Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.
стр. 6021
على اتخاذ الوقاية مما يحذر ﴿أو﴾ في عداد من ﴿يحدث﴾ أي يجدد هذا التصريف ﴿لهم ذكراً*﴾ أي ما يستحق أن يذكر من طرق الخير، فيكون سبباً للخوف الحامل على التقوى، فيردهم عن بعض ما تدعو إليه النفوس من النقائض والبؤس.
ولما بلغت هذه الجمل نهاية الإعجاز، فاشتملت على غاية الحكمة، دالة على أن لقائلها تمام العلم والقدرة والعدل في أحوال الدراين، تسبب عن سوقها كذلك أن بان له من العظمة ما أفهمه قوله، معظماً لنفسه الأقدس بما هو له أهل بعد تعظيم كتابه تعليماً لعباده ما يجب له من الحق دالاً بصيغة التفاعل على مزيد العلو: ﴿فتعالى الله﴾ أي بلغ الذي لا يبلغ الواصفون وصفه حق وصفه من العلو أمراً لاتحتمله العقول، فلا يلحقه شيء من إلحاد الملحدين ووصف المشركين ﴿الملك﴾ الذي لا يعجزه شيء، فلا ملك في الحقيقة غيره ﴿الحق﴾ أي الثابت الملك، فلا زوال لكونه ملكاً في زمن ما؛ ولعظمة ملكه وحقية ذاته وصفاته صرف خلقه على ما هم عليه من الأمور المتباينة.
стр. 6022
ولما كانت هذه الآيات في ذم من أعرض عن هذا الذكر، كان تقدير: فلا تعرض عنه، بل أقبل عليه لتكون من المتقين الذاكرين، ولما كان هذا الحث العظيم ربما اقتضى للمسابق في التقوى المبالغة في المبادرة إليه فيستعجل بتلقفه قبل الفراغ من إيحائه، قال عاطفاً على هذا المقدر: ﴿ولا تعجل بالقرآن﴾ أي بتلاوته.
ولما كان النهي عاماً لجميع الأوقات القبلية، دل عليه بالجار لئلا يظن أنه خاص بما يستغرق زمان القبل جملة واحدة فقال: ﴿من قبل أن﴾ ولما كان النظر هنا إلى فراغ الإيحاء لا إلى موح معين، بنى للمجهول قوله: ﴿يقضى﴾ أي ينهى ﴿إليك وحيه﴾ من الملك النازل إليك من حضرتنا به كما أنا لم نعجل بإنزاله عليك جملة، بل رتلناه لك ترتيلاً، ونزلناه إليك تنزيلاً مفصلاً تفصيلاً، وموصلاً توصيلاً - كما أشرنا إليه أول السورة، فاستمع له ملقياً جميع تأملك إليه ولا تساوقه بالقراءة، فإذا فرغ فاقرأه فإنا نجمعه في قلبك ولا نسقيك بإنسائه وأنت مصغ إليه، ولا بتكليفك للمساوقة بتلاوته
стр. 6023
﴿وقل رب﴾ أي المحسن إليّ بإفاضة العلوم عليّ ﴿زدني علماً*﴾ أي بتفهيم ما أنزلت إليّ منه وإنزال غيره كما زدتني بإنزاله وتحفيظه، لتتمكن من معرفة الأسباب المفيدة لتبع الخلق لك، فإنه كما تقدم على قدر إحاطة العلم يكون شمول القدرة، وفي هذا دليل على أن التأني في العلم بالتدبر وبإلقاء السمع أنفع من الاستعجال المتعب للبال المكدر للحال، وأعون على الحفظ، فمن وعى شيئاً حق الوعي حفظه غاية الحفظ؛ وروى الترمذي وابن ماجة والبزار عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول:
«اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علماً والحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار» أفاده ابن كثير في تفسيره.
ولما قرر سبحانه بقصة موسى ﵇ ما أشار إليه أول السورة بما هو عليه من الحلم والتأني على عباده، والإمهال لهم فيما هم عليه من النقص بالنسيان للعهود والنقض للمواثيق، وأتبعها ذكر مدح
стр. 6024
هذا الذكر الذي تأدت إلينا به، وذم من أعرض عنه، وختمه بما عهد إليه ﷺ في أمره نهياً وأمراً، أتبع ذلك سبحانه قصة آدم ﵇ تحذيراً من الركون إلى ما يسبب النسيان، وحثاً على رجوع من نسي إلى طاعة الرحمن، وبياناً لأن ذلك الذي قرره من حلمه وإمهاله عادته سبحانه من القدم، وصفته التي كانت ونحن في حيز العدم، وأنه جبل الإنسان على النقص، فلو أخذهم بذنوبهم ما ترك عليها من دابة، فقال عاطفاً على قوله ﴿وكذلك أنزلناه حكماً عربياً﴾ [الرعد: ٣٧] أو ﴿كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق﴾ مؤكداً لما تقدم فيه وعهد به من أمر القرآن، ومحذراً من الإخلال بذلك ولو على وجه النسيان، ومنجزاً لما وعد به من قص أنباء المتقدمين مما يوافق هذا السياق: ﴿ولقد عهدنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿إلى آدم﴾ أبي البشر الذي أطلعناه على كثير منها في النهي عن الأكل من الشجرة ﴿من قبل﴾ أي في زمن من الأزمان الماضية قبل هؤلاء الذين تقدم في هذه السورة ذكر نسيانهم وإعراضهم ﴿فنسي﴾ عهدنا وأكل منها مع علمه من تلك العظمة بما لا ينبغي أن ينسى معه ذلك العهد المؤكد بذلك الجلال، فعددنا عليه وقوعه في ذلك المنهيّ ناسياً ذنباً لعلو رتبته عندنا، فهو
стр. 6025
من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين» فكيف بما فوق ذلك! ﴿ولم نجد﴾ بالنظر إلى ما لنا من العظمة ﴿له عزماً*﴾ أي قصداً صلباً ماضياً وإرادة نافذة لا تردد فيها كإرادات الملائكة ﵈، والمعنى أنه لم يتعلق علمنا بذلك موجوداً، ومع ذلك عفونا عنه ولم نزحزحه عن رتبة الاصطفاء.
стр. 6026
ولما كان المقصود من السورة - كما سلف - الإعلام بالحلم والأناة والتلطف بالنائي والقدرة على المعرض، ذكر فعله آدم ﵇ هذه في هذه السورة بلفظ المعصية مع التصريح بأنها على وجه النسيان، وذكر ذلك أولاً مجملاً ثم أتبعه تفصيله ليكون ذلك مذكوراً مرتين، تأكيداً للمعنى المشار إليه، تقريراً وتحذيراً من الوقوع في منهيّ، وإرشاداً لمن «غلب عليه» طبع النقص إلى المباردة إلى الندم وتعاطي أسباب التوبة ليتوب الله عليه ما فعل بآدم ﵇ فقال: ﴿وإذ﴾ أي اذكر هذا واذكر حين ﴿قلنا﴾ بما لنا من العظمة، أي اذكر قولنا في ذلك الوقت ﴿للملائكة﴾ أي المجبولين على مضي العزم
стр. 6027
والتصميم على القصد من غير مانع تردد ولا عائق فتور ﴿اسجدوا لآدم﴾ الذي خلقته بيدي، فلم نأمرهم بذلك إلا بعد أن اصطفيناه ونحن عالمون بما سيقع منه، وأنه لا يقدح في رتبة اصطفائه، فإن الحلم والكرم من صفاتنا، والرحمة من شأننا، فلا تيأس من عودنا بالفضل والرحمة على من بالغ في مقاطعتنا من قومك الذين وصفناهم باللدد ﴿فسجدوا﴾ أي الملائكة ﴿إلا إبليس﴾ الذي نسب الله إلى الجور والإخلال بالحكمة فكفر فأيس من الرحمة وسلب الخير فأصر على إضلال الخلق بالتلبيس، فكأنه قيل: ما كان من حاله في عدم سجوده؟ فقيل: ﴿أبى*﴾ أي تكبر على آدم فعصى أمر الله ﴿فقلنا﴾ بسبب ذلك بعد أن حلمنا عنه ولم نعاجله بالعقوبة: ﴿يا آدم إن هذا﴾ الشيطان الذي تكبر عليك ﴿عدو لك﴾ دائماً لأن الكبر الناشىء عن الحسد لا يزول ﴿ولزوجك﴾ لأنها منك ﴿فلا يخرجنكما﴾ أي لا تصغيا إليه بوجه فيخرجكما، ووجه النهي إليه والمراد: هما، تنبيهاً على أن لها من الجلالة ما ينبغي أن تصان عن أن يتوجه إليها نهي، وأسند الإخراج إليه لزيادة التحذير والإبلاغ في التنفير، وزاد في
стр. 6028
التنبيه بقوله: ﴿من الجنة﴾ أي فإنه لا يقصر في ضركما وإرادة إنزالكما عنها.
ولما نص سبحانه على شركتها له في الإخراج فكان من المعلوم شركتها له في آثاره، وكانت المرأة تابعة للرجل، فكان هو المخصوص في هذه الدار بالكل في الكد والسعي، والذب والرعي، وكان أغلب تعبه في أمر المرأة، أفرد بالتحذير من التعب لذلك وعدّاً لتعبها بالنسبة إلى تعبه عدماً، وتعريفاً بأن أمرها بيده، وهو إن تصلب قادها إلى الخير، وإلا قادته إلى الضير، وعبر عن التعب بالشقاء زيادة في التحذير منه فقال: ﴿فتشقى﴾ أي فتتعب، ولم يرد شقاوة الآخر، لأنه لو أرادها ما دخل الجنة بعد ذلك، لأن الكلام المقدر بعد الفاء خبر، والخبر لا يخلف. ثم علل شقاوته على تقدير الإخراج بوصفها بما لا يوجد في غيرها من الأقطاب التي يدور علها كفاف الإنسان، وهي الشبع والريّ والكسوة والكن.
ذاكراً لها بلفظ النفي لنقائضها ليطرق سمعه بأسماء أصناف الشقوة التي حذره منها ليصير بحيث يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها، فإذا مضت عليه القدرة الباهرة علم أنه لا يغني حذر من قدر، فقال: ﴿إن لك﴾ أي علينا ﴿ألا تجوع فيها﴾ أي يوماً ما ﴿ولا تعرى*﴾ فلا يتجرد باطنك ولا ظاهرك ﴿وأنك لا تظمؤا﴾
стр. 6029
بالتهاب القلب ﴿فيها ولا تضحى*﴾ أي لا يكون بحيث يصيبك حر الشمس، والمعنى أنه لا يصيبك حر في الباطن ولا في الظاهر ﴿فوسوس﴾ أي فتعقب تحذيرنا هذا من غير بعد في الزمان أن وسوس ﴿إليه الشيطان﴾ المحترق المطرود، وهو إبليس، أي ألقى إليه وجه الخفاء بما مكناه من الجري في هذا النوع مجرى الدم، وقذف المعاني في قلبه، وكأنه عبر ب «إلى» ، لأن المقام لبيان سرعة قبول هذا النوع للنقائص وإن أتته من بعد، أو لأنه ما أنهى إليه ذلك إلا بواسطة زوجه، لذلك عدى الفعل عند ذكرهما بالام، وكأنه قيل: ما دس إليه؟ فقيل: ﴿قال يا آدم﴾ ثم ساق له الغش مساق العرض، إبعاداً لنفسه من التهمة والغرض؛ وشوقه إليه أولاً بقوله: ﴿هل أدلك﴾ فإن النفس شديدة الطلب لعلم ما تجهله؛ وثانياً بقوله: ﴿على شجرة الخلد﴾ أي التي من أكل منها خلد، فإن الإنسان أحب شيء في طول البقاء؛ وثالثاً بقوله: ﴿وملك لا يبلى*﴾ أي لا يخلق أصلاً، فكأنه قال له بلسان الحال أو القال: نعم، فقال: شجرة الخلد هذه - مشيراً إلى التي نهي عنها - ما بينك وبين الملك الدائم إلا أن تأكل منها.
﴿فأكلا﴾ أي فتسبب عن قوله وتعقب أن أكل ﴿منها﴾ هو وزوجه، متبعين لقوله ناسيين ما عهد إليهما ﴿فبدت لهما﴾ لما خرقا من ستر النهي وحرمته
стр. 6030
﴿سوءاتهما﴾ وقوعاً لما حذرا منه من إخراجهما مما كانا فيه ﴿وطفقا﴾ أي شرعا ﴿يخصفان﴾ أي يخيطان أو يلصقان ﴿عليهما من ورق الجنة﴾ ليسترا عوراتهما ﴿وعصى آدم﴾ وإن كان إنما فعل المنهي نسياناً، لأن عظم مقامه وعلو رتبته يقتضيان له مزيد الاعتناء ودوام المراقبة مع ربط الجأش ويقظة الفكر ﴿ربه﴾ أي المحسن إليه بما لم ينله أحداً من بنيه من تصويره له بيده وإسجاد ملائكته له ومعاداة من عاداه ﴿فغوى*﴾ من الغواية وهي الضلال، ولذلك قالوا: المعنى: فضلّ عن طريق السداد، فأخطأ طريق التوصل إلى الخلد بمخالفة أمره، وهو صفيه، لم ينزله عن رتبة الاصطفاء، لأن رحمته واسعة، وحلمه عظيم، وعفوه شامل، فلا يهمنك أمر القوم اللد، فإنا قادرون على أن نقبل بقلوب من شئنا منهم فنجعلهم من أصفى الأصفياء، ونخرج من أصلاب من شئنا منهم من نجعل قلبه معدن الحكمة والعلم.
ولما كان الرضى عنه - مع هذا الفعل الذي أسرع فيه اتباع العدو وعصيان الولي بشيء لا حاجة به إليه - مستبعداً جداً، أثبت
стр. 6031
ذلك تعالى مشيراً إليه بأداة التراخي فقال: ﴿ثم اجتباه ربه﴾ أي المحسن إليه ﴿فتاب عليه﴾ أي بسبب الاجتباء بالرجوع إلى ما كان عليه من طريق السداد ﴿وهدى*﴾ بالحفظ في ذلك كما هو الشأن في أهل الولاية والقرب.
стр. 6032
ولما كانت دور الملوك لا تحتمل مثل ذلك، وكان قد قدم سبحانه عنايته بآدم ﵇ اهتماماً به، وكان الخبر عن زوجه وعن إبليس لم يذكر، فكانت نفس السامع لم تسكن عن تشوفها إلى سماع بقية الخبر، أجاب عن ذلك بأنه أهبط من داره المقدسة الحامل على المخالفة والمحمول وإن كان قد هيأه بالاجتباء لها، فقال على طريق الاستئناف: ﴿قال﴾ أي الرب الذي انتهكت حرمة داره: ﴿اهبطا منها﴾ أيها الفريقان: آدم وتبعه، وإبليس ﴿جميعاً﴾ .
ولما كان السياق لوقوع النسيان وانحلال العزم بعد أكيد العهد، حرك العزم وبعث الهم بإيقاع العداوة التي تنشأ عنها المغالبة، فتبعث الهمم وتثير العزائم، فقال في جواب من كأنه قال: على أيّ حال يكون الهبوط: ﴿بعضكم لبعض عدو﴾ وهو صادق بعداوة كل من الفريقين للفريق الآخر: فريق إبليس - الذين هم الجن - بالإضلال، وفريق
стр. 6033
الإنس بالاحتراز منهم بالتعاويذ والرقى وغير ذلك، وبعداوة بعض كل فريق لبعضه ﴿فإما﴾ أي فتسبب عن ذلك العلم بأنه لا قدرة لأحد منكم على التحرز من عدوه إلا بي ولا حرز لكم من قبلي إلا اتباع أمري، فإما ﴿يأتينكم﴾ أي أيها الجماعة الذين هم أضلّ ذوي الشهوات من المكلفين ﴿مني هدى﴾ تحترزون به عن استهواء العدو واستزلاله ﴿فمن اتبع﴾ عبر بصيغة «افتعل» التي فيها تكلف وتتميم للتبع الناشىء عن شدة الاهتمام ﴿هداي﴾ الذي أسعفته به من أوامر الكتاب والرسول المؤيد بدلالة العقل، وللتعبير بصيغة «افتعل» قال: ﴿فلا يضل﴾ أي بسبب ذلك، عن طريق السداد في الدنيا ولا في الآخرة أصلاً ﴿ولا يشقى*﴾ أي في شيء من سعيه في واحدة منهما، فإن الشقاء عقاب الضلال، ويلزم من نفيه نفي الخوف والحزن بخلاف العكس، فهو أبلغ مما في البقرة، فإن المدعو إليه في تلك مطلق العبادة، والمقام في هذه للخشية والبعث على الجد بالعداوة ﴿إلا تذكرة لمن يخشى﴾ وللإقبال على الذكر ﴿من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً﴾ والتحفظ من المخالفة ولو بالنسيان ﴿فنسي ولم نجد له عزماً﴾ . قال الرازي في اللوامع: والشقاء: فراق العبد من الله، والسعادة وصوله
стр. 6034
إليه؛ وقال الأصبهاني عن ابن عباس ﵄: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ﴿ومن أعرض﴾ أي فعل دون فعل الرضيع بتعمد الترك لما ينفعه بالمجاورة ﴿عن ذكري﴾ الذي هو الهدى ﴿فإن له﴾ ضد ذلك ﴿معيشة﴾ حقرها سبحانه بالتأنيث ثم وصفها بأفظع وصف وهو مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع وغيره فقال: ﴿ضنكاً﴾ أي ذات ضنك أي ضيق، لكونه على ضلال وإن رأى أن حاله على غير ذلك في السعة والراحة، فإن ضلاله لا بد أن يرديه، فهو ضنك لكونه سبباً للضيق وآئلاً إليه، من تسمية السبب باسم المسبب، مع أن المعرض عن الله لا يشبع ولا يضل إلى أن يقنع، مستولٍ عليه الحرص الذي لا يزال أن يطيح ببال من يريد الازدياد من الدنيا، مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الانفاق، عن مناوأة الخصوم، وتعاقب الهموم، مع أنه لا يرجو ثواباً، ولا يأمن عقاباً، فهو لذلك في أضيق الضيق، لا يزال همه أكبر من وجده
«لو كان لابن آدم واد من ذهب لابتغى إليه ثانياً، ولو أن له واديين لا بتغى لهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» متفق عليه عن أنس ﵁، وهكذا حال من أتبع نفسه هواها، وأما المقبل على الذكر بكليته فهو قانع راض بما هو فيه، مستكثر من ذكر الله الشارح للصدور الجالي للقلوب فهو أوسع سعة، فلا تغتر بالصور وانظر إلى المعاني.
стр. 6035
ولما ذكر حاله في الدنيا، أتبعه قوله: ﴿ونحشره يوم القيامة أعمى*﴾ وكان ذلك في بعض أوقات ذلك اليوم، قال ابن عباس ﵄: إذا خرج من القبر خرج بصيراً، فإذا سيق إلى المحشر عمي، أو يكون ذلك - وهو أقرب مفهوم العبارة - في بعض أهل الضلال ليجتمع مع قوله ﴿أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا﴾ [مريم: ٣٨] وحديث عبد الله بن عمر ﵄ في الصحيح من هذا أن النبي ﷺ قال: «الظلم ظلمات يوم القيامة» ثم استأنف قوله: ﴿قال﴾ مذكراً بالنعمة السابقة استعطافاً لأن من شأن مسلف نعمة أن يربيها وإن قصر المنعم عليه، وغاية ذلك إنما يكون مهما بقي للصلح موضع: ﴿رب﴾ أي أيها المحسن إليّ المسبغ نعمه عليّ ﴿لم حشرتني﴾ في هذا اليوم ﴿أعمى وقد كنت﴾ أي في الدنيا، أو في أول هذا اليوم ﴿بصيراً*﴾ فكأنه قيل: بم أجيب؟ فقيل: ﴿قال﴾ له ربه: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا الفعل الشنيع فعلت في الدنيا، والمعنى: مثل ما قلت كان؛ ثم فسر على الأول، وعلل على الثاني، فقال: ﴿أتتك آياتنا﴾ على عظمتها التي هي من عظمتنا ﴿فنسيتها﴾ أي فعاملتها بإعراضك عنها معامله المنسي الذي لا يبصره صاحبه، فقد جعلت نفسك أعمى البصر
стр. 6036
والبصيرة عنها، كما قال تعالى: ﴿الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري﴾ [الكهف: ١٠١] ﴿وكذلك﴾ أي ومثل ذلك النسيان الفظيع، وقدم الظرف ليسد سوقه للمظروف ويعظم اختباره لفهمه فقال: ﴿اليوم تنسى*﴾ أي تترك على ما أنت عليه بالعمى والشقاء بالنار، فتكون كالشيء الذي لا يبصره أحد ولا يلتفت إليه ﴿وكذلك﴾ أي ومثل ذلك الجزاء الشديد ﴿نجزي من أسرف﴾ في متابعة هواه فتكبر عن متابعة أوامرنا ﴿ولم يؤمن بآيات ربه﴾ فكفر إحسانه إما بالتكذيب وإما بفعله فعل المكذب.
ولما ذكر أن هذا الضال كان في الدنيا معذباً بالضنك، وذكر بعض ما له في الآخرة، قال مقسماً لما له من التكذيب: ﴿ولعذاب الآخرة﴾ بأيّ نوع كان ﴿أشد﴾ من عذاب الدنيا ﴿وأبقى*﴾ منه، فإن الدنيا دار زوال، وموضع قلعة وارتحال.
стр. 6037
ولما كان ما مضى من هذه السورة وما قبلها من ذكر مصارع الأقدمين، وأحاديث المكذبين، بسبب العصيان على الرسل، سبباً عظيماً للاستبصار والبيان، كانوا أهلاً لأن ينكر عليهم لزومهم لعماهم فقال تعالى: ﴿أفلم يهد﴾ أي يبين ﴿لهم كم أهلكنا قبلهم﴾ اي كثرة إهلاكنا
стр. 6038
لمن تقدمهم ﴿من القرون﴾ بتكذيبهم لرسلنا، حال كونهم ﴿يمشون في مساكنهم﴾ ويعرفون خبرهم بالتوارث خلفاً عن سلف أنا ننصر أولياءنا ونهلك أعدائنا ونفعل ما شئنا! والأحسن أن لا يقدر مفعول، ويكون المعنى: أو لم يقع لهم البيان الهادي، ويكون ما بعده استئنافاً عيناً كما وقع البيان بقوله استئنافاً: ﴿إن في ذلك﴾ أي الإهلاك العظيم الشأن المتوالي في كل أمة ﴿لآيات﴾ عظيمات البيان ﴿لأولي النهى*﴾ أي العقول التي من شأنها النهي عما لا ينفع فضلاً عما يضر، فإنها تدل بتواليها على قدرة الفاعل، وبتخصيص الكافر بالهلاك والمؤمن بالنجاة على تمام العلم مع عموم القدرة، وعلى أنه تعالى لا يقر على الفساد وإن أمهل - إلى غير ذلك ممن له وازع من عقله.
ولما هددهم بإهلاك الماضين، ذكر سبب التأخير عنهم، عاطفاً على ما أرشد إلى تقديره السياق، وهو مثل أن يقال: فلو أراد سبحانه لعجل عذابهم: ﴿ولولا كلمة﴾ أي عظيمة ماضية نافذة ﴿سبقت﴾ أي في الأزل ﴿من ربك﴾ الذي عودك بالإحسان بأنه يعامل بالحلم والأناة، وأنه لا يستأصل مكذبيك، بل يمد لهم، ليرد من شاء
стр. 6039
منهم ويخرج من أصلاب بعضهم من يعبده، وإنما ذلك إكراماً لك رحمة لأمتك لأنا كما قلنا أول السورة ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ بإهلاكهم وإن كانوا قوماً لداً، ولا بغير ذلك، وما أنزلناه إلا لتكثر أتباعك، فيعملوا الخيرات، فيكون ذلك زيادة في شرفك، وإلى ذلك الإشارة بقوله ﷺ «وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً» ﴿لكان﴾ أي العذاب ﴿لزاماً﴾ أي لازماً أعظم لزوم لكل من أذنب عند أول ذنب يقع منه لشرفك عنده وقربك لديه ﴿و﴾ لولا ﴿أجل مسمى*﴾ ضربه لكل شيء لكان الأمر كذلك أيضاً، لكنه سبقت رحمته غضبه فهو لا يعجل، وضرب الأجل فهو لا يأخذ قبله، وكل من سبق الكلمة وتسمية الأجل مستقل بالإمهال فكيف إذا اجتمعا، فتسبب عن العلم بأنه لا بد من استيفاء الأجل وإن زاد العاصي في العصيان تسليم الأمور إلى الله وعدم القلق في انتظار الفرج فقال: ﴿فاصبر على ما يقولون﴾ لك من الاستهزاء وغيره.
ولما كان الصبر شديداً على النفس منافراً للطبع، لأن النفس مجبولة على النقائص، مشحونة بالوسواس، أمر منه لأجل من يحتاج إلى الكمال بما ينهض بها من حضيض الجسم إلى أوج الروح بمقامي
стр. 6040
التحلي بالكمالات والتخلي عن الرعونات، وبدأ بالأول لأنه العون على الثاني، وذكر أشرف الحلي فقال: ﴿وسبح بحمد ربك﴾ أي اشتغل بما ينجيك من عذابه، ويقربك من جنابه، بأن تنزه من أحسن إليك عن كل نفص، حال كونك حامداً له بإثبات كل كمال، وذلك بأن تصلي له خاصة وتذكره بالذاكرين، غير ملتفت إلى شيء سواه ﴿قبل طلوع الشمس﴾ صلاة الصبح ﴿وقبل غروبها﴾ صلاة العصر والظهر؛ وغير السياق في قوله: ﴿ومن آناء الّيل﴾ أي ساعاته، جمع إنو - بكسر ثم سكون، أي ساعة، لأن العبادة حينئذ أفضل لاجتماع القلب وهدوء الرجل والخلو بالرب، لأن العبادة إذ ذاك أشق وأدخل في التكليف فكانت أفضل عند الله ﴿فسبح﴾ أي بصلاة المغرب والعشاء، إيذاناً بعظمة صلاة الليل، وكرر الأمر بصلاتي الصبح والعصر إعلاماً بمزيد فضلهما، لأن ساعتيهما أثناء الطي والبعث فقال: ﴿وأطراف النهار﴾ ويؤيد ما فهمته من أن ذلك تكرير لهما ما في الصحيحين عن جرير ابن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا جلوساً عند
стр. 6041
رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال:
«إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» ، ثم قرأ هذه الاية. وإلا لم يكن في الآية مزيد حث عليهما خاصة، على أن الفظ «آناء وأطراف» صالح لصلاة التطوع من الرواتب وغيرها ليلاً ونهاراً، وأفاد بذكر الجارّ في الآناء التبعيض، لأن الليل محل الراحة، ونزعه من الأطراف لتيسر استغراقها بالذكر، لأن النهار موضع النشاط واليقظة، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون المراد بما قبل الطلوع الصبح، وما قبل الغروب العصر فقط، وببعض الآناء المغرب والعشاء، وأدخل الجار لكونهما وقتين، وبجميع الأطراف الصبح والظهر والعصر، لأن النهار له أربعة أطراف: أوله، وآخره وآخر نصفه الأول، وأول نصفه الثاني، والكل مستغرق بالتسبيح، ولذلك نزع الجار، أما الأول والآخر فبالصبح والعصر، وأما الآخران فبالتهيؤ للصلاة ثم الصلاة نفسها، وحينئذ تكون الدلالة على فضيلة الصبح والعصر من وجهين: التقديم والتكرير، وإلى ذلك الإشارة بالحديث، وإذا أريد إدخال النوافل حملت الأطراف على الساعات - والله الهادي.
стр. 6042
ولما كان الغالب على الإنسان النسيان فكان الرجاء عنده أغلب، ذكر الجزاء بكلمة الإطماع لئلا يأمن فقال: ﴿لعلك ترضى *﴾ أي افعل هذا لتكون على رجاء من أن يرضاك ربك فيرضيك في الدنيا والآخرة، بإظهار دينك وأعلاء أمرك، ولا يجعلك في عيش ضنك في الدنيا ولا في الآخرة - هذا على قراءة الكسائي وأبي بكر عن عاصم بالبناء للمفعول، والمعنى على قراءة الجماعة بالبناء للفاعل: لتكون على رجاء من أن تكون راضياً دائماً في الدنيا والآخرة، ولا تكون كذلك إلا وقد أعطاك ربك جميع ما تؤمل.
ولما كانت النفس ميالة إلى الدنايا، مرهونة بالحاضر من فاني العطايا، وكان تخيلها عن ذلك هؤ الموصل إلى حريتها المؤذن بعلو همتها، قال مؤكداً إيذاناً بصعوبة ذلك: ﴿ولا تمدن﴾ مؤكداً له بالنون الثقيلة ﴿عينيك﴾ أي لا تطوّل نظرهما بعد النظرة الأولى المعفو عنها قاصداً للاستحسان ﴿إلى ما متعنا به﴾ بما لنا من العظمة التي لا ينقصها تعظم أعدائنا به في هذه الحياة الفانية ﴿أزواجاً﴾ أي أصنافاً متشاكلين ﴿منهم﴾ أي من الكفرة ﴿زهرة﴾ أي تمتيع
стр. 6043
﴿الحياة الدنيا﴾ لا ينتفعون به في الآخرة لعدم صرفهم له في أوامر الله، فهو مصدر من المعنى مثل جلست قعوداً، ثم علل تمتيعهم بقوله تعالى: ﴿لنفتنهم فيه﴾ أي لنفعل بهم فعل المختبر، فيكون سبب عذابهم في الدنيا بالعيش الضنك لما مضى، وفي الآخرة بالعذاب الأليم، فصورته تغر من لم يتأمل معناها حق التأمل، فما أنت فيه خير مما هم فيه ﴿ورزق ربك﴾ الذي عود به أولياءه - وهو في دار السفر- الكفاف الطيب المقرون بالتوفيق ﴿خير﴾ من زهرتهم، لأنه يكفي ولا يطغي وزادك ما يدني إلى جنابه فيعلي ﴿وأبقى*﴾ فإنه وفقك لصرفه في الطاعة فكتب لك من أجره ما توفاه يوم الحاجة على وجه لا يمكن أحداً من الخلق حصره، وتكون الدنيا كلها فضلاً عما في أيديهم أقل من قطرة بالنسبة إلى بحره، وإضافة رزقه دون رزقهم إليه سبحانه - وإن كان الكل منه - للتشريف، وفي التعبير بالرب إيذان بالحل، وفيه إشارة إلى ظهوره عليهم وحياته بعدهم كما هو الشأن في الصالحين والطالحين.
стр. 6044
ولما أمر بتزكية النفس أتبعه الإعلام بأن منها تزكية الغير، لأن ذلك أدل على الإخلاص، وأجدر بالخلاص، كما دل عليه مثل السفينة الذي ضربه رسول الله ﷺ لمن يأمر بالمعروف ومن يتركه فقال ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ كما كان أبوك إسماعيل ﵇، ليقودهم إلى كل خير ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولم يذكر الزكاة لدخولها في التزهيد بالآية التي قبلها.
ولما كانت شديدة على النفس عظيمة النفع، قال ﴿واصطبر﴾ بصيغة الافتعال ﴿عليها﴾ أي على فعلها، مفرغاً نفسك لها وإن شغلتك عن بعض أمر المعاش، لأنا ﴿لا نسألك رزقاً﴾ أي نكلفك طلبه لنفسك ولا لغيرك، فإن ما لنا من العظمة يأبى أن نكلفك أمراً، ولا نكفيك ما يشغلك عنه.
ولما كانت النفس بكليتها مصروفة إلى أمر المعاش، كانت كأنها تقول: فمن أين يحصل الرزق؟ فقال: ﴿نحن﴾ بنون العظمة ﴿نرزقك﴾ لك ولهم ما قدرناه لكم من أيّ جهة شئنا من ملكنا الواسع وإن كان يظن أنها بعيدة، ولا ينفع في الرزق حول محتال، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا تدأبوا في تحصيله والسعي فيه، فإن كلاًّ من الجاد فيه والمتهاون به لا يناله أكثر مما قسمناه له في الأزل ولا أقل،
стр. 6045
فالمتقي لله المقبل على ذكره واثق بوعده قانع راض فهو في أوسع سعة، والمعرض متوكل على سعيه فهو في كد وشقاء وجهد وعناء أبداً ﴿والعاقبة﴾ أي الكاملة، وهي التي لا عاقبة في الحقيقة غيرها، وهي الحالة الجميلة المحمودة التي تعقب الأمور، أي تكون بعدها ﴿للتقوى*﴾ أي لأهلها، ولا معولة على الرزق وغيره توازي الصلاة، فقد كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة - أخرجه أحمد عن حذيفة وعلقه البغوي في آخر سورة الحجر، وقال الطبراني في معجمه الأوسط: ثنا أحمد - هو ابن يحيى الحلواني - ثنا سعيد - هو ابن سليمان - عن عبد الله بن المبارك عن معمر عن محمد بن حمزة عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا نزل بأهله الضيق أمرهم بالصلاة، ثم قرأ ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ الآية.
لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن سلام إلا بهذا الإسناد، تفرد به معمر، وقال الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير في تفسيره: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي عبد الله بن أبي زياد القطران ناسيارنا جعفر عن ثابت قال: «كان الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 6046
إذا أصابته خصاصة نادى أهله: يأهلاه! صلوا صلوا» ، قال ثابت: وكان الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة، وقد روى الترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد - وقال الترمذي: حسن غريب - من حديث عمران بن زائدة عن أبيه عن أبي خالد الوالبي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله تعالى: تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك» وروى ابن ماجه من حديث الضحاك عن الأسود عن ابن مسعود ﵁: سمعت نبيكم ﷺ يقول: «من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم أحوال الدنيا لم يبال الله في أيّ أوديتها هلك» وروى أيضاً من حديث عمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد بن ثابت ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمر، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» .
ولما قدم في هذه السورة ما ذكر من قصص الأولين وأخبار
стр. 6047
الماضين، مبكتاً بذلك من أمر قريش بالتعنت من اليهود، فلم يقدروا على إنكار شيء منه ولا توجيه طعن إليه، وخلله ببدائع الحكم، وغرائب المواعظ في أرشق الكلم، وختم ذلك بأعظم داع إلى التقوى، عجب منهم في كونهم لا يذعنون للحق أنفة من المجاهرة بالباطل، أو خوفاً من سوء العواقب، فقال: ﴿وقالوا﴾ ولعله عطف على ما يقدر في حيز قوله ﴿أفلم يهد لهم إلى قوله: إن في ذلك لآيات﴾ من أن يقال: وقد أبوا ذلك ولم يعدوا شيئاً منه آية: ﴿لولا﴾ أي هلا ولم لا ﴿يأتينا﴾ أي محمد رسول الله ﷺ ﴿بآية﴾ أي مثل آيات الأولين ﴿من ربه﴾ المحسن إليه، دالة على صدقه.
ولما تضمن هذا أنهم لم يعدوا شيئاً من هذه البينات - التي أدلى بها على من تقدمه - آية مكابرة، استحقوا الإنكار، فقال: ﴿أولم﴾ أي ألم يأتهم من الآيات في هذا القرآن مما خصصتك به من الأحكام والحكم في أبلغ المعاني بأرشق النظوم ما أعجز بلغاءهم، وأبكم فصحاءهم، فدل قطعاً على أنه كلامي، أو لم ﴿تأتهم بينة ما﴾ أي الأخبار التي ﴿في الصحف الأولى*﴾ من صحف إبراهيم وموسى وعيسى وداود ﵈ في التوارة والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب الإلهية
стр. 6048
كقصتي آدم وموسى المذكورتين في هذه السورة وغيرهما مما تقدم قصة لها كما هي عند أهلها على وجوه لا يعلمها إلا قليل من حذاقهم من غير أن يخالط عالماً منهم أو من غيرهم، ومن غير أن يقدر أحد منهم على معارضة ما أتى به في قصتها من النظم المنتج قطعاً أنه لا معلم له إلا الله المرسل له، وأن أتى به منها شاهد لما في الصحف الأولى من ذلك بالصدق، لأنه كلام الله، فهو بينة على غيره لإعجازه، فجميع الكتب الإلهية مفتقرة إلى شهادته افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة، ولا افتقار له بعد العجز عنه إلى شيء أصلاً، فهو أعظم من آيات جميع الأنبياء اللاتي يطلبون مثلها بما لا يقايس.
ولما تبين بذلك أنهم يطعنون بما لا شبهة لهم فيه أصلاً، أتبعه ما كان لهم فيه نوع شبهة لو وقع، فقال عاطفاً على ﴿ولولا كلمة﴾ : ﴿ولو أنا أهلكناهم﴾ معاملة لهم في عصيانهم بما يقتضيه مقام العظمة ﴿بعذاب من قبله﴾ أي من قبل هذا القرآن المذكور في الآية الماضية
стр. 6049
وما قاربها، وفي قوله ﴿ولا تعجل بالقرآن﴾ صريحاً، وكذا في مبنى السورة ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ ﴿لقالوا﴾ يوم القيامة: ﴿ربنا﴾ يا من هو متصف بالإحسان إلينا ﴿لولا﴾ أي هلا ولم لا ﴿أرسلت﴾ ودلوا على عظمته وعلو رتبته بحرف الغاية فقالوا: ﴿إلينا رسولاً﴾ أي يأمرنا بطاعتك ﴿فنتبع﴾ أي فيتسبب عنه أن نتبع ﴿آياتك﴾ التي يجيئنا بها.
ولما كان اتباعهم لا يستغرق زمان القبل قالوا: ﴿من قبل أن نذل﴾ بالعذاب هذا الذل ﴿ونخزى*﴾ بالمعاصي التي عملناها على جهل هذا الخري فلأجل ذلك أرسلناك إليهم وأقمنا بك حجة عليهم، ونحن نترفق بهم، ونكشف عن قلوب من شئنا منهم ما عليها من الرين بما ننزل من الذكر ونجدد من الآيات حتى نصدق أمرك ونعلي شأنك ونكثر أتباعك وننصر أشياعك.
ولما علم بهذا أن إيمانهم كالمتنع، وجدالهم لا ينقطع، بل إن جاءهم الهدى طعنوا فيه، وإن عذبوا قبله تظلموا، كان كأنه قيل: فما الذي أفعل معهم؟ فقال: ﴿قل كل﴾ أي مني ومنكم ﴿متربص﴾ أي منتظر حسن عاقبة أمره ودوائر الزمان على عدوه ﴿فتربصوا﴾ فإنكم كالبهائم ليس لكم تأمل، ولا تجوزون
стр. 6050
الجائز إلا عند وقوعه ﴿فستعلمون﴾ أي عما قريب بوعد لا خلف فيه عند كشف الغطاء ﴿من أصحاب الصراط﴾ أي الطريق الواضح الواسع ﴿السويّ﴾ أي الذي لا عوج فيه ولا نتوّ، فهو من شأنه أن يوصل إلى المقاصد.
ولما كان صاحب الشيء قد لا يكون عالماً بالشيء ولا عاملاً بما يعلم منه، قال ﴿ومن اهتدى*﴾ أي من الضلالة فحصل على جميع ما ينفعه واجتنب جميع ما يضره، نحن أم أنتم؟ ولقد علموا يقيناً ذلك يوم فتح مكة المشرفة، واشتد اغتباطهم بالإسلام، ودخلوا رغبة في الحلم والكرم، ورهبة من السيف والنقم، وكتنوا بعد ذلك يعجبون من توقفهم عنه ونفرتهم منه، وهذا معناه أنه ﷺ ومن اتبعه هم السعداء الأغنياء الراضون في الدنيا والآخرة، وهو عين قوله تعالى: ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ فقد انطبق الآخر على الأول، ودل على أن العظيم يعامل بالحلم فلا يعجل - والله أعلم.
стр. 6051
مقصودها الاستدلال على تحقق الساعة وقربها ولو بالموت، ووقوع الحساب فيها على الجليل والحقير، لأن موجدها لا شريك له يعوقه عنها، وهن من لا يبدل القول لديه، والدال على ذلك أوضح دلالة مجموع قصص جماعة ممن ذكر فيها من الأنبياء ﵈، ولا يستقل قصة منها استقلالا ظاهرا بجميع ذلك كما سنبين، ولا يخلو قصو من قصصهم من دلالة على شيء من ذلك فنسبت إلى الكل - والله الموفق.
سورة الأنبياء
стр. 6052
﴿بسم﴾ الحكيم العدل الذي تمت قدرته وعم أمره ﴿الله﴾ الملك الذي لا كفوء له ﴿الرحمن﴾ الذي ساوى بين خلقه في رحمة إيجاده ﴿الرحيم*﴾ الذي ينجي من شاء من عباده في معاده.
لما ختمت طه بإنذارهم بأنهم سيعلمون الشقي والسعيد، وكان هذا العلم تارة يكون في الدنيا بكشف الحجاب بالإيمان، وتارة بمعانية ظهور الدينن وتارة بإحلال العذاب بإزهاق الروح بقتل أو غيره، وتارة ببعثها يوم الدين، افتتحت هذه بأجلى ذلك وهو اليوم الذي
стр. 6053
يتم فيه كشف الغطاء فينتقل فيه الخبر من علم اليقين إلى عين اليقين وحق اليقين وهو يوم الحساب، فقال تعالى: ﴿اقترب للناس﴾ أي عامة أنتم وغيركم ﴿حسابهم﴾ أي في يوم القيامة؛ وأشار بصيغة الافتعال إلى مزيد القرب لأنه لا أمة بعد هذه ينتظر أمرها، وأخر الفاعل تهويلاً لتذهب النفس في تعيينه كل مذهب، ويصح أن يراد بالحساب الجزاء، فيكون ذلك تهديداً بيوم بدر والفتح ونحوهما، ويكون المراد بالناس حينئذ قريشاً أو جميع العرب، والحساب: إحصاء الشيء والمجازاة عليه بخير أو شر ﴿وهم﴾ أي الحال أنهم من أجل ما في جبلاتهم من النوس، وهو الاضطراب الموجب لعدم الثبات على حالة الأمن، أنقذه الله منهم من هذا النقص وهم قليل جداً ﴿في غفلة﴾ فهي تعليل لآخر تلك على ما تراه، لأنهم إذا نشروا علموا، وإذا أبادتهم الوقائع علموا هم بالموت، ومن بقي منهم بالذل المزيل لشماخة الكبر، أهل الحق من أهل الباطل، وقوله: ﴿معرضون*﴾ كالتعليل للغفلة، أي أحاطت بهم الغفلة بسبب إعراضهم عما يأتيهم منا، وسيأتي ما يؤيد هذا في قوله آخرها ﴿بل كنا ظالمين﴾ وإلا فالعقول قاضية بأنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما تقدم قوله
стр. 6054
سبحانه ﴿لا تمدن عينيك﴾ [طه: ١٣١]- إلى قوله - ﴿فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى﴾ [طه: ١٣١] قال تعالى ﴿اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون﴾ أي لا تمدن عينيك إلى ذلك فإني جعلته فتنة لمن ناله بغير حق، ونسأل عن قليل ذلك وكثيره ﴿ولتسألن يومئذ عن النعيم﴾ [التكاثر: ٨] والأمر قريب ﴿اقترب للناس حسابهم﴾ وأيضاً فإنه تعالى لما قال ﴿وتنذر به قوماً لداً﴾ [مريم: ٩٧] وهم الشديدو الخصومة في الباطل، ثم قال ﴿وكم أهلكنا قبلهم من قرن﴾ [مريم: ٧٤] إلى آخرها، استدعت هذه الجملة بسط حال، فابتدئت بتأنيسه عليه الصلاة السلام وتسليتة، حتى لا يشق عليه لددهم، فتضمنت سورة طه من هذا الغرض بشارته بقوله ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ [طه: ٢] وتأنيسه بقصة موسى ﵇ وما كان من حال بني إسرائيل وانتهاء أمر فرعون ومكابدة موسى ﵇ لرد فرعون ومرتكبه إلى أن وقصه الله، وأهلكه، وأورث عباده أرضهم وديارهم، ثم اتبعت بقصة آدم ﵇ ليرى نبيه ﷺ سنته في عباده حتى أن آدم ﵇ وإن لم يكن امتحانه بذريته ولا مكابدته من أبناء جنسه - فقد كابد من إبليس ما قصه الله في كتابه، وكل هذا تأنيس للنبي ﷺ ، فإنه إذا تقرر لديه أنه سنة الله تعالى في عبادة هان عليه لدد قريش
стр. 6055
ومكابدتهم، ثم ابتدئت سورة الأنبياء ببقية هذا التأنيس، فبين اقتراب الحساب ووقوع يوم الفصل المحمود فيه ثمرة ما كوبد في ذات الله والمتمنى فيه أن لو كان ذلك أكثر والمشقة أصعب لجليل الثمرة وجميل الجزاء، ثم اتبع ذلك سبحانه بعظات، ودلائل وبسط آيات، وأعلم أنه سبحانه قد سبقت سنته بإهلاك من لم يكن منه الإيمان من متقدمي القرون وسالفي الأمم
﴿ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها﴾ [الأنبياء: ٦] وفي قوله ﴿أفهم يؤمنون﴾ [الأنبياء: ٦] تعزية لرسول الله ﷺ في أمر قريش ومن قبل ما الكلام بسبيله، وقد تضمنت هذه السورة إلى ابتداء قصة إبراهيم ﵇ من المواعظ والتنبيه على الدلالات وتحريك العباد إلى الاعتبار بها ما يعقب لمن اعتبر به التسليم والتفويض لله سبحانه والصبر علىلابتلاء وهو من مقصود السورة، وفي قوله ﴿ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين﴾ [الأنبياء: ٩] إجمال لما فسره النصف الأخير من هذه السورة من تخليص الرسل ﵈ من قومهم وإهلاك من أسرف وأفك ولم يؤمن، وفي ذكر تخليص الرسل وتأييدهم الذي تضمنه النصف الأخير من لدن قوله ﴿ولقد ءاتينا إبراهيم رشده﴾ [الأنبياء: ٥١] إلى آخر السورة كمال الغرض المتقدم من التأنيس وملاءمة ما تضمنته سورة طه وتفسير لمجمل ﴿وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم
стр. 6056
من أحد أو تسمع لهم ركزاً﴾ [مريم: ٩٨] انتهى.
ولما أخبر سبحانه عن غفلتهم وإعراضهم، علل ذلك بقوله: ﴿ما يأتيهم﴾ وأعرق في النفي بقوله: من ﴿ذكر﴾ أي وحي يذكر بما جعل في العقول من الدلائل عليه سبحانه ويوجب الشرف لمن أتبعه ﴿من ربهم﴾ المحسن إليهم بخلقهم وتذكيرهم، قديم لكونه صفة له ﴿محدث﴾ إنزاله ﴿إلا استمعوه﴾ أي قصدوا سماعه وهو أجد الجد وأحق الحق ﴿وهم﴾ أي والحال أنهم ﴿يلعبون*﴾ أي يفعلون فعل اللاعبين بالاستهزاء به ووضعه في غير مواضعه وجعلهم استماعهم له لإرادة الطعن فيه، فهو قريب من قوله ﴿لا تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه﴾ [فصلت: ٢٦] ﴿لاهية قلوبهم﴾ أي غارقة قلوبهم في اللهو، مشغولة به عما حداها إليه القرآن، ونبهها عليه الفرقان، وحذرها منه البيان، قال الرازي في اللوامع: لاهية: مشتغلة من لهيت ألهى: أو طالبة للهو، من لهوت ألهو - انتهى. ويمكن أن يراد بالناس مع هذا كله العموم ويكون من باب قوله تعالى
﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [
стр. 6057
الأنعام: ٩١] وقوله ﷺ «لا أحصي ثناء عليك» وأن يخص بالكفار.
ولما ذكر ما يظهرونه في حال الاستماع من اللهو واللعب، ذكر ما يخفونه من التشارو في الصد عنه وإعمال الحيلة في التنفير منه والتوثق من بعضهم لبعض في الثبات على المجانبة له فقال عاطفاً على ﴿استمعوا﴾ : ﴿وأسروا﴾ أي الناس المحدث عنهم ﴿النجوى﴾ أي بالغوا في إسرار كلامهم بسبب الذكر، لأن المناجاة في اللغة السر - كذا في القاموس، وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: والنجوى: الكلام بين اثنين كالسر والتشاور.
ولما أخبر بسوء ضمائرهم، أبدل من ضميرهم ما دل على العلة الحاملة لهم على ذلك فقال: ﴿الذين ظلموا﴾ ثم بين ما تناجوا به فقال: ﴿هل﴾ أي فقالوا في تناجيهم هذا، معجبين من ادعائه النبوة مع مماثلته لهم في البشرية: هل ﴿هذا﴾ الذي أتاكم بهذا الذكر ﴿إلا بشر مثلكم﴾ أي خلقه وأخلاقه من الأكل والشرب والحياة والموت، فكيف يختص عنكم بالرسالة؟ ما هذا الذي جاءكم به مما لا تقدرون على مثله
стр. 6058
إلا سحر لا حقيقة له، فحينئذ تسبب عن هذا الإنكار في قولهم: ﴿أفتأتون السحر وأنتم﴾ أي والحال أنكم ﴿تبصرون*﴾ بأعينكم أنه بشر مثلكم، وببصائركم أن هذه الخوارق التي يأتي بها يمكن أن تكون سحراً، فيا لله العجب من قوم رأوا ما أعجزهم فلم يجوزوا أن يكون عن الرحمن الداعي إلى الفوز بالجنان وجزموا بأنه من الشيطان الداعي إلى الهوان، باصطلاء النيران، والعجب أيضاً أنهم أنكروا الاختصاص بالرسالة مع مشاهدتهم لما يخص الله به بعض الناس عن بعض الذكاء والفطنة، وحسن الخلائق والأخلاق، والقوة والصحة، وطول العمر وسعة الرزق - ونحو ذلك من القيافة والعيافة والرجز والكهانة، ويأتون أصحابها لسؤالهم عما عندهم من ذلك من العلم.
ولما كان الله تعالى لا يقر من كذب عليه، فضلاً عن أن يصدقه ويؤيده، ولا يخفى عليه كيد حتى يلزم منه نقص ما أراده، قال دالاً لهم على صدقه منبهاً على موضع الجحة في أمره - على قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم، وجواباً لمن كأنه قال: فماذا يقال لهؤلاء؟ - على قراءة الباقين: ﴿قال ربي﴾ المحسن إليّ بتأييدي بكل ما يبين صدقي ويحمل على أتباعي ﴿يعلم القول﴾ سواء كان
стр. 6059
سراً أو جهراً.
ولما كان من يسمع من هاتين المسافتين يسمع من أيّ مسافة فرضت غيرهما قطعاً، لم يحتج إلى جمع على أنه يصح إرادة الجنس فقال: ﴿في السماء والأرض﴾ على حد سواء، لأنه لا مسافة بينه وبين شيء من ذلك ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿السميع العليم*﴾ يسمع كل ما يمكن سمعه، ويعلم كل ما يمكن علمه من القول وغيره، فهو يسمع سركم، ويبطل مكركم، ويسمع ما أنسبه إليه من هذا الذكر، فلو لم يكن عنه لزلزل بي، وقد جرت سنته القديمة في الأولين، بإهلاك المكذبين، وتأييد الصادقين، وإنجائهم من زمن نوح ﵇ إلى هذا الزمان، ولعلمه بحال الفريقين.
وستعلمون لمن تكون له العاقبة، وقد أشار إلى هذا في هؤلاء الأنبياء ﵈ الذين دل بقصصهم في هذه السورة على ما تقدمها من الأحكام والقضايا ﴿وكنا به عالمين﴾ [الأنبياء: ٥١] ﴿إذ قال لأبيه وقومه وكنا لحكمهم شاهدين﴾ و ﴿كنا بكل شيء عالمين﴾ [الأنبياء: ٨٨] ﴿وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون﴾ [الأنبياء: ١٠٩] ﴿إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون﴾ [الأنبياء: ١١٠] ﴿إن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ﴿ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾ [النور: ٥٥] .
стр. 6060
ولما كانت أقوالهم في أمر القرآن قد اضطربت، والإضطراب من أمارات الباطل، وكان وصفهم له بأنه سحر مما يهول السامع ويعلم منه أنه معجز، فربما أدى إلى الاستبصار في أمره، أخبر أنهم نزلوا به عن رتبة السحر على سبيل الاضطراب فقال: ﴿بل قالوا﴾ أي عن هذا الذكر الحكيم أنه ﴿أضغاث أحلام﴾ أي تخاليط نائم مبناه الباطل وإن كان ربما صدق بالأخبار ببعض المغيبات التي كشف الزمان عن أنها كما أخبر القرآن، ثم أنزلوا عن ذلك إلى الوصف موجب لأعظم النفرة عنه وعمن ظهر عنه فقالوا: ﴿بل افتراه﴾ أي تعمد وصفه من عند نفسه ونسبه إلى الله.
ولما كان ذلك لا ينافي كون مضمونه صادقاً في نفسه، قالوا ﴿بل هو شاعر﴾ أي يخيل ما لا حقيقة له كغيره من الشعراء، تتربص به ريب المنون لأنه بشر كما تقدم، فلا بد أن يموت ونستريح بعد موته، وإليه أشار في آخر التي قبلها ﴿قل كل متربص﴾ [طه: ١٣ ٥] إلى أخره، فاضطربت أقوالهم وعوّلوا أخيراً على قريب من السحر في نفي الحقيقة.
ولما كانوا يصفون القرآن بجميع هذه الأوصاف جملة، يقولون لكل شخص ما رأوه أنسب له منها، نبه الله سبحانه كل من له لب على بطلانها كلها بتناقضها بحرف الإضراب إشارة إلى أنه كان يجب على
следующие страницы →