Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.
стр. 6126
أصنامهم، راجين من ينفعهم في ذلك، قدم النفع فقال: ﴿ما لا ينفعكم شيئاً﴾ لترجوه ﴿ولا يضركم*﴾ شيئاً لتخافوه.
ولما أثبت أن معبوداتهم هذه في حيز العدم، فكانوا لعبادتها دونها، استأنف تبكيتهم لذلك بأعلى كلمات التحقير التي لا تقال إلا لما هو غاية في القذارة فقال: ﴿أف﴾ أي تقذر وتحقير مني، وفي الأحقاف ما يتعين استحضاره هنا، ثم خص ذلك بهم بقوله: ﴿لكم ولما تعبدون﴾ ولما كانت على وجه الإشراك، وكانت جميع الرتب تحت رتبته تعالى، وكانت أصنامهم هذه في رتب منها سافلة جداً أثبت الجار فقال: ﴿من دون الله﴾ أي الملك الأعلى لدناءتكم وقذارتكم.
ولما تسبب عن فعلهم هذا وضوح أنه لا يقر به عاقل، أنكر عليهم ووبخهم على ترك الفكر تنبيهاً على أن فساد ما هم عليه يدرك ببديهة العقل فقال: ﴿أفلا تعقلون*﴾ أي وأنتم شيوخ قد مرت بكم الدهور وحنكتكم التجارب.
ولما وصل بهم إلى هذا الحد من البيان، فدحضت حجتهم، وبان عجزهم، وظهر الحق، واندفع الباطل، فانقطعوا انقطاعاً فاضحاً، أشار سبحانه إلى الإخبار عن ذلك بقوله استئنافاً: ﴿قالوا﴾ عادلين إلى
стр. 6127
العناد واستعمال القوة الحسية: ﴿حرقوه﴾ بالنار لتكونوا قد فعلتم فيه فعلاً هو أعظم مما فعل بآلهتكم ﴿وانصروا آلهتكم﴾ التي جعلها جذاذاً؛ وأشاء التعبير - بأداة الشك وفعل الكون واسم الفاعل إلى أن أذاه لا يسوغ، وليس الحامل عليه إلا حيلة غلبت على الفطرة الأولى السليمة - في قوله: ﴿إن كنتم فاعلين*﴾ أي النصرة لها، فإن النار أهول المعاقبات وأفظعها، فهي أزجر لمن يريد مثل هذا الفعل، واتركوا الجدال فإنه يورث ضد ما تريدون، ويؤثر عكس ما تطلبون، فعزموا على ذلك فجمعوا الحطب شهراً ووضعوه في جوبة من الأرض أحاطوا بها جداراً كما في الصافات حتى كان ذلك الحطب كالجبل، وأضرموا فيه النار حتى كان على صفة لم يوجد في الأرض قط مثلها، حتى إن كان الطائر ليمر بها في الجو فيحترق، ثم ألقوه فيها بالمنجنيق فقال: حسبي الله ونعم الوكيل - أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵄، ولأبي يعلى عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
«لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار قال: اللهم! إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد، عبدك» وقال البغوي: أتاه خازن المياه فقال: إن
стр. 6128
أردت أخمدت النار، وأتاه خازن الرياح فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل. فأراد الله الذي له القوة جميعاً سلامته منها، فعبر عن ذلك بقوله سبحانه استئنافاً لجواب من زاد تشوفه إلى ما كان من أمره بعد الإلقاء فيها: ﴿قلنا﴾ أي بعظمتنا ﴿يا نار كوني﴾ بإرادتنا التي لا يتخلف عنها مراد ﴿برداً﴾ . ولما كان البرد قد يكون ضاراً قال: ﴿وسلاماً﴾ فكانت كذلك، فلم تحرق منه إلا وثاقه.
ولما كان المراد اختصاصه ﵇ بهذا قيده به، ولما كان المراد حياته ولا بد، عبر بحرف الاستعلاء فقال: ﴿على إبراهيم*﴾ أي فكان ما أردنا من سلامته، وروى البغوي من طريق البخاري عن أم شريك ﵂ «أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ وقال: كان ينفخ النار على إبراهيم» وقال ابن كثير: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبيد الله بن أخي وهب ثنا عمي عن جرير بن حازم أن نافعاً حدثه قال: حدثتني مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي قالت: دخلت على عائشة ﵂ فرأيت في
стр. 6129
بيتها رمحاً فقلت: يا أم المؤمنين! ما تصنعين بهذا الرمح؟ فقالت: نقتل به هذه الأوزاغ، إن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفىء عنه غير الوزغ، فإنه كان ينفخ على إبراهيم فأمرنا رسول الله ﷺ بقتله» .
ولما قدم ما نبه على شدة الاهتمام به لإفهامه أنه حكم بسلامته من كيدهم عند همهم به فكيف بما بعده! قال عاطفاً على ما تقديره: فألقوه فيها: ﴿وأرادوا به كيداً﴾ أي مكراً بإضراره بالنار وبعد خروجه منها ﴿فجعلناهم﴾ أي بما لنا من الجلال.
ولما كانوا قد أرادوا بما صنعوا له من العذاب أن يكون أسفل منهم أهل ذلك الجمع، وكان السياق لتحقيق أمر الساعة الذي هو مقصود السورة، وكان الصائر إليها المفرط فيها بالتكذيب بها قد خسر خسارة لا جبر لها لفوات محل الاستدراك، قال: ﴿الأخسرين*﴾ لأن فضيحتهم في الدنيا الموجبة للعذاب في الأخرى كانت بنفس فعلهم الذي كادوه به، ولم يذكر سبحانه شعيباً ﵇ مع أنه سخر له النار في يوم الظلة فأحرقت عصاه، لأن فعل النار بقومه كان على ما هو المعهود من أمرها بخلاف فعلها مع إبراهيم ﵇، فإنه على خلاف
стр. 6130
المعتاد، وقد وقع مثل هذا لبعض أتباع نبيناً ﷺ ، وهو أبو مسلم الخولاني، طلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم! فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائماً يصلي فيها وقد صارت عليه برداً وسلاماً، وقدم المدينة بعد موت النبي ﷺ فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر ﵄ وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله.
ولما كان إنجاؤه - وهو وحده - ممن أرادوا به هذا الأمر العظيم من العجائب فكيف إذا انضم إليه غيره، ولم يكن في ذلك الغير آية تمنعهم عنه كما كان في إبراهيم ﵇، قال: ﴿ونجيناه﴾ أي بعظمتنا ﴿ولوطاً﴾ أي ابن أخيه وصديقه لكونه آمن به وصدقه، من بلادهما كوثى بلاد العراق، منتهيين إلى الأرض المقدسة، ولعله عبر بإلى الدالة على تضمين «انتهى» للدلالة على أن هناك غاية طويلة، فإنهما خرجا من كوثى من أرض العراق إلى حران ثم من حران
стр. 6131
﴿إلى الأرض﴾ المقدسة ﴿التي باركنا فيها﴾ بأن ملأناها من الخيرات الدنيوية والأخروية بما فيها من المياه التي بها حياة كل شيء من الأشجار والزروع وغيرها، وما ظهر منها من الأنبياء ﵈ الذي ملؤوا الأرض نوراً ﴿للعالمين*﴾ كما أنجيناك أنت يا أشرف أولاده وصديقك أبا بكر ﵁ إلى طيبة التي شرفناها بك، وبثثنا من أنوارها في أرجاء الأرض وأقطارها ما لم نبث مثله قط، وباركنا فيها للعالمين، بالخلفاء الراشدين وغيرهم من العلماء والصالحين، الذين انبثت خيراتهم العلمية والعملية والمالية في جميع الأقطار.
ولما أولد له في حال شيخوخته وعجز امرأته مع كونها عقيماً، وكان ذلك دالاً على الاقتدار على البعث الذي السياق كله له، قال: ﴿ووهبنا﴾ دالاً على ذلك بنون العظمة ﴿له إسحاق﴾ أي من شبه العدم، وترك شرح حاله لتقدمه، أي فكان ذلك دالاًّ على اقتدارنا على ما نريد لا سيما من إعادة الخلق في يوم الحساب؛ ولما كان قد يظن أنه - لتولده بين شيخ فانٍ وعجوز مع يأسها عقيم - كان على حالة من الضعف، لا يولد لمثله معها، نفى ذلك بقوله: ﴿ويعقوب نافلة﴾ أي ولد إسحاق زيادة على ما دعا به إبراهيم ﵉؛ ثم نمى سبحانه أولاد يعقوب - وهو إسرائيل - وذرياتهم إلى أن ساموا النجوم عدة، وباروا الجبال شدة ﴿وكلاًّ﴾ من هؤلاء الأربعة؛ وعظم رتبتهم بقوله: ﴿جعلنا صالحين*﴾
стр. 6132
أي مهيئين - لطاعتهم لله - لكل ما يريدونه أو يرادون له أو يراد منهم، وهذا إشارة إلى أن العاصي هالك، لا يصلح لشيء وإن طال عمره، واشتد أمره، لأن العبرة بالعاقبة.
стр. 6133
ولما ذكر أنه أعطاهم رتبة الصلاح في أنفسهم، ذكر أنه أعطاهم رتبة الإصلاح لغيرهم، فقال معظماً لإمامتهم: ﴿وجعلناهم أئمة﴾ أي أعلاماً ومقاصد يقتدى بهم في الدين بما أعطاهم من النبوة. ولما كان الإمام قد يدعو إلى الردى، ويصد عن الهدى، إذا كانت إمامته ظاهرة لا يصحبها صلاح باطن، احترز عن ذلك بقوله: ﴿يهدون﴾ أي يدعون إلينا من وفقناه للهداية ﴿بأمرنا﴾ وهو الروح الذي هو العمل المؤسس على العلم بإخبار الملائكة به عنا، ولإفهام ذلك عطف عليه قوله معظماً لوحيه إليهم: ﴿وأوحينا إليهم﴾ أي أيضاً ﴿فعل﴾ أي أن يفعلوا ﴿الخيرات﴾ كلها وهي شرائع الدين، ولعله عبر بالفعل دلالة على أنهم امتثلوا كل ما أوحي إليهم.
ولما كانت الصلاة أم الخيرات، خصها بالذكر فقال: ﴿وإقام الصلاة﴾ قال الزجاج: الإضافة عوض عن تاء التأنيث. يعني فيكون من الغالب لا من القليل، وكان سر الحذف تعظيم
стр. 6134
الصلاة لأنها مع نقصها عن صلاتنا - لما أشار إليه الحذف - بهذه المنزلة من العظمة فما الظن بصلاتنا.
ولما كانت الصلاة بين العبد والحق، وكان روحها الإعراض عن كل فان، عطف عليها قوله: ﴿وإيتاء الزكاة﴾ أي التي هي مع كونها إحساناً إلى الخلق بما دعت الصلاة إلى الانسلاخ عنه من الدنيا، ففعلوا ما أوحيناه إليهم ﴿وكانوا لنا﴾ دائماً جبلة وطبعاً ﴿عابدين*﴾ أي فاعلين لكل ما يأمرون به غيرهم، فعل العبد مع مولاه من كل ما يجب له من الخدمة، ويحق له من التعظيم والحرمة.
ولما كان سبحانه قد سخر لصديقه لوط ﵇ إهلاك من عصاه في أول الأمر بحجارة الكبريت التي هي من النار، وفي آخره بالماء الذي هو أقوى من النار، تلاه به فقال: ﴿ولوطاً﴾ أي وآتيناه أو واذكر لوطاً؛ ثم استأنف قوله: ﴿ءاتيناه﴾ أي بعظمتنا ﴿حكماً﴾ أي نبوة وعملاً محكماً بالعلم ﴿وعلماً﴾ مزيناً بالعمل ﴿ونجيناه﴾ بانفرادنا بالعظمة.
ولما كانت مادة «قرا» تدل على الجمع، قال: ﴿من القرية﴾ المسماة سدوم، أي من عذابهم وجميع شرورهم، وأفرد تنبيهاً على عمومها بالقلع والقلب وأنه كان في غاية السهولة والسرعة، وقال
стр. 6135
أبو حيان: وكانت سبعاً، عبر عنها بالواحدة لاتفاق أهلها على الفاحشة. ﴿التي كانت﴾ قبل إنجائنا له منها ﴿تعمل الخبائث﴾ بالذكران، وغير ذلك من الطغيان، فاستحقوا النار التي أمر المؤلفات، بما ارتكبوا من الشهوة المحظورة لعدهم لها أحلى الملذذات، والغمر بالماء القذر المنتن الذي جعلناه - مع أنا جعلنا من الماء كل شيء حي - لا يعيش فيه حيوان، فضلاً عن أن يتولد منه، ولا ينتفع به، لما خامروا من القذر الذي لا ثمرة له.
ولما كان في هذا إشارة إلى إهلاك القرية، وأن التقدير: ودمرنا عليهم بعد انفصاله عنهم، علله بقوله: ﴿إنهم كانوا﴾ أي بما جلبوا عليه ﴿قوم سوء﴾ أي ذوي قدرة على الشر بانهماكهم في الأعمال السيئة ﴿فاسقين*﴾ خارجين من كل خير، ثم زاد الإشارة وضوحاً بقوله: ﴿وأدخلناه﴾ أي دونهم بعظمتنا ﴿في رحمتنا﴾ أي في الأحوال السنية، والأقوال العلية، والأفعال الزكية، التي هي سبب الرحمة العظمى ومسببة عنها؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنه من الصالحين*﴾ أي لما جلبناه عليه من الخير.
ولما أتم سبحانه قصة لوط المناسبة لقصة الخليل ﵉ بحجارة الكبريت، ولقصة نوح ﵇ بالماء الذي غمرت به قراه السبع، أتبع ذلك قصة نوح ﵇ الذي سخر له من الماء ما لم يسخره
стр. 6136
لغيره لغمره جميع الأرض دانيها وقاصيها، واطيها وعاليها، فقال: ﴿ونوحاً إذ﴾ أي اذكره حين ﴿نادى﴾ أي دعا ربه ﴿إني مغلوب فانتصر﴾ [القمر: ١٠] و ﴿لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً﴾ [نوح: ٢٦] ونحوه من الدعاء.
ولما كان دعاؤه لم يستغرق الأزمنة الماضية، أثبت الجار فقال: ﴿من قبل﴾ أي من قبل لوط ومن تقدمه ﴿فاستجبنا﴾ أي أردنا الإجابة وأوجدناها بعظمتنا ﴿له﴾ في ذلك النداء؛ ثم سبب عن ذلك قوله: ﴿فنجيناه﴾ أي بعظمتنا تنجية عظيمة ﴿وأهله﴾ الذين أدام ثباتهم على الإسلام وصلتهم به ﴿من الكرب العظيم*﴾ من الأذى والغرق؛ قال أبو حيان: والكرب: أقصى الغم، والأخذ بالنفس، وهو هنا الغرق، عبر عنه بأول أحوال ما يأخذ الغريق. ﴿ونصرناه﴾ أي مخلصين له ومانعين ومنتقمين ﴿من القوم﴾ أي المتصفين بالقوة ﴿الذين كذبوا﴾ أي أوقعوا التكذيب له ﴿بآياتنا﴾ أي بسبب إتيانه بها، وهي من العظمة على أمر لا يخفى.
ولما كان التقدير: ثم أهلكناهم، علله بقوله: ﴿إنهم كانوا قوم سوء﴾ لا عمل لهم إلا ما يسوء ﴿فأغرقناهم﴾ أي بعظمتنا التي أتت عليهم كلهم ﴿أجمعين*﴾ حتى من قطع الكفر بين نوح ﵇ وبينه
стр. 6137
من أهله فصار لا يعد من أهله، لاختلاف الانتساب بالدين.
ولما كان ربما قيل: لم قدم إبراهيم ومن معه على نوح وهو أبوهم ومن أولي العزم، وموسى وهارون على إبراهيم وهو كذلك، أشار بقصة داود وسليمان - على جميعهم الصلاة والسلام - إلى أنه ربما يفضل الابن الأب في أمر، فربما قدم لأجله وإن كان لا يلزم منه تقديمه مطلقاً، مع ما فيها من أمر الحرث الذي هو أنسب شيء لما بعد غيض الماء في قصة نوح ﵇، هذا في أوله وأما في آخره فما ينبته مثال للدنيا في بهجتها وغرورها، وانقراضها ومرورها، ومن تصريف داود ﵇ في الجبال وهي أشد التراب الذي هو أقوى من الماء، وفي الحديد وهو أقوى من تراب الجبال، وسليمان ﵇ في الريح وهي أقوى من التراب فقال: ﴿وداود﴾ أي أول من ملك ابنه من أنبياء بني إسرائيل ﴿وسليمان﴾ ابنه، أي اذكرهما واذكر شأنهما ﴿إذ﴾ أي حين ﴿يحكمان في الحرث﴾ الذي أنبت الزرع، وهو من إطلاق اسم السبب على المسبب كالسماء على المطر والنبت، قيل: كان ذلك كرماً، وقيل: زرعاً ﴿إذ نفشت﴾
стр. 6138
أي انتشرت ليلاً بغير راع ﴿فيه غنم القوم﴾ الذي لهم قوة على حفظها فرعته؛ قال قتادة: النفش بالليل، والهمل بالنهار.
﴿وكنا﴾ أي بعظمتنا التي لا تقر على خلاف الأولى في شرع من الشروع ﴿لحكمهم﴾ أي الحكمين والمتحاكمين إليهما ﴿شاهدين﴾ لم يغب عنا ذلك ولا شيء من أمرهم هذا ولا غيره، فذلك غيرنا على داود ﵇ تلك الحكومة مع كونه ولينا وهو مأجور في اجتهاده لأن الأولى خلافها، فإنه حكم بأن يمتلك صاحب الحرث الغنم بما أفسدت من الكرم، فكأنه رأى قيمة الغنم قيمة ما أفسدت ﴿ففهمناها﴾ أي الحكومة بما لنا من العلم الشامل والقدرة الكاملة على رفع من نشاء ﴿سليمان﴾ فقال: تسلم الغنم لصاحب الكرم ليرتفق بلبنها ونسلها وصوفها ومنافعها، ويعمل صاحبها في الكرم حتى يعود كما كان فيأخذ حرثه، وترد الغنم إلى صاحبها، وهذا أرفق بهما. وهذا أدل دليل على ما تقدمت الإشارة إليه عند ﴿قل ربي يعلم القول﴾ ، و ﴿كنا به عالمين إذ قال لأبيه﴾ وفيه رد عليهم في غيظهم من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 6139
في تسفيه الآباء والرد عليهم كما في قصة إبراهيم ﵇ لأنه ليس بمستنكر أن يفضل الابن أباه ولو في شيء، والآية تدل على أن الحكم ينقض بالاجتهاد إذا ظهر ما هو أقوى منه.
ولما كان ذلك ربما أوهم شيئاً في أمر داود ﵇، نفاه بقوله دالاً على أنهما على الصواب في الاجتهاد وإن كان المصيب في الحكم إنما هو أحدهما ﴿وكلاًّ﴾ أي منهما ﴿ءاتينا﴾ بما لنا من العظمة ﴿حكماً﴾ أي نبوة وعملاً مؤسساً على حكمة العلم، وهذا معنى ما قالوه في قول النبي ﷺ : إن من الشعر حكماً - أي قولاً صادقاً مطابقاً للحق ﴿وعلماً﴾ مؤيداً بصالح العمل، وعن الحسن ﵀: لولا هذه الآية لرأيت القضاة قد هلكوا، ولكنه أثنى على سليمان ﵇ بصوابه، وعذر داود ﵇ باجتهاده انتهى. وأتبعه من الخوارق ما يشهد له بالتقدم والفضل فقال: ﴿وسخرنا﴾ أي بعظمتنا التي لا يعيبها شيء.
ولما كان هذا الخارق في التنزيه، لم يعد الفعل اللام زيادة في
стр. 6140
التنزيه وإبعاداً عما ربما أوهم غيره فقال مقدماً ما هو أدل على القدرة في ذلك لأنه أبعد عن النطق: ﴿مع داود الجبال﴾ أي التي هي أقوى من الحرث، حال كونهن ﴿يسبحن﴾ معه، ولو شئنا لجعلنا الحرث أو الغنم يكلمه بصواب الحكم، ولم يذكر ناقة صالح لأنها مقترحة موجبة لعذاب الاستئصال، فلم يناسب ذكرها هنا، لما أشار إليه قوله تعالى ﴿لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم﴾ ، «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» وهذه الآيات التي ذكرت هنا ليس فيها شيء مقترح ﴿والطير﴾ التي سخرنا لها الرياح التي هي أقوى من الجبال وأكثر سكناها الجبال، سخرناها معه تسبح ﴿وكنا فاعلين*﴾ أي من شأننا الفعل لأمثال هذه الأفاعيل، ولكل شيء نريده بما لنا من العظمة المحيطة، فلا تستكثروا علينا أمراً وإن كان عندكم عجباً، وقد اتفق نحو هذا لغير واحد من هذه الأمة، كان مطرف بن عبد الله ابن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه ابنته، هذا مع أن الطعام كان يسبح بحضرة النبي ﷺ والحصا وغيره.
стр. 6141
ولما ذكر التسخير بالتسبيح، أشار إلى تسخير الحديد الذي هو
стр. 6142
أقوى تراب الجبال وأصلبه وأصفاه فقال: ﴿وعلمناه﴾ أي بعظمتنا ﴿صنعة لبوس﴾ قال البغوي: وهو في اللغة اسم لكل ما يلبس ويستعمل في الأسلحة كلها، وهو كالجلوس والركوب. ﴿لكم﴾ أي لتلبسوه في حربكم، وألنا له في عمله الحديد ليجتمع له إلى العلم سهولة العمل فيأتي كما يريد ﴿لتحصنكم﴾ أي اللبوس أو داود أو الله على قراءة الجماعة في حصن مانع، وهو معنى قراءة النون الدال على مقام العظمة عند أبي بكر عن عاصم ورويس عن يعقوب، وقراءة أبي جعفر وابن عامر وحفص بالفوقانية للدروع نظراً إلى الجنس ﴿من بأسكم﴾ الكائن مما يحصل من بعضكم لبعض من شدائد الحرب لا من البأس كله ﴿فهل أنتم شاكرون*﴾ لنا على ذلك لتوحدنا وتؤمنوا بأنبيائنا؛ قال البغوي: قال قتادة: أول من صنع الدروع وسردها وحلقها داود ﵇، وكانت من قبل صفائح، والدرع يجمع الخفة والحصانة.
ولما كان قد سخر لابنه سليمان ﵇ الريح التي هي أقوى
стр. 6143
من بقية العناصر قال: ﴿ولسليمان﴾ معبراً باللام لأنها كانت تحت أمره لنفعه ولا إبهام في العبارة ﴿الريح﴾ قال البغوي: وهي جسم لطيف يمتنع بلطفه من القبض عليه، ويظهر للحس بحركته، وكان سليمان ﵇ يأمر بالخشب فيضرب له، فإذا حمل عليه ما يريد من الدواب، الناس وآلة الحرب أمر العاصفة فدخلت تحت الخشب فاحتملته حتى إذا استقلت به أمر الرخاء تمر به شهراً في غدوته وشهراً في روحته - انتهى ملخصاً. فكان الريحان مسخرتين له، ولكن لما كان السياق هنا لبيان الإقدار على الأفعال الغريبة الهائلة، قال: ﴿عاصفة﴾ أي شديدة الهبوب، هذا باعتبار عملها، ووصفت بالرخاء باعتبار لطفها بهم فلا يجدون لها مشقة ﴿تجري بأمره﴾ إذا أمرها غادية ورائحة ذاهبة إلى حيث أراد وعائدة على حسب ما يريد، آية في آية.
ولما كان قد علم مما مضى من القرآن لحامله المعتني بتفهم معانيه، ومعرفة أخبار من ذكر فيه، أنه من بني إسرائيل، وأن قراره بالأرض المقدسة فكان من المعلوم أنه يجريها إلى غيره، وكان الحامل إلى مكان ربما تعذر عوده مع المحمول، عبر بحرف الغاية ذاكراً محل القرار دلالة على أنها
стр. 6144
كما تحمله ذهاباً إلى حيث أراد من قاص ودان - تحمله إلى قراره أياماً فقال: ﴿إلى الأرض التي باركنا﴾ أي بعزتنا ﴿فيها﴾ وهي الشام ﴿وكنا﴾ أي أزلاً وأبداً بإحاطة العظمة ﴿بكل شي﴾ من هذا وغيره من أمره وغيره ﴿عالمين*﴾ فكنا على كل شيء قادرين، فلولا رضانا به لغيرناه عليه كما غيرنا على من قدمنا أمورهم، وهذا من طراز ﴿قل ربي يعلم القول﴾ كما مضى، وتسخير الريح له كما سخرت للنبي ﷺ ليالي الأحزاب، قال حذيفة ﵁: حتى كانت تقذفهم بالحجارة، ما تجاوز عسكرهم فهزمهم الله بها وردوا بغيظهم لم ينالوا خيراً.
وأعم من جميع ما أعطى الأنبياء ﵈ أنه أعطى ﷺ التصرف في العالم العلوي الذي جعل سبحانه من الفيض على العالم السفلي بالاختراق لطباقه بالإسراء تارة، وبإمساك المطر لما دعا بسبع كسبع يوسف، وبإرساله أخرى كما في أحاديث كثيرة، وأتي مع ذلك بمفاتيح خزائن الأرض كلها فردها ﷺ .
ولما ذكر تسخير الريح له، ذكر أنه سخر له مأغلب عناصره النار والريح للعمل في الماء، مقابلة لارتفاع الحمل في الهواء باستفال الغوص في الماء فقال: ﴿ومن﴾ أي وسخرنا له من ﴿الشياطين﴾ الذين هم أكثر شيء تمرداً وعتواً،
стр. 6145
وألطف شيء أجساماً ﴿من﴾ وعبر بالجمع لأنه أدل على عظم التصرف فقال: ﴿يغوصون له﴾ في المياه لما يأمرهم به من استخراج الجواهر وغيرها من المنافع، وذلك بأن أكثفنا أجسامهم مع لطافتها لتقبل الغوص في الماء معجزة في معجزة، وقد خنق نبينا محمد ﷺ العفريت الذي جاء بشهاب من نار وأسر جماعة من أصحابه ﵃ عفاريت أتوا إلى ثمر الصدقة وأمكنهم الله منهم ﴿ويعملون عملاً﴾ أي عظيماً جداً.
ولما كان إقدارهم على الغوص أعلى ما يكون في أمرهم، وكان المراد استغراق إقدارهم على ما هو أدنى من ذلك مما يريده منهم، نزع الجار فقال: ﴿دون ذلك﴾ أي تحت هذا الأمر العظيم أو غيره من بناء ما يريد، واصطناع ما يشاء، من الصنائع العجيبة، والآثار الغريبة، وفي ذلك تسخير الماء والتراب بواسطة الشاطين، فقد ختم عند انتهاء الإشارة إلى تسخير العناصر - بمن سخر له العناصر الأربعة كما ابتدأ بذلك ﴿وكنا﴾ أي بعظمتنا التي تغلب كل شيء ﴿لهم حافظين*﴾ من أن يفعلوا غير ما يريد، ولمن يذكر هوداً ﵇ هنا، إن كان قد سخر له الريح، لأن عملها له كان على مقتضى
стр. 6146
العادة في التدمير والأذى عند عصوفها وإن كان خارقاً بقوته، والتي لسليمان ﵇ للنجاة والمنافع، هذا مع تكرارها فأمرها أظهر، وفعلها أزكى وأطهر.
ولما أتم سبحانه ذكر من سخر لهم العناصر التي منها الحيوان المحتوم ببعثته تحقيقاً لذلك، ذكر بعدهم من وقع له أمر من الخوارق يدل على ذلك، إما بإعادة أو حفظ أو ابتداء، بدأهم بمن أعاد له ما كان أعدمه من أهل ومال، وسخر له عنصر الماء في إعادة لحمه وجلده، لأن الإعادة هي المقصودة بالذات في هذه السورة فقال: ﴿وأيوب﴾ أي واذكر أيوب، قالوا: وهو ابن أموص بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، وكان صاحب البثنية من بلاد الشام، وكان الله قد بسط عليه الدنيا فشكره سبحانه ثم ابتلاه فصبر ﴿إذ نادى ربه﴾ أي المحسن إليه في عافيته وضره بما آتاه من صبره ﴿أني مسني الضر﴾ بتسليطك الشيطان عليّ في بدني وأهلي ومالي وقد طمع الآن في ديني، وذلك أنه زين لامرأة أيوب
стр. 6147
عليه السلام أن تأمره أن يذبح الصنم فإنه يبرأ ثم يتوب، ففطن لذلك وحلف: ليضربنها إن برأ، وجزع من ذلك، والشكوى إلى الله تعالى ليست من الجزع فلا تنافي الصبر، وقال سفيان بن عيينة: ولا من شكا إلى الناس وهو في شكواه راض بقضاء الله تعالى.
﴿وأنت﴾ أي والحال أنك أنت ﴿أرحم الراحمين*﴾ فافعل بي ما يفعل الرحمن بالمضرور، وهذا تعريض بسؤال الرحمة حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وربّه بأبلغ صفاتها ولم يصرح، فكان ذلك ألطف في السؤال، فهو أجدر بالنوال ﴿فاستجبنا له﴾ أي أوجدنا إجابته إيجاد من كأنه طالب لها بسبب ندائه، هذا بعظمتنا في قدرتنا على الأمور الهائلة، وسبب عن ذلك قوله: ﴿فكشفنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿ما به من ضر﴾ بأن أمرناه أن يركض برجله، فتنبع له عين من ماء، فيغتسل فيها، فينبت لحمه وجلده أحسن ما كان وأصحه ودل على تعاظم هذا الأمر بقوله: ﴿وءاتيناه أهله﴾ أي أولاده وما تبعهم من حشمه، أحييناهم له بعد أن كانوا ماتوا ﴿ومثلهم﴾ أي وأوجدنا له مثلهم في الدنيا، فإن قوله: ﴿معهم﴾ يدل على
стр. 6148
أنهم وجدوا عند وجدان الأهل، حال كون ذلك الكشف والإيتاء ﴿رحمة﴾ أي نعمة عظيمة تدل على شرفه بما شأنه العطف والتحنن، وهو من تسمية المسبب باسم السبب، وفخمها بقوله: ﴿من عندنا﴾ بحيث لا يشك من ينظر ذلك أنا ما فعلناه إلا رحمة منا له وأن غيرنا لم يكن يقدر على ذلك ﴿وذكرى﴾ أي عظة عظيمة ﴿للعابدين*﴾ كلهم، ليتأسوا به فيصبروا إذا ابتلوا بفتنة الضراء ولا يظنوا أنها لهوانهم، ويشكروا إذا ابتلوا بنعمة السراء لئلا تكون عين شقائهم، واتبعه سبحانه بمن أنبع له من زمزم ماءً باقياً شريفاً، إشارة إلى شرفه وشرف ولده خاتم الرسل ببقاء رسالته ومعجزته فقال: ﴿إسماعيل﴾ أي ابن إبراهيم ﵉ الذي سخرنا له من الماء بواسطة الروح الأمين ما عاش به صغيراً بعد أن كان هالكاً لا محالة، ثم جعلناه طعام طعم وشفاء سقم دائماً، وصناه - وهو كبير - من الذبح فذبحه أبوه واجتهد في إتلافه إمتثالاً لأمرنا فلم ينذبح كما اقتضته إرادتنا ﴿وإدريس﴾ أي ابن شيث بن آدم ﵈ الذي احييناه بعد موته ورفعناه مكاناً علياً، وهو أول نبي بعث من بني آدم عليهما السلام
стр. 6149
﴿وذا الكفل﴾ الذي قدرناه على النوم الذي هو الموت الأصغر، فكان يغلبه فلا ينام أو إلا قليلاً، يقوم الليل ولا يفتر، ويصوم النهار ولا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب.
فقدره الله على الحياة الكاملة في الدنيا التي هي سبب الحياة الكاملة في الأخرى وهو خليفة اليسع ﵇ تخلفه على أن يتكفل له بصيام النهار وقيام الليل وأن لا يغضب، قيل: إنه ليس بنبي وعن الحسن أنه نبي، وعن ابن عباس ﵄ أنه إلياس، وقيل: هو يوشع بن نون، وقيل: زكريا ﵈.
ولما قرن بينهم لهذه المناسبة، استأنف مدحهم فقال: ﴿كل﴾ أي كل واحد منهم ﴿من الصابرين*﴾ على ما ابتليناه به، فآتيناهم ثواب الصابرين ﴿وأدخلناهم﴾ ودل على عظمة ما لهم عنده سبحانه بقوله: ﴿في رحمتنا﴾ ففعلنا بهم من الإحسان ما يفعله الراحم بمن يرحمه على وجه عمهم من جميع جهاتهم، فكان ظرفاً لهم؛ ثم علل بقوله: ﴿إنهم من الصالحين﴾ لكل ما يرضاه الحكيم منهم، بمعنى أنهم جبلوا جبلة خير فعملوا على مقتضى ذلك، ثم أتبعهم من هو أغرب حالاً منهم
стр. 6150
في الحفظ فقال ﴿وذا النون﴾ أي اذكره ﴿إذ ذهب مغاضباً﴾ أي على هيئة الغاضب لقومه بالهجرة عنهم، ولربه بالخروج عنهم دون الانتظار لإذن خاص منه بالهجرة، وروي عن الحسن أن معنى ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ أن لن نعاقبه بهذا الذنب، أي ظن أنا نفعل معه من لا يقدر، وهو تعبير عن اللازم بالملزوم مثل التعبير عن العقوبة بالغضب، وعن الإحسان بالرحمة وفي أمثاله كثرة، فهو أحسن الأقوال وأقومها - رواه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن قتادة عنه وعن مجاهد مثله وأسند من غير طريق عن ابن عباس ﵄ معناه، وكذا قال الأصبهاني عنه أن معناه: لن نقضي عليه بالعقوبة، وأنه قال أيضاً ما معناه: فظن أن لن نضيق عليه الخروج، من القدر الذي معناه الضيق، لا من القدرة، ومنه ﴿فقدر عليه رزقه﴾ [الفجر: ١٦] وروى البيهقي أيضاً عن الفراء أن نقدر بمعنى نقدر - مشدداً وبحكم، وأنشد عن ابن الأنباري عن أبي صخر الهذلي:
ولا عائداً ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما نقدر يقع ولك الشكر ﴿فنادى﴾ أي فاقتضت حكمتنا أن عاتبناه حتى استسلم فألقى نفسه في البحر فالتقمه الحوت وغاص به إلى قرار البحر ومنعناه من أن يكون
стр. 6151
له طعاماً، فنادى ﴿في الظلمات﴾ من بطن الحوت الذي في أسفل البحر في الليل، فهي ظلمات ثلاث - نقله ابن كثير عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما ﵃. ﴿أن لا إله إلا أنت﴾ .
ولما نزهه عن الشريك عم فقال: ﴿سبحانك﴾ أي تنزهت عن كل نقص، فلا يقدر على الإنجاء من مثل ما أنا فيه غيرك؛ ثم أفصح بطلب الخلاص بقوله ناسباً إلى نفسه من النقص ما نزه الله عن مثله: ﴿إني كنت﴾ أي كوناً كبيراً ﴿من الظالمين﴾ أي في خروجي من بين قومي فبل الإذن، فاعف عني كما هي شيمة القادرين، ولذلك قال تعالى مسبباً عن دعائه: ﴿فاستجبنا له﴾ أي أوجدنا الإجابة إيجاد من هو طالب لها تصديقاً لظنه أن لن نعاقبه «أنا عند ظن عبدي بي» والآية تفهم أن شرط الكون مع من يظن الخير دوام الذكر وصدق الإلتجاء، وقال الرازي في اللوامع: وشرط كل من يلتجىء إلى الله أن يبتدىء بالتوحيد ثم بالتسبيح والثناء ثم بالاعتراف والاستغفار والاعتذار، وهذا شرط كل دعاء - انتهى.
ولما كان التقدير: فخلصناه مما كان فيه، عطف عليه قوله، تنبيهاً
стр. 6152
على أنهما نعمتان لأن أمره مع صعوبته كان في غاية الغرابة: ﴿ونجيناه﴾ أي بالعظمة البالغة تنجية عظيمة، وأنجيناه إنجاء عظيماً ﴿من الغم﴾ الذي كان ألجأه إلى المغاضبة ومن غيره، قال الرازي: وأصل الغم الغطاء على القلب - انتهى. فألقاه الحوت على الساحل وأظله الله بشجرة القرع.
ولما كان هذا وما تقدمه أموراً غريبة، أشار إلى القدرة على أمثالها من جميع الممكنات، وأن ما فعله من إكرام أنبيائه عام لأتباعهم بقوله: ﴿وكذلك﴾ أي ومثل ذلك الإنجاء العظيم الشأن والتنجية ﴿ننجي﴾ أي بمثل ذلك العظمة ﴿المؤمنين*﴾ إنجاء عظيماً وننجيهم تنجية عظيمة، ذكر التنجية أولاً يدل على مثلها ثانياً، وذكر الإنجاء ثانياً يدل على مثله أولاً وسر ذلك الإشارة إلى شدة العناية بالمؤمنين لأنهم ليس لهم كصبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - بما أشار إليه بحديث «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» «يبتلى المرء على قدر دينه» فيسلهم سبحانه من البلاء كما تسل الشعرة من العجين، فيكون ذلك مع السرعة في لطافة وهناء - بما أشارت إليه قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم ﵁ بتشديد الجيم لإدغام النون الثانية فيه، أو يكون المعنى أن من دعا منهم بهذا الدعاء أسرع نجاته، فإن المؤمن
стр. 6153
متى حصلت له هفوة راجع ربه فنادى معترفاً بذنبه هذا النداء، ولاسيما إن مسه بسوط الأدب، فبادر إليه الهرب.
стр. 6154
ولما كان حاصل أمر يونس ﵇ أنه خرج من بطن لم يعهد الخروج من مثله، عطف عليه قصة زكريا ﵇ في هبته له ولداً من بطن لم يعهد الحمل من مثله في العقم واليأس ناظراً إلى أبيه إبراهيم ﵇ أول من ذكر تصريفه في أحاد العناصر فيما اتفق له من مثل ذلك في ابنه إسحاق ﵇ تكريراً لأعلام القيامة وتقريراً للقدرة التامة فقال: ﴿وزكريا﴾ أي اذكره ﴿إذ نادى ربه﴾ نداء الحبيب القريب فقال: ﴿رب﴾ بإسقاط أداة البعد ﴿لا تذرني فرداً﴾ أي من غير ولد يرث ما آتيتني من الحكمة.
ولما كان من الوارث من يحب من يحجبه من الإرث أو يشاركه فيه، ومنهم من لا يحب ذلك ويسعى في إهلاك من يحجبه أو ينقصه، ومنهم من يأخذ الإرث فيصرفه في المصارف القبيحة على ما تدعوه إليه شهوته وحاجته، ومنهم من يأخذه بعفة فينفذ وصايا الموروث
стр. 6155
ويصل ذا قرابته وأهل وده، ويتصدق عنه، ويبادر إلى كل ما كان يحبه وينفعه، كل ذلك لغنى نفسه وكرم طبعه مع كونه مجبولاً على الحاجة والنقص، وكان الله هو الغني الحميد، الحكيم المجيد، قال ملوحاً بمقصده في أسلوب الإلهاب والتهييج: ﴿وأنت﴾ أي والحال أنك ﴿خير الوارثين*﴾ لأنك أغناهم عن الإرث وأحسنهم تصرفاً، وكثيراً ما تمنح إرث بعض عبيدك عبيداً آخرين، فأنت الحقيق بأن تفعل في إرثي من العلم والحكمة ما أحبه، فتهبني ولداً تمن عليه بذلك ﴿فاستجبنا له﴾ بعظمتنا وإن كان في حد من السن لا حراك به معه وزوجه في حال من العقم لا يرجى معه حبلها، فكيف وقد جاوزت سن اليأس، ولذلك عبر بما يدل على العظمة فقال: ﴿ووهبنا له يحيى﴾ وارثاً حكيماً نبياً عظيماً ﴿وأصلحنا له﴾ خاصة من بين أهل ذلك الزمان ﴿زوجه﴾ أي جعناها صالحة لكل خير، خالصة له ولا سيما لما مننا عليه به من هذه الهبة بعد أن كانت بعقمها وكبرها غير صالحة له بوجه يقدر عليه غيرنا؛ ثم استأنف البيان لخيرية الموروث والوارث والمصلحة للولادة فقال، مؤكداً ترغيباً في مثل
стр. 6156
أحوالهم وأنها مما يلتذ بذكره ويعجب من أمره: ﴿إنهم كانوا﴾ مجبولين في أول ما خلقناهم جبلة خير، مهيئين لأنهم ﴿يسارعون في الخيرات﴾ أي يبالغون في الإسراع بها مبالغة من يسابق آخر، ودل على عظيم أفعالهم بقوله: ﴿ويدعوننا﴾ مستحضرين لجلالنا وعظمتنا وكمالنا ﴿رغباً﴾ في رحمتنا ﴿ورهباً﴾ من سطوتنا ﴿وكانوا﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿لنا﴾ خاصة ﴿خاشعين*﴾ ي خائفين خوفاً عظيماً يحملهم على الخضوع والانكسار.
ولما استدل على الساعة بما وهب لهؤلاء القوم من أهل الطاعة من التصرف في العناصر وغيرها إلى أن ذكر أنه خرق العادة في إيداع يحيى ﵊ بين والدين لا يولد لمثلهما لأن أباه زكريا ﵇ كان قد صار إلى حالة الكبر ويبس من الأعضاء عظيمة، وأمه كانت - مع وصولها إلى مثل تلك الحال - عاقراً في حال شبابها، تلاه بإبداع ابن خالته عيسى ﵇ الذي هو علم للساعة على حال أغرب من حاله، فأخرجه من أنثى بلا ذكر، إشارة إلى قرب الوقت لضعف الأمر، كضعف الأنثى بالنسبة إلى الذكر، فقال: ﴿والتي أحصنت فرجها﴾ أي حفظته من الحلال والحرام
стр. 6157
حفظاً يحق له أن يذكر ويتحدث به، لأنه غاية في العفة والصيانة، والتخلي عن الملاذ إلى الانقطاع إلى الله تعالى بالعبادة، مع ما جمعت إلى ذلك من الأمانة والاجتهاد في متانة الديانة ﴿فنفخنا﴾ أي بما لنا من العظمة التي لا يداني أوجها نقص، ولا يقرب من ساحتها حاجة ولا وهن ﴿فيها﴾ أي في فرجها - كما التحريم، نفخاً هو من جناب عظمتنا؛ ودل على عظم خلوصه وصفائه بقوله: ﴿من روحنا﴾ أي من روح يحق له أن يضاف إلينا لجلالته وطهارته، فكان من ذلك النفخ حبل وولد.
ولعله أضاف هنا النفخ إليها، لا إلى فرجها وحده، ليفيد أنه - مع خلق عيسى ﵇ به وإفاضة الحياة عليه حساً ومعنى - أحياها هي به معنى بأن قوى به معانيها القلبية حتى كانت صديقة متأهلة لزواجها بخير البشر في الجنة، وخصت هذه السورة بهذا لأن مقصودها الدلالة على البعث الذي هو إفاضة الأرواح على الأموات، قال الرازي: وعلى الجملة هذه عبارة عن إبداع عيسى ﵇ في
стр. 6158
رحم مريم ﵍ من غير نطفة.
ولما قدمته من السر في إفاضة النفخ إلى حملتها، أتبع ذلك قوله: ﴿وجعلناها وابنها﴾ أي بتلك العظمة العظمى ﴿ءاية﴾ جعلهما نفس الآية لكثرة ما كان فيهما من الأعاجيب. ولما كان ما فيهما من ذلك ليس مقصوداً لذاته، بل لتقرير أمر عيسى ﵇، لم يقل: آيتين، أو لئلا يظن أن نفس العدد مقصود فينقص المعنى ﴿للعالمين*﴾ أي في أن الله قادر على كل شيء لا سيما البعث الذي هو آيته، يتحدث بذلك بعدهما جيل بعد جيل، وعالم بعد عالم، وأمة بعد أمة، إلى قيام الساعة التي هو علمها، وحفظنا ابنها بعلمنا وحكمتنا وقدرتنا وعظمتنا ممن كاده، ورفعناه إلى محل قدسنا، وختم به الأنبياء المذكورين هنا لأنه خاتم المجددين لهذا الدين المحمدي، وهو دليل الساعة، وكتابة أعظم كتاب بعد التوراة التي ابتدأ بصاحبها ذكر هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حاشى القرآن الذي عجزت لبلاغته الإنس والجان.
стр. 6159
ذكر شيء من دلائل كونه آية من الإنجيل: قال متى أحد المترجمين الأربعة للإنجيل وأغلب السياق له بعد أن ذكر مقتل يحيى ابن زكريا ﵉ كما مضى في آل عمران: فلما سمع يسوع مضى من هناك في سفينة إلى البرية مفرداً، وسمع الجمع فتبعوه ماشين من المدينة، فلما خرج أبصر جمعاً كثيراً فتحنن عليهم وأبرأ أعلاءهم ومرضاهم وقال مرقس: فلما خرج يسوع أبصر جمعاً كثيراً فتحنن عليهم لأنهم كانوا كخراف لا راعي لها فبدأ يعلمهم، وبعد ساعات كثيرة جاء تلاميذه إليه، وقال متى: ولما كان المساء أتى تلاميذه وقالوا: إن المكان قفر، والساعة قد جازت، أطلق الجمع يذهبوا إلى القرى المحيطة فيبتاغوا لهم طعاماً، فقال لهم: أعطوهم أنتم ليأكلوا، فقالوا: ليس هاهنا، وأمر بإجلاس الجميع على العشب، وقال مرقس: الأخضر أحزاباً أحزاباً، فجلسوا رفاقاً رفاقاً مائة مائة وخمسين خمسين، وقال يوحنا: فقال لفيلبس: من أين نبتاع لهؤلاء خبزاً؟ قاله ليجربه، فقال فيلبس: ما يكفيهم خبز بمائتي دينار، وقال
стр. 6160
إندراوس أخو شمعون الصفاء: إن هاهنا حدثاً معه خمسة أرغفة شعير وسمكتان، فقال يسوع: مروا الناس بالجلوس، وقال متى: وأخذ الخمس خبزات والحوتين، ونظر إلى السماء وبارك وقسم وأعطى الخبز لتلاميذه، وقال مرقس: وقسم الحوتين وناول التلاميذ الجميع فأكل جميعهم وشبعوا ورفعوا من فضلات الكسر اثني عشر سلاًّ مملوءة، ومن السمك، وكان عدد الآكلين خمسة آلاف رجل، وقال متى: سوى النساء والصبيان، وقال يوحنا: فقالوا: حقاً إن هذا هو النبي الجائي إلى العالم، فعلم يسوع أنهم اجتمعوا ليحتفظوا به ويصيروه ملكاً، فتحوّل إلى الجبل، وقال متى: وللوقت أمر تلاميذه أن يصعدوا إلى السفينة ويسبقوه إلى العبر ليطلق الجموع، وقال يوحنا: ليعبروا إلى الكفر ناحوم وكان ظلاماً، وقال متى: فأطلق الجمع وصعد إلى الجبل منفرداً يصلي، وقال مرقس: وللوقت تقدم إلى تلاميذه بركوبهم السفينة وأن يسبقوه إلى العبر عند بيت صيدا ليطلق هو الجماعة، فلما ودعهم وذهب إلى الجبل ليصلي، قال متى: فلما كان المساء وكان وحده هناك
стр. 6161
والسفينة في وسط البحر، فضربتها الأمواج لمعاندة الريح لها، قال يوحنا: فمضوا نحو خمسة وعشرين غلوة أو ثلاثين، وقال متى: وفي الهجعة الرابعة من الليل جاءهم ماشياً على البحر فاضطربوا وقالوا: إنه خيال، ومن خوفهم صرخوا، فكلمهم قائلاً: أنا هو، لا تخافوا، أجابه بطرس وقالوا: إن كنت أنت هو فمرني أن آتي إليك على الماء، فقال له: تعال! فنزل بطرس من السفينة ومشى على الماء، فرأى قوة الريح فخاف، وكاد أن يغرق فصاح قائلاً: يا رب نجني! فللوقت مد يسوع يده وأخذه وقال له: يا قليل الأمانة! لم شككت؟ فلما صعد السفينة سكنت الريح، قال يوحنا: وللوقت صارت إلى الأرض التي أرادوها، وفي الغد نظرت الجموع الذين كانوا معه في عبر البحر أن ليس هناك سوى سفينة واحدة، وأن يسوع لم يركبها مع تلاميذه لكن تلاميذه مضوا وحدهم، وكانت سفن أخر وافت من طبرية حتى انتهت إلى الموضع الذي أكلوا الخبز الذي بارك عليه، فحين لم ير الجماعة يسوع هناك ولا تلاميذه، ركبوا تلك السفن، وأتوا إلى كفر ناحوم يطلبون يسوع، فلما قصدوه في عبر البحر قالوا له: يا معلم! متى صرت هاهنا؟ أجاب يسوع وقال: الحق الحق أقول لكم! إنكم لم تطلبوني لنظركم الآيات بل لأكلكم الخبز فشبعتم، اعلموا لا للطعام الزائل بل للطعام الباقي في الحياة المؤبدة
стр. 6162
الذي يعطيكموه ابن البشر، ثم قال: لست أعمل بمشيئتي، لكن بمشيئة الذي أرسلني، ثم قال: قد كتب في الأنبياء أنهم يكونون بأجمعهم معلمين، الحق أقول لكم! من يؤمن بي فله الحياة الدائمة، قالوا: ما نصنع حتى نعمل أعمال الله؟ قال: عمل الله هو أن تؤمنوا بمن أرسله، قال متى: ولما عبروا جاؤوا إلى أرض جناشر، قال مرقس: فأرسوا وخرجوا من السفينة - انتهى.
فعرفه أهل ذلك المكان وأرسلوا إلى جميع تلك الكور فقدموا إليه كل المسقومين وطلبوا إليه أن يلمسوا طرف ثوبه فقط، وكل من لمسه خلص.
стр. 6163
ولما دل ما مضى من قصص هؤلاء الأنبياء وغيرهم على أن لله القدرة الباهرة، القوة البالغة الشاملة للبعث وغيره، وكان ذلك دالاًّ على التوحيد الذي هو أصل الدين، وأنهم كلهم متفقون عليه بالتصريح من البعض هنا ومن الباقين فيما سبق، كان إثباته فذلكة هذه القصص وما تقدمها من هذه السورة، فلذلك اتصل به قوله مخاطباً لمن قال لهم: أفأنتم له منكرون: ﴿إن هذه﴾ أي الأنبياء الذين أرسلناهم قبل نبيكم ﷺ رجالاً نوحي إليهم كما أنه رجل نوحي إليه
стр. 6164
لا آباؤكم ولا ما وجدتموه عليه ﴿أمتكم﴾ أي مقصودكم أيها الخلق بالاقتداء في الاهتداء، حال كونها ﴿أمة﴾ قال البغوي: وأصل الأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد - انتهى. وأكد سبحانه هذا المعنى فقال: ﴿واحدة﴾ كما في الخبر أنهم أولاد علات. أمهاتهم شتى ودينهم واحد. لا اختلاف بينهم أصلاً في التوحيد الذي هو الأصل ولا في توجيه الرغبات إلينا، وقصر النظر علينا، علماً منهم بما لنا من صفات الكمال، وأن كل شيء فإلينا مفتقر، ولدينا خاضع منكسر، فاتبعوهم في ذلك، لا تحيدوا عنهم تضلوا، وإنما فرقناهم وجعلناهم عدداً بحسب الأمم المتشعبة في الأزمان المتطاولة، وأنا لم نجعل لأحد منهم الخلد، ولغير من الحكم، فبثثناهم في الأقطار، حتى ملؤوها من الأنوار.
ولما كان المقصود تعيين المراد من غير لبس، عدل عن صيغة العظمة فقال: ﴿وأنا ربكم﴾ أي لا غيري، في كل زمان وكل مكان، لكل أمة، لأني لا أتغير على طول الدهر، ولا يشغلني شأن عن شأن ﴿فاعبدون*﴾ دون غيري فإنه لا كفوء لي.
ولما كان من المعلوم أنهم لم يفعلوا، أعرض إلى أسلوب الغيبة
стр. 6165
إيذاناً بالغضب، فكان التقدير في جواب من كأنه قال: ما فعلوا؟ : لم يطيعوا أمري في الاجتماع على ما جمعتهم عليه من عبادتي التي هي سبب لجلب كل خير، ودفع كل ضير ولا افتدوا في ذلك بالكمّل من عبادي، فعطف عليه قوله ﴿وتقطعوا﴾ أي مخالفة للأمر بالاجتماع ولما كان الدين الحق من الجلاء والعظمة والملاءمة للنفوس بحيث لا يجهله ولا يأباه أحد نصح لنفسه وإن جهله، كفى أدنى تنبيه في المبادرة إليه وترك ما سواه كائناً ما كان، فكان خروج الإنسان عنه بعد أن كان عليه في غاية البعد فضلاً عن أن يتكلف ذلك بمنازعة غيره المؤدية إلى الافتراق والتباغض ولا سيما إن كان ذلك الغير قريبه أو صديقه، وكانت صيغة التفعل من القطع صريحة في التفرق، وتفيد العلاج والتكلف، وكانت تأتي بمعنى التفعيل والاستفعال، عبر بها.
ولما كان في غاية البعد أن يقطع الإنسان أمر نفسه، كان تقديم الأمر أهم فقال: ﴿أمرهم﴾ فنصبه بفعل التقطع لأنه بمعنى التقطيع كما قاله البغوي وغيره، أو بمعنى الاستفعال كما قالوا في تجبر وتكبر.
ولما كان في غاية من العجب أن يكون التقطيع واقعاً منهم بهم
следующие страницы →