← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

بعد ثلاثين ليلة ولم يعين له أولها، وكأنه لاشتياقه إلى ما رأى من التعرف إليه بمقام الجمال لم يتوقف على خصوص إذن من الله تعالى في أول وقت الإتيان اكتفاء بمطلق الأمر السابق في الميعاد، فتعجل بعشرة أيام عن الوقت الذي علم الله أن الكلام يقع فيه بعد الثلاثين التي ضربها لذلك، وأمر موسى ﵇ قومه عند نهوضه، وتقدم إليهم في اتباعه والكون في أثره للحلول في الأماكن التي حدها الله لهم وأمر السبعين المختارة بمثل ذلك، وكأنهم لما مضى تلبثوا لما رأوا من مقام الجلال، فلما مضت الثلاثون بعد ذهاب موسى لم يكن أتى الوقت الذي أراد الله أن تكون المناجاة فيه، فزاده عشراً فظن بنو اسرائيل الظنون في تلك العشرة، ووقع لهم ما وقع من اتخاذ العجل. ولما كان ذلك - والله أعلم بما كان، وكان أعظم ما مضى في آية الامتنان عليهم والتعرف بالنعم إليهم المواعدة لهدايتهم بالآيات المرئية والمسموعة، وختم ذلك بالإشارة إلى الاجتهاد في الإقبال على الهدى، أتبع ذلك ذكر ضلالهم بعد رؤية ما يبعد معه كل البعد إلمام من رآه بشيء من الضلال، كل ذلك لإظهار القدرة التامة على التصرف في القلوب بضد ما يظن بها، وكان تنجز المواعيد ألذ شيء للقلوب وأشهاه إلى النفوس، وكان السياق مرشداً حتماً إلى أن

стр. 5987

التقدير: فأتوا إلى الطور لميعادنا، وتيمموا جانبه الأيمن بأمرنا ومرادنا، وتعجل موسى صفينا الصعود فيه مبادراً لما عنده من الشوق إلى ذلك المقام الشريف وتأخر مجيء قومه عن الإتيان معه، فقلنا: ما أخر قومك عن الأتيان معك؟ فعطف عليه قوله: ﴿وما أعجلك﴾ أي أيّ شيء أوجب لك العجلة في المجيء ﴿عن قومك﴾ وإن كنت بادرت مبادرة المبالغ في الاسترضاء، أما علمت أن حدود الملوك لا ينبغي تجاوزها بتقدم أو تأخر؟ ﴿يا موسى*﴾ فهلا أتيتم جمله وانتظرتم أمراً أمراً جديداً بخصوص الوقت الذي استحضركم فيه ﴿قال﴾ موسى ظناً منه أنهم أسرعوا وراءه: ﴿هم﴾ وأتى باسم الإشارة وأسقط منه هاء التنبيه لأنه لا يليق بخطاب الله، قال ابن هبيرة: ولم أر أحداً من الأصفياء خاطب ربه بذلك، وإنما خاطب به الكفار لغباوتهم ﴿قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك﴾ [النحل: ٨٦] في أمثالها وأما آخر الزخرف فقد ذكر التعبير بها في موضعه ﴿أولاء﴾ أي هم في القرب بحيث يسار إليهم، كائنين ﴿على أثري﴾ أي ماشين على آثار مشيي قبل أن ينطمس لم أسبقهم إلا بشيء جرت العادة في السبق بمثله بين الرفاق، هذا بناء منه على ما كان عهد إليهم، وأكد فيه عليهم: ثم اعتذر عن فعله فقال: ﴿وعجلت﴾

стр. 5988

أنا بالمبادرة ﴿إليك﴾ وجرى على عادة أهل القرب كما يحق له فقال: ﴿رب﴾ أي أيها المسارع في إصلاح شأني والإصلاح إليّ ﴿لترضى*﴾ عني رضاً أعظم مما كان ﴿قال﴾ الرب سبحانه: ﴿فإنا﴾ أي قد تسبب عن عجلتك عنهم أنا ﴿قد فتنا﴾ أي خالطنا بعظمتنا مخالطة مميلة محيلة ﴿قومك﴾ بتعجلك. ولما كانت الفتنة لم تستغرق جميع الزمن الذي كان بعده، وإنما كانت في بعضه، أدخل الجارّ فقال: ﴿من بعدك﴾ أي خالطناهم بأمر من أمرنا مخالطة أحالتهم عما عهدتهم عليه، وكان ذلك بعد تمام المدة التي ضربتها لهم، وهي الثلاثون بالفعل وبالقوة فقط، من أول ما فارقتهم بضربك لتلك المدة باعتبار أن أول إتيانك هو الذي كان سبب الفتنة لزيادة أيام الغيبة بسببه لأنا زدنا في آخر المدة بمقدار ما عجلت به في أولها، فلما تأخر رجوعك إليهم حصل لهم الفتون بالفعل، فظنوا مرجمات الظنون. ولما عمتهم الفتنة إلا اثني عشر ألفاً من أكثر من ستمائة ألف،

стр. 5989

أطلق الضلال على الكل فقال: ﴿وأضلهم السامري*﴾ أي عن طريق الرشد بما سبب لهم؟ روى النسائي في التفسير من سننه، وأبو يعلى في مسنده وابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما عن ابن عباس ﵄ في حديث الفتون أن موسى ﵇ لما وعده ربه أن يكلمه استخلف على قومه أخاه هارون ﵇، وأجلهم ثلاثين يوماً، وذهب فصامها ليلها ونهارها، ثم كره أن يكلم ربه وريح فمه متغير، فمضغ شيئاً من نبات الأرض فقال له ربه: أوما علمت أن ريح الصائم أطيب من ريح المسك؟ ارجع فصم عشراً، فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم وقال: إنكم خرجتم من مصر، ولقوم فرعون عندكم عواريّ وودائع، ولكم فيها مثل ذلك، وأنا أرى أن تحسبوا ما لكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عاريّة، ولسنا برادين إليهم شيئاً من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيراً وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير، ثم أوقد النار فأحرقه

стр. 5990

فقال: لا يكون لنا ولا لهم، وكان السامري من قوم يعبدون البقر، جيران لبني إسرائيل ولم يكن من بني إسرائيل، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا، فقضى له أن رأى أثراً فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون ﵇: يا سامري! ألا تلقي ما في يدك - وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك اليوم، فقال هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد، فألقاها ودعا له هارون، فقال: أريد أن يكون عجلاً، فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد، فصار عجلاً أجوف ليس فيه الروح، له خوار، قال ابن عباس ﵄: لا والله! ما كان له صوت قط، إنما كانت الريح تدخل في دبره فتخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك، فتفرق بنو إسرائيل فرقاً، فقالت فرقة: يا سامري! ما هذا وأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم، ولكن موسى أضل الطريق، فقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى. فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأيناه، وإن لم يكن ربنا فإنّا نتبع موسى، وقالت فرقة: هذا عمل الشيطان، وليس بربنا، ولن نؤمن

стр. 5991

به ولن نصدق، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به - الحديث. ثم سبب عن إخباره سبحانه له بذلك قوله: ﴿فرجع موسى﴾ أي لما أخبره ربه بذلك ﴿إلى قومه﴾ أي الذين لهم قوة عظيمة على ما يحاولونه ﴿غضبان أسفاً*﴾ أي شديد الحزن أو الغضب؛ واستأنف قوله: ﴿قال﴾ لقومه لما رجع إليهم مستعطفاً لهم: ﴿يا قوم﴾ وأنكر عليهم بقوله: ﴿ألم يعدكم ربكم﴾ الذي طال إحسانه إليكم ﴿وعداً حسناً﴾ أي بأنه ينزل عليكم كتاباً حافظاً، ويكفر عنكم خطاياكم، وينصركم على أعدائكم - إلى غير ذلك من إكرامه. ولما جرت العادة بأن طول الزمان ناقض للعزائم، مغير للعهود، كما قال أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري في هذا البيت: لا أنسينك إن طال الزمان بنا ... وكم حبيب تمادى عهده فنسي وكان ﵊ قريب العهد بهم، أنكر طول العهد بقوله، مستأنفاً عما تقديره: هل ترك ربكم مواعيده لكم وقطع معروفه عنكم: ﴿أفطال عليكم العهد﴾ أي زمن لطفه بكم، فتغيرتم عما

стр. 5992

فارقتكم عليه كما يعتري أهل الرذائل الانحلال في العزائم لضعف العقول وقلة التدبر ﴿أم أردتم﴾ بالنقض مع قرب العهد وذكر الميثاق ﴿أن يحل عليكم﴾ بسبب عبادة العجل ﴿غضب من ربكم﴾ أي المحسن إليكم، وكلا الأمرين لم يكن، أما الأول فواضح، وأما الثاني فلا يظن بأحد إرادته، والحاصل أنه يقول: إنكم فعلتم ما لا يفعله عاقل ﴿فأخلفتم﴾ أي فتسبب عن فعلكم ذلك أن أخلفتم ﴿موعدي*﴾ في إجلال الله والإتيان إلى الموضع الذي ضربه لكم لكلامه لي وإنزال كتابه عليّ إحساناً إليكم وإقبالاً عليكم، وكأنه أضاف الموعد إليه أدباً مع الله تعالى وإعظاماً له، أو أنه لما كان إخلاف الموعد المؤكد المعين الذي لا شبهة فيه، لما نصب عليه من الدلائل الباهرة، وأوضحه من البراهين الظاهرة، لا يكون إلا بنسيان لطول العهد، أو عناد بسوء قصد، وكان من أبلغ المقاصد وأوضح التقرير إلجاء الخصم بالسؤال إلى الاعتراف بالمراد، سألهم عن تعيين أحد الأمرين مع أن طول العهد لا يمكن ادعاؤه، فقال ما معناه: أطال عليكم العهد بزيادة عشرة أيام فنسيتم فلم يكن عليكم في الإخلاف جناح؟ أم أردتم أن يحل عليكم الغضب فعاندتم؟ فكانت الآية من الاحتباك: ذكر طول العهد الموجب للنسيان أولاً دليل

стр. 5993

على حذف العناد ثانياً، وذكر حلول الغضب ثانياً دليل على انتفاء الجناح أولاً، وسر ذلك أن ذكر السبب الذي هو طول العهد أدل على النسيان الذي هو المسبب، وإثبات الغضب - وهو المسبب - أنكأ من إثبات سببه الذي هو العناد.

стр. 5994

ولما تشوف السامع إلى جوابهم، استأنف ذكره فقال: ﴿قالوا﴾ : لم يكن شيء من ذلك. ولما كان المقصود من هذا السياق كله إظهار عظيم القدرة، عبر عن ذلك بقوله، حكاية عنهم للاعتراف بما قررهم موسى ﵇ به من العناد معتذرين عنه بالقدرة، والاعتذار به لا يدفع العقوبة المرتبة على الذنب: ﴿ما أخلفنا موعدك بملكنا﴾ أي لقد صدقت فيما قلت، ولكنا لم نفعل ذلك ونحن بملك أمرنا - هذا على قراءة الجماعة بالكسر، وعلى قراءة نافع وعاصم بالفتح المعنى: ولنا ملكة نتصرف بها في أنفسنا، وعلى قراءة حمزة والكسائي بالضم كأنهم قالوا: ولنا سلطان قاهر لأمورنا - على أنهم قد ذكروا أن القراءات الثلاث لغات لمعنى واحد، قال في القاموس: ملكه يملكه ملكاً مثلثة: احتواه قادراً

стр. 5995

على الاستبداد به، والمعنى أن السامري زين لهم ذلك، ووسوس به الشيطان فما دورا إلا وقد تبعوه حتى كانوا كأنهم يقادون إليه بالسلاسل، وقيل هذا كلام من لم يعبده، اعتذروا بأنهم كانوا قليلاً، لا قدرة لهم على مقاومة من عبده، وهذا كله إشارة إلى أنه تعالى هو المتصرف في القلوب، فهو قادر على أن يرد كفار قريش والعرب من بعد عنادهم، ولددهم وفسادهم ﴿ولكنا﴾ كنا ﴿حملنا أوزاراً﴾ أي أثقالاً من النقدين هي أسباب الآثام، كما تقدم في الأعراف أن الله أمرهم في التوراة أن يستعيروها من القبط فخربوهم بها، وكأن هذا ما كان خيانة في ذلك الشرع، أو أن الله تعالى أباح لهم ذلك في القبط خاصة ﴿من زينة القوم﴾ الذين لم نكن نعرف قوماً غيرهم، وغيرهم ليس حقيقاً بإطلاق هذا اللفظ عليه وهم القبط، فقضى لنا أن نقذفها في النار، وتوفرت الدواعي على ذلك واشتدت بحيث لم نتمالك ﴿فقذفناها فكذلك﴾ أي فتعقب هذا أنه مثل ذلك الإلقاء

стр. 5996

﴿ألقى السامري*﴾ وهو لصيق انضم إليهم من قبط مصر، ألقى ما كان معه، أما من المال وإما من أثر الرسول، كما مضى ويأتي، وكأن إلقاءه كان آخراً. ولما كان خروج التمثال عقب إلقاءه، حعل كأنه المتسبب في ذلك، فقيل مع العدول عن أسلوب التكلم استهجاناً لنسبة أمر العجل إلى المتكلم: ﴿فأخرج لهم﴾ أي لمن شربه وعبده، وجعل الضمير للغيبة يؤيد قول من جعل هذا كلام من لم يعبد العجل، والمعنى عند من جعله من كلام العابدين أنهم دلوا بذلك على البراءة منه والاستقذار له. ولما كان شديد الشبه للعجول، قيل: ﴿عجلاً﴾ وقدم قوله: ﴿جسداً﴾ لنعرف أن عجليته صورة لا معنى - على قوله: ﴿له خوار﴾ لئلا يسبق إلى وهم أنه حي، فتمر عليه لمحة على اعتقاد الباطل ﴿فقالوا﴾ أي فتسبب عن ذلك أن السامري قال فتابعه عليه من أسرع في الفتنة أول ما رآه: ﴿هذا﴾ مشرين إلى العجل الذي هو على صورة ما هو

стр. 5997

مثل في الغباوة ﴿إلهكم وإله موسى * فنسى *﴾ أي فتسبب عن أنه إلهكم أن موسى نسي - بعدوله عن هذا المكان - موضعه فذهب يطلبه في مكان غيره، أو نسي أن يذكره لكم. ولما كان هذا سبباً للإنكار على من قال هذا، قال: ﴿أفلا يرون﴾ أي أقالوا ذلك؟ فتسبب قولهم عن عماهم عن رؤية ﴿أن﴾ أي أنه ﴿لا يرجع إليهم قولاً*﴾ والإله لا يكون أبكم ﴿ولا يملك لهم ضراً﴾ فيخافوه كما كانوا يخافون فرعون فيقولوا ذلك خوفاً من ضره ﴿ولا نفعاً*﴾ فيقولوا ذلك رجاء له. ولما كان الذنب مع العلم أبشع، والضلال بعد البيان أشنع، قال عاطفاً على قوله ﴿قال يا قوم ألم يعدكم﴾ أو على قوله «قالوا ما أخلفنا» : ﴿ولقد قال لهم هارون﴾ أي مع أن من لم يعبده لم يملكوا رد من عبده. ولما كان قولهم في بعض ذلك الزمان، قال: ﴿من قبل﴾ أي من قبل رجوع موسى، مستعطفاً لهم: ﴿يا قوم﴾ ثم حصر أمرهم ليجتمع فكرهم

стр. 5998

ونظرهم فقال: ﴿إنما فتنتم﴾ أي وقع اختباركم فاختبرتم في صحة إيمانكم وصدقكم فيه وثباتكم عليه ﴿به﴾ أي بهذا التمثال في إخراجه لكم على هذه الهيئة الخارقة للعادة. وأكد لأجل إنكارهم فقال: ﴿وإن ربكم﴾ أي الذي أخرجكم من العدم ورباكم بالإحسان ﴿الرحمن﴾ وحده الذي فضله عام ونعمه شاملة، فليس على البر ولا فاجر نعمة إلا وهي منه قبل أن يوجد العجل، وهو كذلك بعده. ومن رحمته قبول التوبة، فخافوا نزع نعمه بمعصيته، وارجوا إسباغها بطاعته ﴿فاتبعوني﴾ بغاية جهدكم في الرجوع إليه ﴿وأطيعوا أمري*﴾ في دوام الشرف بالخضوع لديه، ودوام الإقبال عليه، بدفع عنكم ضيره، ويفض عليكم خيره. ولما كان هذا موضع أن يسأل من جوابهم لهذا الأمر الواضح الذي لا غبار عليه، قيل: ﴿قالوا﴾ بفظاظة وجمود: ﴿لن نبرح عليه﴾ أي على هذا العجل ﴿عاكفين﴾ أي مقيمين مستديرين مجتمعين وإن حاربنا في ذلك ﴿حتى يرجع إلينا موسى*﴾ فدافعهم،

стр. 5999

فهمّوا به، وكان معظمهم قد ضل، فلم يكن معه من يقوى بهم، فخاف أن يجاهد بهم الكافرين فلا يفيد ذلك شيئاً، ويقتل بعضهم فيحمى له آخرون من ذوي رحمة الأقربين، فيصير بين بني إسرائيل فرقة يبعد ضم شتاتها وتلافي دهمائها، وكانوا قد غيوا الرجوع برجوع موسى ﵇ مع أنه لم يأمره بجهاد من ضل، إنما قال له ﴿وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ [الأعراف: ١٤٢] فرأى من الإصلاح اعتزلهم إلى أن يأتي، فلما ذكر ما قال هارون ﵇، التفتت النفس إلى علم ما قال له موسى ﵇ لأنه خليفته عليهم، مع كونه راساً في نفسه، فدفع هذا العناء بقوله، مسقطاً أخذه برأس أخيه لما تقدم من ذكره ويأتي هنا من الدلالة عليه، ولم تدع إليه ضرورة في هذه السورة التي من أعظم مقاصدها الدلالة على تليين القلوب: ﴿قال﴾ أي موسى: ﴿يا هارون﴾ أنت نبي الله وأخي ووزيري وخليفتي فأنت أولى الناس بأن ألومه، وأحقهم بأن أعاتبه ﴿ما منعك إذ﴾ أي حين ﴿رأيتهم ضلوا*﴾ عن طريق الهدى، واتبعوا سبيل الردى، من اتباعي في سيرتي فيهم من الأخذ على يد الظالم طوعاً أو كرهاً،

стр. 6000

اتباعاً لا تزيغ فيه عما نهجته لك بوجه من الوجوه شيئاً من زيغ، وعبر عن هذا التأكيد بزيادة «لا» في قوله: ﴿ألاَّ تتبعن﴾ كما تقدم غير مرة أن النافي إذا زيد في الكلام كان نافياً لضد مضمونه فيفيد إثباتاً للمضون ونفياً لضده، فيكون ذلك في غاية التأكيد ﴿أفعصيت﴾ أي أتكبرت عن اتباعي فتسبب عن ذلك أنك عصيت ﴿أمري*﴾ وأخذ بلحيته وبرأسه يجره إليه غضباً لله تعالى، فكأنه قيل: ما قال له؟ فقيل: ﴿قال﴾ مجيباً له مستعطفاً بذكر أول وطن ضمهما بعد نفخ الروح مع ما له من الرقة والشفقة: ﴿يبنؤم﴾ فذكره بها خاصة وإن كان شقيقه لأنه يسوءها ما يسوءه، وهي أرق من الأب ﴿لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾ أي بشعره؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إني خشيت أن تقول﴾ إن اشتددت عليهم حتى يصل الأمر إلى القتال ﴿فرقت بين بني إسرائيل﴾ بفعلك هذا الذي لم يُجْدِ شيئاً لقلة من كان معك وضعفكم عن ردهم ﴿ولم ترقب قولي*﴾ ﴿اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ ولم تقل وارددهم ولو أدى الأمر إلى السيف، وهذا كما كان النبي ﷺ مأموراً بالصفح والحلم والمدافعة باللين عند ضعف الناصر وقلة المعين.

стр. 6001

ولما فرغ من نصيحة أقرب الناس إليه وأحقهم بنصيحته وحفظه على الهدى إذ كان رأس الهداة، تشوف السامع إلى ما كان من غيره، فاستأنف تعالى ذكره بقوله: ﴿قال﴾ أي موسى ﵇ لرأس أهل الضلال معرضاً عن أخيه بعد قبول عذره. جاعلاً ما نسب إليه سبباً لسؤاله عن الحامل له عليه: ﴿فما خطبك﴾ أي أمرك هذا العجيب العظيم الذي حملك على ما صنعت وأخبرني العزيز العليم أنك أنت أضللتهم به ﴿يا سامري * قال﴾ السامري مجيباً له: ﴿بصرت﴾ من البصر والبصيرة ﴿بما لم يبصروا به﴾ من أمر الرسول الذي أجاز بنا البحر ﴿فقبضت﴾ أي فكان ذلك سبباً لأن قبضت ﴿قبضة﴾ أي مرة من القبض، أطلقها على المقبوض تسمية للمفعول بالمصدر ﴿من أثر﴾ فرس ذلك ﴿الرسول﴾ أي المعهود ﴿فنبذتها﴾ في الحلي الملقى في النار، أو في العجل ﴿وكذلك﴾ أي وكما سولت لي نفسي أخذ اثره ﴿سولت﴾ أي حسنت وزينت ﴿لي نفسي﴾ نبذها في الحلي فنبذتها، فكان منها ما كان، ولم يدعني إلى ذلك داع ولا حملني عليه حامل غير التسويل. ولما كان فعله هذا مفرقاً لبني إسرائيل عن طريق الحق

стр. 6002

التي كانوا عليها، وجامعاً لهم على تمثال حيوان هو من أخس الحيوانات، وعلى نفسه بكونه صار متبوعاً في ذلك الضلال، لكونه كان سببه، عوقب بالنفرة من الإنسان الذي هو أشرف الحيوان، ليكون ذلك سبباً لضد ما تسبب عن فعله، فيعاقب بالدنيا بعقوبة لا شيء أشد منها وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعاً كلياً فلا يتصل بأحد ولا يتصل به أحد، بل يكون وحيداً طريداً ما دام حياً، فلذلك استؤنف الإخبار عن هذا بقوله تعالى: ﴿قال﴾ أي له موسى ﵇: ﴿فاذهب﴾ أي تسبب عن فعلك أني أقول لك: اذهب من بيننا، أو حيث ذهبت ﴿فإن لك في الحياة﴾ أي ما دمت حياً ﴿أن تقول﴾ لكل من رأيته: ﴿لا مساس﴾ أي لا تمسني ولا أمسك، فلا تقدر أن تنفك عن ذلك لإرادة الإله الحق ذلك بك وترغيبك فيه - بما أفادته اللام، لتعلم أنت ومن تبعك أنكم كنتم على أعظم ضلال في ترك القادر على كل شيء، واتباع ما لا قدرة له على شيء ﴿وإن لك﴾ بعد الممات ﴿موعداً﴾ للثواب إن تبت، وللعقاب إن أبيت

стр. 6003

﴿لن تخلفه﴾ مبنياً للفاعل وللمفعول، أي لا يكون خلفك ولا تكون أنت خلفه، بل يكون كل منكما مواجهاً لصاحبه، لا انفكاك له عنه، كما أنك في الحياة لا تقدر أن تنفك عن النفرة من الناس، فاختر لنفسك ما يحلو. ولما ذكر ما للإله الحق من القدرة التامة في الدارين، أتبعه عجز العجل فقال: ﴿وانظر إلى إلهك﴾ أي بزعمك ﴿الذي ظلت﴾ أي دمت في مدة يسيرة جداً بما أشار إليه تخفيف التضعيف ﴿عليه عاكفاً﴾ أي مقبلاً مقارباً مواظباً جهاراً ﴿لنحرقنه﴾ أي بالنار وبالمبرد - كما سلف عن نص التوراة، وكان معنى ذلك أنه أحماه حتى لان فهان على المبارد ﴿ثم لننسفنه﴾ أي لنذرينه إذا صار سحالة ﴿في اليم﴾ أي البحر الذي أغرق الله فيه آل فرعون وهو أهل لأن يقصد فيجمع الله سحالته التي هي من حيلهم وأموالهم فيحميها في نار جهنم ويكويهم ويجعلها من أشد العذاب عليهم، وأكد الفعل إظهاراً لعظمة الله الذي أمره بذلك، وتحقيقاً للصدق في الوعد فقال: ﴿نسفاً﴾ .

стр. 6004

ولما أراهم بطلان ما هم عليه بالعيان، أخبرهم بالحق على وجه الحصر

стр. 6005

فقال: ﴿إنما إلهكم﴾ جميعاً ﴿الله﴾ أي الجامع لصفات الكمال؛ ثم كشف المراد من ذلك وحققه بقوله: ﴿الذي لا إله إلا هو﴾ أي لا يصلح لهذا المنصب أحد غيره لأنه ﴿وسع كل شيء علماً*﴾ تمييز محول عن الفاعل، أي أحاط علمه بكل شيء، فكان على كل شيء ممكن قديراً، فكان كل شيء إليه فقيراً، وهو غني عن كل شيء، وجوده يباين وجود غيره، وذاته تباين ذات غيره، وصفاته تباين صفات غيره، وأما العجل الذي عبدوه فلو كان حياً كان مثلاً في الغباوة، فلا يصلح للإلهية بوجه ولا في عبادته شيء من حق، وكان القياس على ما يتبادر إلى الذهن حيث نفى عنه العلم بقوله ﴿ألا يرجع إليهم قولاً﴾ والقدرة بقوله ﴿ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً﴾ أن يثبتا هنا للاله الحق، ولكنه اعتنى بإثبات العلم الواسع لاستلزامه للقدرة على كل ما يمكن أن يتعلق به، بإفادة الأسباب لشيء المراد، ومنع الموانع عنه فيكون لا محالة، ولو لم يكن كذلك لكان التخلف للجهل إما بما يفيد مقتضياً أو يمنع مانعاً، وأدل دليل على ذلك قوله تعالى ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء﴾ [الأعراف: ١٨٨] ولا يستلزم إثبات القدرة المحيطة العلم الشامل لخروج قسم

стр. 6006

المحال الذي ليس من شأن القدرة أن تتعلق به. ولما تمت هذه القصة على هذا الأسلوب الأعظم، والسبيل الأقوم، متكفلة بالدلالة على القدرة على ما وقعت إليه الإشارة من البشارة أول السورة بتكثير هذه الأمة ورد العرب عن غيهم بعد طول التمادي في العناد، والتنكب عن سبيل الرشاد، إلى ما تخللها من التسلية بأحوال السلف الصالح والتأسية، مفصلة من أدلة التوحيد والبعث، وغير ذلك من الحكم، بما يبعث الهمم، على معالي الشيم، كان كأنه قيل: هل يعاد شيء من القصص على هذا الأسلوب البديع والمثال الرفيع؟ فقيل: نعم ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا القص العالي، في هذا النظم العزيز الغالي، لقصة موسى ومن ذكر معه ﴿نقص عليك﴾ أي بما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء؛ وأشار إلى جلالة علمه بقوله: ﴿من أنباء﴾ أي أخبار ﴿ما قد سبق﴾ من الأزمان والكوائن الجليلة، زيادة في علمك، وإجلالاً لمقدارك، وتسلية لقلبك، وإذهاباً لحزنك، بما اتفق للرسل من قبلك وتكثيراً لأتباعك وزيادة في معجزاتك، وليعتبر السامع ويزداد المستبصر في دينه بصيرة وتأكد الحجة على من عابه: ﴿وقد ءاتيناك﴾ من عظمتنا

стр. 6007

تشريفاً لك وتعظيماً لقدرك ﴿من لدنا﴾ أي من عندنا من الأمر الشريف بمزيد خصوصيته بنا ولطيف اتصاله بحضرتنا من غيب غيباً ﴿ذكرا*﴾ عظيماً جليلاً جامعاً لما أظهرناه من أمرنا في التوراة، وما ابطنّاه من سرنا في الإنجيل، وما أودعناه من سكينتنا في الزبور، مع ما خصصناه به من لطائف المزايا، وعظائم الأسرار، يعرف بمجرد تلاوته أنه من عندنا لما يُشهد له من الروح، ويُذاق له من الإخبات والسكون، ويرى له من الجلالة في الصدور مع القطع بأن أحداً لا يقدر أن يعارضه، وضمناه تلك القصص مع ما زدنا فيه على ذلك من المواعظ والأحكام ودقائق اشارات الحقائق، متكفلاً بسعادة الدارين وحسنى الحسنيين، فمن أقبل عليه كان مذكراً له بكل ما يريد من العلوم النافعة. ولما اشتمل هذا الذكر على جميع أبواب الخير، فكان كل مل ليس له فيه أصل شقاور محضة وضلالاً بعيداً، قال يقص عليه من أنباء ما يأتي كما قص من أنباء ما قد سبق: ﴿من أعرض عنه﴾ أي عن ذلك الذكر، وهو عام في جميع من يمكن دخوله في معنى «من» من العالمين ﴿فإنه يحمل﴾ ولما كان المراد استغراق الوقت قال:

стр. 6008

﴿يوم القيامة وزراً*﴾ أي حملاً ثقيلاً من العذاب الذي سببه الوزر وهو الذنب، جزاء لإعراضه عنه واشتغاله بغيره ﴿خالدين فيه﴾ وجمع هنا حملاً على المعنى بعد الإفراد للفظ، تنبيهاً على العموم لئلا يغفل عنه بطول الفصل، أو يظن أن الجماعة يمكنهم المدافعة، ويمكن أن يراد بالوزر الحمل الثقيل من الإثم، ويكون الضمير في «فيه» للعذاب المسبب عنه فيكون استخداماً كقوله: إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا ولما كانوا منكرين ليوم القيامة، صرح بذكره ثانياً مع قرب العهد، قارعاً لأسماعهم به، مجرياً له إجراء ما هو به جدير من أنه متحقق لا مرية فيه فقال: ﴿وساء﴾ أي وبئس؛ وبين أصحاب السوء فقال: ﴿لهم﴾ أي ذلك الحمل ﴿يوم القيامة حملاً﴾ ثم شرح لهم بعض أحوال ذلك اليوم من ابتدائه، فقال مبدلاً من «يوم القيامة» : ﴿يوم ينفخ﴾ أي بعظمتنا - على قراءة أبي عمرو بالنون مبنياً لفاعل، ودل على تناهي العظمة بطريقة كلام القادرين في قراءة الباقين بالياء

стр. 6009

مبنياً للمفعول ﴿في الصور﴾ فيقوم الموتى من القبور ﴿ونحشر﴾ أي بعظمتنا ﴿المجرمين﴾ منهم الذين قطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وعدل عن أن يقول: ونحشرهم - لبيان الوصف الذي جره لهم: الإعراض عن الذكر ﴿يومئذ﴾ أي يوم القيامة، ويكون لهم ما تقدم ﴿زرقاً﴾ أي زرق العيون والجسوم على هيئة من ضرب فتغير جسمه، حال كونهم ﴿يتخافتون﴾ . ولما كان التخافت - وهو المسارّة بالكلام - قد يكون بين اثنين من قبيلتين، فيكون كل منهما خائفاً من قومه أقل عاراً مما لو كانا من قبيلة واحدة، لأنه يدل على أن ذلك الخوف طبع لازم، قال دالاً على لزومه وعمومه: ﴿بينهم﴾ أي يتكلمون خافضي أصواتهم من الهيبة والجزع. ولما كانت الزرقة أبغض ألوان العيون إلى العرب لعدم إلفهم لها، والمخافتة أبغض الأصوات إليهم لأنها تدل عندهم على سفول الهمة والجبن وكانوا من الزرقة أشد نفرة لأن المخافتة قد يتعلق بها غرض. رتبهما سبحانه كذلك، ثم بين ما يتخافتون به فقال:

стр. 6010

﴿إن﴾ أي يقول بعضهم لبعض: ما ﴿لبثتم﴾ أي في الدنيا استقصاراً لمدة إقامتهم في غيب ما بدا لهم من المخاوف، أو غلطاً ودهشة ﴿إلا عشراً*﴾ أي عقداً واحداً، لم يزد على الآحاد إلا بواحد، وهو لو أنه سنون سن من لم يبلغ الحلم، فكيف إذا كان شهوراً أو أياماً فلم يعرفوا لذة العيش بأيّ تقدير كان.

стр. 6011

ولما كان علم ما يأتي أخفى من علم ما سبق، أتى فيه بمظهر العظمة فقال: ﴿نحن أعلم﴾ من كل أحد ﴿بما يقولون﴾ أي في ذلك اليوم ﴿إذ يقول أمثلهم طريقة﴾ في الدنيا فيما يحسبون، أي أقربهم إلى أن تكون طريقته مثل ما يطلب منه: ﴿إن﴾ أي ما ﴿لبثتم﴾ ودل على أن المعدود المحذوف من الأول الأيام بقوله: ﴿إلا يوماً﴾ أي مبدأ الآحاد، لا مبدأ العقود كما قال في الاية الأخرى ﴿قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون﴾ [الروم: ٥٥] فلا يزالون في إفك وصرف عن الحق في الدارين، لأن الإنسان يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، ويجوز أن يكون المراد أن من قال: إن لبثهم يوم واحد، أمثلهم في نفس الأمر، لأن الزمان وإن طال إنما هو يوم متكرر، ليس مراداً لنفسه، وإنما هو مراد

стр. 6012

لما يكون فيه فإن كان خيراً كان صاحبه محموداً ولم يضره قصره، وإن كان شراً كان مذموماً ولم ينفعه طوله، ويجوز أن يكون أنث أولاً إرادة لليالي، لأنها محل الراحة المقصودة بالذات، فكان كأنهم قالوا: لم يكن لنا راحة إلا بزمن يسير جداً أكثر أول العقود، ونص الأمثل على اليوم الذي يكون الكد فيه للراحة في الليل إشارة إلى أنهم ما كان لهم في اللبث في الدنيا راحة أصلاً، ولم يكن سعيهم إلا نكداً كله كما يكون السعي في يوم لا ليلة يستراح فيها. وإن كانت فيه راحة فهي ضمنية لا أصلية. ولما أخبر عن بعض ما سبق ثم عن بعض ما يأتي من أحوال المعرضين عن هذا الذكر فيما ينتجه لهم إعراضهم عنه، وختم ذلك باستقصارهم مدة لبثم في هذه الدار، أخبر عن بعض أحوالهم في الإعراض فقال: ﴿ويسألونك عن الجبال﴾ ما يكون حالها يوم يتفخ في الصور؟ شكا منهم في البعث وقوفاً مع الوهم في أنها تكون موجودة على قياس جمودهم لا محالة، لأنها أشد الأشياء قوة، وأطولها لبثاً، وأبعدها مكثاً، فتمنع بعض الناس من سماع النفخ في الصور، وتخيل للبعض بحكم رجع الهواء الحامل للصوت أنه آتٍ من غير جهته فلا يستقيم القصد إلى الداعي ﴿فقل﴾ أي فتسبب عن علمنا بأنهم يسألونك هذا

стр. 6013

السؤال أنا نقول لك: قل، أو يكون على تقدير شرط، أي فإذا سألوك فقل لهم، وهذا بخلاف ما نزل بعد وقوع السؤال عنه مثل الروح وقصة ذي القرنين فإن الأمر بجوابه على طريق الاستئناف لما هناك من استشراف النفس للجواب ﴿ينسفها﴾ أي يقلعها من أماكنها ويذريها بالهواء ﴿ربي﴾ المحسن إليّ بنصري في يوم القيامة نصراً لا يبلغ كنهه ﴿نسفاً﴾ عند النفخة الأولى ﴿فيذرها﴾ أي أماكنها ﴿قاعاً﴾ أي أرضاً ملساء ﴿صفصفاً*﴾ أي مستوياً كأنه صف واحد لا اثر للجبال فيه ﴿لا ترى﴾ أي بالبصر ولا بالبصيرة ﴿فيها﴾ أي مواضع الجبال ﴿عوجاً﴾ بوجه من الوجوه، وعبر هنا بالكسر هو للمعاني، ولم يعبر بالفتح الذي يوصف به الأعيان، ومواضع الجبال أعيان لا معاني، نفياً للاعوجاج على أبلغ وجه، بمعنى أنك لو جمعت أهل الخبرة بتسوية الأراضي لا تفقوا على الحكم باستوائها، ثم لو جمعت أهل الهندسة فحكموا مقاييسهم العلمية فيها لحكموا بمثل ذلك ﴿ولا أمتاً*﴾ أي شيئاً مرتفعاً كالكدية أو نتوّاً يسيراً أو شقاً أو اختلافاً؛ وقال البيضاوي والزمخشري: الأمت النتوّ اليسير، قال الغزالي في الدرة الفاخرة:

стр. 6014

ينفخ في الصور فتطاير الجبال، وتفجر الأنهار بعضها في بعض، فيمتلىء عالم الهواء ماء، وتنتثر الكواكب وتتغير السماء والأرض، ويموت العالمون فتخلو الأرض والسماء؛ قال: ثم يكشف سبحانه عن بيت في سقر فيخرج لهيب النار فيشتعل في البحور فتنشف، ويدع الأرض جمرة سوداء، والسماوات كأنها عكر الزيت والنحاس المذاب، ثم يفتح تعالى خزانة من خزائن العرش فيها بحر الحياة، فيمطر به الأرض، وهو كمنيّ الرجال فتنبت الأجسام على هيئتها، الصبى صبي، والشيخ شيخ، وما بينهما، ثم تهب من تحت العرش نار لطيفة فتبرز الأرض ليس فيها جبل ولا عوج ولا أمت، ثم يحيى الله إسرافيل فينفخ في الصور من صخرة القدس، فتخرج الأرواح من ثقب في الصور بعددها كل روح إلى جسدها حتى الوحش والطير فإذا هم بالساهرة. ولما أخبر سبحانه بنزول ما يكون منه العوج في الصوت قال: ﴿يومئذ﴾ أي إذ ينفخ في الصور فتنسف الجبال ﴿يتبعون﴾ أي أهل المحشر بغاية جهدهم ﴿الداعي﴾ أي بالنفخ منتصبين إليه على الاستقامة ﴿لا عوج له﴾ أي الداعي في شيء من قصدهم إليه،

стр. 6015

لأنه ليس في الأرض ما يحوجهم إلى التعريج ولا يمنع الصوت من النفوذ على السواء؛ وقال أبو حيان: أي لا عوج لدعائه، بل يسمع جميعهم فلا يميل إلى ناس دون ناس. ولما أخبر بخشوعهم في الحديث والانقياد للدعوة، أخبر بخشوع غير ذلك من الأصوات التي جرت العادة بكونها عن الاجتماع فقال: ﴿وخشعت الأصوات﴾ أي ارتخت وخفيت وخفضت وتطامنت لخشوع أهلها ﴿للرحمن﴾ أي الذي عمت نعمه، فيرجى كرمه، ويخشى نقمه ﴿فلا﴾ أي فيتسبب عن رخاوتها أنك ﴿تسمع إلا همساً*﴾ أخفى ما يكون من الأصوات، وقيل: أخفى شيء من أصوات الأقدام.

стр. 6016

ولما تقرر ما للأصوات من الانخفات، وكان قد أشير فيما مضى إلى وقوع الشفاعة من بعض أخصائه بإذنه، وكان الحشر للحساب بمعرض التقريب لبعض والتبعيد لبعض، وكانت العادة جارية بأن المقرب يشفع للمبعد، لما بين أهل الجمع من الوصل والأسباب المقتضية لذلك، وكان الكفار يزعمون أن آلهتهم تشفع لهم

стр. 6017

قال نافياً لأن تقع شفاعة بغير إذنه، معظماً ذلك اليوم بالإنذار منه مرة بعد مرة: ﴿يومئذ﴾ أي إذ كان ما تقدم ﴿لا تنفع الشفاعة﴾ أي لا تكون شفاعة ليكون لها نفع، لأنه قد ثبت بما مضى أنه لا صوت، وتقرر في تحقيق المحصورات من علم الميزان أن السالبة الحقيقية لا تستدعي وجود الموضوع في الخارج، وإنما حول العبارة لأن المقصود بالذات النفع، فنفيه بادىء بدا أفظع، وقرع السمع به أولاً أهول وأفزع ﴿إلا﴾ أي إلا شفاعة ﴿من أذن له الرحمن﴾ العام النعمة ﴿ورضي له قولاً*﴾ ولو الإيمان المجرد. ولما نفي أن تقع الشفاعة بغير إذنه، علل ذلك - كما سلف في آية الكرسي - بقوله: ﴿يعلم ما بين أيديهم﴾ أي الخلائق وهو كل ما يعلمونه ﴿وما خلفهم﴾ وهو كل ما غاب عنهم علمه، أي علمه سبحانه محيط بهم، فهو يمنع قلوبهم في ذلك اليوم بما يوجد من الأسباب أن تهم بما لا يرضاه ﴿ولا يحيطون به علماً*﴾ ليحترزوا عما يقدره عليهم، و ﴿علماً﴾ تمييز منقول من الفاعل،

стр. 6018

أي ولا يحيط علمهم به - قال أبو حيان. والأقرب عندي كونه منقولاً عن المفعول الذي تعدى إليه الفعل بحرف الجر، أي ولا يحيطون بعلمه، فيكون ذلك أقرب إلى ما في آية الكرسي. ولما ذكر خشوع الأصوات، أتبعه خضوع دونها فقال: ﴿وعنت الوجوه﴾ أي ذلت وخضعت واستسلمت وجوه الخلائق كلهم، وخصها لشرفها ولأنها أول ما يظهر فيه الذل ﴿للحي﴾ الذي هو مطلع على الدقائق والجلائل، وكل ما سواه جماد حيث ما نسبت حياته إلى حياته ﴿القيوم﴾ الذي لا يغفل عن التدبير ومجازاة كل نفس بما كسبت ﴿وقد خاب﴾ أي خسر خسارة ظاهرة ﴿من حمل﴾ منهم أو من غيرهم ﴿ظلماً*﴾ . ولما ذكر الظالم، أتبعه الحكيم فقال: ﴿ومن يعمل﴾ ولما كان الإنسان محل العجز وإن اجتهد، قال ﴿من الصالحات﴾ أي التي أمره الله بها بحسب استطاعته، لأنه «لن يقدر الله أحد حق قدره» «ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» ﴿وهو مؤمن﴾ ليكون بناؤها على الأساس، وعبر بالفاء إشارة إلى قبول الأعمال وجعلها سبباً لذلك الحال فقال: ﴿فلا يخاف ظلماً﴾ بأن ينسب إليه سوء لم يقترفه

стр. 6019

لأن الجزاء من جنس العمل، وقراءة ابن كثير بلفظ النهي محققة للمبالغة في النفي ﴿ولا هضماً﴾ أي نقصاً من جزائه وإن كان هو لم يوف المقام حقه لأنه لا يستطيع ذلك، وأصل الهضم الكسر، وأما غير المؤمن فلو عمل أمثال الجبال من الأعمال لم يكن لها وزر.

стр. 6020

ولما اشتملت هذه الآية على الذروة من حسن المعاني، فبشرت ويسرت، وأنذرت وحذرت، وبينت الخفايا، وأظهرت الخبايا، مع ما لها من جلالة السبك وبراعة النظم، كان كأنه قيل تنبيهاً على جلالتها: أنزلناها على هذا المنوال العزيز المثال ﴿وكذلك﴾ أي ومثل هذا الإنزال ﴿أنزلناه﴾ أي هذا الذكر كله بعظمتنا ﴿قرآناً﴾ جامعاً لجميع المعاني المقصودة ﴿عربياً﴾ مبيناً لما أودع فيه لكل من له ذوق في أساليب العرب. ولما كان أكثر هذه الآيات محذراً، قال: ﴿وصرفنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿فيه من الوعيد﴾ أي ذكرناه مكررين له محولاً في أساليب مختلفة، وأفانين متنوعة مؤتلفة. ولما ذكر الوعيد، أتبعه ثمرته فقال: ﴿لعلهم يتقون﴾ أي ليكون الناظر لهم بعد ذلك على رجاء من أن يتقوا ويكونوا به في عداد من يجدد التقوى كل حين، بأن تكون له وصفاً مستمراً، وهي الحذر الحامل

стр. 6021

على اتخاذ الوقاية مما يحذر ﴿أو﴾ في عداد من ﴿يحدث﴾ أي يجدد هذا التصريف ﴿لهم ذكراً*﴾ أي ما يستحق أن يذكر من طرق الخير، فيكون سبباً للخوف الحامل على التقوى، فيردهم عن بعض ما تدعو إليه النفوس من النقائض والبؤس. ولما بلغت هذه الجمل نهاية الإعجاز، فاشتملت على غاية الحكمة، دالة على أن لقائلها تمام العلم والقدرة والعدل في أحوال الدراين، تسبب عن سوقها كذلك أن بان له من العظمة ما أفهمه قوله، معظماً لنفسه الأقدس بما هو له أهل بعد تعظيم كتابه تعليماً لعباده ما يجب له من الحق دالاً بصيغة التفاعل على مزيد العلو: ﴿فتعالى الله﴾ أي بلغ الذي لا يبلغ الواصفون وصفه حق وصفه من العلو أمراً لاتحتمله العقول، فلا يلحقه شيء من إلحاد الملحدين ووصف المشركين ﴿الملك﴾ الذي لا يعجزه شيء، فلا ملك في الحقيقة غيره ﴿الحق﴾ أي الثابت الملك، فلا زوال لكونه ملكاً في زمن ما؛ ولعظمة ملكه وحقية ذاته وصفاته صرف خلقه على ما هم عليه من الأمور المتباينة.

стр. 6022

ولما كانت هذه الآيات في ذم من أعرض عن هذا الذكر، كان تقدير: فلا تعرض عنه، بل أقبل عليه لتكون من المتقين الذاكرين، ولما كان هذا الحث العظيم ربما اقتضى للمسابق في التقوى المبالغة في المبادرة إليه فيستعجل بتلقفه قبل الفراغ من إيحائه، قال عاطفاً على هذا المقدر: ﴿ولا تعجل بالقرآن﴾ أي بتلاوته. ولما كان النهي عاماً لجميع الأوقات القبلية، دل عليه بالجار لئلا يظن أنه خاص بما يستغرق زمان القبل جملة واحدة فقال: ﴿من قبل أن﴾ ولما كان النظر هنا إلى فراغ الإيحاء لا إلى موح معين، بنى للمجهول قوله: ﴿يقضى﴾ أي ينهى ﴿إليك وحيه﴾ من الملك النازل إليك من حضرتنا به كما أنا لم نعجل بإنزاله عليك جملة، بل رتلناه لك ترتيلاً، ونزلناه إليك تنزيلاً مفصلاً تفصيلاً، وموصلاً توصيلاً - كما أشرنا إليه أول السورة، فاستمع له ملقياً جميع تأملك إليه ولا تساوقه بالقراءة، فإذا فرغ فاقرأه فإنا نجمعه في قلبك ولا نسقيك بإنسائه وأنت مصغ إليه، ولا بتكليفك للمساوقة بتلاوته

стр. 6023

﴿وقل رب﴾ أي المحسن إليّ بإفاضة العلوم عليّ ﴿زدني علماً*﴾ أي بتفهيم ما أنزلت إليّ منه وإنزال غيره كما زدتني بإنزاله وتحفيظه، لتتمكن من معرفة الأسباب المفيدة لتبع الخلق لك، فإنه كما تقدم على قدر إحاطة العلم يكون شمول القدرة، وفي هذا دليل على أن التأني في العلم بالتدبر وبإلقاء السمع أنفع من الاستعجال المتعب للبال المكدر للحال، وأعون على الحفظ، فمن وعى شيئاً حق الوعي حفظه غاية الحفظ؛ وروى الترمذي وابن ماجة والبزار عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علماً والحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار» أفاده ابن كثير في تفسيره. ولما قرر سبحانه بقصة موسى ﵇ ما أشار إليه أول السورة بما هو عليه من الحلم والتأني على عباده، والإمهال لهم فيما هم عليه من النقص بالنسيان للعهود والنقض للمواثيق، وأتبعها ذكر مدح

стр. 6024

هذا الذكر الذي تأدت إلينا به، وذم من أعرض عنه، وختمه بما عهد إليه ﷺ في أمره نهياً وأمراً، أتبع ذلك سبحانه قصة آدم ﵇ تحذيراً من الركون إلى ما يسبب النسيان، وحثاً على رجوع من نسي إلى طاعة الرحمن، وبياناً لأن ذلك الذي قرره من حلمه وإمهاله عادته سبحانه من القدم، وصفته التي كانت ونحن في حيز العدم، وأنه جبل الإنسان على النقص، فلو أخذهم بذنوبهم ما ترك عليها من دابة، فقال عاطفاً على قوله ﴿وكذلك أنزلناه حكماً عربياً﴾ [الرعد: ٣٧] أو ﴿كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق﴾ مؤكداً لما تقدم فيه وعهد به من أمر القرآن، ومحذراً من الإخلال بذلك ولو على وجه النسيان، ومنجزاً لما وعد به من قص أنباء المتقدمين مما يوافق هذا السياق: ﴿ولقد عهدنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿إلى آدم﴾ أبي البشر الذي أطلعناه على كثير منها في النهي عن الأكل من الشجرة ﴿من قبل﴾ أي في زمن من الأزمان الماضية قبل هؤلاء الذين تقدم في هذه السورة ذكر نسيانهم وإعراضهم ﴿فنسي﴾ عهدنا وأكل منها مع علمه من تلك العظمة بما لا ينبغي أن ينسى معه ذلك العهد المؤكد بذلك الجلال، فعددنا عليه وقوعه في ذلك المنهيّ ناسياً ذنباً لعلو رتبته عندنا، فهو

стр. 6025

من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين» فكيف بما فوق ذلك! ﴿ولم نجد﴾ بالنظر إلى ما لنا من العظمة ﴿له عزماً*﴾ أي قصداً صلباً ماضياً وإرادة نافذة لا تردد فيها كإرادات الملائكة ﵈، والمعنى أنه لم يتعلق علمنا بذلك موجوداً، ومع ذلك عفونا عنه ولم نزحزحه عن رتبة الاصطفاء.
следующие страницы →