظر في آيات الله كما قيل له في موضع آخر ﴿فلا يحزنك قولهم﴾ [يونس: ٦٥] ثم تبع ذلك سبحانه تعريفاً وتأنيساً بقوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ إلى أول قصص موسى ﵇، فأعلم سبحانه أن الكل خلقه ملكه، وتحت قهره وقبضته لا يشذ شيء عن ملكه.
стр. 5931
فإذا شاهد آية من وفقه لم يصعب أمره، ثم اتبع ذلك بقصة موسى ﵇، وما كان منه في إلقائه صغيراً في اليم، وما جرى بعد ذلك من عجيب الصنع وهلاك فرعون وظهور بني إسرائيل، وكل هذا مما يؤكد القصد المتقدم، وهذا الوجه الثاني أولى من الأول - والله أعلم، انتهى. ﴿إذ﴾ أي حديثه حين ﴿رأى ناراً﴾ وهو راجع من بلاد مدين ﴿فقال لأهله امكثوا﴾ أي مكانكم واتركوا ما أنتم عليه من السير؛ ثم علل أمره بقوله: ﴿إني ءانست﴾ أي أبصرت في هذا الظلام إبصاراً بيناً لا شبهة فيه من إنسان العين الذي تبين به الأشياء، وهو مع ذلك مما يسر من الإنس الذين هم ظاهرون ما ترك بهم ﴿ناراً﴾ فكأنه قيل، فكان ماذا؟ فقال معبراً بأداة الترجي لتخصيصه الخبر الذي عبر به في النمل بالهدى: ﴿لعلي ءاتيكم﴾ أي أترجى أن أجيئكم ﴿منها بقبس﴾ أي بشعلة من النار في رأس حطبة فيها جمرة تعين على برد هذه الليلة ﴿أو أجد على﴾ مكان ﴿النار هدى*﴾ أي ما أهتدي به لأن الطريق كانت قد خفيت عليهم ﴿فلما أتاها﴾ .
ولما كان في الإبهام ثم تعيين تشويق ثم تعظيم، بنى للمفعول قوله: ﴿نودي﴾ من الهدى الذي لا هدى غيره؛ ثم بين النداء بقوله:
стр. 5932
﴿يا موسى*﴾ ولما كان المقام للتعريف بالأيادي تلطفاً، قال مؤكداً، تنبيهاً له على تعرف أنه كلامه سبحانه من جهة أنه يسمعه من غير جهة معينة وعلى غير الهيئة التي عهدها في مكالمة المخلوقين، مسقطاً الجار في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي حفص بالفتح، وحاكياً بقول مقدر عند الباقين: ﴿إني أنا ربك﴾ أي المحسن إليك بالخلق والرزق وغيرهما من مصالح الدارين ﴿فاخلع نعليك﴾ كما يفعل بحضرات الملوك أدباً، ولتنالك بركتها ولتكون مهيأً للإقامة غير ملتفت إلى ما وراءك من الأهل والولد، ولهذا قال أهل العبارة: النعل يدل على الولد.
ثم علل بما يرشد إلى أنه تعالى لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان فقال: ﴿إنك بالواد المقدس﴾ أي المطهر عن كل ما لا يليق بأفنية الملوك؛ ثم فسره بقوله: ﴿طوى*﴾ ولما كان المعنى: فإني اخترته تشريفاً له من بين البقاع لمناجاتك، عطف عليه قوله: ﴿وأنا اخترتك﴾ أي للنبوة ﴿فاستمع﴾ أي أنصت ملقياً سمعك معملاً قلبك للسماع ﴿لما﴾ أي اخترتك للذي، وقدم استمع اهتماماً به ﴿يوحى*﴾ أي يقال لك مني سراً مستوراً عن غيرك سماعه وإن كان في غاية الجهر، كما يفعل الحبيب مع حبيبه من صيانة حديثهما عن ثالث
стр. 5933
بما يجعل له من الخلوة إعلاماً بعلو قدره وفخامة أمره؛ ثم فسر الموحى بأول الواجبات وهو معرفة الله تعالى؛ فقال مؤكداً لعظم الخبر وخروجه عن العادات: ﴿إنني أنا الله﴾ فذكر الاسم العلم لأن هذا مقامه إذ الأنسب للملطوف به - بعد التعرف إليه بالإكرام - الإقامة في مقام الجلال والجمال.
ولما كان هذا الاسم العلم جامعاً لجميع معاني الأسماء الحسنى التي علت عن أن يتصف بها أو بشيء منها حق الاتصاف غيره تعالى، حسن تعقيبه بقوله: ﴿لا إله إلا أنا﴾ ولما تسبب عن ذلك وجوب إفراده بالعبادة، قال: ﴿فاعبدني﴾ أي وحدي: ثم خص من بين العبادات معدن الأنس والخلوة، وآية الخضوع والمراقبة وروح الدين فقال: ﴿وأقم الصلاة﴾ أي التي أضاعها خلوف السوء، إشارة إلى أنها المقصود بالذات من الدين، لأنها أعلى شرائعه لأنها حاملة على المراقبة، بما فيها من دوام الذكر والإعراض عن كل سوء، وذلك معنى ﴿لذكري*﴾ وذلك أنسب الأشياء لمقام الجلال، بل هي الجامعة لمظهري الجمال والجلال؛ ثم علل الأمر بالعبادة بأنه لم يخلق الخلق سدى، بل لا بد من إماتتهم، ثم بعثهم لإظهار العظمة ونصب موازين العدل، فقال مؤكداً لإنكارهم معبراً بما يدل على سهولة ذلك عليه جداً: ﴿إن الساعة ءاتية﴾ أي لاريب في إتيانها، فهي أعظم باعث على الطاعة.
стр. 5934
ولما كان بيان حقيقة الشيء مع إخفاء شخصه ووقته وجميع أحواله موجباً في الغالب لنسيانه والإعراض عنه، فكان غير بعيد من إخفائه أصلاً ورأساً، قال مشيراً إلى هذا المعنى: ﴿أكاد أخفيها﴾ أي أقرب من أن أجدد إخفاءها، فلذا يكذب بها الكافر بلسانه والعاصي بعصيانه فالكافر لا يصدق بكونها والمؤمن لا يستعد غفلة عنها، فراقبني فإن الأمر يكون بغتة، ما من لحظة إلا وهي صالحة للترقب؛ ثم بين سبب الإتيان بها بقوله: ﴿لتجزى﴾ أي بأيسر أمر وأنفذه ﴿كل نفس﴾ كائنة من كانت ﴿بما تسعى*﴾ أي توجد من السعي في كل وقت كما يفعل من أمر ناساً بعمل من النظر في أعمالهم ومجازاة كل بما يستحق.
стр. 5935
ولما كانت - لما تقدم - في حكم المنسي عند أغلب الناس قال: ﴿فلا يصدنك عنها﴾ أي إدامة ذكرها ليثمر التشمير في الاستعداد لها ﴿من لا يؤمن بها﴾ بإعراضه عنها وحمله غيره على ذلك بتزيينه بما أوتي من المتاع الموجب للمكاثرة المثمرة لامتلاء القلب بالمباهاة والمفاخرة، فإن من انصد عن ذلك غير بعيد الحال ممن كذب بها،
стр. 5936
والمقصود من العبارة نهي موسى ﵇ عن التكذيب، فعبر عنه بنهي من لا يؤمن عن الصد إجلالاً لموسى ﵇، ولأن صد الكافر عن التصديق سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب، ولأن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته فذكر المسبب ليدل على السبب، فكأنه قيل: كن شديد الشكيمة صليب المعجم، لئلا يطمع أحد في صدك وإن كان الصاد هم الجم الغفير، فإن كثرتهم تصل إلى الهوى لا إلى البرهان، وفي هذا حث عظيم على العمل بالدليل، وزجر بليغ عن التقليد، وإنذار بأن الهلاك والردى مع التقليد وأهله نبه عليه الكشاف. ثم بين العلة في التكذيب بها والكسل عن التشمير لها بقوله: ﴿واتبع﴾ أي بغاية جهده ﴿هواه﴾ فكان حاله حال البهائم التي لا عقل لها، تنفيراً عن مثل حاله؛ ثم أعظم التحذير بقوله مسبباً: ﴿فتردى*﴾ أي فتهلك، إشارة إلى أن من ترك المراقبة لحظة حاد عن الدليل، ومن حاد عن الدليل هلك.
ولما كان المقام مرشداً إلى أن يقال: ما جوابك يا موسى عما سمعت؟ وكان تعالى عالماً بأنه يبادر إلى الجواب بالطاعة في كل ما تقدم، طوى هذا المقال مومئاً إليه بأن عطف عليه قوله: ﴿وما تلك﴾ أي العالية المقدار
стр. 5937
﴿بيمينك يا موسى*﴾ مريداً - بعد تأنيسه بسؤاله عما هو أعلم به منه - إقامة البينة لديه بما يكون دليلاً على الساعة من سرعة القدرة على إيجاد ما لم يكن، بقلب العصا حية بعد تحقق أنها عصاه يقرب النظر إليها عند السؤال عنها ليزداد بذلك ثباتاً ويثبت من يرسل إليهم ﴿قال هي﴾ أي ظاهراً وباطناً ﴿عصاي﴾ ثم وصل به مستأنساً بلذيذ المخاطبة قوله بياناً لمنافعها خوفاً من الأمر بإلقائها كالنعل: ﴿أتوكأ﴾ أي أعتمد وأرتفق وأتمكن ﴿عليها﴾ أي إذا أعييت أو أعرض لي ما يحوجني إلى ذلك من زلق أو هبوط أو صعود أو طفرة أو ظلام ونحو ذلك؛ ثم ثنى بعد مصلحة نفسه بأمر رعيته فقال: ﴿وأهشُّ﴾ أي أخبط الورق، قال ابن كثير: قال عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك: والهش أن يضع الرجب المحجن في الغصن ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره ولا يكسر العود ولا يخبط فهذا الهش، قال: وكذا قال ميمون بن مهران، وقال أبو حيان: والأصل في هذه المادة الرخاوة.
يقال: رجل هش. ﴿بها على غنمي﴾ .
ولما كان أكمل أهل ذلك الزمان، خاف التطويل على الملك فقطع على نفسه ما هو فيه من لذة المخاطبة كما قيل: اجلس على
стр. 5938
البساط وإياك والانبساط، وطمعاً في سماع كلامه ، فقال مجملاً: ﴿ولي فيها مآرب﴾ أي حوائج ومنافع يفهمها الألبّاء. ولما كان المحدث عنه لايعقل، وأخبر عنه بحمع كثرة، كان الأنسب معاملته معاملة الواحدة المؤنثة فقال: ﴿أخرى*﴾ تاركاً للتفصيل، فكأنه قيل: فماذا قيل له؟ فقيل: ﴿قال ألقها﴾ أي العصا، وأنسه بقوله : ﴿يا موسى * فألقاها﴾ أي فتسبب عن هذا الأمر المطاع أنه ألقاها ولم يتلعثم ﴿فإذا هي﴾ أي في الحال ظاهراً وباطناً ﴿حية﴾ عظيمة جداً يطلق عليها لعظمعا بنهاية أمرها اسم الثعبان، والحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير ﴿تسعى*﴾ سعياً خفيفاً يطلق عليها لأجله في أول أمرها اسم الجان، فعن ابن عباس ﵄ أنها صارت حية صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورم حتى صارت ثعباناً - انتهى. فهي في عظم الثعبان وسرعة الجان.
ولما كان ذلك أمراً مخيفاً، استشرف السامع إلى ما يكون من حاله عند مثل هذا بعد ذلك، فاستأنف إخباره بقوله: ﴿قال﴾ أي الله ﵎ على ما يكون منها عند فرعون لأجل التدريب:
стр. 5939
﴿خذها ولا تخف﴾ مشيراً إلى أنه خاف منها على عادة الطبع البشريّ؛ ثم علل له النهي عن الخوف بقوله ﴿سنعيدها﴾ أي بعظمتنا عند أخذك لها بوعد لا خلف فيه ﴿سيرتها﴾ أي طريقتها ﴿الأولى*﴾ من كونها عصا، فهذه آية بينة على أن الذي يخاطبك هو ربك الذي له الأسماء الحسنى، فنزلت عليه السكينة، وبلغ من طمأنينته أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحيتها، فإذا هي عصاه، ويده بين شعبتيها.
ولما أراه آية في بعض الآفاق، أراد أن يريه آية في نفسه فقال: ﴿واضمم يدك﴾ من جيبك الذي يخرج منه عنقك ﴿إلى جناحك﴾ أي جنبك تحت العضد تنضم على ما هي عليه من لونها وما بها من الحريق، وأخرجها ﴿تخرج﴾ فالآية من باب الاحتباك، والجناح: اليد، والعضد، والأبط، والجانب - قاله في القاموس، فلا يعارض هذا ما في القصص لأنه أطلق الجناح هناك على اليد وهي أحق به، وهنا على الجنب الذي هو موضعها تسمية للمحل باسم الحال ﴿بيضاء﴾ بياضاً كالشمس تتعجب منه.
ولما كان البرص أبغض شيء إلى العرب، نافياً له ولغيره، ولم يسمه باسمه لأن أسماعهم له مجاجة، ولأن نفي الأعم من الشيء
стр. 5940
أبلغ من نفيه بخصوصه: ﴿من غير سوء﴾ أي مرض لا برص ولا غيره، حال كونها ﴿آية أخرى*﴾ افعل ما أمرتك به من إلقاء العصا وضم اليد، أو فعلنا ذلك من إحالة العصا ولون اليد من مناداتك لمناجاتك ﴿لنريك﴾ في جميع أيام نبوتك ﴿من آياتنا الكبرى*﴾ ليثبت بذلك حنانك، ويزداد إتقانك، فكأنه قيل: لماذا يفعل بي هذا؟ فقيل: لنرسلك إلى بعض المهمات ﴿اذهب إلى فرعون﴾ أي لترده عن عتوه: ثم علل الإرسال إلية بقوله، مؤكداً لأن طغيان أحد بالنسبة إلى شيء مما للملك الأعلى مما يستبعد: ﴿إنه طغى*﴾ أي تجاوز حده من العبودية فادعى الربوبية، وأشار إلى ما حصل له من الضيق من ذلك بما عرف من أنه أمر عظيم، وخطب جسيم، يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله إلا ذو جأش رابط وصدر فسيح قلب ضابط كما صرح به في سورة الشعراء - بقوله ﴿قال رب اشرح﴾ أي وسع ﴿لي﴾ ولما أبهم المشروح ليكون الكلام أوكد بتكرير المعنى في طريقي الإجمال والتفصيل، قال رافعاً لذلك الإبهام: ﴿صدري*﴾ للإقدام على ذلك، وإلى استصعابه بقوله: ﴿ويسر لي﴾ ثم بين ذلك الإبهام بقوله: ﴿أمري*﴾ وإلى استعجازه نفسه عن الإبانة لهم عن المراد بقوله:
стр. 5941
﴿واحلل﴾ ولما كان المعنى هنا ما لا يحتمل غيره إذ إنه لم يسأل بقاءه في غير حال الدعوة، عدل عن طريق الكلام الماضي فقال: ﴿عقدة من لساني*﴾ أي مما فيه من الحبسة عن الإتيان بجميع المقاصد من الجمرة التي وضعها في فيه وهو عند فرعون، كما نقل عن ابن عباس ﵄، ولما كان سؤاله هذا إنما هو الله، ولذلك اقتصر على قدر الحاجة فلم يطلب زوال الحبسة كلها، أجابه بقوله: ﴿يفقهوا قولي*﴾ وإلى اعتقاد صعوبة المقام مع ذلك كله بطلب التأييد بنصير يهمه أمره بقوله: ﴿واجعل لي﴾ أي مما تخصني به؛ وبين اهتمامه بالإعانة كما يقتضيه الحال فقدم قوله: ﴿وزيراً﴾ أي ملجأ يحمل عني بعض الثقل ويعاونني ﴿من أهلي*﴾ لأني به أوثق لكونه عليّ أشفق، ثم أبدل منه قوله: ﴿هارون﴾ وبينه بقوله: ﴿أخي*﴾ أي لأنه أجدر أهلي بتمام مناصرتي؛ وأجاب الدعاء في قراءة ابن عامر فقال: ﴿اشدد﴾ بقطع الهمزة مفتوحة ﴿به أزري*﴾ أي قوتي وظهري ﴿وأشركه﴾ بضم الهمزة مسنداً الفعلين إلى ضميره على أنهما مضارعان،
стр. 5942
وقراءة الباقين بوصل الأول وفتح همزة الثاني على أنهما أمران، مسندين إلى الله تعالى على الدعاء ﴿في أمري*﴾ أي النبوة.
стр. 5943
ولما أفهم سؤاله هذا أن له فيه أغراضاً، أشار إلى أنها ليست مقصودة له لأمر يعود على نفسه بذكر العلة الحقيقية، فقال: ﴿كي نسبحك﴾ أي بالقول والفعل بالصلاة وغيرها ﴿كثيراً*﴾ فأفصح عن أن المراد بالمعاضدة إنما هو لتمهيد الطريق إليه سبحانه.
ولما كان التسبيح ذكراً خاصاً لكونه بالتنزيه الذي أعلاه التوحيد، أتبعه العام فقال: ﴿ونذكرك﴾ أي بالتسبيح والتحميد ﴿كثيراً﴾ فإن التعاون والتظاهر أعون على تزايد العبادة أنه مهيج للرغبات؛ ثم علل طلبه لأخيه لأجل هذا الغرض بقوله: ﴿إنك كنت بنا بصيراً*﴾ قبل الإقامة في هذا الأمر في أنك جبلتنا على ما يلائم ذكرك وشكرك، وأن التعاضد مما يصلحنا، وكل ذلك تدريب لمن أنزل عليه الذكر على مثله وتذكير بنعمة تيسيره بلسانه ليزداد ذكراً وشكراً.
ولما تم ذلك، كان موضع توقع الجواب، فأتبعه قوله: ﴿قال﴾ أي الله: ﴿قد أوتيت﴾ بأسهل أمر ﴿سؤلك﴾ أي ما سألته ﴿يا موسى﴾ من حل عقدة لسانك وغير ذلك ولو شئت لم أفعل ذلك ولكني فعلته منة مني عليك.
ولما كان إنجاؤه من فرعون يث ولد في السنة التي يذبح
стр. 5944
فيها الأبناء - قالوا: وهي الرابعة من ولادة هارون ﵇ بيد فرعون وفي بيته أمراً عظيماً، التفت إلى مقام العظمة مذكراً له بذلك تنويراً لبصيرته وتقوية لقلبه، إعلاماً بأنه ينجيه منه الآن، كما أنجاه في ذلك الزمان، ويزيده بزيادة السن والنبوة خيراً، فيجعل عزه في هلاكه كما جعل إذ ذاك عزه في وجوده فقال: ﴿ولقد مننا﴾ أي أنعمنا إنعاماً مقطوعاً به على ما يليق بعظمتنا ﴿عليك﴾ فضلاً منا ﴿مرة أخرى*﴾ غير هذه؛ ثم ذكر وقت المنة فقال: ﴿إذ﴾ أي حين ﴿أوحينا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿إلى أمك﴾ أي بالإلهام ﴿ما﴾ يستحق لعظمته أن ﴿يوحى*﴾ به، ولا يعلمه إلا نبي أو من هو قريب من درجة النبوة؛ ثم فسره بقوله: ﴿أن اقذفيه﴾ أي ألقي ابنك ﴿في التابوت﴾ وهو الصندوق، فعلوت من التوب الذي معناه تفاؤلاً به، وقال الحرالي: هو وعاء ما يعز قدره، والقذف مجاز عن المسارعة إلى وضعه من غير تمهل لشيء أصلاً، إشارة إلى أنه فعل مضمون السلامة كيف ما كان، والتعريف لأنه نوع من الصناديق أشد الناس معرفة به بنو إسرائيل ﴿فاقذفيه﴾ أي
стр. 5945
موسى ﵇ عقب ذلك بتابوته، أو التابوت الذي فيه موسى ﵇ ﴿في اليم﴾ أي البحر وهو النيل.
ولما كانت سلامته في البحر من العجائب، لتعرضه للغرق بقلب الريح للتابوت، أو بكسره في بعض الجدر أو غيرها، أو بجريه مستقيماً مع أقوى جرية من الماء إلى البحر الملح وغير ذلك من الآفات، أشار إلى تحتم تنجيته بلام الأمر عبارة عن معنى الخبر في قوله، جاعلاً البحر كأنه ذو تمييز ليطيع الأمر: ﴿فليلقه﴾ أي التابوت الذي فيه موسى ﵇ أو موسى بتابوته ﴿اليم بالساحل﴾ أي شاطىء النيل، سمي بذلك لأن الماء يسحله، أي ينشره إلى جانب البيت الذي الفعل كله هرباً من شر صاحبه، وهو فرعون، وهو المراد بقوله: ﴿يأخذه﴾ جواباً للأمر، أي موسى ﴿عدو لي﴾ ونبه على محل العجب بإعادة لفظ العدو في قوله: ﴿وعدو له﴾ فإنه ما عادى بني إسرائيل بالتذبيح إلا من أجله ﴿وألقيت عليك محبة﴾ أي عظيمة؛ ثم زاد الأمر في تعظيمها إيضاحاً بقوله: ﴿مني﴾ أي ليحبك كل من رآك لما جبلتك عليه من الخلال الحميدة، والشيم السديدة، لتكون أهلاً لما أريدك له ﴿ولتصنع﴾ أي تربى بأيسر أمر تربية بمن هو ملازم لك لا ينفك عن الاعتناء بمصالحك عناية شديدة ﴿على عيني*﴾ أي مستعلياً على حافظيك غير مستخفى
стр. 5946
في تربيتك من أحد ولا مخوف عليك منه، وأنا حافظ لك حفظ من يلاحظ الشيء بعينه لا يغيب عنها، فكان كل ما أردته، فلما رآك هذا العدو أحبك وطلب لك المراضع، فلما لم تقبل واحدة منهن بالغ في الطلب، كل ذلك إمضاء لأمري وإيقافاً لأمره به نفسه لا بغيره ليزداد العجب من إحكام السبب، ثم ذكر ظرف الصنع فقال: ﴿إذ﴾ أي حين ﴿تمشي أختك﴾ أي في الموضع الذي وضعوك به لينظروا لك مرضعة ﴿فتقول﴾ بعد إذ رأتك، لآل فرعون: ﴿هل أدلكم على من يكفله﴾ أي يقوم بمصالحه من الرضاع والخدمة، ناصحاً له، فقالوا: نعم! فجاءت بأمك فقبلت ثديها ﴿فرجعناك﴾ أي فتسبب عن قولها هذا أن رجعناك ﴿إلى أمك﴾ حين دلتهم عليها ﴿كي تقر﴾ أي تبرد وتسكن ﴿عينها﴾ وتربيك آمنة عليك غير خائفة، ظاهرة غير مستخفية ﴿ولا تحزن﴾ بفراقك أو بعدم تربيتها لك وبذلها الجهد في نفعك ﴿وقتلت نفساً﴾ أي بعد أن صرت رجلاً من القبط دفعاً عن رجل من قومك فطلبت بها وأرادوا قتلك ﴿فنجيناك﴾ بما لنا من العظمة ﴿من الغم﴾ الذي كان قد نالك بقتله خوفاً من جريرته، بأن أخرجناك مهاجراً لديارهم نحو مدين ﴿وفتناك فتوناً﴾ أي خلصناك من محنة بعد محنة مرة بعد مرة،
стр. 5947
على أنه جمع فتن أو فتنة، على ترك الاعتداد بالتاء، ويجوز أن يكون مصدراً كالشكور، إذن الفتون ولادته عام الذبح وإبقاؤه في البحر ثم منعه الرضاع من غير ثدي أمه ثم جره لحية فرعون، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم قتله القبطي، ثم خروجه إلى مدين في الطريق الهيع خائفاً يترقب، ثم إيجار نفسه عشر سنين، ثم إضلاله الطريق، ثم تفرق غنمه في ليلة مظلمة ﴿فلبثت سنين﴾ أي كثيرة ﴿في أهل مدين﴾ مقيماً عند نبينا شعيب ﵇ يربيك بآدابه، وصاهرته على ابنته ﴿ثم جئت﴾ أي الآن ﴿على قدر﴾ أي وقت قدّرته في الأزل لتكليمي لك، وهو بلوغ الأشد والاستواء، وإرسالك إلى فرعون لأمضي فيه قدري الذي ذبح أبناء بني اسرائيل خوفاً منه، فجئت غير مستقدم ولا مستأخر ﴿يا موسى * واصطنعتك﴾ أي ربيتك بصنائع المعروف تربية من يتكلف تكوين المربى على طريقة من الطرائق ﴿لنفسي *﴾ أي لتفعل من مرضاتي في تمهيد شرائعي وإنفاذ أوامري ما يفعله من يصنع للنفس من غير مشارك، فهو تمثيل لما حوله من منزلة التقريب والتكريم.
فلما تمهد ذلك كله بعد علم نتيجته، أعادها في قوله: ﴿اذهب أنت﴾ كما تقدم أمري لك به ﴿وأخوك﴾ كما سألت ﴿بآياتي﴾ التي أريتك
стр. 5948
وغيرها مما أظهره على يديك ﴿ولا تنيا﴾ أي تفترا وتضعفا ﴿في ذكري*﴾ الذي تقدم أنك جعلته غاية دعائك، بل لتكن - مع كونه ظرفاً محيطاً بجميع أمرك - في غاية الاجتهاد فيه وإحضار القلب له، وليكن أكثر ما يكون عند لقاء فرعون أن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه، فإن ذلك أعون شيء على المراد، ثم بين المذهوب إليه بقوله، مؤكداً لنفس الذهاب لأنه لشدة الخطر لا يكاد طبع البشر يتحقق جزم الأمر به فقال: ﴿اذهبا إلى فرعون﴾ ثم علل الإرسال إليه بقوله، مؤكداً لما مضى، ولزيادة التعجيب من قلة عقله، فكيف بمن تبعه ﴿إنه طغى*﴾ ثم أمرهما بما ينبغي لكل آمر بالمعروف من الأخذ بالأحسن فالأحسن والأسهل فالأسهل، فقال مسبباً عن الانتهاء إليه ومعقباً: ﴿فقولا له قولاً ليناً﴾ لئلا يبقى له حجة، ولا يقبل له معذرة ﴿لعله يتذكر﴾ ما مر له من تطوير الله له في أطوار مختلفة، وحمله فيما يكره على ما لم يقدر على الخلاص منه بحيلة، فيعلم بذلك أن الله ربه، وأنه قادر على ما يريد منه، فيرجع عن غيّه فيؤمن ﴿أو يخشى*﴾ أي أو يصل إلى حال من يخاف عاقبة قولكما لتوهم الصدق
стр. 5949
فيكون قولكما تذكرة له فيرسل معكما بني إسرائيل، ومعنى الترجي أن يكون حاله حال من يرجى منه ذلك، لأنها من ثمرة اللين في الدعاء، جرى الكلام في هذا وأمثاله على ما يتعارفه العباد في محاوراتهم، وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما يعنون، فالمراد: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم، وليس لهما أكثر من ذا ما لم يعلما، وأما علمه تعالى فقد أتى من وراء ما يكون - قاله سيبويه في باب من النكرة يجري مجرى ما فيه الألف واللام من المصادر والأسماء.
стр. 5950
ولما كان فرعون في غاية الجبروت، وكان حاله حال من يهلكهما إلا أن يمنعهما الله، وأراد علم ما يكون من ذلك ﴿قالا ربنا﴾ أي أيها المحسن إلينا. ولما كان مضمون إخبارهما بالخوف مع كونهما من جهة الله - من شأنه أن لا يكون وأن ينكر، أكد فقالا مبالغين فيه بإظهار النون الثالثة إبلاغاً في إظهار الشكوى ليأتي الجبر على قدر ما يظهر من الكسر: ﴿إننا نخاف﴾ لما هو فيه من المكنة ﴿أن يفرط﴾ أي يجعل ﴿علينا﴾ بالعقوبة قبل إتمام البلاغ عجلة من يطفر ويثب إلى الشيء ﴿أو أن يطغى*﴾ فيتجاوز إلى أعظم مما هو فيه من الاستكبار ﴿قال لا تخافا﴾ ثم علل ذلك بما هو مناط النصرة والحيطة للولي والإهلاك للعدو، فقال مؤكداً إشارة إلى عظم الخبر،
стр. 5951
وتنبيهاً لمضمونه لأنه خارج عن العوائد، وأثبت النون الثالثة على وزان تأكيدهما: ﴿إنني معكما﴾ لا أغيب كما تغيب الملوك إذا أرسلوا رسلهم ﴿أسمع وأرى*﴾ أي لي هاتان الصفتان، لا يخفى عليَّ شيء من حال رسولي ولا حال عدوه، وأنتما تعلمان من قدرتي ما لا يعلمه غيركما.
ولما تمهد ذلك، تسبب عنه تعليمهما ما يقولان، فقال مؤكداً للذهاب أيضاً لما مضى: ﴿فأتياه فقولا﴾ أي له؛ ولما كان فرعون ينكر ما تضمنه قولهما، أكد سبحانه فقال: ﴿إنا﴾ ولما كان التنبيه على معنى المؤازرة هنا - كما تقدم مطلوباً، ثنى فقال: ﴿رسولا ربك﴾ الذي رباك فأحسن تربيتك بعد أن أوجدك من العدم، إشارة إلى تحقيره بأنه من جملة عبيد مرسلهما تكذيباً له في ادعائه الربوبية، ثم سبب عن إرسالكما إليه قولكما: ﴿فأرسل معنا﴾ عبيده ﴿بني إسرائيل﴾ ليعبدوه، فإنه لا يستحق العبادة غيره ﴿ولا تعذبهم﴾ بما تعذبهم به من الاستخدام والتذبيح؛ ثم علل دعوى الرسالة بما يثبتها، فقال مفتتحاً بالحرف التوقع لأن حال السامع لادعاء الرسالة أن يتوقع دلالة على الإرسال: ﴿قد جئناك بآية﴾ أي علامة عظيمة وحجة وبرهان
стр. 5952
﴿من ربك﴾ الذي لا إحسان عليك إلا منه، موجبة لقبول ما ادعيناه من العصا واليد وغيرهما، فأسلم تسلم، وفي تكرير مخاطبته بذلك تأكيد لتبكيته في ادعاء الربوبية، ونسبته إلى كفران الإحسان، فسلام عليك خاصة إن قبلت هدى الله ﴿والسلام﴾ أي جنسه ﴿على﴾ جميع ﴿من اتبع﴾ بغاية جهده ﴿الهدى*﴾ عامة، وإذا كان هذا الجنس عليهم كان من المعلوم أن العطب على غيرهم، فالمعنى: وإن أبيت عذبت ﴿إنا﴾ أي لأنا ﴿قد أوحي إلينا﴾ من ربنا ﴿أن العذاب﴾ أي كله، لأن اللام للاستغراق أو الماهية، وعلى التقديرين يقتضي قدر ثبوت هذا الجنس ودوامه لما تفهمه الاسمية ﴿على﴾ كل ﴿من كذب وتولى*﴾ أي أوقع التكذيب والإعراض، وذلك يقتضي أنه إن كان منه شيء على مصدق منقضياً، وإذا انقضى كان كأن لم يوجد، وفي صرف الكلام عنه تنبيه على أنه ضال مكذب وتعليم للأدب.
ولما كان التقدير: فأتياه فقولا: إنا رسولا ربك - إلى آخر ما أمر به، وتضمن قولهما أن لمرسلهما القدرة التامة والعلم الشامل، فتسبب عنه سؤاله عن تعيينه، أستأنف الإخبار عن جوابه بقوله: ﴿قال﴾ أي فرعون مدافعاً لهما بالمناظرة لا بالبطش، لئلا ينسب إلى
стр. 5953
السفه والجهل: ﴿فمن﴾ أي تسبب عن كلامكما هذا الذي لا يجترىء على مواجهتي به أحد من أهل الأرض أن أسألكما: من ﴿ربكما﴾ الذي أرسلكما، ولم يقل: ربي، حيدة عن سواء النظر وصرفاً للكلام على الوجه الموضح لخزيه.
ولما كان موسى ﵇ هو الأصل في ذلك، وكان ربما طمع فرعون بمكره وسوء طريقه في حبسه تحصل في لسانه، أفرده بقوله: ﴿يا موسى * قال﴾ له موسى على الفور: ﴿ربنا﴾ أي موجدنا ومربينا ومولانا ﴿الذي أعطى كل شيء﴾ مما تراه في الوجود ﴿خلقه﴾ أي ما هو عليه مما هو به أليق في المنافع المنوطة به، والآثار التي تتأثر عنه من الصورة والشكل والمقدار واللون والطبع وغير ذلك مما يفوت الحصر، ويجل عن الوصف.
ولما كان في إفاضة الروح من الجلالة والعظم ما يضمحل عنده غيره من المفاوتة، أشار إلى ذلك بحرف التراخي فقال: ﴿ثم هدى *﴾ أي كل حيوان منه مع أن فيها العاقل وغيره إلى جميع منافعه فيسعى لها، ومضاره فيحذرها، فثبت بهذه المفاوتة والمفاصلة مع اتحاد نسبة الكل إلى الفاعل أنه واحد مختار، وأن ذلك لو كان بالطبيعة المستندة إلى النجوم أو غيرها كما كان يعتقده فرعون وغيره لم يكن هذا التفاوت.
стр. 5954
ولما لم يكن لأحد بالطعن في هذا الجواب قبل لأنه لا زلل فيه ولا خلل مع رشاقته واختصاره وسبقه بالجمع إلى غاية مضماره - صرف الكلام بسرعة خوف من الاتضاح، بزيادة موسى ﵇ في الإيضاح، فيظهر الفساد من الصلاح، إلى شيء يتسع فيه المجال، ولا يقوم عليه دليل، فيمكن فيه الرد، فأخبر عنه سبحانه على طريق الاستئناف بقوله: ﴿قال فما﴾ أي تسبب عما تضمن هذا من نسبة ربك إلى العلم بكل موجود أني أقول لك: فما ﴿بال﴾ أي خبر ﴿القرون الأولى*﴾ الذي هو في العظمة بحيث إنه ما خالط أحداً إلى أحاله وأماله، وهو وأن كان حيدة، هو من أمارات الانقطاع، غير أنه فعل راسخ القدم في المكر والخداع.
ولما فهم عنه موسى ﵇ ما أراد أن ترتب على الخوض في ذلك مما لا طائل تحته من الرد والمطاولة، ولم تكن التوراة نزلت عليه إذ ذاك، وإنما نزلت بعد هلاك فرعون لم يمش معه في ذلك ﴿قال﴾ قاطعاً له عنه: ﴿علمها عند ربي﴾ أي المحسن إليّ بإرسالي وتلقيني الحجاج.
ولما كانت عادة المخلوقين إثبات الأخبار في الكتب، وكان تعالى قد وكل بعباده من ملائكته من يضبط ذلك، قال مخاطباً له بما يعرفون من أحوالهم: ﴿في كتاب﴾ أي اللوح المحفوظ. ولما كان ربما وقع
стр. 5955
في وهم واهم أن الكتاب لا يكون إلاخوفاً من نسيان الشيء أو الجهل بالتوصل إليه مع ذكر عينه، نفى ذلك بقوله: ﴿لا يضل ربي﴾ أي الذي رباني كما علمت ونجاتي من جميع ما قصدتموه لي من الهلاك ولم يضل عن وجه من وجوهه، ولا نسي وجهاً يدخل منه شيء من خلل ﴿ولا ينسى*﴾ أي لا يقع منه نسيان لشيء أصلاً من أخباره ولا لغيرهم، وفي ذلك إشارة إلى تبكيت اليهود بأن ثبوت النبوة إن كان يتوقف على أن يخبر النبي عن كل ما يسأل عنه لزم أن يتوقفوا في نبوة نبيهم ﵇ لأنه لم يخبر فرعون عما سأله عنه من أمر القرون؛ ثم وصل بذلك ما كان فيه قبل من الدليل العقلي على وحدة الصانع واختياره فقال: ﴿الذي جعل لكم﴾ أيها الخلائق ﴿الأرض﴾ أي أكثرها ﴿مهداً﴾ تفترشونها، وجعل بعضها جبالاً لا يمكن القرار عليها، وبعضها رخواً تسرح فيه الأقدام وبعضها جلداً - إلى غير ذلك مما تشاهدون فيها من الاختلاف ﴿وسلك لكم فيها سبلاً﴾ أي سهّل طرقاً تسلكونها في أراضي سهلة وحزنة وسطها بين الجبال والأودية والرمال، وهيأ لكم فيها من المنافع من المياه والمراعي ما يسهل ذلك، وجعل فيها ما لا يمكن استطراقه أصلاً، من أن نسبة الكل إلى الطبيعة واحدة، فلولا أن الفاعل واحد مختار لم يكن هذا التفاوت وعلى هذا النظام البديع ﴿وأنزل من السماء ماء﴾ تشاهدونه واحداً في اللون والطعم.
ولما كان ما ينشأ عنه أدل على العظمة وأجلى للناظر وأظهر للعقول.
следующие страницы →