← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

التراخي فقال: ﴿ثم ليقطع﴾ أي ليوجد منه وصل وقطع، أي ليبذل جهده في دفع القضاء والقدر عنه، وهي لام أمر عند من حركها بالكسر إفهاماً لشدة الحركة في المزاولة للذهاب إلى السفل الدال على عدم العقل، وهم أبو عمرو وابن عامر وورش عن نافع ورويس عن يعقوب، أو أسكنها وهم الباقون ﴿فلينظر﴾ ببصره وبصيرته ﴿هل يذهبن﴾ وإن اجتهد ﴿كيده ما يغيظ*﴾ أي شيئاً يحصل له منه غيظ، أو يكون المعنى: فليفعل ما يفعله من بلغ منه الغيظ بأن يربط حبلاً بسقف بيته ثم ليربطه في عنقه ثم ليقطع ما بين رجليه وبين الأرض ليختنق، وهذا كما يقال لمن أدبر عنه أمر فجزع: اضرب برأسك الجدار إن لم ترض هذا، مت غيظاً - ونحو ذلك، والحاصل أنه إن لم يصبر على المصائب لله طوعاً صبر عليها كرهاً مع ما ناله من أسباب الشقاء. ولما بين سبحانه هذه الآيات المرئية، في هذه الأساليب العلية، هذا البيان الشافي الهادي بإعجاز حكمه، بين أنه معجز أيضاً بنظمه، فقال: ﴿وكذلك﴾ أي ومثل ما بينا هذه الآيات المرئية التي أنزلنا كلامنا لبيان حكمها وإظهار أسرارها ﴿أنزلناه﴾ أي الكلام كله بما لنا

стр. 6232

من العظمة الباهرة ﴿آيات بينات﴾ معجزاً نظمها، كما كان معجزاً حكمها. ولما كان الكلام بيناً في أن التقدير: ليعلم إذا ضل ضال مع هذا البيان أن الله يضل من يريد، عطف عليه قوله: ﴿وأن﴾ أي وليعلم أن ﴿الله﴾ أي الموصوف بالإكرام، كما هو موصوف بالانتقام ﴿يهدي﴾ أي بآياته ﴿من يريد*﴾ أي لتبين قدرته واختياره إزاحة لغم من يقول: إذا كانت الآيات المرئية والمسموعة في هذا الحد من البيان فما لأكثر الناس على ضلالهم يتخلف فيهم المسببات عن أسبابها. ولما كان ذلك موجباً للسؤال، عن حال الفريقين: المهدي والضال، أجاب عن ذلك ببيان جميع فرق الضلال، لأن لهذه السورة أتم نظر إلى يوم الجمع الذي هو مقصود السورة التي قبلها، فقصد إلى استيعاب الفرق تصويراً لذلك اليوم بأليق صورة، وقرن بكل من فريقي أهل الكتاب موافقة في معناه فقال: ﴿إن الذين ءامنوا﴾ أي من أيّ فرقة كانوا، وعبر بالفعل ليشمل الإقرار باللسان، الذي هو أدنى وجوه الإيمان ﴿والذين هادوا﴾ أي انتحلوا اليهودية، على أيّ حال كانوا من إيمان أو كفران. ولما كان اليهود عبدوا الأصنام متقربين بها إلى النجوم

стр. 6233

كما مضى في المائدة، أتبعهم من شابهوه فقال: ﴿والصابئين﴾ ثم تلا بثاني فريقي أهل الكتاب فقال: ﴿والنصارى﴾ ثم أتبعهم من أشبهه بعض فرقهم في قولهم بإلهين اثنين فقال: ﴿والمجوس﴾ وهم عبدة النار؛ ثم ختم بأعم الكل في الضلال كما فتح بأعمهم في الهدى فقال: ﴿والذين أشركوا﴾ لشموله كل شرك حتى الأصغر من الربا وغيره ﴿إن الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له الملك كله وهو أحكم الحاكمين ﴿يفصل بينهم يوم القيامة﴾ فيجازي كلاًَّ بعمله على ما يقتضيه في مجاري عاداتكم، ويقتص لبعضهم من بعض، ويميز الخبيث منهم من الطيب؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الجامع لجميع صفات الكمال ﴿على كل شيء﴾ من الأشياء كلها ﴿شهيد*﴾ فلا شيء إلا وهو به عليم، فهو لذلك على كل شيء قدير، كما مضى بيانه في ﴿وسع كل شيء علماً﴾ [طه: ٩٨] في طه، وقال الحرالي في شرح الأسماء الحسنى: الشهادة رؤية خبرة بطية الشيء ودخلته ممن له غنى في أمره، فلا شهادة إلا بخبرة وغنى ممن له اعتدال في نفسه بأن لا يحيف على غيره، فيكون ميزان عدل بينه وبين غيره، فيحق له أن يكون ميزاناً بين كل متداعيين ممن يحيط بخبرة أمرهما ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ [البقرة: ١٤٣] وبحسب إحاطة علم الشهيد

стр. 6234

ترهب شهادته، ولذلك أرهب شهادة شهادة الله على خلقه ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله﴾ [الأنعام: ١٩] ولما كان أيّما الإحاطة والخبرة والرقبة لله كان بالحقيقة لا شهيد إلا هو - انتهى.

стр. 6235

ولما كان جميع ما تقدم في هذه السورة دالاً على أنه على كل شيء قدير، وأنه يفعل ما يريد، وختم ذلك بأنه بكل شيء عليم لم يغب ولا يغيب شيء عنه، فاقتضى ذلك قيوميته، وكان بحيث يستعظم لكثرة الخلائق فكيف بأحوالهم، قرر ذلك في جواب من كأنه سأل فهي في معنى العلة، فقال: ﴿ألم تر أن الله﴾ أي الحائز لجميع الكمال المبرأ عن كل نقص ﴿يسجد له﴾ أي يخضع منقاداً لأمره مسخراً لما يريد منه تسخير من هو في غاية الاجتهاد في العبادة والإخلاص فيها ﴿من في السماوات﴾ . ولما كان في السياق مقتضياً للإبلاغ في صفة القيومية بشهادة ذكر الفصل بين جميع الفرق، أكد بإعادة الموصول فقال: ﴿ومن في الأرض﴾ إن أخلت غير العاقل فبالتغليب، وإن خصصت فبالعاقل أفهم خضوع غيره من باب الأولى. ولما ذكر ما يعم العاقل وغيره، أتبعه بأشرف

стр. 6236

ما ذكر مما لا يعقل لأن كلاًّ منهما عبد من دون الله أو عبد شيء منه فقال: ﴿والشمس والقمر والنجوم﴾ من الأجرام العلوية فعبد الشمس حمير، والقمر كنانة، والدبران تميم، والشعرى لخم، والثريا طيىء وعطارداً أسداً، والمرزم ربيعة - قاله أبو حيان. ثم أتبع ذلك أعلام الذوات السفلية فقال: ﴿والجبال﴾ أي التي تنحت منها الأصنام ﴿والشجر﴾ التي عبد بعضها ﴿والدواب﴾ التي عبد منها البقر، كل هذه الأشياء تنقاد لأمر الله، ومن المعلوم لكون هذه لا تعقل - أن أمره لها هو مراده منها. ولما كان العقلاء من المكلفين قد دخلوا في قوله ﴿ومن في الأرض﴾ دخولاً أولياً، وكان السجود الممدوحون عليه إنما هو الموافق للأمر، لا الموافق للإرادة المجردة عن الأمر، قال دالاً على إرادته هنا بتكريرهم وتقسيمهم بعد إدخالهم في السجود الإدارة وتعميمهم: ﴿وكثير من الناس﴾ أي يسجد سجوداً هو منه عبادة شرعية فحق له الثواب ﴿وكثير﴾ أي منهم ﴿حق عليه العذاب﴾ بقيام الحجة عليه بكون لم يسجد، فجحد الأمر الذي من جحده كان كافراً وإن كان ساجداً عابداً بالمعنى اللغوي الذي هو الجري مع المراد، وعلى القول بأن

стр. 6237

هذا في تقدير عامل من لفظ الأول بغير معناه هو قريب من الاستخدام الذي يعلو فيه ضمير على لفظ مراد منه معنى آخر، والآية من الاحتباك: إثبات السجود في الأول دليل على انتفائه في الثاني، وذكر العذاب في الثاني دليل على حذف الثواب في الأول. ولما علم بهذا أن الكل جارون مع الإرادة منقادون أتم انقياد تحت طوع المشيئة، وأنه إنما جعل الأمر والنهي للمكلفين سبباً لإسعاد السعيد منهم وإشقاء الشقي، لإقامة الحجة عليهم على ما يتعارفونه من أحوالهم فيما بينهم، كان المعنى: فمن يكرم الله بتوفيقه لا متثال أمره فما له من مهين، فعطف عليه: ﴿ومن يهن الله﴾ أي الذي له الأمر كله بمنابذة أمره ﴿فما له من مكرم﴾ لأنه لا قدرة لغيره أصلاً، ولعله إنما ذكره وطوى الأول لأن السياق لإظهار القدرة، وإظهارها في الإهانة أتم، مع أن أصل السياق للتهديد؛ ثم علل أن الفعل له لا لغيره بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿يفعل ما يشاء*﴾ أي كله، فلو جاز أن يمانعه غيره ولو في لحظة لم يكن فاعلاً لما يشاء، فصح أنه لا فعل لغيره، قال ابن كثير: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن شيبان الرملي ن القداح عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه

стр. 6238

أنه قيل له: إن ههنا رجلاً يتكلم في المشيئة، فقال له علي: يا عبد الله خلقك الله كما شاء أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء، قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء؟ قال: بل حيث يشاء، قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، وقد مر في سورة يوسف عند ﴿إن الحكم إلا لله عليه توكلت﴾ [يوسف: ٦٧] ما ينفع هنا. ولما قسم الناس إلى مخالف ومؤالف، أتبعه جزاءهم بما يرغب المؤالف ويرهب المخالف على وجه موجب للأمر بالمعروف الذي من جملته الجهاد لوجهه خالصاً فقال: ﴿هذان﴾ أي الساجد والجاحد من جميع الفرق ﴿خصمان﴾ لا يمكن منهما المسالمة الكاملة إذ كل منهما في طرف. ولما أشار بالتثنية إلى كل فرقة منهم صارت - مع كثرتها وانتشارها باتحاد الكلمة في العقيدة - كالجسد الواحد، صرح بكثرتهم بالتعبير بالجمع فقال: ﴿اختصموا﴾ أي أوقعوا الخصومة بغاية الجهد، ولما كانت الفرق المذكورة كلها مثبتة وقد جحد أكثرهم

стр. 6239

النعمة، قال: ﴿في ربهم﴾ أي الذي هم بإحسانه إليهم معترفون، لم يختصموا بسبب غيره أصلاً، وحمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعبيدة بن الحارث وعلي بن أبي طالب - الذين هم أول من برز للمخاصمة بحضرة رسول الله - صلى الله عليه ورضي عنهم - للكفرة من بني عمهم: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، في غزوة بدر - أولى الناس بهذه الآية لما روي في الصحيح عن أبي ذر ﵁ «أنه كان يقسم أنها نزلت فيهم، ولذلك قال ﵁: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن يوم القيامة للخصومة» أخرجه البخاري في صحيحه، ولعله ﵁ أول الثلاثة، قام لمنابذتهم النبي ﷺ فإنه كان أشبّهم. ولما ذكر خصومتهم وشرطها، ذكر جزاءهم عليها في فصل الأمر الذي قدم ذكره، وبدأ بالترهيب لأن الإنسان إليه أحوج فقال: ﴿فالذين كفروا﴾ منابذين لأمر ربهم ﴿قطعت﴾ تقطيعاً لا يعلم كثرته إلا الله، بأيسر أمر ممن لا أمر لغيره ﴿لهم﴾ الآن وهيئت وإن وافقوا مراد ربهم بمخالفتهم أمره ﴿ثياب من نار﴾ تحيط بهم وهي على مقاديرهم سابغة عليهم كما كانوا يسلبون الثياب في الدنيا

стр. 6240

تعاظماً وتكبراً حال كونهم ﴿يصب﴾ إذا دخلوها ﴿من فوق رؤوسهم الحميم*﴾ أي الماء الحار حرارة لا يدري مقدارها إلا بالذوق - أعاذنا الله منه، واستأنف الإخبار عنه بقوله: ﴿يصهر﴾ أي يذاب، وأصله المخالطة الشديدة ﴿به﴾ من شدة حرارته ﴿ما في بطونهم﴾ من شحم وغيره ﴿والجلود*﴾ فيكون أثره في البطن والظاهر سواء ﴿ولهم مقامع﴾ جمع مقمعة بكسر ثم فتح، وهي عمود حديد يضرب به الرأس والوجه ليرد المضروب عن مراده رداً عنيفاً، ثم نفى المجاز بقوله: ﴿من حديد*﴾ أي يقمعون بها ﴿كلما أرادوا﴾ أي كلهم فالبعض بطريق الأولى ﴿أن يخرجوا منها﴾ أي من تلك الثياب أو من النار. ولما كان السياق لخصومة أولياء الله المتصفين بما هو مقصود السورة من التقوى للكفار، المنابذين لها بكل اعتبار، اقتضى ذلك بشارة للأولياء ونذارة للأعداء - قوله زيادة على ما في السجدة: ﴿من غم﴾ عظيم لا يعلم قدر عظمه إلا الله ﴿أعيدوا﴾ ، كل من ﴿فيها﴾ كأنهم يضربون بلهيب النار فيرفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفاً - قاله الحسن، أو أنهم يضطربون في تلك الثياب المقطعة من النار إلى أن يكادوا

стр. 6241

أن ينفصلوا منها وهم في النار ثم يردون كما كانوا، وذلك أشد في العذاب، مقولاً لهم: ارجعوا صاغرين مقاسين لغمومها ﴿وذوقوا عذاب الحريق*﴾ أي العذاب البالغ في الإحراق.

стр. 6242

ولما ذكر ما لأحد الخصمين وهم الكافرون، أتبعه ما للآخر وهم المؤمنون، وغير السياق بالتأكيد لمن كأنه سأل عنه، معظماً له بإثبات الاسم العلم الجامع إيذاناً بالاهتمام فقال: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿يدخل الذين آمنوا﴾ عبر في الإيمان بالماضي ترغيباً في المبادرة إلى إيقاعه ﴿وعملوا الصالحات﴾ تصديقاً لإيمانهم، وعبر بالماضي إشارة إلى أن من عمل الصالح انكشف له ما كان محجوباً عنه من حسنه فأحبه ولم ينفك عنه ﴿جنات تجري﴾ أي دائماً ﴿من تحتها الأنهار﴾ أي المياه الواسعة، أينما أردت من أرضها جرى لك نهر في مقابلة ما يجري من فوق رؤوس أهل النار ﴿يحلون فيها﴾ في مقابلة ما يزال من بواطن الكفرة وظواهرهم ﴿من أساور﴾ . ولما كان مقصودها الحث على التقوى المعلية إلى الإنعام بالفضل، شوّق إليه بأغلى ما نعرف من الحلية فقال: ﴿من ذهب ولؤلؤاً﴾ وقراءة نافع وعاصم بنصبه دليل على عطفه بالجر على «أساور» ﴿ولباسهم فيها حرير*﴾ في مقابلة ثياب الكفار كما كان لباس الكفار

стр. 6243

في الدنيا حريراً، ولباس المؤمنين دون ذلك، وقد رود في الصححين عن عبد الله بن الزبير عن عمر ﵃ أن النبي صلى الله ﵇ قال: «لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» قال ابن كثير: قال عبد الله بن الزبير «ومن لم يلبس الحرير في الآخرة لم يدخل الجنة» قال تعالى: ﴿ولباسهم فيها حرير﴾ انتهى «وذلك أن في الصحيحين وغيرهما عن عمر ﵁ أن النبي صلى الله قال:» إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة «» فيوشك لتشبهه بالكفار في لباسهم - أن يلحقه الله بهم فلا يموت مسلماً - والله الهادي ﴿وهدوا﴾ أي بأسهل أمر بهداية الله أعم من أن يكون السبب القريب لذلك العقل وحده أو مع الرسول أو الكتاب أو غير ذلك وهو حال من ﴿الذين آمنوا﴾ ، وما بعدها ختم به لئلا يطول الفصل بين الفعل ومفعوله ولتكون محاسنهم محيطة بذكر دخولهم الجنة إشارة إلى دوامها ﴿إلى الطيب من القول﴾ فلم يزالوا في حال حسن ﴿وهدوا﴾ وبنى الفعل أيضاً للمفعول إشارة إلى سهولة الهداية لهم وللأتقياء منهم، ولذلك لم يذكر العزة، واكتفى بذكر الحمد فقيل: ﴿إلى صراط الحميد*﴾ الذي وفقهم لسلوك ما يحمدون عليه

стр. 6244

فيحمدون عاقبة، فكان فعلهم حسناً كما كان قولهم حسناً، فدخلوا الجنة التي هي أشرف دار عند خير جار وحلوا فيها أشرف الحلي كما تحلوا في الدنيا بأشرف. الطرائق، هذا بعد أن حازوا أشرف الذكر في الدنيا عكس حال الكفار في اقتراف ما أدخلهم ما كلما أرادوا الخروج منه اعيدوا فيه، مع ما نالهم من سوء الذكر، بإقبالهم كالبهائم على الفاني مع خسته لحضوره، وإعراضهم عن الباقي مع شرفه لغيابه. ولما بين ما للفريقين، وتضمن ما للفريق الثاني بيان أعمالهم الدالة على صدق إيمانهم، كرر ذكر الفريق الأول لبيان ما يدل على استمرار كفرهم، ويؤكد بيان جزائهم، فقال: ﴿إن الذين كفروا﴾ أي أوقعوا هذا الفعل الخبيث. ولما مان المضارع قد لا يلحظ منه زمان معين من حال أو استقبال، بل يكون المقصود منه الدلالة على مجرد الاستمرار كقولهم: فلان يعطي ويمنع، قال عاطفاً له على الماضي: ﴿ويصدون﴾ أي ويديمون الصد ﴿عن سبيل الله﴾ أي الملك الأعظم، باقتسامهم طرق مكة، وقول بعضهم لمن يمر به: خرج فينا ساحر، وآخر يقول شاعر، وآخر: كاهن، فلا تسمعوا منه، فإنه يريد أن يردكم عن دينكم؛ قال بعض من أسلم: لم يزالوا بي حتى جعلت في أدنى الكرسف مخافة أن أسمع شيئاً من كلامهم. وكانوا يؤذون من أسلم - إلى غير ذلك من أعمالهم، ولعله إنما عبر بالمضارع رحمة منه لهم ليكون كالشرط في الكفر فيدل على

стр. 6245

أن من ترك الصد زال عنه الكفر وإن طال ذلك منه ﴿و﴾ يصدون عن ﴿المسجد الحرام﴾ أن تقام شعائره من الطواف فيه بالبيت والصلاة والحج والاعتمار ممن هو أهل ذلك من أوليائنا. ثم وصفه بما يبين شديد ظلمهم في الصد عنه فقال: ﴿الذي جعلناه﴾ بما لنا من العظمة ﴿للناس﴾ أي كلهم؛ ثم بين جعله لهم بقوله: ﴿سواء العاكف فيه﴾ أي المقيم ﴿والباد﴾ أي الزائر له من البادية؛ قال الرازي في اللوامع: ﴿سواء﴾ رفع بالابتداء، و ﴿العاكف﴾ خبره، وصلح من تنكيره للابتداء، لأنه كالجنس في إفادة العموم الذي هو أحسن العهد. ولما ذكر الكفار ودليل كفرهم بما استعطفهم، وزاد في الاستعطاف بحذف الخبر عنهم، ودل آخر الآية هلى أنه يذيقهم العذاب الأليم، عطف عليه ما ينفر عن وصفهم فقال: ﴿ومن يرد فيه﴾ أي شيئاً من أفعال الكفار من الصد المذكور وغيره، أي يقع منه إرادة لشيء من ذلك ﴿بإلحاد﴾ أي مصاحبة تلك الإرادة وملتبسة بجور عن الأمر المعروف وميل واعوجاج. ولما كان ذلك يقع على مطلق هذا المعنى، بين المراد بقوله: ﴿بظلم﴾ أي في غير موضعه، وأما صد الكفار عنه فإنه بحق، لأنهم نجس لا ينبغي قربانهم المحال المقدسة، وكذا صد الحائض والجنب والخائن ﴿نذقه﴾ ولما كان المشروط نوعاً من الإلحاد، لا الإلحاد الكامل، عبر بقوله

стр. 6246

﴿من عذاب أليم*﴾ ودل هذا الخبر عمن أراد شيئاً مما فعله الكفار أن الخبر عن الكفار الفاعلين لما رتب هذا الجزاء على إرادته ما قدرته.

стр. 6247

ولما ذكر الفريقين وجزاء كل وختمه بذكر البيت، أتبعه التذكير به وبحجه، لما فيه من التذكير بالقيامة الحاملة على التقوى التي هي مقصد السورة، بما فيه من الوفادة على الله، مع التجرد من المحيط، والخضوع للرب، والاجتماع في المشاعر موقفاً في أثر موقف، ولما فيه من الحث على التسنن بأبيهم الأعظم إبراهيم ﵇ فقال، مقرعاً وموبخاً لمن أشرك في نفعه «أسست على التوحيد من أول يوم» عطفاً على قوله أول السورة ﴿اتقوا﴾ ﴿وإذ﴾ أي واذكروا إذ ﴿بوأنا﴾ بما لنا من العظمة، ولما لم يجعله سبحانه سكنه بنفسه، قصر الفعل عن التعدية إلى مفعوله الأول فقال: ﴿لإبراهيم﴾ أي قدرنا له ﴿مكان البيت﴾ أي الكعبة وجعلناه له مباءة، أي منزلاً يبوء إليه أي يرجع، لأنه - لما نودعه فيه من اللطائف - أهل لأن يرجع إليه من فارقه ويحن إليه، ويشتاق من باعده وينقطع إليه بعض ذريته، من

стр. 6248

المباءة بمعنى المنزل، وبوأه إياه وبوأه له، أي أنزله، قال في ترتيب المحكم: وقيل: هيأته ومكنت له فيه. ويدل على أن إبراهيم ﵇ أول بان للبيت ما في الصحيح «عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أيّ؟ قال: بيت المقدس، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة» ولما كان إبراهيم ﵊ نبياً، كان من المعلوم أن نبوته له لأجل العبادة، فكان المعنى: قلنا له: أنزل أهلك هاهنا وتردد إلى هذا المكان للعبادة، فذلك فسره بقوله: ﴿أن لا تشرك بي شيئاً﴾ فابتدأ بأسّ العبادة ورأسها، وعطف على النهي قوله: ﴿وطهر بيتي﴾ عن كل ما لا يليق به من قذر حسي ومعنوي من شرك ووثن وطواف عريان به، كما كانت العرب تفعل ﴿للطائفين﴾ به. ولما تقدم العكوف فاستغنى عن إعادته، قال: ﴿والقائمين﴾ أي حوله تعظيماً لي كما يفعل حول عرشي، أو في الصلاة، ولأن العكوف بالقيام أقرب إلى مقصود السورة. ﴿والركع﴾ ولما كان كل من الطواف والقيام عبادة برأسه، ولم يكن الركوع والسجود كذلك، عطف ذاك، واتبع هذا لما بينهما من كمال الاتصال، إذ

стр. 6249

لا ينفك أحدهما عن الآخر في الصلاة فقال: ﴿السجود*﴾ أي المصلين صلاة أهل الإسلام الأكمل ﴿وأذن في الناس﴾ أي أعلمهم وناد فيهم ﴿بالحج﴾ وهو قصد البيت على سبيل التكرار لعبادة المخصوصة بالمشاعر المنصوصة ﴿يأتوك﴾ أي يأتوا بيتك الذي بنيته لذلك، مجيبين لصوتك بإذننا سامعين طائعين مخبتين خاشعين من أقطار الأرض كما يجيبون صوت الداعي من قبلنا إذا دعاهم بمثل ذلك بعذ الموت ﴿رجالاً﴾ أي مشاة على أرجلهم ﴿وعلى كل ضامر﴾ أي هزيل من طول السير من الإبل لبعد الشقة وعظم المشقة. ولما كان الضامر يطلق على كل من الذكر والأنثى من الجمال، وكانت الأنثى أضعف النوعين، فكان الحكم عليها بالإتيان المذكور حكماً على الذكر الذي هو أشد بطريق الأولى، أسند إلى ضميرها فقال معبراً بما يدل على التجدد والاستمرار، واصفاً الضوامر التي أفهمتها «كل» ﴿يأتين﴾ أي الضوامر ﴿من كل فج﴾ أي طريق واسع بين جبلين ﴿عميق*﴾ أي بعيد منخفض بالنسبة إلى علو جباله. قال أبو حيان: أصله البعد سفلاً - انتهى. حفاة عراة، ينتقلون من مشعر من مشاعر

стр. 6250

الحج إلى معشر، ومن مشهد إلى مشهد، مجموعين بالدعوة، خاشعين للهيبة، خائفين من السطوة، راجين للمغفرة، ثم يتفرقون إلى مواطنهم، ويتوجهون إلى مساكنهم، كالسائرين إلى مواقف الحشر، يوم البعث والنشر، المتفرقين إلى داري النعيم والجحيم، في أيها المصدقون بأن خليلنا إبراهيم ﵇ نادى بالحج فأجابه بقدرتنا كرامة له من أراد الله حجة على بعد أقطارهم، وتنائي ديارهم، ممن كان موجوداً في ذلك الزمان، وممن كان في ظهور الآباء الأقربين أو الأبعدين! صدقوا أن الداعي من قبلنا بالنفخ في الصور يجيبه كل من كان على ظهرها ممن حفظنا له جسده، أو سلطنا عليه الأرض فمزقناه حتى صار تراباً، وما بين ذلك، لأن الكل علينا يسير. ولما كان الإنسان ميالاً إلى الفوائد، مستشرقاً إلى جميل العوائد، علل الإتيان بما يرغبه مبيحاً من فضله ما يقصده من أمر المعاش فقال: ﴿ليشهدوا﴾ أي يحضروا حضوراً تاماً ﴿منافع لهم﴾ أي لا للمعبود، دينية ودنيوية، فإنه كما جعل سبحانه تلك المواطن ماحية للذنوب، جالبة للقلوب، جعلها جالبة للفوائد، جارية على أحسن العوائد، سالمة للفقر جابرة للكسر، ولما كانت المنافع لا تطيب وتثمر إلا بالتقوى كان الحامل على التقوى لذكر قال: ﴿ويذكروا اسم الله﴾ أي الجامع لجميع الكمالات بالتكبير وغيره عند الذبح وغيره، إعلاماً

стр. 6251

بأنه المقصود الذي يتبعه جميع المقاصد لأنه ما جمعهم على ما فيه من تلك الأرض الغراء والأماكن الغبراء إلا هو بقدرته الكاملة، وقوته الشاملة، لا اسم شيء من الأصنام كما كانت الجاهلية تفعل ﴿في أيام معلومات﴾ أي علم أنها أول عشر في ذي الحجة الذي يوافق اسمه مسماه، لا ما سموه به ومسماه غيره على ما حكم به النسيء، وفي هذا إشارة إلى أن المراد به الإكثار إذ مطلق الذكر مندوب إليه في كل وقت، وفي التعبير بالعلم إشارة إلى وجوب استفراغ الجهد بعد القطع بأن الشهر ذو الحجة اسماً ومسمى في تحرير أوله، وأما أيام التشريق فإنها لما كانت مبنية على العلم بأمر الشهر الذي أمر به هنا، فأنتج العلم بيوم العيد، لم يحتج في أمرها إلى غير العد فلذا عبر عنها به دون العلم. ولما كانت النعم أجل أموالهم، قال تعالى مرغباً لهم ومرهباً: ﴿على﴾ أي مبركين بذكره وحامدين على ﴿ما رزقهم﴾ ولو شاء محقه ﴿من بهيمة﴾ ولما كانت البهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، بينها بقوله: ﴿الأنعام﴾ من الإبل والبقر والغنم بالتكبير عند رؤيته، ثم عند ذبحه، وفيه حث على التقرب بالضحايا، والهدايا، ولذلك التفت إلى الإقبال عليهم، وتركيب «لهم» يدور على الاستعجام والخفاء والانغلاق وعدم التمييز، وتركيب «نعم» على الرفاهية والخفض والدعة.

стр. 6252

ولما ذكر سبحانه العبادة فخاطب بها إبراهيم ﵊، تنبيهاً على أنها لعظم المعبود لا يقوم بها على وجهها إلا الخلص، أقبل على العابدين كلهم بالإذن في ما يسرهم من منحة التمتيع، تنبيهاً على النعمة، حثاً على الشكر، فقال مبيناً عما اندرج في ذلك من الذبح: ﴿فكلوا منها﴾ أي إن شئتم إذا تطوعتم بها ولا تمتنعوا كأهل الجاهلية، فالأكل من المتطوع به لا يخرجه عن كونه قرباناً في هذه الحنيفية السمحة منة على أهلها، تشريفاً لنبيها ﷺ ، والأكل من الواجب لا يجوز لمن وجب عليه، لأنه إذا أكل منه ولم يكن مخرجاً لما وجب عليه بكماله ﴿وأطعموا البائس﴾ أي الذي اشتدت حاجته، من بئس كسمع إذا ساءت حاله وافتقر، وبين أنه من ذلك، لا من بؤس - ككرم الذي معناه: اشتد في الحرب، بقوله: ﴿الفقير*﴾ وأكد هذا الحث ونفى عنه الريب بعوده إلى الأسلوب الأول في قوله: ﴿ثم ليقضوا﴾ أي يقطعوا وينهوا يوم النحر بعد طول الإحرام ﴿تفثهم﴾ أي شعثهم بالغسل وقص الأظفار والشارب وحلق العانة ونحو ذلك ﴿وليوفوا نذورهم﴾ أخذاً من الفراغ من الأمر والخروج من كل واجب ﴿وليطوفوا﴾ فيكون ذلك آخر أعمالهم، وحث

стр. 6253

على الإكثار منه والاجتهاد فيه بصيغة التفعل، وعلى الإخلاص بالإخفاء بحسب الطاقة بالإدغام، واللام إن كسرت - كما هي قراءة أبي عمرو وابن عامر وورش عن نافع وقنبل عن ابن كثير ورويس عن يعقوب في ﴿ليقضوا﴾ وقراءة ابن ذكوان عن ابن عامر وحده في ﴿ليوفوا. . وليطوفوا﴾ يصح أن تكون للعلة عطفاً على ﴿ليشهدوا﴾ ويكون عطفها بأداة التراخي لطول المدة على ما هو مفهومها مع الإشارة إلى التعظيم في الرتبة، ويصح أن تكون للأمر كقراءة الباقين بالإسكان، وقوله: ﴿بالبيت﴾ أي من ورائه، لعلم الحجر، ومتى نقص عن إكمال الدوران حوله أدنى جزء لم يصح لأنه لم يوقع مسمى الطواف، فلا تعلق بالباء في التبعيض ووصفه بقوله: ﴿العتيق*﴾ إشارة إلى استحقاقه للتعظيم بالقدم والعتق من كل سوء، ثم أشار إلى تعظيم الحج وأفعاله هذه بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الأمر الجليل العظيم الكبير المنافع دنيا وأخرى ذلك. ولما كان التقدير: فمن فعله سعد، ومن انتهك شيئاً منه شقي، عطف عليه قوله: ﴿ومن يعظم﴾ أي بغاية جهده ﴿حرمات الله﴾ أي ذي الجلال والإكرام كلها من هذا ومن غيره، وهي الأمور التي جعلها له فحث على فعلها أو تركها ﴿فهو﴾

стр. 6254

أي التعظيم الحامل له على امتثال الأمر فيها على وجهه واجتناب المنهي عنه كالطواف عرياناً والذبح بذكر اسم غير الله ﴿خير﴾ كائن ﴿له عند ربه﴾ الذي أسدى إليه كل ما هو فيه من النعم فوجب عليه شكره فإن ذلك يدل على تقوى قلبه، لأن تعظيمها من تقوى القلوب، وتعظيمها لجلال الله، وانتهاكها شر عليه عند ربه. ولما كان التقدير: فقد حرمت عليكم أشياء أن تفعلوها، وأشياء أن تتركوها، عطف عليه قوله بياناً أن الإحرام لم يؤثر فيها كما أثر في الصيد: ﴿وأحلت لكم الأنعام﴾ وهي الإبل والبقر والغنم كلها ﴿إلا ما يتلى﴾ أي على سبيل التجديد مستمراً ﴿عليكم﴾ تحريمه من الميتة والدم وما أهل لغير الله به، خلافاً للكفار في افترائهم على الله بالتعبد بتحريم الوصيلة والبحيرة والسائبة والحامي وإحلال الميتة والدم. ولما أفهم ذلك حل السوائب وما معها وتحريم المذبوح للأنصاب، وكان سبب ذلك كله الأوثان، سبب عنه قوله: ﴿فاجتنبوا﴾ أي بغاية الجهد اقتداء بالأب الأعظم إبراهيم ﵊ الذي تقدم الإيصاء له بمثل ذلك عند جعل البيت له مباءة ﴿الرجس﴾ أي القذر الذي من حقه أن يجتنب من غير أمر؛ ثم بينه وميزه بقوله: ﴿من الأوثان﴾ أي القذر الذي من حقه أن يحتنب من غير أمر، فإنه إذا اجتنب السبب اجتنب المسبب.

стр. 6255

ولما كان ذلك كله من الزور، أتبعه النهي عن جميع الزور، وزاد في تبشيعه وتغليظه إذ عدله - كما قال النبي ﷺ بالشرك فقال: ﴿واجتنبوا﴾ أي بكل اعتبار ﴿قول الزور*﴾ أي جميعه، وهو الانحراف عن الدليل كالشرك المؤدي إلى لزوم عجز الإله وتحريم ما لم ينزل الله به سلطاناً من السائبة وما معها، وتحليل الميتة ونحوها مما قام الدليل السمعي على تحريمه كما أن الحنف الميل مع الدليل، ولذلك أتبعه قوله: ﴿حنفاء لله﴾ الذي له الكمال كله، فلا ميل في شيء من فعله، وإنما كانا كذلك مع اجتماعهما في مطلق الميل، لأن الزور تدور مادته على القوة والوعورة، والحنف - كما مضى في البقرة - على الرقة والسهوله، فكان ذو الزور معرضاً عن الدليل بما فيه من الكثافة والحنيف مقبلاً على الدليل بما له من الاطافة. ولما أفهم ذلك التوحيد، أكده بقوله: ﴿غير مشركين به﴾ أي شيئاً من إشراك، بل مخلصين له الدين، ودل على عظمة التوحيد وعلوه، وفظاعة الشرك وسفوله، بقوله زاجراً عنه عاطفاً على ما تقديره: فمن امتثل ذلك أعلاه اعتداله إلى الرفيق الأعلى: ﴿ومن يشرك﴾ أي يوقع شيئاً من الشرك ﴿بالله﴾ أي الذي له العظمة كلها، لشيء

стр. 6256

من الأشياء في وقت من الأوقات ﴿فكأنما خرّ من السماء﴾ لعلو ما كان فيه من أوج التوحيد وسفول ما انحط إليه من حضيض الإشراك. ولما كان الساقط من هذا العلو متقطعاً لا محالة إما بسباع الطير أو بالوقوع على جلد، عبر عن ذلك بقوله: ﴿فتخطفه الطير﴾ أي قطعاً بينها، وهو نازل في الهواء قبل أن يصل إلى الأرض ﴿أو تهوي به الريح﴾ أي حيث لم يجد في الهواء ما يهلكه ﴿في مكان﴾ من الأرض ﴿سحيق*﴾ أي بعيد في السفول، فيتقطع حال وصوله إلى الأرض بقوة السقطة وشدة الضغطة لبعد المحل الذي خر منه وزل عنه، فالآية من الاحتباك: خطف الطير الملزوم للتقطع أولاً دال على حذف التقطع ثانياً، والمكان السحيق الملزوم لبلوغ الأرض ثانياً دليل على حذف ضده أولاً؛ ثم عظم ما تقدم من التوحيد وما هو مسبب عنه بالإشارة بأداة البعد.

стр. 6257

﴿ذلك﴾ أي الأمر العظيم الكبير ذلك، فمن راعاه فاز، ومن حاد عنه خاب؛ ثم عطف عليه ما هو أعم من هذا المقدر فقال: ﴿ومن﴾ ويجوز أن يكون حالاً، أي أشير إلى الأمر العظيم والحال أنه من ﴿يعظم شعائر الله﴾ أي معالم دين الملك

стр. 6258

الأعظم التي ندب إليها وأمر بالقيام بها في الحج، جمع شعيرة وهي المنسك والعلامة في الحج، والشعيرة أيضاً: البدنة المهداة إلى البيت الحرام، قال البغوي: وأصلها من الإشعار وهو إعلامها ليعرف أنها هدي - انتهى. ولعله مأخوذ من الشعر لأنها إذا جرحت قطع شيء من شعرها أو أزيل عن محل الجرح، فيكون من الإزالة، وتعظيمها استحسانها، فتعظيمها خير له لدلالته على تقوى قلبه ﴿فإنها﴾ أي تعظيمها ﴿من﴾ أي مبتدىء من ﴿تقوى القلوب*﴾ التي من شأنها الشعور بما هو أهل لأن يعظم، فمعظمها متق، وقد علم بما ذكرته أنه حذف من هذه جملة الخير ومن قوله ﴿ومن يعظم حرمات الله﴾ سبب كونه خيراً له، وهو التقوى، ودل على إرادته هناك بذكره هنا، وحذف هنا كون التعظيم خيراً، ودل عليه بذكره هناك، فقد ذكر في كل جملة ما دل على ما حذف من الأخرى كما تقدم في ﴿قد كان لكم آية في فئتين﴾ [آل عمران: ١٣] في آل عمران، وأنه يسمى الاحتباك، وتفسيري للشعائر بما بما ذكرته من الأمر العام جائز الإرادة، ويكون إعادة الضمير على نوع منه نوعاً من الاستخدام، فقوله: ﴿لكم فيها﴾ معناه: البدن أو النعم المهداة أو مطلقاً ﴿منافع﴾ بالدر والنسل والظهر ونحوه

стр. 6259

فكلما كانت سمينة حسنة كانت منافعها أكثر ديناً ودنيا ﴿إلى أجل مسمى﴾ وهو الموت الذي قدرناه على كل نفس، أو النحر إن كانت مهداة، أو غير ذلك، وهذا تعليل للجملة التي قبله، فإن المنافع حاملة لذوي البصائر على التفكر فيها لا سيما مع تفاوتها، والتفكر فيها موصل إلى التقوى بمعرفة أنها من الله، وأنه قادر على ما يريد. وأنه لا شريك له. ولما كانت هذه المنافع دنيوية، وكانت منفعة نحرها إذا أهديت دينية، أشار إلى تعظيم الثاني بأداة التراخي فقال: ﴿ثم محلها﴾ أي وقت حلول نحرها بانتهائكم بها ﴿إلى البيت العتيق*﴾ أي إلى فنائه وهو الحرم كما قال تعالى ﴿هدياً بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥] . ولما كان التقدير: جعل لكم سبحانه هذه الأشياء مناسك، عطف عليه قوله: ﴿ولكل أمة﴾ أي من الأمم السالفة وغيرها ﴿جعلنا﴾ بعظمتنا التي لا يصح أن تخالف ﴿منسكاً﴾ أي عبادة أو موضع عبادة أو قرباناً، فإنه يكون مصدر نسك - كنصر وكرم - نسكاً ومنسكاً، ويكون بمعنى الموضع الذي يعبد فيه، والذي يذبح فيه النسك وهو الهدي، وقال ابن كثير: ولم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء

стр. 6260

على اسم الله مشروعاً في جميع الملل. ثم أتبع هذا الجعل عتله بياناً لأنه ليس مقصوداً في نفسه فقال: ﴿ليذكروا﴾ ولما كان الدين سهلاً سمحاً ذا يسر، رضي بالدخول فيه بالظاهر فقال: ﴿اسم الله﴾ أي الملك الأعلى وحده، على ذبائحهم وقرابينهم وعبادتهم كلها، لأنه الرزاق لهم وحده؛ ثم علل الذكر بالنعمة تنبيهاً على التفكر فيها فقال: ﴿على ما رزقهم﴾ فوجب شكره به عليهم ﴿من بهيمة الأنعام﴾ . ولما علم أن الشارع لجميع الشرائع الحقة واحد، وأن علة نصبه لها ذكره وحده، تسبب عنه قوله: ﴿فإلهكم﴾ أي الذي شرع هذه المناسك كلها. ولما كان الإله ما يحق له الإلهية بما تقرر من أوصافه، لا ما سمي إلهاً، قال: ﴿إله﴾ ووصفه بقوله: ﴿واحد﴾ أي وإن اختلفت فروع شرائعه ونسخ بعضها بعضاً، ولو اقتصر على «واحد» لربما قال متعنتهم: إن المراد اقتصارنا على واحد مما نعبده. والتفت إلى الخطاب لأنه أصرح وأجدر بالقبول. ولما ثبت كونه واحداً، وجب اختصاصه بالعبادة، فلذا قال: ﴿فله﴾ أي وحده ﴿أسلموا﴾ أي انقادوا بجميع ظواهركم وبواطنكم

стр. 6261

في كل ما أمر به أو نهى عنه ناسخاً كان أو لا وإن لم تفهموا معناه كغالب مناسك الحج. ولما أمر بالإسلام من يحتاج إلى ذلك إيجاداً أو تكميلاً أو إدامة، وكان الإسلام هو سهولة الانقياد من غير كبر ولا شماخة، وكان منشأ الطمأنينة والتواضع اللذين هما أنسب شيء لحال الحجاج المتجرد من المخيط المكشوف الرأس الطالب لوضع أوزاره، وتخفيف آصاره لستر عوراه، أقبل على الرأس من المأمورين، الحائز لما يمكن المخلوقين أن يصلوا إليه من رتب الكمال، وخلال الجمال والجلال، إشارة إلى أنه لا يلحقه أحد في ذلك فقال: ﴿وبشر المخبتين*﴾ أي المتواضعين، المنكسرين، من الخبت - للأرض المنخفضة الصالحة للاستطراق وغيره من المنافع؛ ثم بين علاماتهم فقال: ﴿الذين إذا ذكر الله﴾ أي الذي له الجلال والجمال ﴿وجلت﴾ أي خافت خوفاً مزعجاً ﴿قلوبهم﴾ . ولما كان في ذكر الحج، وكان ذلك مظنة لكثرة الخلطة الموجبة لكثرة الأنكاد ولا سيما وقد كان أكثر المخالطين مشركين، لأن السورة مكية، قال عاطفاً غير مُتبع، إيذاناً بالرسوخ في الأوصاف: ﴿والصابرين﴾ الذين صار الصبر عادتهم ﴿على ما أصابهم﴾

стр. 6262

كائناً ما كان. ولما كان ذلك شاغلاً عن الصلاة، قال: ﴿والمقيمي الصلاة﴾ أي وإن حصل لهم من المشاق بأفعال الحج وغيره ما عسى أن يحصل، ولذلك عبر بالوصف دون الفعل إشارة إلى أنه لا يقيمها على الوجه المشروع مع ذلك المشاق والشواغل إلا الأراسخ في حبها، فهم - لما تمكن من حبها في قلوبهم والخوف من الغفلة عنها - كأنهم دائماً في صلاة. ولما كان ما يحصل فيه من زيادة النفقة ربما كان مقعداً عنه، رغب فيه بقوله: ﴿ومما رزقناهم﴾ فهم لكونه نعمة منا لا يبخلون به، ولأجل عظمتنا يحسنون ظن الخلف ﴿ينفقون*﴾ أي يجددون بذله على الاستمرار، بالهدايا التي يغالون في أثمانها وغير ذلك، إحساناً إلى خلق الله، امتثالاً لأمره كالخبت الباذل لما يودعه تعالى فيه من الماء والمرعى.

стр. 6263

ولما قدم سبحانه الحث على التقرب بالأنعام كلها، وكانت الإبل أعظمها خلقاً، وأجلها في أنفسهم أمراً، خصها بالذكر في سياق تكون فيه مذكورة مرتين معبراً بالاسم الدال على عظمها، أو أنه خصها لأنه خص العرب بها دون الأمم الماضية، فقال عاطفاً على قوله ﴿جعلنا منسكاً﴾ أو يكون التقدير والله أعلم: فأشركناكم مع الأمم الماضية

стр. 6264

في البقر والغنم ﴿والبدن﴾ أي الإبل أي المعروفة بعظم الأبدان - ﴿جعلناها﴾ أي بعظمتنا، وزاد في التذكير بالعظمة بذكر الاسم العلم فقال: ﴿لكم من شعائر الله﴾ أي أعلام دين الملك الأعظم ومناسكه التي شرعها لكم وشرع فيها الإشعار، وهو أن يطعن بحديدة في سنامها، تمييزاً لما يكون منها هدياً عن غيره. ولما نبه على ما فيها من النفع الديني، نبه على ما هو أعم منه فقال: ﴿لكم فيها خير﴾ بالتسخير الذي هو من منافع الدنيا، والتقريب الذي هو من منافع الآخرة؛ روى الترميذي وحسنه وابن ماجة عن عائشة ﵂ أن النبي صلى الله علية وسلم قال: «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من هراقة الدم، وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وأن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفساً» والدارقطني في السنن عن ابن عباس ﵄ قال: «قال رسول الله ﷺ :» ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد « ولما ذكر ما فيها، سبب عنه الشكر فقال: ﴿فاذكروا اسم الله﴾ أي الذي لا سمي له ﴿عليها﴾ أي على ذبحها بالتكبير، حال كونها

стр. 6265

﴿صواف﴾ قياماً معقلة الأيدي اليسرى، فلولا تعظيمه بامتثال شرائعه، ما شرع لكم ذبحها وسلطكم عليها مع أنها أعظم منكم جرماً وأقوى ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ أي سقطت سقوطاً بردت به بزوال أرواحها فلا حركة لها أصلاً، قال ابن كثير وقد جاء في حديث مرفوع» ولا تعجلوا النفس أن تزهق «وقد وراه الثوري في جامعه عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير عن فرافصة الحنفي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال ذلك. ولما كان ربما ظن أنه يحرم الأكل ممنها للأمر بتقريبها لله تعالى، قال نافياً لذلك: ﴿فكلوا منها﴾ إذا كانت تطوعاً إن شئتم الأكل، فإن ذلك لا يخرجها عن كونها قرباناً ﴿وأطعموا القانع﴾ أي المتعرض للسؤال بخضوع وانكسار ﴿والمعتر﴾ أي السائل، وقيل: بالعكس، وهو قول الشافعي ﵀، قال في كتاب اختلاف الحديث: والقانع هو السائل، والمعتر هو الزائر والمار، قال الرازي في اللوامع: وأصله في اللغة أن القاف والنون والعين تدل على الإقبال على الشيء، ثم تختلف معانيه مع اتفاق القياس، فالقانع: السائل، لإقباله على من يساله، والقانع: الراضي الذي لا يسأل، كأنه مقبل على الشيء الذي هو راض به. ولما كان تسخيرها لمثل هذا القتل على هذه الكيفية مع قوتها

стр. 6266

وكبرها أمراً باهراً للعقل عند التأمل، نبه عليه بالتحريك للسؤال عما هو أعظم منه فقال: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا التسخير العظيم المقدار ﴿سخرناها﴾ بعظمتنا التي لولاها ما كان ذلك ﴿لكم﴾ وذللناها ليلاً ونهاراً مع عظمها وقوتها، ولو شئنا جعلناها وحشية ﴿لعلكم تشكرون*﴾ أي لتتأملوا ذلك فتعرفوا أنه ما قادها لكم إلا الله فيكون حالكم حال من يرجى شكره، فتوقعوا الشكر بأن لا تحرموا منها إلا ما حرم، ولا تحلوا إلا ما أحل، وتشهدوا منها ما حث على إهدائه، وتتصرفوا فيها بحسب ما أمركم. ولما حث على التقرب بها مذكوراً اسمه عليها، وكان من مكارم الأخلاق، وكان أكثرهم يفعله، وكانوا ينضحون البيت ونحوه بدماء قرابينهم، ويشرحون اللحم، ويضعونه حوله، زاعمين أن ذلك قربة، وقد كان بعض ذلك شرعاً قديماً، نبه سبحانه على نسخ ذلك بأن نبه على أن المقصود منه روحه لا صورته فقال: ﴿لن ينال﴾ أي يصيب ويبلغ ويدرك. ولما كان السياق للحث على التقريب له سبحانه، كان تقديم اسمه على الفاعل أنسب للإسراع بنفي ما قد يتوهم من لحاق نفع أو ضر،

стр. 6267

فقال معبراً بالاسم العلم الذي حمى عن الشركة بكل اعتبار: ﴿الله﴾ أي رضا الملك الذي له صفات الكمال فلا يلحقه نفع ولا ضر ﴿لحومها﴾ المأكوله ﴿ولا دماؤها﴾ المهراقة ﴿ولكن يناله التقوى﴾ أي عمل القلب وهي الصفة المقصود بها أن تقي صاحبها سخط الله، وهي التي استولت على قلبه حتى حملته على امتثال اموامر التي هي نهايات لذلك، الكائنة ﴿منكم﴾ الحاملة على التقرب التي بها يكون له روح القبول، المحصلة للمأمول؛ قال الرازي في اللوامع: وهذا دليل على أن النية الخالصة خير من الأعمال الموظفة - انتهى. فإذا نالته سبحانه النية قبل العمل فتلقى اللقمة «فرباها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل جبل» «ووقع الدم منه بمكان» فالنفي لصورة لا روح لها والإثبات لذات الروح، فقد تفيد النية من غير عمل كما قال ﷺ في غزوة تبوك ما معناه. «إن بالمدينة رجالاً ما نزلنا منزلاً ولا قطعنا وادياً إلا كانوا فيه حبسهم العذر» ولا يفيد العمل بغير نية، والنية هي التي تفيد الجزاء سرمداً والله الموفق؛ ثم كرر التنبيه على عظيم تسخيرها منبهاً على ما أوجب عليهم به فقال: ﴿كذلك﴾ أي التسخير العظيم ﴿سخرها﴾ أي الله الجامع لصفات الكمال ﴿لكم﴾ بعظمته وغناه عنكم ﴿لتكبروا﴾ . ولما ذكر التكبير، صوره بالاسم الأعظم فقال: ﴿الله﴾ وضمن التكبير فعل الشكر، فكان التقدير: شاكرين له ﴿على ما هداكم﴾

стр. 6268

أي على هدايتكم له والأمور العظيمة التي هداكم إليها. ولما كان الدين لا يقوم إلا بالنذارة والبشارة، وكان السياق لأجل ما تقدم من شعائر الحج، ومعالم العج والثج - بالبشارة أليق، ذكرها مشيراً إلى النذارة بواو العطف ليؤذن أن التقدير: فأنذر أيها الداعي المسيئين: ﴿وبشر المحسنين*﴾ أي الذين أوجدوا الإحسان لأفعالهم صورة ومعنى. ولما ذكر سبحانه الحج المذكر للمهاجرين بأوطانهم المخاصمة التي أنزلت في غزوة بدر، وذكر ما يفعل فيه من القربات، عظم اشتياق النفوس إلى ذلك وتذكرت علو المشركين الذي يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام وظهورهم ومنعهم لمن أراد هذه الأفعال، على هذه الأوصاف الخالصة، والأحوال الصالحة، وفتنتهم له، فأجابها سبحانه عن هذا السؤال بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي لا كفوء له ﴿يدافع عن الذين آمنوا﴾ لأنهم بدخولهم في الإيمان لم يكونوا مبالغين في الخيانة ولا في الكفر فهو يحبهم، فكيف بالمحسنين الذين ختمت بهم الآية السالفة، أي فيظهرهم على عدوهم - هذا في قراءة ابن كثير

стр. 6269

وأبي عمرو ويعقوب بغير ألف، وفي قراءة الباقين مبالغة بإخراج الفعل على المغالبة، فكأنه قال: بشرهم بأن الله يدفع عنهم، ولكنه تعالى أظهر الأوصاف ليفهم أنها مناط الأحكام والتعبير، فعبر بالفعل الماضي ترغيباً، أي لكل من أوقع هذا الوصف في الخارج إقياعاً ما دفع عنه؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿لا يحب﴾ أي لا يكرم كما يفعل المحب ﴿كل خوان﴾ في أمانته، مانع لعباده من بيته الذي هو للناس سواء العاكف فيه والبادي ﴿كفور﴾ لنعمته بالتقرب إلى غيره، فهو يفعل مكارم الأخلاق صورة ليس فيها معنى أصلاً، لا يصححها بذكر الله وحده، ولا يجملها بالإحسان، وأتى بالصفتين على صيغة المبالغة لأن نقائص الإنسان لا يمكنه أن يفعلها خالية عن المبالغة، لأنه يخون نفسه بالعزم أولاً، والفعل ثانياً وغيره من الخلق ثالثاً، وكذا يخون نفسه ربه سبحانه وهكذا في الكفر وغيره، ولما كانت الخيانة منبع النقائص، كانت المبالغة فيها أكثر.

стр. 6270

ولما كان كأنه قد قيل: كيف تكون المدافعة وبمن؟
следующие страницы →