Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.
стр. 5951
وتنبيهاً لمضمونه لأنه خارج عن العوائد، وأثبت النون الثالثة على وزان تأكيدهما: ﴿إنني معكما﴾ لا أغيب كما تغيب الملوك إذا أرسلوا رسلهم ﴿أسمع وأرى*﴾ أي لي هاتان الصفتان، لا يخفى عليَّ شيء من حال رسولي ولا حال عدوه، وأنتما تعلمان من قدرتي ما لا يعلمه غيركما.
ولما تمهد ذلك، تسبب عنه تعليمهما ما يقولان، فقال مؤكداً للذهاب أيضاً لما مضى: ﴿فأتياه فقولا﴾ أي له؛ ولما كان فرعون ينكر ما تضمنه قولهما، أكد سبحانه فقال: ﴿إنا﴾ ولما كان التنبيه على معنى المؤازرة هنا - كما تقدم مطلوباً، ثنى فقال: ﴿رسولا ربك﴾ الذي رباك فأحسن تربيتك بعد أن أوجدك من العدم، إشارة إلى تحقيره بأنه من جملة عبيد مرسلهما تكذيباً له في ادعائه الربوبية، ثم سبب عن إرسالكما إليه قولكما: ﴿فأرسل معنا﴾ عبيده ﴿بني إسرائيل﴾ ليعبدوه، فإنه لا يستحق العبادة غيره ﴿ولا تعذبهم﴾ بما تعذبهم به من الاستخدام والتذبيح؛ ثم علل دعوى الرسالة بما يثبتها، فقال مفتتحاً بالحرف التوقع لأن حال السامع لادعاء الرسالة أن يتوقع دلالة على الإرسال: ﴿قد جئناك بآية﴾ أي علامة عظيمة وحجة وبرهان
стр. 5952
﴿من ربك﴾ الذي لا إحسان عليك إلا منه، موجبة لقبول ما ادعيناه من العصا واليد وغيرهما، فأسلم تسلم، وفي تكرير مخاطبته بذلك تأكيد لتبكيته في ادعاء الربوبية، ونسبته إلى كفران الإحسان، فسلام عليك خاصة إن قبلت هدى الله ﴿والسلام﴾ أي جنسه ﴿على﴾ جميع ﴿من اتبع﴾ بغاية جهده ﴿الهدى*﴾ عامة، وإذا كان هذا الجنس عليهم كان من المعلوم أن العطب على غيرهم، فالمعنى: وإن أبيت عذبت ﴿إنا﴾ أي لأنا ﴿قد أوحي إلينا﴾ من ربنا ﴿أن العذاب﴾ أي كله، لأن اللام للاستغراق أو الماهية، وعلى التقديرين يقتضي قدر ثبوت هذا الجنس ودوامه لما تفهمه الاسمية ﴿على﴾ كل ﴿من كذب وتولى*﴾ أي أوقع التكذيب والإعراض، وذلك يقتضي أنه إن كان منه شيء على مصدق منقضياً، وإذا انقضى كان كأن لم يوجد، وفي صرف الكلام عنه تنبيه على أنه ضال مكذب وتعليم للأدب.
ولما كان التقدير: فأتياه فقولا: إنا رسولا ربك - إلى آخر ما أمر به، وتضمن قولهما أن لمرسلهما القدرة التامة والعلم الشامل، فتسبب عنه سؤاله عن تعيينه، أستأنف الإخبار عن جوابه بقوله: ﴿قال﴾ أي فرعون مدافعاً لهما بالمناظرة لا بالبطش، لئلا ينسب إلى
стр. 5953
السفه والجهل: ﴿فمن﴾ أي تسبب عن كلامكما هذا الذي لا يجترىء على مواجهتي به أحد من أهل الأرض أن أسألكما: من ﴿ربكما﴾ الذي أرسلكما، ولم يقل: ربي، حيدة عن سواء النظر وصرفاً للكلام على الوجه الموضح لخزيه.
ولما كان موسى ﵇ هو الأصل في ذلك، وكان ربما طمع فرعون بمكره وسوء طريقه في حبسه تحصل في لسانه، أفرده بقوله: ﴿يا موسى * قال﴾ له موسى على الفور: ﴿ربنا﴾ أي موجدنا ومربينا ومولانا ﴿الذي أعطى كل شيء﴾ مما تراه في الوجود ﴿خلقه﴾ أي ما هو عليه مما هو به أليق في المنافع المنوطة به، والآثار التي تتأثر عنه من الصورة والشكل والمقدار واللون والطبع وغير ذلك مما يفوت الحصر، ويجل عن الوصف.
ولما كان في إفاضة الروح من الجلالة والعظم ما يضمحل عنده غيره من المفاوتة، أشار إلى ذلك بحرف التراخي فقال: ﴿ثم هدى *﴾ أي كل حيوان منه مع أن فيها العاقل وغيره إلى جميع منافعه فيسعى لها، ومضاره فيحذرها، فثبت بهذه المفاوتة والمفاصلة مع اتحاد نسبة الكل إلى الفاعل أنه واحد مختار، وأن ذلك لو كان بالطبيعة المستندة إلى النجوم أو غيرها كما كان يعتقده فرعون وغيره لم يكن هذا التفاوت.
стр. 5954
ولما لم يكن لأحد بالطعن في هذا الجواب قبل لأنه لا زلل فيه ولا خلل مع رشاقته واختصاره وسبقه بالجمع إلى غاية مضماره - صرف الكلام بسرعة خوف من الاتضاح، بزيادة موسى ﵇ في الإيضاح، فيظهر الفساد من الصلاح، إلى شيء يتسع فيه المجال، ولا يقوم عليه دليل، فيمكن فيه الرد، فأخبر عنه سبحانه على طريق الاستئناف بقوله: ﴿قال فما﴾ أي تسبب عما تضمن هذا من نسبة ربك إلى العلم بكل موجود أني أقول لك: فما ﴿بال﴾ أي خبر ﴿القرون الأولى*﴾ الذي هو في العظمة بحيث إنه ما خالط أحداً إلى أحاله وأماله، وهو وأن كان حيدة، هو من أمارات الانقطاع، غير أنه فعل راسخ القدم في المكر والخداع.
ولما فهم عنه موسى ﵇ ما أراد أن ترتب على الخوض في ذلك مما لا طائل تحته من الرد والمطاولة، ولم تكن التوراة نزلت عليه إذ ذاك، وإنما نزلت بعد هلاك فرعون لم يمش معه في ذلك ﴿قال﴾ قاطعاً له عنه: ﴿علمها عند ربي﴾ أي المحسن إليّ بإرسالي وتلقيني الحجاج.
ولما كانت عادة المخلوقين إثبات الأخبار في الكتب، وكان تعالى قد وكل بعباده من ملائكته من يضبط ذلك، قال مخاطباً له بما يعرفون من أحوالهم: ﴿في كتاب﴾ أي اللوح المحفوظ. ولما كان ربما وقع
стр. 5955
في وهم واهم أن الكتاب لا يكون إلاخوفاً من نسيان الشيء أو الجهل بالتوصل إليه مع ذكر عينه، نفى ذلك بقوله: ﴿لا يضل ربي﴾ أي الذي رباني كما علمت ونجاتي من جميع ما قصدتموه لي من الهلاك ولم يضل عن وجه من وجوهه، ولا نسي وجهاً يدخل منه شيء من خلل ﴿ولا ينسى*﴾ أي لا يقع منه نسيان لشيء أصلاً من أخباره ولا لغيرهم، وفي ذلك إشارة إلى تبكيت اليهود بأن ثبوت النبوة إن كان يتوقف على أن يخبر النبي عن كل ما يسأل عنه لزم أن يتوقفوا في نبوة نبيهم ﵇ لأنه لم يخبر فرعون عما سأله عنه من أمر القرون؛ ثم وصل بذلك ما كان فيه قبل من الدليل العقلي على وحدة الصانع واختياره فقال: ﴿الذي جعل لكم﴾ أيها الخلائق ﴿الأرض﴾ أي أكثرها ﴿مهداً﴾ تفترشونها، وجعل بعضها جبالاً لا يمكن القرار عليها، وبعضها رخواً تسرح فيه الأقدام وبعضها جلداً - إلى غير ذلك مما تشاهدون فيها من الاختلاف ﴿وسلك لكم فيها سبلاً﴾ أي سهّل طرقاً تسلكونها في أراضي سهلة وحزنة وسطها بين الجبال والأودية والرمال، وهيأ لكم فيها من المنافع من المياه والمراعي ما يسهل ذلك، وجعل فيها ما لا يمكن استطراقه أصلاً، من أن نسبة الكل إلى الطبيعة واحدة، فلولا أن الفاعل واحد مختار لم يكن هذا التفاوت وعلى هذا النظام البديع ﴿وأنزل من السماء ماء﴾ تشاهدونه واحداً في اللون والطعم.
ولما كان ما ينشأ عنه أدل على العظمة وأجلى للناظر وأظهر للعقول.
стр. 5956
استغرق ﷺ في بحار الجلال، فاستحضر أن الآمر له بهذا الكلام هو المتكلم به في الحقيقة فانياً عن نفسه وعن جميع الأكوان، فعبر عن ذلك، عادلاً عن الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع بما له من العظمة بقوله: ﴿فأخرجنا﴾ أي بما لنا من العظمة التي تنقاد لها الأشياء المختلفة ﴿به أزواجاً﴾ أي أصنافاً متشاكلة ليس فيها شيء يكون واحداً لا شبيه له ﴿من نبات شتى*﴾ أي مختلفة جداً في الألوان والمقادير والمنافع والطبائع والطعوم؛ ثم أشار إلى تفصيل ما فيها من الحكمة بقوله حالاً من فاعل ﴿أخرجنا﴾ : ﴿كلوا﴾ أي ما دبره لكم بحكمته منها ﴿وارعوا﴾ أي سرحوا في المراعي ﴿أنعامكم﴾ ما أحكمه لها ولا يصلح لكم، فكان من متقن تدبيره أن جعل أرزاق العباد بعملها تنعيماً لهم، وجعل علفها مما يفضل عن حاجتهم، ولا يقدرون على أكله، وقد دلت هذه الأوصاف على تحققه سبحانه قطعاً بأنه لا يضل ولا ينسى من حيث إنه تعالى أبدع هذا العالم شاملاً لكل ما يحتاجه من فيه لما خلقهم له من السفر إليه والعرض عليه في جميع تقلباتهم على اختلافها، وتباين أصنافها، وتباعد أوصافها، وعلى كثرتهم، وتنائي أمزجتهم، ولم يدعه ناقصاً من شيء من ذلك بخلاف غيره،
стр. 5957
فإنه لو عمل شيئاً واجتهد كل الاجتهاد في تكميله فلا بد أن يظهر له فيه نقص ويصير يسعى في إزالته وقتاً بعد وقت.
ولما كمل هذا البرهان القويم، دالاً على العليم الحكيم، قال منبهاً على انتشار أنواره، وجلالة مقداره، مؤكداً لأجل إنكار المنكرين: ﴿إن في ذلك﴾ أي الإنشاء هذه الوجوه المختلفة ﴿لآيات﴾ على منشئه ﴿لأولي النهى *﴾ العقول التي من شأنها أن تنهى صاحبها عن الغيّ، ومن عمي عن ذلك فلا عقل له أصلاً لأن عقله لم ينفعه، وما لا ينفع في حكم العدم، وذكر ابن كثير هنا ما عزاه ابن إسحاق في السيرة لزيد بن عمرو بن نفيل، وابن هشام لأمية بن أبي الصلت:
وأنت الذي من فضل منّ ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولاً منادياً
فقلت ألا يا اذهب وهارون فادعوا ... إلى الله فرعون الذي كان باغيا
فقولا له آأنت سويت هذه ... بلا وتد حتى استقلت كما هيا
وقولا له آأنت رفعت هذه ... بلا عمد أرفق إذن بك بانيا
وقولا له آأنت سويت وسطها ... منيراً إذا ما جنه الليل هاديا
وقولا له من يخرج الشمس بكرة ... فيصبح ما مست من الزرع ضاحيا
وقولا له من ينبت الحب في الثرى ... فيخرج منه البقل يهتز رابيا
ويخرج منه حبه في رؤوسه ... وفي ذاك آيات لمن كان واعيا
стр. 5958
ولما أخبر سبحانه وتعالى عما خلق في الأرض من المنافع الدالة
стр. 5959
على تمام علمه وباهر قدرته، على وجه دالّ على خصوص القدرة على البعث، وكان من الفلاسفة تناسخيتهم وغيرهم من يقر الله بالوحدانية ولا يقر بقول أهل الإسلام: إن الروح جسم لطيف سار في الجسم سريان النار في الفحم، بل يقول: إنها ليست بجسم ولا قوة في جسم ولا صورة لجسم وليست متصلة به اتصال انطباع ولا حلول فيه، بل اتصال تدبير وتصرف، وأنها إذا فارقت البدن اتصلت بالروحانيين من العالم العقلي الذي هو عالم المجردات وانخرطت في سلك الملائكة المقربين، أو اتصلت ببعض الأجرام السماوية من كوكب أو غيره كاتصالها بالبدن الأول وانقطع تعلقها به فلم تعد إليه حتى ولا يوم البعث عند من يقول منهم بالحشر، وصل بذلك قوله تعالى، يرد عليهم، معبراً بالضمير الذي يعبر به الهيكل المجتمع من البدن والنفس: ﴿منها﴾ أي الأرض لا من غيرها ﴿خلقناكم﴾ إذ أخرجناكم منها بالعظمة الباهرة في النشأة الأولى بخلق أبيكم آدم ﵇ ﴿وفيها﴾ لا في غيرها كما أنتم كذلك تشاهدون ﴿نعيدكم﴾ بالموت كذلك أجساماً وأرواحاً، فتصيرون تراباً كما كنتم، وللروح مع ذلك وأن كانت في عليين تعلق ببدنها بوجه ما، يدرك البدن به اللذة بالتذاذها والألم بتألهما، وقد صح أن الميت يقعد في قبره ويجيب سؤال الملكين ﵉، لا يقدر أحد منكم أن يخلص من تلك العظمة
стр. 5960
المحيطة بجليل عظمته ولا بدقيق حكمته ﴿ومنها﴾ لا من غيرها ﴿نخرجكم﴾ يوم البعث بتلك العظمة بعينها ﴿تارة أخرى*﴾ كما بدأناكم أول مرة مثل ما فعلنا في النبات سواء، فقد علم أن هذا فعل الواحد المختار، لا فعل الطبائع، فمرة جعلكم أحياء من شيء ليس له أصل في الحيوانية أصلاً، وكرة ردكم إلى ما كنتم عليه قبل الحياة تراباً لا روح فيه ولا ما يشبهها، فلا ريب أن فاعل ذلك قادر على أن يخرجكم منها أحياء كما ابتدأ ذلك، بل الإعادة أهون في مجاري العادة.
ولما كان ما ذكر مما علق بالأرض من المرافق وغيره على غاية من الوضوح، ليس وراءها مطمح، فكان المعنى: أرينا فرعون هذا الذي ذكرنا لكم من آياتنا وغيره، وكان المقام لتعظيم القدرة، عطف عليه قوله: ﴿ولقد أريناه﴾ أي بالعصا واليد وغيرهما مما تقدم من مقتضى عظمتنا ﴿آياتنا﴾ أي التي عظمتها من عظمتنا ﴿كلها﴾ بالعين والقلب لأن من قدر على مثل ذلك فهو قادر على غيره من أمثاله من خوارق العادات، لأن الممكنات بالنسبة إلى قدرته على حد سواء، لا سيما والذي ذكر أمهات الآيات كما سيومأ
стр. 5961
إليه إن شاء الله تعالى في سورة الأنبياء ﴿فكذب﴾ أي بها ﴿وأبى*﴾ أي أن يرسل بني إسرائيل؛ وهذا أبلغ من تعديد ما ذكر في الأعراف، فكأنه قيل: كيف صنع في تكذيبه وإبائه؟ فقيل: ﴿قال﴾ حين لم يجد مطعناً مخيلاً للقبط بما يثيرهم حمية لأنفسهم لأنه علم حقية ما جاء به موسى وظهوره، وتقبل العقول له، فخاف أن يتبعه الناس ويتركوه، ووهن في نفسه وهناً عظيماً بتأمل كلماته مفردة ومركبة يعرف مقداره: ﴿أجئتنا لتخرجنا من أرضنا﴾ هذه التي نحن مالكوها ﴿بسحرك يا موسى*﴾ فخيل إلى أتباعه أن ذلك سحر، فكان ذلك - مع ما ألفوه من عادتهم في الضلال - صارفاً لهم عن اتباع ما رأوا من البيان، ثم وصل بالفاء السببية قوله مؤكداً إيذاناً بعلمه أن ما أتى به موسى ينكر كل من يراه أن يقدر غيره على معارضته: ﴿فلنأتينك﴾ أي والإله الأعظم! بوعد لا خلف فيه ﴿بسحر مثله﴾ تأكيداً لما خيل به؛ ثم أظهر النصفة والعدل إيثاقاً لربط قومه فقال: ﴿فاجعل بيننا وبينك موعداً﴾ أي من الزمان والمكان ﴿لا نخلفه﴾ أي لا نجعله خلفنا ﴿نحن ولا أنت﴾ بأن نقعد عن إتيانه.
ولما كان من الزمان والمكان لا ينفك عن الآخر قال: ﴿مكاناً﴾ وآثر ذكر المكان لأجل وصفه بقوله: ﴿سوى *﴾ أي
стр. 5962
عدلاً بيننا، لا حرج على واحد منا في قصده أزيد من حرج الآخر، فانظر هذا الكلام الذي زوقه وصنعه ونمقه فأوقف به قومه عن السعادة واستمر يقودهم بأمثاله حتى أوردهم البحر فأغرقهم، ثم في غمرات النار أحرقهم، فعلى الكيس الفطن أن ينقد الأقوال والأفعال، والخواطر والأحول، ويعرضها على محك الشرع: الكتاب والسنة، فما وافق لزمه وما لا تركه.
ولما كان مجتمع سرورهم الذي اعتادوه حاوياً لهذه الأغراض زماناً ومكاناً وغيرهما، اختاره ﵇ لذلك، فاستؤنف الخبر عنه في قوله تعالى: ﴿قال موعدكم﴾ أي الموصوف ﴿يوم الزينة﴾ أي عيدكم الذي اعدتم الاجتماع فيه في المكان الذي اعتدتموه، فآثر هنا ذكر الزمان وإن كان يتضمن المكان لما فيه من عادة الجمع كما آثر فيما تقدم المكان لوصفه بالعدل ﴿وأن يحشر﴾ بناه للمفعول لأن القصد الجمع، لا كونه من معين ﴿الناس﴾ أي إغراء ولو بكره ﴿ضحى*﴾ ليستقبل النهار من أوله، فيكون أظهر لما يعمل وأجلى، ولا يأتي الليل إلا وقد قضي الأمر، وعرف المحق من المبطل، وأنتم أجمع ما تكونون وأفرغ، فيكل حد المبطلين وأشياعهم، والمتكبرين
стр. 5963
على الحق وأتباعهم، ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر ﴿فتولى فرعون﴾ عن موسى إلى تهيئة ما يريد من الكيد بعد توليه عن الانقياد لأمر الله ﴿فجمع كيده﴾ أي مكره وحيلته وخداعه، الذي دبره على موسى بجمع من يحصل بهم الكيد، وهم السحرة، حشرهم من كل أوب، وكان أهل مصر أسحر أهل الأرض وأكثرهم ساحراً، وكانوا في ذلك الزمان أشد اعتناء بالسحر وأمهر ما كانوا وأكثر ﴿ثم أتى *﴾ للميعاد الذي وقع القرار عليه بمن حشره من السحرة والجنود ومن تبعهم من الناس، مع توفر الدواعي على الإتيان للعيد، والنظر إلى تلك المغالبة التي لم يكن مثلها.
стр. 5964
ولما تشوف السامع إلى ما كان من موسى ﵇ عند ذلك، استأنف سبحانه الخبر عنه بقوله: ﴿قال لهم﴾ أي لأهل الكيد وهم السحرة وغيرهم ﴿موسى﴾ حين رأى اجتماعهم ناصحاً لهم: ﴿ويلكم﴾ يا أيها الناس الذين خلقهم الله لعبادته ﴿لا تفتروا﴾ أي لا تتعمدوا أن تصنعوا استعلاء ﴿على الله كذباً﴾ بجعلكم آياته العظام الثابتة سحراً لا حقيقة له، وادعائكم أن ما تخيلون به حق وليس بخيال، وإشراككم به؛
стр. 5965
وسبب عنه قوله: ﴿فيسحتكم﴾ أي يهلككم؛ قال الرازي. وأصله الاستئصال ﴿بعذاب﴾ أي عظيم تظهر به خيبتكم ﴿وقد خاب﴾ كل ﴿من افترى *﴾ أي تعمد كذباً على الله أو على غيره ﴿فتنازعوا﴾ أي تجاذب السحرة ﴿أمرهم بينهم﴾ لما سمعوا هذا الكلام، علماً منهم بأنه لا يقدر أن يواجه فرعون بمثله في جميع جنوده وأتباعه لم يسلم منه إلا من الله معه ﴿وأسروا النجوى*﴾ أي كلامهم الذي تناجوا به وبالغوا في إخفائه، فإن النجوى الإسرار، لئلا يظهر فرعون وأتباعه على عوارهم في اختلافهم الذي اقتضاه لفظ التنازع، فكأنه قيل: ما قالوا حين انتهى تنازعهم؟ فقيل: ﴿قالوا﴾ أي السحرة بعد النظر وإجالة الرأي ما خيلهم به فرعون تلقناً منه وتقرباً إليه بما ينفر الناس عن موسى وهارون ﵉ ويثبطهم عن اتباعهما وإن غلبا، لأنه لا ينكر غلبة ساحر على ساحر آخر: ﴿إن هذان﴾ أي موسى وهارون وقرىء: هاذان - بالألف، على لغة من يجعل ألف المثنى لازمة في كل حال؛ قال أبو حيان: وهي لغة لطوائف من العرب لبني الحارث بن كعب وبعض كنانة خثعم وزبيد وبني العنبر
стр. 5966
وبني الهجيم ومراد وعذره. ﴿لساحران﴾ لا شك في ذلك منهما ﴿يريدان﴾ أي بما يقولان من دعوى الرسالة وغيرها ﴿أن يخرجاكم﴾ أيها الناس ﴿من أرضكم﴾ هذه التي ألفتموها، وهي وطنكم خلفاً عن سلف ﴿بسحرهما﴾ الذي أظهراه لكم وغيره.
ولما كان كل حزب بما لديهم فرحون قالوا: ﴿ويذهبا بطريقتكم﴾ هذه السحرية التي تعبتم في تمهيدها، وأفنى فيها أسلافكم أعمارهم، حتى بلغ أمرها الغاية، وبدينكم الذي به قوامكم ﴿المثلى*﴾ أي التي هي أمثل الطرق، فيكونا آثر بما يظهرانه منها عند الناس منكم، ويصرفان وجوه الناس إليها عنكم، ويبطل ما لكم بذلك من الارزاق والعظمة عند الخاص والعام وغير ذلك من الأغراض ﴿فأجمعوا كيدكم﴾ أي لا تدعوا منه شيئاً إلا جئتم به ولا تختلفوا تضعفوا ﴿ثم ائتوا﴾ إلى لقاء موسى وهارون لمباراتهما ﴿صفاً﴾ أي متسابقين متساوين في السباق ليستعلي أمركم عليهما فتفلحوا، والاصطفاف أهيب في صدور الرائين.
ولما كان التقدير: فمن أتى كذلك فقد استعلى، عطف
стр. 5967
عليه قولهم محققاً: ﴿وقد أفلح اليوم﴾ في هذا الجمع الذي ما اجتمع مثله قط ﴿من استعلى*﴾ أي غلب ووجد علوه، أي ففعلوا ما تقدم وأتوا صفاً، فلما أتوا وكانوا خبيرين بأن يقولوا ما ينفعهم في مناصبة موسى ﵇، استؤنف الإخبار عنه بقوله تعالى: ﴿قالوا﴾ أي السحرة منادين، لأن لين القول مع الخصم إن لم ينفع لم يضر: ﴿يا موسى إما أن تلقي﴾ ما معك مما تناظرنا به أولاً ﴿وإما أن نكون﴾ أي نحن ﴿أول من ألقى*﴾ ما معه ﴿قال﴾ أي موسى مقابلاً لأدبهم بأحسن منه ولأنه فهم أن مرادهم الابتداء، وليكون هو الآخر فيكون العاقبة بتسليط معجزته على سحرهم فلا يكون بعدها شك: لا ألقي أنا أولاً ﴿بل ألقوا﴾ أنتم أولاً، فانتهزوا الفرصة، لأن ذلك كان مرادهم بما أفهموه من تعبير السياق والتصريح بالأول، فألقوا ﴿فإذا حبالهم وعصيهم﴾ التي ألقوها ﴿يخيل إليه﴾ وهو صفينا تخييلاً مبتدئاً ﴿من سحرهم﴾ الذي كانوا قد فاقوا به أهل الأرض ﴿أنها﴾ لشدة اضطربها ﴿تسعى*﴾ سعياً، وإذا كان هذا حاله مع أنه أثبت الناس بصراً وأنفذهم بصيرة فما ظنك بغيرة! ﴿فأوجس﴾ أي أضمر بسبب ذلك، وحقيقته: أوقع واجساً أي خاطراً وضميراً.
стр. 5968
ولما كان المقام لإظهار الخوارق على يديه، فكان ربما فهم أنه أوقعه في نفس أحد غيره، كان المقام للاهتمام بتقديم المتعلق، فقال لذلك لا لمراعاة الفواصل: ﴿في نفسه﴾ أي خاصة، وقدم ما المقام له والاهتمام به فقال: ﴿خيفة موسى*﴾ مثل ما خاف من عصاه أول ما رآها كذلك على ما هو طبع البشر، وللنظر إلى الطبع عبر بالنفس لا القلب مثلاً.
стр. 5969
ولما كان ذلك، وكان المعلوم أن الله معه، وأنه جدير بإبطال سحرهم، استأنف الخبر عنه بقوله: ﴿قلنا﴾ بما لنا من العظمة: ﴿لا تخف﴾ من شيء من أمرهم ولا غيره، ثم علل ذلك بقوله، وأكده أنواعاً من التأكيد لاقتضاء الحال إنكار أن يغلب أحد ما أظهروا من سحرهم لعظمه: ﴿إنك أنت﴾ أي خاصة ﴿الأعلى*﴾ أي الغالب غلبة ظاهرة لا شبهة فيها ﴿وألق﴾ وأشار إلى يمن العصا وبركتها بقوله: ﴿ما في يمينك﴾ أي من هذه العصا التي قلنا لك أول ما شرفناك بالمناجاة ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ ثم أريناك منها ما أريناك ﴿تلقف﴾ بقوة واجتهاد مع سرعة لا تكاد تدرك - بما أشار إليه حذف التاء ﴿ما صنعوا﴾ أي فعلوه بعد تدرب كبير عليه
стр. 5970
وممارسة طويلة؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنما﴾ أي أن الذي ﴿صنعوا﴾ أي أن صنعهم مما رأيته وهالنا أمُره.
ولما كان المقصود تحقير هذا الجيش أفرد ونكر لتنكير المضاف وتحقيره فقال: ﴿كيد ساحر﴾ أي كيد سحري لا حقيقة له ولا ثبات، سواء كان واحداً أو جمعاً، ولو جمع لخيل أن المقصود العدد، ولما كان التقدير: فهم لا يفلحون، عطف عليه قوله: ﴿ولا يفلح الساحر﴾ أي هذا الجنس ﴿حيث أتى*﴾ أي كيف ما سار وأيّه ﴿سلك﴾ فإنه إنما يفعل ما لا حقيقة له، فامتثل ما أمره به ربه من إلقاء عصاه، فكان ما وعده به سبحانه من تلقفها لما صنعوا من غير أن يظهر عليها زيادة في ثخن ولا غيره مع أن حبالهم وعصيهم كانت شيئاً كثيراً، فعلم كل من رأى ذلك حقيته وبطلان ما فعل السحرة، فبادر السحرة منهم إلى الخضوع لأمر الله ساجدين مبادرة من كأنه ألقاه ملق على وجهه، ولذلك قال تعالى بعد أن ذكر مكرهم واجتهادهم في معارضة موسى ﵊ وحذف ذكر الإلقاء وما سببه من
стр. 5971
التلقف لأن مقصود السورة القدرة على تليين القلوب القاسية: ﴿فألقي السحرة﴾ أي فألقاهم ما رأوا من أمر الله بغاية السرعة وبأيسر أمر ﴿سجداً﴾ على وجوههم؛ قال الأصبهاني: سبحان الله! ما أعظم شأنهم! ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة الشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين. فكأن قائلاً قال: هذا فعلهم فما قالوا؟ فقيل: ﴿قالوا آمنا﴾ أي صدقنا.
ولما كان سياق هذه السورة مقتضياً لتقديم هارون ﵇ قال: ﴿برب هارون وموسى*﴾ بشارة للنبي ﷺ بأنه سبحانه لا يشقيه بهذا القرآن بل يهدي الناس به ويذلهم له، فيجعل العرب على شماختها أذل شيء لوزرائه وأنصاره وخلفائه وإن كانوا أضعف الناس، وقبائلهم أقل القبائل، مع ما في ذلك من الدليل على صدق إيمانهم وخلوص ادعائهم بتقديم الوزير المترجم ترقياً في درج المعرفة ممن أوصل ذلك إليهم إلى من أمره بذلك ثم إلى من أرسله شكراً للمنعمين بالتدريج
«لا يشكر الله من لم يشكر الناس» وهذا لما أوجب تقديمه هنا لا لهذا فقط، وذكروا اسم الرب إشارة إلى أنه سبحانه أحسن إليهما بإعلاء شأنهما على السحرة، وعلى من كانوا يقرون بالربوبية، وهو فرعون الذي لم يغن عنهم شيئاً، فكانوا أول النهار سحرة، وآخر شهداء بررة، وهذه الآية في أمثالها من أي هذه السور
стр. 5972
وغيرها مما قدم فيه ما يتبادر أن حقه التأخير وبالعكس لأنحاء من المعاني دقيقة، هي التي حملت بعض من لم يرسخ إلى أن يقول: إن القرآن يراعي الفواصل كما يتكلف بلغاء العرب السجع، وتبعه جمع من المتأخرين تقليداً، وقد عاب النبي ﷺ ذلك حين قال: «سجع كسجع الجاهلية أو قال: الكهان» وقد علم مما ذكرته أن المعنى الذي بنيت عليه السورة ما كان ينتظم إلا بتقديم هارون، ويؤيد ذلك أنه قال هنا ﴿إنا رسولا﴾ وفي الشعراء ﴿رسول﴾ ، وقد قال الإمام فخر الدين الرازي كما حكاه عنه الشيخ أبو حيان في سورة فاطر من النهر: لا يقال في شيء من القرآن: أنه قدم أو أخر لأجل السجع، لأن معجزة القرآن ليست في مجرد اللفظ، بل فيه وفي المعنى، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب إعجاز القرآن: ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن وذكره أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه، ثم رد على المخالف بأن قال: والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعاً لأن
стр. 5973
السجع يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع. وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ يقع فيه تابعاً للمعنى، وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه وبين أن يكون المعنى منتظماً دون اللفظ. ومتى ارتبط المعنى بالسجع كان إفادة السجع كإفادة غيره. ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلباً لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى، ثم استدل على ذلك بأشياء نفيسة أطال فيها وأجاد ﵀، وقد تقدم في آخر سورة التوبة ما ينفع جداً في هذا المرام.
ولما كان موسى ﵇ هو المقصود بالإرسال إلى فرعون، استأنف تعالى الإخبار عن فرعون عندما فجئه ذلك فقال: ﴿قال﴾ أي فرعون للسحرة منكراً عليهم، وأضمر اسمه هنا ولم يظهره كما في الأعراف لأن مقصود السورة الرفق بالمدعوين والحلم عنهم، وهو غير متأهل لذكر اسمه في هذا المقام: ﴿آمنتم﴾ أي بالله ﴿له﴾ أي مصدقين أو متبعين لموسى ﴿قبل أن ءاذن لكم﴾ في ذلك، إبهاماً بأنه سيأذن فيه ليقف الناس عن المبادرة إلى الاتباع بين خوف العقوبة ورجاء الإذن؛ ثم استأنف قوله معللاً مخيلاً لأتباعه صداً لهم عن الاقتداء بهم: ﴿إنه لكبيركم﴾ أي في العلم ﴿الذي علمكم السحر﴾ فلم تتبعوه لظهور الحق، بل لإرادتكم شيئاً من المكر وافقتموه عليه قبل حضوركم
стр. 5974
في هذا الموطن، وهذا على عادته في تخييل أتباعه فيما يوقفهم عن اتباع الحق.
ولما خيلهم، شرع يزيدهم حيرة بتهديد السحرة فقال: ﴿فلأقطعن﴾ أي سبب ما فعلتم ﴿أيديكم﴾ على سبيل التوزيع ﴿وأرجلكم﴾ أي من كلٍّ يداً ورجلاً ﴿من خلاف﴾ فإذا قطعت اليد اليمنى قطعت الرجل اليسرى ﴿ولأصلبنكم﴾ وعبر عن الاستعلاء بالظرف إشارة إلى تمكينهم من المصلوب فيه تمكين المظروف في ظرفه فقال: ﴿في جذوع النخل﴾ تبشيعاً لقتلكم ردعاً لأمثالكم ﴿ولتعلمن أينا﴾ أنا أورب موسى الذي قال: إنه أوحى إليه أن العذاب على من كذب وتولى ﴿أشد عذاباً وأبقى*﴾ أي من جهة العذاب، أي أينا عذابه أشد وأطول زماناً.
стр. 5975
ولما علموا ما خيل به على عقول الضعفاء، نبهوهم فأخبر تعالى عن ذلك بقوله مستأنفاً: ﴿قالوا لن نؤثرك﴾ أي نقدم أثرك بالاتباع لك لنسلم من عذابك الزائل ﴿على ما جاءنا﴾ به موسى ﵇ ﴿من البينات﴾ التي عايناها وعلمنا أنه لا يقدر أحد على مضاهاتها. ولما بدؤوا بما يدل على الخالق من الفعل الخارق، ترقوا إلى ذكره بعد معرفته بفعله، إشارة إلى عليّ قدره فقالوا:
стр. 5976
﴿والذي﴾ أي ولا نؤثرك بالاتباع على الذي ﴿فطرنا﴾ أي ابتدأ خلقنا، إشارة إلى شمول ربوبيته لهم وله ولجميع الناس، وتنبيهاً على عجز فرعون عند من استحقه، وفي جميع أقوالهم هذه من تعظيم الله تعالى عبارة وإشارة وتحقير فرعون أمر عظيم.
ولما تسبب عن ذلك أنهم لا يبالون به، علماً بأن ما فعله فهو بإذن الله، قالوا: ﴿فاقض ما﴾ أي فاصنع في حكمك الذي ﴿أنت قاض﴾ ثم عللوا ذلك بقولهم: ﴿إنما تقضي﴾ أي تصنع بنا ما تريد أن قدرك الله عليه ﴿هذه الحياة الدنيا*﴾ أي إنما حكمك في مدتها على الجسد خاصة، فهي ساعة تعقب راحة، ونحن لانخاف إلا ممن يحكم على الروح وإن فني الجسد، فذاك هو الشديد العذاب، الدائم الجزاء بالثواب أو العقاب، ولعلهم أسقطوا الجار تنزلاً إلى أن حكمه لو فرض أنه يمتد إلى آخر الدنيا لكان أهلاً لأن لا يخشى لأنه زائل وعذاب الله باق. ثم عللوا تعظيمهم لله واستهانتهم بفرعون بقولهم: ﴿إنا ءامنا بربنا﴾ أي المحسن إلينا طول أعمارنا مع إساءتنا بالكفر وغيره ﴿ليغفر لنا﴾ من غير نفع يلحقه بالفعل أو ضرر يدركه بالترك
стр. 5977
﴿خطايانا﴾ التي قابلنا بها إحسانه: ثم خصوا بعد العموم فقالوا: ﴿وما أكرهتنا عليه﴾ وبينوا ذلك بقولهم: ﴿من السحر﴾ لتعارض به المعجزة، فإن كان الأكمل لنا عصيانك فيه لأن الله أحق بأن يتقى. روي أن الذي كان من القبط من السحرة اثنان فقط، والباقون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على تعلم السحر، وروي أنهم رأوا موسى ﵇ نائماً وعصاه تحرسه فقالوا لفرعون إن الساحر إذا نام بطل سحره، فهذا لا يقدر على معارضته، فأبى عليهم وأكرههم على المعارضة.
ولما كان التقدير: فربنا أهل التقوى وأهل المغفرة، عطفوا عليه مستحضرين لكماله: ﴿والله﴾ أي الجامع لصفات الكمال ﴿خير﴾ جزاء منك فيما وعدتنا به ﴿وأبقى*﴾ ثواباً وعقاباً، والظاهر أن الله تعالى سلمهم من فرعون، ويؤيده قوله تعالى ﴿أنتما ومن اتبعكما الغالبون﴾ [القصص: ٣٥]- قاله أبو حيان. وسيأتي في آخر الحديد ما هو صريح في نجاتهم؛ ثم عللوا هذا الختم بقولهم: ﴿إنه من يأت ربه﴾ أي الذي رباه وأحسن إليه بأن أوجده وجعل له جميع ما يصلحه ﴿مجرماً﴾ أي قاطعاً ما أمره به أن يوصل ﴿فإن له جهنم﴾ دار الإهانة ﴿لا يموت فيها﴾ أبداً مع شدة عذابها.
بخلاف عذابك الذي إن
стр. 5978
اشتد أمات فزال سريعاً، وإن خف لم يُخِفْ وكان آخره الموت وإن طال ﴿ولا يحيى *﴾ فيها حياة ينتفع بها ﴿ومن يأته﴾ أي ربه الذي أوجده ورباه ﴿مؤمناً﴾ أي مصدقاً به.
ولما قدم أن مجرد الكفر يوجب العذاب. كان هذا محلاًّ يتوقع فيه الإخبار عن الإيمان بمثل ذلك فقال: ﴿قد﴾ أي ضم إلى ذلك تصديقاً لإيمانه أنه ﴿عمل﴾ أي في الدنيا ﴿الصالحات﴾ التي أمر بها فكأن صادق الإيمان مستلزم لصالح الأعمال ﴿فأولئك﴾ أي العالو الرتبة ﴿لهم﴾ أي لتداعي ذواتهم بمقتضى الجبلة ﴿الدرجات العلى*﴾ التي لا نسبة لدرجاتك التي وعدتنا بها منها؛ ثم بينوها بقولهم: ﴿جنات عدن﴾ أي أعدت للإقامة وهيئت فيها أسبابها ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي من تحت غرفها وأسرتها وأرضها؛ فلا يراد موضع منها لأن يجري فيه نهر إلا جرى؛ ثم بين بقوله: ﴿خالدين فيها﴾ أن أهلها هيئوا أيضاً للإقامة.
ولما أرشد السياق والعطف على غير معطوفٍ عليه ظاهر إلى أن التقدير: ذلك الجزاء العظيم والنعيم المقيم جزاء الموصوفين، لتزكيتهم أنفسهم، عطف عليه قوله: ﴿وذلك جزاء﴾ كل ﴿من تزكى*﴾ أي طهر نفسه بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة، وفي هذا تسلية للصحابة رضوان الله عليهم فيما كان يفعل بهم عند نزول
стр. 5979
هذه السورة إذ كانوا مستضعفين.
стр. 5980
ولما بين سبحانه استكبار فرعون المدعى في قوله ﴿فكذب وأبى﴾ وختمه سبحانه بأنه يهلك العاصي كائناً من كان، وينجي الطائع، أتبع ذلك شاهداً محسوساً عليه كفيلاً ببيان أنه لم يغن عن فرعون شيء من قوته ولا استكباره، فقال عاطفاً على «ولقد أريناه آياتنا» : ﴿ولقد أوحينا﴾ أي بعظمتنا لتسهيل ما يأتي من الأمور الكبار ﴿إلى موسى﴾ غير مكترثين لشيء من أقوال فرعون ولا أفعاله، وهذا الإيحاء بعد ما تقدم من أمر السحرة بمدة مديدة جرت فيها خطوب طوال كانت بسببها الآيات الكبار، وكأنها حذفت لما تدل عليه من قساوة القلوب، والمراد هنا الانتهاء لما تقدم من مقصود السورة ﴿أن أسر﴾ أي ليلاً، لأن السري سير الليل؛ وشرفهم بالإضافة إليه فقال: ﴿بعبادي﴾ أي بني إسرائيل الذين لفت قلب فرعون حتى أذن في مسيرهم بعد أن كان قد أبى أن يطلقهم أو يكف عنهم العذاب، فاقصد بهم ناحية بحر القلزم ﴿فاضرب لهم﴾ أي اعمل
стр. 5981
بضرب البحر بعصاك، ولذلك سماه ضرباً.
ولما كان ضرب البحر بالعصا سبباً لوجود الطريق الموصوفة، أوقع الفعل عليها فقال: ﴿طريقاً في البحر﴾ ووصفها بالمصدر مبالغة فقال: ﴿يبساً﴾ حال كونها أو كونك ﴿لا تخاف﴾ والمراد بها الجنس، فإنه كان لكل سبط طريقاً ﴿دركاً﴾ أي أن يدركك شيء من طغيان البحر أو بأس العدو أو غير ذلك.
ولما كان الدرك مشتركاً بين اللحاق والتبعة، أتبعه بقوله: ﴿ولا تخشى*﴾ أي شيئاً غير ذلك أصلاً إنفاذاً لأمري وإنقاذاً لمن أرسلتك لاستنقاذهم، وسوقه على هذا الوجه من إظهار القدرة والاستهانة بالمعاند مع كبريائه ومكنته استدلالاً شهودياً على ما قرر أول السورة من شمول القدرة وإحاطة العلم للبشارة بإظهار هذا الدين بكثرة الأتباع وإبارة الخصوم والإسعاد برد الأضداد وجعل بغضهم وداً، وإن كانوا قوماً لداً؛ ثم أتبع ذلك قوله عطفاً على ما تقديره: فبادر
стр. 5982
امتثال الأمر في الإسراء وغيره: ﴿فأتبعهم﴾ أي أوجد التبع والمسير وراء بني إسرائيل على ذلهم وضعفهم ﴿فرعون بجنوده﴾ على كثرتهم وقوتهم وعلوهم وعزتهم، فكانوا كالتابع الذي لا معنى له بدون متبوعه ﴿فغشيهم﴾ أي فرعون وقومه ﴿من اليم﴾ أي البحر الذي من شأنه أن يؤم؛ وأوجز فهول فقال: ﴿ما غشيهم *﴾ أي أمر لا تحتمل العقول وصفه حق وصفه، فأهلك أولهم وآخرهم؛ وقطع دابرهم، لم يبق منهم أحداً، وما شاكت أحداً من عبادنا المستضعفين شوكة ﴿وأضل فرعون﴾ على تحذلقه ﴿قومه﴾ مع ما لهم من قوة الأجساد ومعانيها.
ولما كان إثبات الفعل لا يفيد العموم، نفى ضده ليفيده مع كونه أوكد وأوقع في النفس وأروع لها فقال: ﴿وما هدى*﴾ أي ما وقع منه شيء من الهداية، لا لنفسه ولا لأحد من قومه، فتم الدليل الشهودي على تمام القدرة على إنجاء الطائع وإهلاك العاصي.
ولما كان هذا موجباً للتشوف إلى ما وقع لبني إسرائيل بعده، قال تعالى شافياً لهذا الغليل، أقبلنا على بني إسرائيل ممتنين بما مضى وما يأتي قائلين: ﴿يا بني إسرائيل﴾ معترفين لهم أنا نظرنا إلى السوابق فأكرمناهم
стр. 5983
لأجل أبيهم.
ولما كان درء المفاسد وإزالة الموانع قبل جلب المصالح واستدرار المنافع قال: ﴿قد أنجيناكم﴾ بقدرتنا الباهرة ﴿من عدوكم﴾ الذي كنتم أحقر شيء عنده.
ولما تفرغوا لإنفاذ ما يراد منهم من الطاعة قال: ﴿وواعدناكم﴾ أي كلكم - كما مضى في البقرة عن نص التوراة - للمثول بحضرتنا والاعتزاز بمواطن رحمتنا ﴿جانب الطور الأيمن﴾ أي الذي على أيمانكم في توجهكم هذا الذي وجوهكم فيه إلى بيت أبيكم إبراهيم ﵇، وهو جانبه الذي يلي البحر وناحية مكة واليمن.
ولما بدأ بالمنفعة الدينية، ثنى بالمنفعة الدنيوية فقال: ﴿ونزلنا عليكم﴾ بعد إنزال هذا الكتاب في هذه المواعدة لإنعاش أرواحكم ﴿المن والسلوى*﴾ لإبقاء أشباحكم، فبدأ بالإنجاء الممكن من العبادة، ثم أتبعه بنعمة الكتاب الدال عليها، ثم بالرزق المقوي، ودل على نعمة الإذن فيه بقوله: ﴿كلوا﴾ ودل على سعته بقوله: ﴿من طيبات ما﴾ ودل على عظمته بقوله: ﴿رزقناكم﴾ من ذلك ومن غيره.
ولما كان الغنى والراحة سبب السماحة، قال: ﴿ولا تطغوا فيه﴾
стр. 5984
بالادخار إلى غد في غير يوم الجمعة ولا بغير ذلك من البطر وإغفال الشكر بصرفه في غير الطاعة ﴿فيحل﴾ أي ينزل ويجب في حينه الذي هو أولى الأوقات به - على قراءة الجماعة بالكسر، ونزولاً عظيماً وبروكاً شديداً - على قراءة الكسائي بالضم ﴿عليكم غضبي﴾ فتهلكوا لذلك ﴿و﴾ كل ﴿من يحلل عليه غضبي﴾ منكم ومن غيركم ﴿فقد هوى*﴾ أي كان حاله حال من سقط من علو.
стр. 5985
ولما كان الإنسان محل الزلل وإن اجتهد، رجاه واستعطفه بقوله: ﴿وإني لغفار﴾ أي ستار بإسبال ذيل العفو ﴿لمن تاب﴾ أي رجع عن ذنوبه من الشرك وما يقاربه ﴿وءامن﴾ بكل ما يجب الإيمان به ﴿وعمل صالحاً﴾ تصديقاً لإيمانه.
ولما كانت رتبة الاستمرار على الاستقامة في غاية العلو، عبر عنها بأداة التراخي فقال: ﴿ثم اهتدى*﴾ أي استمر على العمل الصالح متحرياً به إيقاعه على حسب أمرنا وعلى أقرب الوجوه المرضية لنا، له إلى ذلك غاية التوجه كما يدل عليه صيغة افتعل، وكأنه لما رتب الله سبحانه منازل قوم موسى ﵇ عامة والسبعين المختارين منهم خاصة في الجبل - كما مضى عن نص التوراة في سورة البقرة، وواعده الكلام
стр. 5986
بعد ثلاثين ليلة ولم يعين له أولها، وكأنه لاشتياقه إلى ما رأى من التعرف إليه بمقام الجمال لم يتوقف على خصوص إذن من الله تعالى في أول وقت الإتيان اكتفاء بمطلق الأمر السابق في الميعاد، فتعجل بعشرة أيام عن الوقت الذي علم الله أن الكلام يقع فيه بعد الثلاثين التي ضربها لذلك، وأمر موسى ﵇ قومه عند نهوضه، وتقدم إليهم في اتباعه والكون في أثره للحلول في الأماكن التي حدها الله لهم وأمر السبعين المختارة بمثل ذلك، وكأنهم لما مضى تلبثوا لما رأوا من مقام الجلال، فلما مضت الثلاثون بعد ذهاب موسى لم يكن أتى الوقت الذي أراد الله أن تكون المناجاة فيه، فزاده عشراً فظن بنو اسرائيل الظنون في تلك العشرة، ووقع لهم ما وقع من اتخاذ العجل.
ولما كان ذلك - والله أعلم بما كان، وكان أعظم ما مضى في آية الامتنان عليهم والتعرف بالنعم إليهم المواعدة لهدايتهم بالآيات المرئية والمسموعة، وختم ذلك بالإشارة إلى الاجتهاد في الإقبال على الهدى، أتبع ذلك ذكر ضلالهم بعد رؤية ما يبعد معه كل البعد إلمام من رآه بشيء من الضلال، كل ذلك لإظهار القدرة التامة على التصرف في القلوب بضد ما يظن بها، وكان تنجز المواعيد ألذ شيء للقلوب وأشهاه إلى النفوس، وكان السياق مرشداً حتماً إلى أن
стр. 5987
التقدير: فأتوا إلى الطور لميعادنا، وتيمموا جانبه الأيمن بأمرنا ومرادنا، وتعجل موسى صفينا الصعود فيه مبادراً لما عنده من الشوق إلى ذلك المقام الشريف وتأخر مجيء قومه عن الإتيان معه، فقلنا: ما أخر قومك عن الأتيان معك؟ فعطف عليه قوله: ﴿وما أعجلك﴾ أي أيّ شيء أوجب لك العجلة في المجيء ﴿عن قومك﴾ وإن كنت بادرت مبادرة المبالغ في الاسترضاء، أما علمت أن حدود الملوك لا ينبغي تجاوزها بتقدم أو تأخر؟ ﴿يا موسى*﴾ فهلا أتيتم جمله وانتظرتم أمراً أمراً جديداً بخصوص الوقت الذي استحضركم فيه ﴿قال﴾ موسى ظناً منه أنهم أسرعوا وراءه: ﴿هم﴾ وأتى باسم الإشارة وأسقط منه هاء التنبيه لأنه لا يليق بخطاب الله، قال ابن هبيرة: ولم أر أحداً من الأصفياء خاطب ربه بذلك، وإنما خاطب به الكفار لغباوتهم
﴿قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك﴾ [النحل: ٨٦] في أمثالها وأما آخر الزخرف فقد ذكر التعبير بها في موضعه ﴿أولاء﴾ أي هم في القرب بحيث يسار إليهم، كائنين ﴿على أثري﴾ أي ماشين على آثار مشيي قبل أن ينطمس لم أسبقهم إلا بشيء جرت العادة في السبق بمثله بين الرفاق، هذا بناء منه على ما كان عهد إليهم، وأكد فيه عليهم: ثم اعتذر عن فعله فقال: ﴿وعجلت﴾
стр. 5988
أنا بالمبادرة ﴿إليك﴾ وجرى على عادة أهل القرب كما يحق له فقال: ﴿رب﴾ أي أيها المسارع في إصلاح شأني والإصلاح إليّ ﴿لترضى*﴾ عني رضاً أعظم مما كان ﴿قال﴾ الرب سبحانه: ﴿فإنا﴾ أي قد تسبب عن عجلتك عنهم أنا ﴿قد فتنا﴾ أي خالطنا بعظمتنا مخالطة مميلة محيلة ﴿قومك﴾ بتعجلك.
ولما كانت الفتنة لم تستغرق جميع الزمن الذي كان بعده، وإنما كانت في بعضه، أدخل الجارّ فقال: ﴿من بعدك﴾ أي خالطناهم بأمر من أمرنا مخالطة أحالتهم عما عهدتهم عليه، وكان ذلك بعد تمام المدة التي ضربتها لهم، وهي الثلاثون بالفعل وبالقوة فقط، من أول ما فارقتهم بضربك لتلك المدة باعتبار أن أول إتيانك هو الذي كان سبب الفتنة لزيادة أيام الغيبة بسببه لأنا زدنا في آخر المدة بمقدار ما عجلت به في أولها، فلما تأخر رجوعك إليهم حصل لهم الفتون بالفعل، فظنوا مرجمات الظنون.
ولما عمتهم الفتنة إلا اثني عشر ألفاً من أكثر من ستمائة ألف،
стр. 5989
أطلق الضلال على الكل فقال: ﴿وأضلهم السامري*﴾ أي عن طريق الرشد بما سبب لهم؟ روى النسائي في التفسير من سننه، وأبو يعلى في مسنده وابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما عن ابن عباس ﵄ في حديث الفتون أن موسى ﵇ لما وعده ربه أن يكلمه استخلف على قومه أخاه هارون ﵇، وأجلهم ثلاثين يوماً، وذهب فصامها ليلها ونهارها، ثم كره أن يكلم ربه وريح فمه متغير، فمضغ شيئاً من نبات الأرض فقال له ربه: أوما علمت أن ريح الصائم أطيب من ريح المسك؟ ارجع فصم عشراً، فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم وقال: إنكم خرجتم من مصر، ولقوم فرعون عندكم عواريّ وودائع، ولكم فيها مثل ذلك، وأنا أرى أن تحسبوا ما لكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عاريّة، ولسنا برادين إليهم شيئاً من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيراً وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير، ثم أوقد النار فأحرقه
стр. 5990
فقال: لا يكون لنا ولا لهم، وكان السامري من قوم يعبدون البقر، جيران لبني إسرائيل ولم يكن من بني إسرائيل، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا، فقضى له أن رأى أثراً فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون ﵇: يا سامري! ألا تلقي ما في يدك - وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك اليوم، فقال هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد، فألقاها ودعا له هارون، فقال: أريد أن يكون عجلاً، فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد، فصار عجلاً أجوف ليس فيه الروح، له خوار، قال ابن عباس ﵄: لا والله! ما كان له صوت قط، إنما كانت الريح تدخل في دبره فتخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك، فتفرق بنو إسرائيل فرقاً، فقالت فرقة: يا سامري! ما هذا وأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم، ولكن موسى أضل الطريق، فقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى.
فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأيناه، وإن لم يكن ربنا فإنّا نتبع موسى، وقالت فرقة: هذا عمل الشيطان، وليس بربنا، ولن نؤمن
следующие страницы →