Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.
стр. 6091
الذكر من السماء، أتبع ذلك قوله: ﴿وجعلنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿في الأرض﴾ جبالاً ﴿رواسي﴾ أي ثوابت، كراهة ﴿أن تميد بهم﴾ وتضطرب فتهلك المياه كل شيء حي فيعود نفعها ضراً وخيرها شراً.
ولما كان المراد من المراسي الشدة والحزونة لتقوى على الثبات والتثبيت، وكان ذلك مقتضياً لإبعادها وحفظها عن الذلة والليونة، بين أنه أخرق فيها العادة ليعلم أنه قادر مختار لكل ما يريد فقال: ﴿وجعلنا﴾ بما لنا من القدرة الباهرة والحكمة البالغة ﴿فيها﴾ أي الجبال مع حزونتها ﴿فجاجاً﴾ أي مسالك واسعة سهلة؛ ثم أبدل منها قوله: ﴿سبلاً﴾ أي مذللة للسلوك، ولولا ذلك لتعسر أو تعذر الوصول إلى بعض البلاد ﴿لعلهم يهتدون*﴾ إلى منافعهم في ديارهم وغيرها، وإلى ما فيها من دلائل الوحدانية وغيرها فيعلموا أن وجودها لو كان بالطبيعة كانت على نمط واحد مساوية للأرض متساوية في الوصف، وأن كونها على غير ذلك دال على أن صانعها قادر مختار متفرد بأوصاف الكمال.
стр. 6092
ولما دلهم بالسماوات والأرض على عظمته، ثم فصل بعض ما في الأرض لملابستهم له، وخص الجبال لكثرتها في بلادهم، أتبعه
стр. 6093
السماء فقال: ﴿وجعلنا﴾ أي بعظمتنا ﴿السماء﴾ وأفردها بإرادة الجنس لأن أكثر الناس لا يشاهدون منها إلا الدنيا ولأن الحفظ للشيء الواحد أتقن ﴿سقفاً﴾ أي للأرض لا فرق بينها وبين ما يعهد من السقوف إلا أن ما يعهد لا يسقط منه إلا ما يضر، وهذه مشحونة بالمنافع فأكثر ما ينزل منها ما لا غنى للناس عنه من الآت الضياء وعلامات الاهتداء والزينة التي لا يقدر قدرها.
ولما كان ما يعرفون من السقوف على صغرها لا تثبت إلا بالعمد، ويتمكن منه المفسدون، وتحتاج كل قليل إلى إصلاح وتعهد، بين أن هذا السقف على سعته وعلوه على غير ذلك فقال: ﴿محفوظاً﴾ أي عن السقوط بالقدرة وعن الشياطين بالشهب، فذكّر باعتبار السقف، وأشار إلى كثرة ما حوى من الآيات مؤنثاً باعتبار السماء أو العدد الدال عليه الجنس، لأن العدد أولى بالدلالة على كثرة الآيات والنجوم مفرقة في الكل فقال: ﴿وهم﴾ أي أكثر الناس ﴿عن آياتها﴾ أي من الكواكب الكبار والصغار، والرياح والأمطار، وغير ذلك من الدلائل التي تفوت الانحصار، أي الدالة على قدرتنا على كل ما نريد من البعث وغيره وعلى عظمتنا بالتفرد بالإلهية
стр. 6094
وغير ذلك من أوصاف الكمال، من الجلال والجمال ﴿معرضون*﴾ لا يتفكرون فيما فيها من التسيير والتدبير بالمطالع والمغارب والترتيب القويم الدال على الحساب الدائر عليه سائر المنافع.
ولما ذكر السماء، ذكر ما ينشاء عنها فقال: ﴿وهو﴾ أي لا غيره ﴿الذي خلق الّيل والنهار﴾ ثم أتبعهما آيتيهما فقال: ﴿والشمس﴾ التي هي آية النهار وبها وجوده ﴿والقمر﴾ الذي هو آية الليل. ولما ذكر أعظم آياتها فأفهم بقية الكواكب، استأنف لمن كأنه قال: هل هي كلها في سماء واحدة؟ : ﴿كل﴾ أي من ذلك ﴿في فلك﴾ فكأنه قيل: ماذا تصنع؟ فقيل تغليباً لضمير العقلاء. . . ونقلهم إليها: ﴿يسبحون*﴾ أي كل واحد يسبح في الفلك الذي جعل به.
ولما ذكر الصارم البتار، للأعمار الطوال والقصار، من الليل والنهار، كان كأنه قيل: فيفنيان كل شديد، ويبليان كل جديد، فعطف عليه قوله: ﴿وما جعلنا﴾ أي بما لنا من العظمة التي اقتضت تفردنا بالبقاء ﴿لبشر﴾ وحقق عدم هذا الجعل بإثبات الجار فقال: ﴿من قبلك الخلد﴾ ناظراً إلى قوله ﴿وما كانوا خالدين﴾ بعد قوله
стр. 6095
﴿هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ وهذا من أقوى الأدلة على أن الخضر ﵇ مات، ويجاب بأن الحياة الطويلة ليست خلداً كما في حق عيسى ﵇، لكن قوله ﷺ : «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض بعد اليوم»
وقوله: «» لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على ظهر الأرض اليوم أحد «وقوله:» «وددنا أن موسى ﵇ صبر فقص علينا من أمرهما» في أمثال ذلك، يدل على موته دلالة لا تقبل ادعاء حياته بعدها إلا بأظهر منه.
ولما كان قولهم ﴿بل هو شاعر﴾ [الأنبياء: ٥] مشيراً إلى أنهم قالوا نتربص به ريب المنون كما اتفق لغيره من الشعراء، وكان ينبغي أن لا ينتظر أحد لآخر من الأذى إلا ما يتحقق سلامته هو منه، توجه الإنكار عليهم والتسلية له بمنع شماتتهم في قوله: ﴿أفائن﴾ أي أيتمنون موتك فإن ﴿مت فهم﴾ أي خاصة ﴿الخالدون*﴾ فالمنكر تقدير خلودهم على تقدير موته الموجب لإنكار تمنيهم لموته، فحق الهمزة دخولها على الجزاء، وهو فهم، وإنما قارنت الشرط لأن الاستفهام له الصدر.
стр. 6096
ولما تم ذلك، أنتج قطعاً: ﴿كل نفس﴾ أي منكم ومن غيركم ﴿ذائقة الموت﴾ أي فلا يفرح أحد ولا يحزن بموت أحد، بل يشتغل بما يهمه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ونبلوكم﴾ أي نعاملكم معاملة المبتلي المختبر المظهر في عالم الشهادة الشاكر والصابر والمؤمن والكافر كما هو عندنا في علام الغيب بأن نخالطكم ﴿بالشر﴾ الذي هو طبع النفوس، فهي أسرع شيء إليه، فلا ينجو منه إلا من أخلصناه لنا ﴿والخير﴾ مخالطة كبيرة، وأكد البلاء بمصدر من معناه مقرون بالهاء تعظيماً له فقال: ﴿فتنة﴾ أي كما يفتن الذهب إذا أريدت تصفيته بمخالطة النار له، على حالة عظيمة محيلة مميلة لكم لا يثبت لها إلا الموفق ﴿وإلينا﴾ أي بعد الموت لا إلى غيرنا ﴿ترجعون*﴾ للجزاء حيث لا حكم لأحد أصلاً لا ظاهراً ولا باطناً كما هذه الدار بنفوذ الحكم فلا يكون إلا ما نريد فاشتغلوا بما ينجيكم منا، ولا تلتفتوا إلى غيره، فإن الأمر صعب، وجدوا فإن الحال جد.
стр. 6097
ولما أخبر سبحانه عن إعراضهم عن الساعة تكذيباً، واستدل على كونها منزهة عن الغيب في خلق هذا العالم وتعاليه عن جميع صفات النقص واتصافه بأوصاف الكمال إلى أن ختم ذلك بمثل ما ابتدأ به على وجه أصرح، وكان فيه تنبيههم على الابتلاء
стр. 6098
وكان الابتلاء على قدر النعم، فكان ﷺ أعظم شيء ابتلوا به لأنه لا نعمة أعظم من النعمة به، ولا شيء أظهر من آياته عطف على قوله «وأسروا النجوى» قوله: ﴿وإذا رءاك﴾ أي وأنت أشرف الخلق وكلك جد وجلال وعظمة وكمال ﴿الذين كفروا﴾ فأظهر منبهاً على أن ظلمهم الذي أوجب لهم ذلك هو الكفر وإن كان في أدنى رتبة، تبشيعاً له وتنبيهاً على أنه يطمس الفكر مطلقاً.
ولما كان من المعلوم أنه ﷺ في غاية البعد عن الهزء، قال منبهاً على أنهم أعرقوا في الكفر حتى بلغوا الذروة: ﴿إن﴾ أي ما ﴿يتخذونك﴾ أي حال الرؤية، وسيعلم من يبقى منهم عما قليل أنك جد كلك ﴿إلا هزواً﴾ أي جعلوك بحمل أنفسهم على ضد ما يعتقد عين ما ليس فيك شيء منه؛ ثم بين استزاءهم به بأنهم يقولون إنكاراً واستصغاراً: ﴿أهذ الذي يذكر﴾ أي بالسوء ﴿ءالهتكم﴾ قال أبو حيان: والذكر يكون بالخير والشر، فإذا لم يذكر متعلقه فالقرينة تدل عليه - انتهى. فإذا
стр. 6099
دلت القرينة على أحدهما أطلق عليه ﴿وهم﴾ أي والحال أنهم على حال كانوا بها أصلاً في الهزء، وهي أنهم ﴿بذكر الرحمن﴾ الذي لا نعمة عليهم ولا على غيرهم إلا منه، وكرر الضمير تعظيماً بما أتوا به من القباحة فقال: ﴿هم﴾ أي بظواهرهم وبواطنهم ﴿كافرون﴾ أي ساترون لمعرفتهم به، فلا أعجب ممن هو محل للهزء لكونه أنكر ذكر من لا نعمة منه ولا نقمة أصلاً بالسوء، وهو يذكر من كل نعمة منه بالسوء ويهزأ به.
ولما كان من آيات الأولين التي طلبوها العذاب بأنواع الهول، وكانوا هم أيضاً قد طلبوا ذلك واستعجلوا به ﴿عجل لنا قطنا﴾ [ص: ٢٦] ونحو ذلك، وكان الذي جرأهم على هذا حلم الله عنهم بإمهاله لهم، قال معللاً لذلك: ﴿خلق﴾ وبناه للمفعول لأن المقصود بيان ما جبل عليه والخالق معروف ﴿الإنسان﴾ أي هذا النوع.
ولما كان مطبوعاً على العجلة قال: ﴿من عجل﴾ فلذا يكفر، لأنه إذا خولف بادر إلى الانتقام عند القدرة فظن بجهله أن خالقه كذلك، وأن التأخير ما هو إلا عن عجز أو عن رضى؛ ثم قال تعالى مهدداً
стр. 6100
للمكذبين: ﴿سأوريكم﴾ حقاً ﴿ءاياتي﴾ القاصمة والعاصمة، بهجرة النبي ﷺ ومن عندكم من أتباعه المستضعفين وخلافتهم بين أيديكم وجعلهم شجاً في حلوقكم حتى يتلاشى ما أنتم عليه وغيره ذلك من العظائم ﴿فلا تستعجلون*﴾ أي تطلبوا أن أوجد العجلة بالعذاب أو غيره، فإني منزه عن العجلة التي هي من جملة نقائصكم.
ولما ذم العجلة وهي إرادة الشيء قبل أوانه، ونهى عنها، قال دالاً عليها عاطفاً على عامل ﴿هذا﴾ : ﴿ويقولون﴾ أي في استهزائهم بأولياء الله: ﴿متى هذا﴾ وتهكموا بقولهم: ﴿الوعد﴾ أي بإتيان الآيات من الساعة ومقدماتها وغيرها، وزادوا في الإلهاب والتهييج تكذيباً فقالوا: ﴿إن كنتم صادقين*﴾ أي عريقين في هذا الوصف جداً - بما دل عليه الوصف وفعل الكون.
ولما غلوا في الاستهزاء فكانوا أجهل الجهلة باستحالة الممكن، استأنف الجواب عن كلامهم بنفي العلم عنهم في الحال والمآل دون المعاينة على طريق التهكم والاستهزاء بهم: ﴿لو يعلم الذين كفروا﴾ وذكر المفعول به فقال: ﴿حين﴾ أي لو تجدد لهم علم ما بالوقت الذي يستعجلون به؛ وذكر ما أضيف إليه ذلك الوقت فقال: ﴿لا يكفون﴾
стр. 6101
أي فيه بأنفسهم ﴿عن وجوههم﴾ التي هي أشرف أعضائهم ﴿النار﴾ استسلاماً وضعفاً وعجزاً ﴿ولا عن ظهورهم﴾ التي هي أشد أجسادهم، فعرف من هذا أنها قد أحاطت بهم وأنهم لا يكفون عن غير هذين من باب الأولى ﴿ولا هم ينصرون*﴾ أي ولا يتجدد لهم نصر ظاهراً ولا باطناً بأنفسهم ولا بغيرهم، لم يقولوا شيئاً من ذلك الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكنهم لا يعلمون ذلك بنوع من أنواع العلم إلا عند الوقوع لأنه لا أمارة لها قاطعة بتعيين وقتها ولا تأتي بالتدريج كغيرها، وهذا معنى ﴿بل تأتيهم﴾ أي الساعة التي هي ظرف لجميع تلك الأحوال وهي معلومة لكل أحد فهي مستحضرة في كل ذهن ﴿بغتة فتبهتهم﴾ أي تدعهم باهتين حائرين؛ ثم سبب عن بهتهم قوله: ﴿فلا يستطيعون ردها﴾ أي لا يطلبون طوع ذلك لهم في ذلك الوقت ليأسهم عنه ﴿ولا هم ينظرون*﴾ أي يمهلون من ممهل ما ليتداركوا ما أعد لهم فيها، فيا شدة أسفهم على التفريط في الأوقات التي أمهلوا فيها في هذه الدار، وصرفهم إياها في لذات أكثرها أكدار.
стр. 6102
ولما كان التقدير حاق بهم هذا باستهزائهم بك، تبعه ما يدل
стр. 6103
على أن الرسل في ذلك شرع واحد، تسلية له ﷺ وتأسية، فقال عاطفاً على ﴿وإذا رءاك﴾ : ﴿ولقد﴾ مؤكداً له لمزيد التسلية بمساواة إخوانه من الرسل وبتعذيب أعدائه. ولما كان المخوف نفس الاستهزاء لا كونه من معين، بني للمفعول قوله: ﴿استهزئ برسل﴾ أي كثيرين.
ولما كان معنى التنكير عدم الاستغراق، أكده بالخافض فقال: ﴿من قبلك فحاق﴾ أي فأحاط ﴿بالذين سخروا منهم﴾ لكفرهم ﴿ما كانوا﴾ بما هو لهم كالجبلة ﴿به يستهزءون*﴾ من الوعود الصادقة كبعض من سألوه الإتيان بمثل آياتهم كقوم نوح ومن بعدهم.
ولما هددهم بما مضى مما قام الدليل على قدرته عليه، وختمه - لوقوفهم مع المحسوسات - بما وقع لمن قبلهم، وكان الأمان عن مثل ذلك لا يكون إلا بشيء يوثق به، أمره أن يسألهم عن ذلك بقوله: ﴿قل من يكلؤكم﴾ أي يحفظكم ويؤخركم ويكثر رزقكم، وهو استفهام توبيخ.
ولما استوى بالنسبة إلى قدرته حذرهم وغفلتهم، قال: ﴿بالّيل﴾
стр. 6104
أي وأنتم نائمون. ولما كانت مدافعة عذابه سبحانه غير ممكنة لنائم ولا يقظان قال: ﴿والنهار﴾ أي وأنتم مستيقظون. ولما كان لا منعم بكلاية ولا غيرها سواه سبحانه، ذكرهم بذلك بصفة الرحمة فقال: ﴿من الرحمن﴾ الذي لا نعمة بحراسة ولا غيرها إلا منه حتى أمنتم مكره ولو بقطع إحسانه، فكيف إذا ضربتم بسوط جبروته وسطوة قهرة وعظموته.
ولما كان الجواب قطعاً: ليس لهم من يكلؤهم منه وهو معنى الاستفهام الإنكاري، قال مضرباً عنه: ﴿بل هم﴾ أي في أمنهم من سطواته ﴿عن ذكر ربهم﴾ الذي لا يحسن إليهم غيره ﴿معرضون*﴾ فهم لا يذكرون أصلاً فضلاً عن أن يخشوا بأسه وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان.
ولما أرشد السياق إلى أن التقدير: أصحيح هذا الذي أشرنا إليه من أنه لا مانع لهم منا، عادله بقوله إنكاراً عليهم: ﴿أم لهم ءالهة﴾ موصوفة بأنها ﴿تمنعهم﴾ نوبَ الدهر. ولما كانت جميع الرتب
стр. 6105
تحت رتبته سبحانه، أثبت حرف الابتداء فقال محقراً لهم: ﴿من دوننا﴾ أي من مكروه هو تحت إرادتنا ومن جهة غير جهتنا.
ولما كان الجواب قطعاً: ليس لهم ذلك، وهو بمعنى الاستفهام، استأنف الإخبار بما يؤيد هذا الجواب، ويجوز أن يكون تعليلاً، فقال: ﴿لا يستطيعون﴾ أي الآلهة التي يزعمون أنها تنفعهم، أو هم - لأنهم لا مانع لهم من دوننا - ﴿نصر أنفسهم﴾ من دون إرادتنا فكيف بغيرهم، أو يكون ذلك صفة الآلهة على طريق التهكم ﴿ولا هم﴾ أي الكفار أو الآلهة ﴿منا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿يصحبون*﴾ بوجه من وجوه الصحبة حتى يصير لهم استطاعة بنا، فانسدت عليهم أبواب الاستطاعة أصلاً ورأساً.
ولما لم يصلح هذا لأن يكون سبباً لاجترائهم، أضرب عنه قائلاً في مظهر العظمة، إشارة إلى أن اغترارهم به سبحانه - مع ما له من دلائل الجلال - من أعجب العجب، بانياً على نحو «لا كالىء لهم منه ولا مانع» : ﴿بل متعنا﴾ أي بعظمتنا ﴿هؤلاء﴾ أي الكفار
стр. 6106
على حقارتهم، أو الإضراب عن عدم استطاعتهم للنصر، والمعنى أن ما هم فيه من الحفظ إنما هو منا لأجل تمتيعهم بما لا يتغير به إلا مغرور، لا من مانع يمنعهم ﴿وءاباءهم﴾ من قبلهم بالنصر وغيره ﴿حتى طال عليهم العمر﴾ فكان طول سلامتهم غاراً لهم بنا، فظنوا أنه لا يغلبهم على ذلك التمتيع شيء، ولا ينزع عنهم ثوب النعمة.
ولما أقام الأدلة ونصب الحجج على أنه لا مانع لهم من الله، تسبب عن ذلك الإنكار عليهم في اعتقاد غيره فقال: ﴿أفلا يرون﴾ أي يعلمون علماً هو في وضوحه مثل الرؤية بالبصر ﴿أنا﴾ بما لنا من العظمة، وصور ما كان يجريه من عظمته على أيدي أوليائه فقال: ﴿نأتي الأرض﴾ أي التي أهلها كفار، إتيانَ غلبة لهم بتسليط أوليائنا عليهم.
ولما كان الإتيان على ضروب شتى، بيّنه بقوله: ﴿ننقصها من أطرافها﴾ بقتل بعضهم وردّ من بقي عن دينه إلى الإسلام، فهم في نقص، وأولياؤنا في زيادة.
ولما كانت مشاهدتهم لهذا مرة بعد مرة قاضية بأنهم المغلبون، تسبب عنه إنكار غير ذلك فقال: ﴿أفهم﴾ أي خاصة ﴿الغالبون*﴾ أي مع مشاهدتهم لذلك أم أولياؤنا.
стр. 6107
ولما تبين الخلف في قولهم على كثرته وادعائهم الحكمة والبلاغة، وفعلهم على كثرتهم وزعمهم القوة والشجاعة، ثبت أن أقواله الناقضة لذلك من عند الله بما ثبت من استقامة معانيها وإحكامها، بعدما اتضح من إعجاز نظومها وحسن التئامها، فأمره أن يبين لهم ذلك بقوله: ﴿قل إنما أنذركم﴾ أيها الكفار ﴿بالوحي﴾ أي الآتي به الملك عن الله فلا قدح في شيء من نظمه ولا معناه والحال أنكم لا تسمعون - على قراءة الجماعة والحال أنك لا تسمعهم - على قراءة ابن عامر بضم الفوقانية وكسر الميم ونصب الصم خاصة، ولكنهم لما كانوا لا ينتفعون بإنذاره لتصامّهم وجعلهم أصابعهم في آذانهم وقت الإنذار عدهم صماً، وأظهر الوصف لتعليق الحكم به فقال: ﴿ولا يسمع الصم الدعاء﴾ أي ممن يدعوهم، أو يكون معطوفاً على ما تقديره: فإن كانت أسماعكم صحيحة سمعتم فأجبتم، ونبه بقوله: ﴿إذا ما ينذرون*﴾ على أن المانع لهم مع الصمم كراهة الإنذار، وبالبناء للمفعول على منذر.
ولما كان المنذر لا يترك الاستعداد لما ينذر به من العذاب
стр. 6108
إلا إذا كان قوياً على دفعه. بيّن أنهم على غير ذلك فقال: ﴿ولئن﴾ أي لا يسمعون والحال أنه لا قوة بهم، بل إن ﴿مستهم﴾ أي لاقتهم أدنى ملاقاة ﴿نفحة﴾ أي رائحة يسيرة مرة من المرات ﴿من عذاب ربك﴾ المحسن إليك بنصرك عليهم ﴿ليقولن﴾ وقد أذهلهم أمرها عن نخوتهم. وشغلهم قدرها عن كبرهم وحميتهم: ﴿يا ويلنا﴾ الذي لا نرى الآن بحضرتنا غيره ﴿إنا كنا﴾ أي بما لنا مما هو في ثباته كالجبلات ﴿ظالمين*﴾ أي عريقين في الظلم في إعراضنا وتصامّنا ترفقاً وتذللاً لعله يكف عنهم.
ولما بيّن ما افتتحت السورة من اقتراب الساعة بالقدرة عليه واقتضاء الحكمة له، وأن كل أحد ميت لا يستطيع شيئاً من الدفع عن نفسه فضلاً عن غيره، وختمت الآيات بإقرار الظالم بظلمه، وكانت عادة كثير من الناس الجور عند القدرة، بين أنه سبحانه بخلاف ذلك فذكر بعض ما يفعل في حساب الساعة من العدل فقال عاطفاً على قوله ﴿بل تأتيهم بغتة﴾ : ﴿ونضع﴾ فأبرزه في مظهر العظمة إشارة إلى هوانه عنده وإن كان لكثرة الخلائق وأعمال كل منهم متعذراً عندنا ﴿الموازين﴾ المتعددة لتعدد الموزونات أو أنواعها. ولما كانت الموازين آلة العدل، وصفها به مبالغة فقال ﴿القسط﴾ أي العدل المميز للأقسام على السوية.
стр. 6109
ولما كان الجزاء علة في وضع المقادير، عبر باللام ليشمل - مع ما يوضع فيه - ما وضع الآن لأجل الدنيوية فيه فقال: ﴿ليوم القيامة﴾ الذي أنتم عنه - لإعراضكم عن الذكر - غافلون. ولما جرت العادة بأن الملك قد يكون عادلاً فظلم بعض أتباعه، بين أن عظمته في إحاطة علمه وقدرته تأبى ذلك، فبنى الفعل للمجهول فقال: ﴿فلا﴾ أي فتسبب عن هذا الوضع أنه لا ﴿تظلم﴾ أي من ظالم ما ﴿نفس شيئاً﴾ من عملها ﴿وإن كان﴾ أي العمل ﴿مثقال حبة﴾ هذا على قراءة الجماعة بالنصب.
والتقدير على قراءة نافع بالرفع: وإن وقع أو وجد ﴿من خردل﴾ أو أحقر منه، وإنما مثل به لأنه غاية عندنا في القلة، وزاد في تحقيره بضمير التأنيث لإضافته إلى المؤنث فقال: ﴿أتينا بها﴾ بما لنا من العظمة في العلم والقدرة وجميع صفات الكمال فحاسبناه عليها، والميزان الحقيقي. ووزن الأعمال على صفة يصح وزنها معها بقدرة من لا يعجزه شيء.
ولما كان حساب الخلائق كلهم على ما صدر منهم أمراً باهراً للعقل، حقره عند عظمته فقال: ﴿وكفى بنا﴾ أي بما لنا من العظمة
стр. 6110
﴿حاسبين*﴾ أي لا يكون في الحساب أحد مثلنا، ففيه توعد من جهة أن معناه أنه لا يروج عليه شيء من خداع ولا يقبل غلطاً، ولا يضل ولا ينسى، إلى غير ذلك من كل ما يلزم منه نوع لبس أو شوب نقص، ووعد من جهة أنه لا يطلع على كل حسن فقيد وإن دق وخفي.
ولما قدم في قوله ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم﴾ - الآية وغيره أنهم أعرضوا عن هذا الذكر تعللاً بأشياء منها طلب آيات الأولين، ونبه على إفراطهم في الجهل بما ردوا من الشرف بقوله ﴿لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم﴾ ومر إلى أن ختم بالتهديد بعذابه، وأنه يحكم بالقسط، وكان كتاب موسى ﵇ بعد القرآن أعظم الكتب السماوية، وكان أهل الكتاب قد أعرضوا عنه غير مرة على زمن موسى ﵇ بعبادة العجل وغيره وبعد موته مع كون المرسل، به اثنان تعاضدا على إبلاغه وتقرير أحكامه بعد أن بهرا العقول بما أتيا به من الآيات التي منها - كما بين في سورة البقرة والأعراف - التصرف في العناصر الأربعة التي هي أصل الحيوان الذي بدأ الله منها خلقه. ومقصود السورة الدلالة على إعادته، ومنها ما عذب به من أعرض عن ذكر موسى وهارون ﵉ الذي هو ميزان العدل لما نشر من الضياء المورث للتبصرة الماحقة للظلام، فلا يقع متبعه في
стр. 6111
ظلم، وكان الحساب تفصيل الأمور ومقابلة كل منها بما يليق به، وذلك بعينه هو الفرقان، قال سبحانه بعد آية الحساب عاطفاً على «لقد أنزلنا» : ﴿ولقد ءاتينا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿موسى وهارون﴾ أي أخاه الذي سأل أن يشد أزره به ﴿الفرقان﴾ الذي تعاضدا على إبلاغه والإلزام بما دعا إليه حال لكونه مبيناً لسعادة الدارين، لا يدع لبساً في أمر من الأمور ﴿وضياء﴾ لا ظلام معه، فلا ظلم للمستبصر به، لأن من شأن من كان في الضياء أن لا يضع شيئاً إلا في موضعه ﴿وذكراً﴾ أي وعظاً وشرفاً.
ولما كان من لا ينتفع بالشيء لا يكون له منه شيء، قال: ﴿للمتقين*﴾ أي الذين صار هذا الوصف لهم شعاراً حاملاً لهم على التذكير لما يدعو إليه الكتاب من التوحيد الذي هو أصل المراقبة؛ ثم بين التقوى بوصفهم بقوله: ﴿الذين يخشون﴾ أي يخافون خوفاً عظيماً ﴿ربهم﴾ أي المحسن إليهم بعد الإيجاد بالتربية وأنواع الإحسان ﴿بالغيب﴾ أي في أن يكشف لهم الحجاب ﴿وهم من الساعة﴾ التي نضع فيها الموازين وقد أعرض عنها الجاهلون مع كونها أعظم حامل على كل خير، مبعد من كل ضير ﴿مشفقون*﴾ لأنهم لقيامها متحققون، وبنصب الموازين فيها عالمون.
стр. 6112
ولما ذكر فرقان موسى ﵇، وكان العرب يشاهدون إظهار اليهود للتمسك به والمقاتلة على ذلك والاغتباط، حثهم على كتابهم الذي هو أشرف منه فقال: ﴿وهذا﴾ فأشار إليه بأداة القرب إيماء إلى سهولة تناوله عليهم ﴿ذكر﴾ أي عظيم، ودلهم على أنه أثبت الكتب وأكثرها فوائد بقوله: ﴿مبارك﴾ ودلهم على زيادة عظمته بما له من قرب الفهم والإعجاز وغيره بقوله: ﴿أنزلناه﴾ ثم أنكر عليهم رد ووبخهم في سياق دال على أنهم أقل من أن يجترئوا على ذلك، منبه على أنهم أولى بالمجاهدة في هذا الكتاب من أهل الكتاب في كتابهم فقال: ﴿أفأنتم له﴾ أي لتكونوا دون أهل الكتاب برد ما أنزل لتشريفكم عليهم وعلى غيرهم مع أنكم لا تنكرون كتابهم ﴿منكرون*﴾ أي أنه لو أنكره غيركم لكان ينبغي لكم مناصبته، فكيف يكون الإنكار منكم؟
стр. 6113
ولما كان مقصود السورة الدلالة على القدرة على ما استبعده العرب من إعادة الحيوان بعد كونه تراباً، وبدأ ذكر الأنبياء بمن صرفه في العناصر الأربعة كما تقدم قص ذلك من التوراة في سورتي البقرة والأعراف إشارة إلى من استبعد عليه ما جعله إلى بعض عبيده
стр. 6114
أعمى الناس، تلاه من الأنبياء بمن سخر له واحداً من تلك العناصر، مرتباً لهم على الأخف في ذلك فالأخف على سبيل الترقي، فبدأهم بذكر من سخر له عنصر النار، مع التنبيه للعرب على عماهم عن الرشد بإنكاره للشرك بعبادة الأوثان على أبيه وغيره، ودعائهم إلى التوحيد، والمجاهدة في الله على ذلك حق الجهاد، وهو أعظم آباء الرادين لهذا الذكر، والمستمسكين بالشرك تقليداً للآباء، إثباتاً للقدرة الباهرة الدالة على التوحيد الداعي إليه جميع هؤلاء الأصفياء، هذا مع مشاركته بإنزال الصحف عليه لموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ومشاركته لهما في الهجرة، وإذا تأملت ما في سورتي الفرقان والشعراء ازداد ما قلته وضوحاً، فإنه لما أخبر تعالى أنهم قالوا ﴿لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾ [الفرقان: ٣٢] بدأ بقصة موسى الذي كتب له ربه في الألواح من كل شيء، وقومه مقرّون بعظمة كتابه وأنه أوتي من الآيات ما بهر العقول، وكفر به مع ذلك كثير منهم. ولما قال في الشعراء ﴿ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث﴾ [الآية: ٥] كما هنا، صنع كما صنع هنا من البداءة بقصة موسى ﵇ وإيلائها ذكر إبراهيم ﵇ فقال تعالى: ﴿ولقد ءاتينا﴾ بما لنا من العظمة ﴿إبراهيم رشده﴾ أي صلاحه
стр. 6115
وإصابته وجه الأمر واهتداءه إلى عين الصواب وأدل الدلالة وأعرف العرف وأشرف القصد الذي جلبناه عليه؛ وقال الرازي في اللوامع: والرشد قوة بعد الهداية - انتهى. وأضافة إليه إشارة إلى أنه رشد يليق به على علو مقامه وعظم شأنه لا جرم ظهر عليه أثر ذلك من بين أهل ذلك الزمان كلهم فآثر الإسلام على غيره من الملل ﴿من قبل﴾ أي قبل موسى وهارون ﵉ ﴿وكنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿به﴾ ظاهراً وباطناً ﴿عالمين*﴾ بأنه جبلة خير يدوم على الرشد ويترقى فيه إلى أعلى درجاته لما طبعناه عليه بعظمتنا من طبائع الخير؛ وتعليقُ ﴿إذ قال﴾ أي إبراهيم ﴿لأبيه وقومه﴾ ب ﴿عالمين﴾ إشارة إلى أن قوله لما كان بإذن منا ورضى لنا نصرناه - وهو وحده - على قومه كلهم، ولو لم يكن يرضينا لمنعناه منه بنصر قومه عليه وتمكين النار منه، فهو مثل ما مضى في قوله ﴿قل ربي يعلم القول في السماء والأرض﴾ ومفهوم هذا القيد لا يضر لأنه لا يحصي ما ينفيه من المنطوقات، وإن شئت فعلقه ب ﴿آياتنا﴾ ؛ ثم ذكر مقول القول في قوله منكراً عليهم محقراً لأصنامهم في أسلوب التجاهل لإثبات دعوى جهلهم بدليل:
стр. 6116
﴿ما هذه التماثيل﴾ أي الصور التي صنعتموها مماثلين بها ما فيه روح، جاعلين بها ما لا يكون إلا لمن لا مثل له، وهي الأصنام ﴿التي أنتم لها﴾ أي لأجلها وحدها، مع كثرة ما يشابهها وما هو أفضل منها ﴿عاكفون*﴾ أي موقعون الإقبال عليها مواظبون على ذلك، فبأي معنى استحقت منكم هذا الاختصاص، وإنما هي مثال للحي في الصورة وهو أعلى منها بالحياة التي أفاضها الله عليه.
ولما أتاهم بهذا القاصم، استأنف الخبر سبحانه عن جوابهم بقوله: ﴿قالوا﴾ مسوين أنفسهم بالبهائم التي تقاد ولا علم بما قيدت له: ﴿وجدنا ءاباءنا لها﴾ خاصة ﴿عابدين*﴾ فاقتدينا بهم لا حجة لنا غير ذلك. ولما غلوا في الجهل غير محتشمين من إقرارهم على أنفسهم به، بالاستناد إلى محض التقليد بعد إفلاسهم من أدنى شبهة فضلاً عن الدليل، استأنف الله تعالى الإخبار عن جوابه بقوله: ﴿قال﴾ أي منبهاً لهم بسوط التقريع على أن الكلام مع آبائهم كالكلام معهم: ﴿لقد كنتم﴾ وأكد بقوله: ﴿أنتم﴾ لأجل صحة العطف لأن الضمير المرفوع المتصل حكمه حكم جزء الفعل، هذا مع الإشارة إلى الحكم على
стр. 6117
ظواهرهم وبواطنهم ﴿وءاباؤكم﴾ أي من قبلكم ﴿في ضلال﴾ قد أحاط بكم إحاطة الظرف بالمظروف والمسلوك بالسلك ﴿مبين*﴾ ليس به نوع من الخفاء.
стр. 6118
ولما لم تكن عادته مواجهة أحد بما يكره، استأنف الإخبار عنهم بما يدل عليه فقال: ﴿قالوا﴾ ظناً منهم أنه لم يقل ذلك على ظاهره: ﴿أجئتنا﴾ في هذا الكلام ﴿بالحق﴾ الذي يطابقه الواقع ﴿أم أنت من اللاعبين*﴾ فظاهر كلامك غير حق ﴿قال﴾ بانياً على ما تقديره: ليس كلامي لعباً، بل هو جد، وهذه التماثيل ليست أرباباً ﴿بل ربكم﴾ الذي يستحق منكم اختصاصه بالعبادة ﴿رب السماوات والأرض﴾ أي مدبرهن القائم بمصالحهن ﴿الذي فطرهن*﴾ أي أوجدهما وشق بهما ظلمة العدم، وأنتم وتماثيلكم مما فيهما من مصنوعاته أنتم تشهدون بذلك إذا رجعتم إلى عقولكم مجردة عن الهوى ﴿وأنا على ذلكم﴾ الأمر البين من أنه ربكم وحده فلا تجوز عبادة غيره ﴿من الشاهدين*﴾ أي الذين يقدرون على إقامة الدليل
стр. 6119
على ما يشهدون به لأنهم لم يشهدوا إلا على ما هو عندهم مثل الشمس، لا كما فعلتم أنتم حين اضطركم السؤال إلى الضلال.
ولما أقام البرهان على إثبات الإله الحق، أتبعه البرهان على إبطال الباطل فقال: ﴿وتالله﴾ وهو القسم، والأصل في القسم الباء الموحدة، والواو بدل منها، والتاء بدل من الواو، وفيها - مع كونها بدلاً - زيادة على التأكيد بالتعجب: قال الأصبهاني: كأنه تعجب من تسهل الكيد على يده - انتهى. وفيها أيضاً أنها تدل على رجوع التسبب باطناً، فكأنها إشارة إلى أنه بعد أن تسبب في ردهم عن عبادتها ظاهراً بما خاطبهم به، تسبب من ذلك ثانياً باطناً بإفسادها ﴿لأكيدن﴾ أكد لأنه مما ينكر لشدة عسره؛ والكيد: الاحتيال في الضرر ﴿أصنامكم﴾ أي هذه التي عكفتم عليها ناسين الذي خلقكم وإياها، أي لأفعلن بها ما يسوءكم بضرب من الحيلة.
ولما كان عزمه على إيقاع الكيد في جميع الزمان الذي يقع فيه توليهم في أيّ جزء تيسر له منه، أسقط الجارّ فقال: ﴿بعد أن تولوا﴾ أي توقعوا التولي عنها، وحقق مراده بقوله: ﴿مدبرين*﴾
стр. 6120
لأنزلكم من الدليل العقلي على تحقيق الحق إذ لم تكونوا من أهله إلى الدليل الحسي على إبطال الباطل.
ولما كانوا في غاية التعظيم لأصنامهم لرسوخ أقدامهم في الجهل، لم يقع في أوهامهم قط أن إبراهيم ﵇ يقدم على ما قال، وعلى تقدير إقدامه الذي هو عندهم من قبيل المحال لا يقدر على ذلك، فتولوا إلى عيدهم، وقصد هو ما كان عزم عليه فشمر في إنجازه تشميراً يليق بتعليقه اليمين بالاسم الأعظم ﴿فجعلهم﴾ أي عقب توليهم ﴿جذاذاً﴾ قطعاً مهشمة مكسرة مفتتة، من الجذ وهو القطع ﴿إلا كبيراً﴾ واحداً ﴿لهم﴾ أي للأصنام أو لعبادها فإنه لم يكسر وجعل الفأس معه ﴿لعلهم﴾ أي أهل الضلال ﴿إليه﴾ وحده ﴿يرجعون*﴾ عند إلزامه لهم بالسؤال فتقوم عليهم الحجة، إذ لو ترك غيره معه لربما زعموا أن كلاًّ يكل الكلام إلى الآخر عند السؤال لغرض من الأغراض، فلما عادوا إلى أصنامهم فوجدوها على تلك الحال علم أنه لا بد لهم عند ذلك من أمر هائل، فاستؤنف الإخبار عنه بقوله: ﴿قالوا﴾ أي أهل الضلال: ﴿من فعل هذا﴾
стр. 6121
الفعل الفاحش ﴿بآلهتنا﴾ ثم استأنفوا الخبر عن الفاعل فقالوا مؤكدين لعلمهم أن ما أقامه الخليل ﵇ على بطلانها يميل القلوب إلى اعتقاد أن هذا الفعل حق: ﴿إنه من الظالمين*﴾ حيث وضع الإهانة في غير موضعها، فإن الآلهة حقها الإكرام، لا الإهانة والانتقام ﴿قالوا﴾ أي بعضهم لبعض: ﴿سمعنا﴾ ولم يريدوا تعظيمه مع شهرته وشهرة أبيه وعظمتهما فيهم ليجترىء عليه من لا يعرفه فنكروه بقولهم: ﴿فتى﴾ أي شاباً من الشبان ﴿يذكرهم﴾ أي بالنقص والعيب ﴿يقال له إبراهيم*﴾ يعنون: فهو الذي يظن أنه فعله ﴿قالوا﴾ مسببين عن هذا كارهين لأن يأخذوه سراً فيقال: أخذ بغير بينة، وهم كفرة وهو قد خالفهم في دينهم فإلى الله المشتكى من قوم يأخذون أكابر أهل دينهم بغير بينة بل ولا ظنة ﴿فأتوا به﴾ إلى هنا أي إلى بيت الأصنام ﴿على أعين الناس﴾ أي جهرة، والناس ينظرون إليه نظراً لا خفاء معه حتى كأنه ماشٍ على أبصارهم، متمكناً منها تمكن الراكب على المركوب، وعبر بالعين عن البصر ليفهم الأكابر، ويجمع القلة لإفادة السياق الكثرة، فيفيد الأمران قلة ما، لئلا يتوهم من جمع الكثرة جميع الناس مطلقاً ﴿لعلهم﴾ إذا رأوه ﴿يشهدون*﴾ أي أنه فعل بالآلهة هذا
стр. 6122
الفعل، أو أنه ذكرها بسوء، فيكون ذلك مسوغاً لأخذه بذلك، أو يشهد بفعله بعضهم، لأن الشيء إذا حضر كانت أحواله بالذكر أولى منها إذا كان غائباً، وكان هذا عين ما قصده الخليل ﵇ أن يبين - في هذا المحفل الذي لا يوجد مثله - ما هم عليه من واضح الجهل المتضمن قلة العقل.
стр. 6123
ولما كان إحضاره معلوماً أنهم لا يتأخرون عنه، استأنف أخباره لما يقع التشوف له فقال: ﴿قالوا﴾ منكرين عليه مقررين، له بعد حضوره على تلك الهيئة: ﴿ءأنت فعلت هذا﴾ الفعل الفاحش ﴿بآلهتنا يا إبراهيم * قال﴾ متهكماً لهم وملزماً بالحجة: ﴿بل فعله كبيرهم﴾ غيره من أن يعبد معه من هو دونه، وهذا على طريق إلزام الحجة؛ وتقييده بقوله: ﴿هذا﴾ إشارة إلى الذي تركه بغير كسر يدل على أنه كان فيهم كبير غيره. وكذا التنكير فيما مضى من قوله ﴿إلا كبيراً لهم﴾ وهذا - مع كونه تهكماً بهم وكناية عن أنهم لا عقل لهم لعبادتهم من يعلمون أنه لا يقدر على فعل ما - تنبيه على قباحة الشرك، وأنه لا يرضى به إله بل يهلك من عبد غيره وكل ما عبد من دونه إن كان قادراً، غيره على مقامه العظيم، ومنصبه الجسيم.
ولما أخبر بذلك، ولم يكن أحد رآه حتى يشهد على فعله، وكانوا
стр. 6124
قد أحلوهم بعبادتهم ووضع الطعم لهم محل من بعقل، سبب عنه أمرهم بسؤالهم فقال: ﴿فاسألوهم﴾ أي عن الفاعل ليخبروكم به ﴿إن كانوا ينطقون*﴾ على زعمكم أنهم آلهة يضرون وينفعون، فإن قدروا على النطق أمكنت منهم القدرة وإلا فلا، أما سؤال الصحيح فواضح، وأما غيره فكما يسأل الناس من جرح أو قطعت يده أو رجله أو ضرب وسطه وبقيت فيه بقية من رمق، وإسناده الفعل ما لا يصح إسناده إليه وأمره بسؤاله بعد الإضراب عن فعله متضمن لأنه هو الفاعل.
ولما كان روح الكلام إقراره بالفعل وجعلهم موضع الهزء لأنهم عبدوا ما لا قدرة له على دفاع أصلاً تسبب عنه قوله تعالى الدال على خزيهم: ﴿فرجعوا﴾ أي الكفرة ﴿إلى أنفسهم﴾ بمعنى أنهم فكروا فيما قال فاضطرهم الدليل إلى أن تحققوا أنهم على محض الباطل وأن هذه الشرطية الممكنة عقلاً غير ممكنة عادة ﴿فقالوا﴾ يخاطب بعضهم بعضاً مؤكدين لأن حالهم يقتضي إنكارهم لظلمهم: ﴿إنكم أنتم﴾ خاصة ﴿الظالمون*﴾ لكونكم وضعتم العبادة في غير موضعها، لا إبراهيم فإنه أصاب في إهانتهم سواء المحزّ ووافق عين الغرض،
стр. 6125
وفي أنكم بعد أن عبدتموها ولا قدرة لها تركتموها بلا حافظ.
ولما كان رجوعهم إلى الضلال بعد هذا الإقرار الصحيح الصريح في غاية البعد، عبر بأداته مشيراً إلى ذلك فقال: ﴿ثم نكسوا﴾ أي انقلبوا في الحال غير مستحيين مما يلزمهم من الإقرار بالسفه حتى كأنهم قلبهم قالب لم يمكنهم دفعه ﴿على رءوسهم﴾ فصار أعلاهم أسفلهم برجوعهم عن الحق إلى الباطل، من قولهم: نكس المريض - إذا رجع إلى حاله الأول، قائلين في مجادلته عن شركائهم: ﴿لقد علمت﴾ يا إبراهيم! ﴿ما هؤلاء﴾ لا صحيحهم ولا جريحهم ﴿ينطقون*﴾ فكانوا بما فاهوا به ظانين أنه ينفعهم، ممكنين لإبراهيم ﵇ من جلائل المقاتل.
ولما تسبب عن قولهم هذا إقرارهم بأنهم لا فائدة فيهم، فاتجهت لإبراهيم ﵇ الحجة عليهم، استأنف سبحانه الإخبار عنها بقوله: ﴿قال﴾ منكراً عليهم موبخاً لهم مسبباً عن إقرارهم هذا: ﴿أفتعبدون﴾ ونبههم على أن جميع الرتب تتضاءل دون رتبة الإلهية بقوله: ﴿من دون الله﴾ أي من أدنى رتبة من تحت رتبة الملك الذي لا ضر ولا نفع إلا بيده لاستجماعه صفات الكمال. ولما كانوا في محل ضرورة بسبب تكسير
стр. 6126
أصنامهم، راجين من ينفعهم في ذلك، قدم النفع فقال: ﴿ما لا ينفعكم شيئاً﴾ لترجوه ﴿ولا يضركم*﴾ شيئاً لتخافوه.
ولما أثبت أن معبوداتهم هذه في حيز العدم، فكانوا لعبادتها دونها، استأنف تبكيتهم لذلك بأعلى كلمات التحقير التي لا تقال إلا لما هو غاية في القذارة فقال: ﴿أف﴾ أي تقذر وتحقير مني، وفي الأحقاف ما يتعين استحضاره هنا، ثم خص ذلك بهم بقوله: ﴿لكم ولما تعبدون﴾ ولما كانت على وجه الإشراك، وكانت جميع الرتب تحت رتبته تعالى، وكانت أصنامهم هذه في رتب منها سافلة جداً أثبت الجار فقال: ﴿من دون الله﴾ أي الملك الأعلى لدناءتكم وقذارتكم.
ولما تسبب عن فعلهم هذا وضوح أنه لا يقر به عاقل، أنكر عليهم ووبخهم على ترك الفكر تنبيهاً على أن فساد ما هم عليه يدرك ببديهة العقل فقال: ﴿أفلا تعقلون*﴾ أي وأنتم شيوخ قد مرت بكم الدهور وحنكتكم التجارب.
ولما وصل بهم إلى هذا الحد من البيان، فدحضت حجتهم، وبان عجزهم، وظهر الحق، واندفع الباطل، فانقطعوا انقطاعاً فاضحاً، أشار سبحانه إلى الإخبار عن ذلك بقوله استئنافاً: ﴿قالوا﴾ عادلين إلى
стр. 6127
العناد واستعمال القوة الحسية: ﴿حرقوه﴾ بالنار لتكونوا قد فعلتم فيه فعلاً هو أعظم مما فعل بآلهتكم ﴿وانصروا آلهتكم﴾ التي جعلها جذاذاً؛ وأشاء التعبير - بأداة الشك وفعل الكون واسم الفاعل إلى أن أذاه لا يسوغ، وليس الحامل عليه إلا حيلة غلبت على الفطرة الأولى السليمة - في قوله: ﴿إن كنتم فاعلين*﴾ أي النصرة لها، فإن النار أهول المعاقبات وأفظعها، فهي أزجر لمن يريد مثل هذا الفعل، واتركوا الجدال فإنه يورث ضد ما تريدون، ويؤثر عكس ما تطلبون، فعزموا على ذلك فجمعوا الحطب شهراً ووضعوه في جوبة من الأرض أحاطوا بها جداراً كما في الصافات حتى كان ذلك الحطب كالجبل، وأضرموا فيه النار حتى كان على صفة لم يوجد في الأرض قط مثلها، حتى إن كان الطائر ليمر بها في الجو فيحترق، ثم ألقوه فيها بالمنجنيق فقال: حسبي الله ونعم الوكيل - أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵄، ولأبي يعلى عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
«لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار قال: اللهم! إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد، عبدك» وقال البغوي: أتاه خازن المياه فقال: إن
стр. 6128
أردت أخمدت النار، وأتاه خازن الرياح فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل. فأراد الله الذي له القوة جميعاً سلامته منها، فعبر عن ذلك بقوله سبحانه استئنافاً لجواب من زاد تشوفه إلى ما كان من أمره بعد الإلقاء فيها: ﴿قلنا﴾ أي بعظمتنا ﴿يا نار كوني﴾ بإرادتنا التي لا يتخلف عنها مراد ﴿برداً﴾ . ولما كان البرد قد يكون ضاراً قال: ﴿وسلاماً﴾ فكانت كذلك، فلم تحرق منه إلا وثاقه.
ولما كان المراد اختصاصه ﵇ بهذا قيده به، ولما كان المراد حياته ولا بد، عبر بحرف الاستعلاء فقال: ﴿على إبراهيم*﴾ أي فكان ما أردنا من سلامته، وروى البغوي من طريق البخاري عن أم شريك ﵂ «أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ وقال: كان ينفخ النار على إبراهيم» وقال ابن كثير: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبيد الله بن أخي وهب ثنا عمي عن جرير بن حازم أن نافعاً حدثه قال: حدثتني مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي قالت: دخلت على عائشة ﵂ فرأيت في
стр. 6129
بيتها رمحاً فقلت: يا أم المؤمنين! ما تصنعين بهذا الرمح؟ فقالت: نقتل به هذه الأوزاغ، إن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفىء عنه غير الوزغ، فإنه كان ينفخ على إبراهيم فأمرنا رسول الله ﷺ بقتله» .
ولما قدم ما نبه على شدة الاهتمام به لإفهامه أنه حكم بسلامته من كيدهم عند همهم به فكيف بما بعده! قال عاطفاً على ما تقديره: فألقوه فيها: ﴿وأرادوا به كيداً﴾ أي مكراً بإضراره بالنار وبعد خروجه منها ﴿فجعلناهم﴾ أي بما لنا من الجلال.
ولما كانوا قد أرادوا بما صنعوا له من العذاب أن يكون أسفل منهم أهل ذلك الجمع، وكان السياق لتحقيق أمر الساعة الذي هو مقصود السورة، وكان الصائر إليها المفرط فيها بالتكذيب بها قد خسر خسارة لا جبر لها لفوات محل الاستدراك، قال: ﴿الأخسرين*﴾ لأن فضيحتهم في الدنيا الموجبة للعذاب في الأخرى كانت بنفس فعلهم الذي كادوه به، ولم يذكر سبحانه شعيباً ﵇ مع أنه سخر له النار في يوم الظلة فأحرقت عصاه، لأن فعل النار بقومه كان على ما هو المعهود من أمرها بخلاف فعلها مع إبراهيم ﵇، فإنه على خلاف
стр. 6130
المعتاد، وقد وقع مثل هذا لبعض أتباع نبيناً ﷺ ، وهو أبو مسلم الخولاني، طلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم! فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائماً يصلي فيها وقد صارت عليه برداً وسلاماً، وقدم المدينة بعد موت النبي ﷺ فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر ﵄ وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله.
ولما كان إنجاؤه - وهو وحده - ممن أرادوا به هذا الأمر العظيم من العجائب فكيف إذا انضم إليه غيره، ولم يكن في ذلك الغير آية تمنعهم عنه كما كان في إبراهيم ﵇، قال: ﴿ونجيناه﴾ أي بعظمتنا ﴿ولوطاً﴾ أي ابن أخيه وصديقه لكونه آمن به وصدقه، من بلادهما كوثى بلاد العراق، منتهيين إلى الأرض المقدسة، ولعله عبر بإلى الدالة على تضمين «انتهى» للدلالة على أن هناك غاية طويلة، فإنهما خرجا من كوثى من أرض العراق إلى حران ثم من حران
следующие страницы →