Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.
стр. 6266
وكبرها أمراً باهراً للعقل عند التأمل، نبه عليه بالتحريك للسؤال عما هو أعظم منه فقال: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا التسخير العظيم المقدار ﴿سخرناها﴾ بعظمتنا التي لولاها ما كان ذلك ﴿لكم﴾ وذللناها ليلاً ونهاراً مع عظمها وقوتها، ولو شئنا جعلناها وحشية ﴿لعلكم تشكرون*﴾ أي لتتأملوا ذلك فتعرفوا أنه ما قادها لكم إلا الله فيكون حالكم حال من يرجى شكره، فتوقعوا الشكر بأن لا تحرموا منها إلا ما حرم، ولا تحلوا إلا ما أحل، وتشهدوا منها ما حث على إهدائه، وتتصرفوا فيها بحسب ما أمركم.
ولما حث على التقرب بها مذكوراً اسمه عليها، وكان من مكارم الأخلاق، وكان أكثرهم يفعله، وكانوا ينضحون البيت ونحوه بدماء قرابينهم، ويشرحون اللحم، ويضعونه حوله، زاعمين أن ذلك قربة، وقد كان بعض ذلك شرعاً قديماً، نبه سبحانه على نسخ ذلك بأن نبه على أن المقصود منه روحه لا صورته فقال: ﴿لن ينال﴾ أي يصيب ويبلغ ويدرك.
ولما كان السياق للحث على التقريب له سبحانه، كان تقديم اسمه على الفاعل أنسب للإسراع بنفي ما قد يتوهم من لحاق نفع أو ضر،
стр. 6267
فقال معبراً بالاسم العلم الذي حمى عن الشركة بكل اعتبار: ﴿الله﴾ أي رضا الملك الذي له صفات الكمال فلا يلحقه نفع ولا ضر ﴿لحومها﴾ المأكوله ﴿ولا دماؤها﴾ المهراقة ﴿ولكن يناله التقوى﴾ أي عمل القلب وهي الصفة المقصود بها أن تقي صاحبها سخط الله، وهي التي استولت على قلبه حتى حملته على امتثال اموامر التي هي نهايات لذلك، الكائنة ﴿منكم﴾ الحاملة على التقرب التي بها يكون له روح القبول، المحصلة للمأمول؛ قال الرازي في اللوامع: وهذا دليل على أن النية الخالصة خير من الأعمال الموظفة - انتهى. فإذا نالته سبحانه النية قبل العمل فتلقى اللقمة «فرباها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل جبل» «ووقع الدم منه بمكان» فالنفي لصورة لا روح لها والإثبات لذات الروح، فقد تفيد النية من غير عمل كما قال ﷺ في غزوة تبوك ما معناه. «إن بالمدينة رجالاً ما نزلنا منزلاً ولا قطعنا وادياً إلا كانوا فيه حبسهم العذر» ولا يفيد العمل بغير نية، والنية هي التي تفيد الجزاء سرمداً والله الموفق؛ ثم كرر التنبيه على عظيم تسخيرها منبهاً على ما أوجب عليهم به فقال: ﴿كذلك﴾ أي التسخير العظيم ﴿سخرها﴾ أي الله الجامع لصفات الكمال ﴿لكم﴾ بعظمته وغناه عنكم ﴿لتكبروا﴾ .
ولما ذكر التكبير، صوره بالاسم الأعظم فقال: ﴿الله﴾ وضمن التكبير فعل الشكر، فكان التقدير: شاكرين له ﴿على ما هداكم﴾
стр. 6268
أي على هدايتكم له والأمور العظيمة التي هداكم إليها.
ولما كان الدين لا يقوم إلا بالنذارة والبشارة، وكان السياق لأجل ما تقدم من شعائر الحج، ومعالم العج والثج - بالبشارة أليق، ذكرها مشيراً إلى النذارة بواو العطف ليؤذن أن التقدير: فأنذر أيها الداعي المسيئين: ﴿وبشر المحسنين*﴾ أي الذين أوجدوا الإحسان لأفعالهم صورة ومعنى.
ولما ذكر سبحانه الحج المذكر للمهاجرين بأوطانهم المخاصمة التي أنزلت في غزوة بدر، وذكر ما يفعل فيه من القربات، عظم اشتياق النفوس إلى ذلك وتذكرت علو المشركين الذي يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام وظهورهم ومنعهم لمن أراد هذه الأفعال، على هذه الأوصاف الخالصة، والأحوال الصالحة، وفتنتهم له، فأجابها سبحانه عن هذا السؤال بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي لا كفوء له ﴿يدافع عن الذين آمنوا﴾ لأنهم بدخولهم في الإيمان لم يكونوا مبالغين في الخيانة ولا في الكفر فهو يحبهم، فكيف بالمحسنين الذين ختمت بهم الآية السالفة، أي فيظهرهم على عدوهم - هذا في قراءة ابن كثير
стр. 6269
وأبي عمرو ويعقوب بغير ألف، وفي قراءة الباقين مبالغة بإخراج الفعل على المغالبة، فكأنه قال: بشرهم بأن الله يدفع عنهم، ولكنه تعالى أظهر الأوصاف ليفهم أنها مناط الأحكام والتعبير، فعبر بالفعل الماضي ترغيباً، أي لكل من أوقع هذا الوصف في الخارج إقياعاً ما دفع عنه؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿لا يحب﴾ أي لا يكرم كما يفعل المحب ﴿كل خوان﴾ في أمانته، مانع لعباده من بيته الذي هو للناس سواء العاكف فيه والبادي ﴿كفور﴾ لنعمته بالتقرب إلى غيره، فهو يفعل مكارم الأخلاق صورة ليس فيها معنى أصلاً، لا يصححها بذكر الله وحده، ولا يجملها بالإحسان، وأتى بالصفتين على صيغة المبالغة لأن نقائص الإنسان لا يمكنه أن يفعلها خالية عن المبالغة، لأنه يخون نفسه بالعزم أولاً، والفعل ثانياً وغيره من الخلق ثالثاً، وكذا يخون نفسه ربه سبحانه وهكذا في الكفر وغيره، ولما كانت الخيانة منبع النقائص، كانت المبالغة فيها أكثر.
стр. 6270
ولما كان كأنه قد قيل: كيف تكون المدافعة وبمن؟
стр. 6271
فقيل: بعباده المؤمنين، عبر عن ذلك بقوله: ﴿أذن﴾ وأشار بقراءة من بناه للمجهول إلى سهولة ذلك عليه سبخانه ﴿للذين يقاتلون﴾ أي للذين فيهم قوة المدافعة، في المدافعة بالقتلا بعد أن كانوا يمنعون منه بمكة ويؤمرون بالصفح؛ ثم ذكر سبب الإذن فقال ﴿بأنهم ظلموا﴾ أي وقع ظلم الظالمين لهم بالإخراج من الديار، والأذى بغير حق.
ولما كان التقدير: فأن الله أراد إظهار دينه بهم، عطف عليه قوله: ﴿وإن الله﴾ أي الذي هو الملك الأعلى، وكل شيء في قبضته، ويجوز عطفه على قوله ﴿إن الله يدفع﴾ أي بإذنه لهم في القتال وأنه ﴿على نصرهم﴾ وأبلغ في التأكيد لا ستبعاد النصرة إذ ذاك بالكفار من الكثرة والقوة، وللمؤمنين من الضعف والقلة، فقال: ﴿لقدير*﴾ ثم وصفهم بما يبين مظلوميتهم على وجه يجمعهم ويوثقهم بالله فقال: ﴿الذين أخرجوا من ديارهم﴾ إلى الشعب والحبشة والمدينة ﴿بغير حق﴾ أوجب ذلك ﴿إلا أن يقولوا﴾ أي غير قولهم، أو ألا قولهم: ﴿ربنا الله﴾ المحيط بصفات الكمال، الموجب لإقرارهم في ديارهم، وحبهم ومدحهم واقتفاء آثارهم، فهو من باب:
стр. 6272
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وفي سوق ذلك المساق الاستثناء عند من يجعله منقطعاً إشارة إلى أن من أخلص لله، صوب الناس إليه سهام مكرهم، ولم يدعوا في أذاه شيئاً من جهدهم.
ولما ذكر مدافعته، وذكر أنها بالمؤمنين، بين سرها عموماً ليفهم منها هذا الخاص، وصورها تقريباً لفهمها، فقال عاطفاً على ما تقديره: فلولا إذن الله لهم لاستمر الشرك ظاهراً، والباطل - باستيلاء الجهلة على مواطن الحج - قاهراً: ﴿ولولا دفع الله﴾ أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة في كل شريعة، وفي زمن كل نبي أرسله ﴿الناس﴾ أي عموماً ﴿بعضهم ببعض﴾ أي بتسليط بعضهم على بعض ﴿لهدمت صوامع﴾ وهي معابد صغار مرتفعة للرهبان ﴿وبيع﴾ للنصارى ﴿وصلوات﴾ أي كنائس اليهود ﴿ومساجد﴾ أي للمسلمين، أخرها لتكون بعيدة من الهدم قريبة من الذكر ﴿يذكر فيها اسم الله﴾ أي الملك الذي لا ملك غيره، ولعل العدول عن الإضمار إلى الإظهار للإشارة إلى اختلاف ذكره تعالى في الأماكن المذكورة بالإخلاص وغيره ﴿كثيراً﴾ لأن كل فرقة تريد هدم ما للأخرى، بل ربما أراد بعض أهل ملة إخراب
стр. 6273
بعض معابد أهل ملته، لا فبدفعه الله بمن يريد من عباده، وإذا تأملت ذلك وجدت فيه من الأسرار، ما يدق عن الأفكار، فإنه تعالى لما أراد بأكثر الناس الفساد، نصب لهم من الأضداد، ما يخفف كثيراً من العناد.
ولما كان لتقدير: ولكن لم تهدم المذكورات، لأن الله دفع بعضهم ببعض، وجعل بعضهم في نحور بعض، عطف عليه أو على قوله ﴿أذن﴾ قوله: ﴿ولينصرن الله﴾ أي الملك الأعظم، وأظهر ولم يضمر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: ﴿من ينصره﴾ كائناً كم كان منهم ومن غيرهم، بما يهيىء له من الأسباب، إجراءً له على الأمر المعتاد، وبغير أسباب خرقاً للعادة، كما وقع في كثير من الفتوحات، كخوض العلاء بن الحضرمي ﵁ البحر الملح إلى جواثاء بالبحرين، واقتحام سعد بن أبي وقاص ﵁ الدجلة مع عظمها في ذلك العام وطموها، وزيادتها وعلوها، وزلزلة أسوار حمص بالتكبير وتهدّم كثيراً من بيوتها، عن إتقان بنيانها، وإحكام قواعدها وأركانها
стр. 6274
ونحو ذلك؛ ثم علل نصره وإن ضعف المنصور، بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي لا كفوء له ﴿لقوي*﴾ أي على ما يريد ﴿عزيز*﴾ لا يقدر أحد على مغالبته، ومن كان ناصره فهو المنصور، وعدوه المقهور، ولقد صدق سبحانه فيما وعد به، فأذل بأنصار دينه ﵃ جبابرة أهل الأرض وملوكهم، ومن أصدق من الله حديثاً.
ولما وصف نفسه سبحانه بما يقتضي تمكين منصوره الذي ينصره، وصفهم بما يبين أن قتالهم له، لا لهم، بعد أن وصفهم بأنهم أوذوا بالإخراج من الديار الذي يعادل القتل، فقال: ﴿الذين﴾ ولما كان وقت النصرة مبهماً آخره يوم الفصل، عبر بأداة الشك ليكون ذلك أدل على إخلاص المخلص في القتال: ﴿إن مكناهم﴾ بما لنا من العظمة ﴿في الأرض﴾ بإعلائهم على أضدادهم ﴿أقاموا الصلاة﴾ أي التي هي عماد الدين، الدالة على المراقبة والإعراض عن تحصيل الفاني ﴿وآتوا الزكاة﴾ المؤذنة بالزهذ في الحاصل منه، المؤذن بعمل النفس للرحيل ﴿وأمروا بالمعروف﴾ وهو ما عرفه الشرع وأجاره ﴿ونهوا عن المنكر﴾ المعرف بأنه لا أنس لهم إلا به سبحانه، ولا خوف لهم إلا منه، ولا رجاء فيه والآية دالة على صحة خلافة الأئمة الأربعة.
стр. 6275
ولما كان هذا ابتداء الأمر بالجهاد، وكان عقب ما آذى أعداؤه أولياءه، فطال أذاهم لهم، فكان التقدير كما أرشد إليه العطف على غير مذكور، عطفاً على ﴿ولولا دفع﴾ فلله بادئة الأمور، عطف عليه قوله: ﴿ولله﴾ أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء ﴿عاقبة الأمور*﴾ فتمكينهم كائن لا محالة، لكن ذكره للعاقبة وطيه للبادئة منبه على أنه تعالى يجعل للشيطان - كما هو المشاهد في الأغلب - حظاً في البادئة، ليتبين الصادق من الكاذب، والمزلزل من الثابت، وأما العاقبة فهي متمحضة له إلى أن يكون آخر ذلك القيامة التي لا يكون لأحد فيها أمر، حتى أنه لا ينطق أحد إلا بإذن خاص. ولما كان في ترغيب هذه الآيات وترهيبها ما يعطف العاقل، ويقصف الجاهل، طوي حكم العاقل لفهمه ما سبق، وهو: فإن يؤمنوا بك مكناهم في الأرض، ودل عليه بعطف حكم الجاهل على غير مذكور في سياق يسلي به نبيه ﷺ ويعزيه، ويؤنسه ويواسيه، فقال ﴿وإن يكذبوك﴾ أي أخذتهم وإن كانوا أمكن الناس، فقد فعلت بمن قبلهم ذلك، فلا يحزنك أمرهم ﴿فقد كذبت﴾ وأتى سبحانه بتاء التأنيث تحقيراً للمكذبين في قدرته وإن كانوا أشد الناس.
ولما كانت هذه الأمم لعظمهم وتمادي أزمانهم كأنهم قد استغرقوا الزمان كله، لم يأت بالجار فقال: ﴿قبلهم قوم نوح﴾ وكانوا
стр. 6276
أطول الناس أعماراً، وأشدهم اقتداراً؛ ولما لم يتعلق في هذا السياق غرض بالمخالفة في ترتيبهم، ساقهم على حسب ترتبيهم في الوجود فقال: ﴿وعاد﴾ أي ذوو الأبدان الشداد ﴿وثمود*﴾ أولو الأبنية الطوال، في السهول والجبال ﴿وقوم إبراهيم﴾ المتجبرون المتكبرون ﴿وقوم لوط*﴾ الأنجاس، بما لم يسبقهم إليه أحد من الناس ﴿وأصحاب مدين﴾ أرباب الأموال، المجموعة من خزائن الضلال.
ولما كان موسى ﵇ قد أتى من الآيات المرئية ثم المسموعة بما لم يأت بمثله أحد ممن تقدمه، فكان تكذيبه في غاية من البعد، غير سبحانه الأسلوب تنبيهاً على ذلك، وعلى أن الذين أطبقوا على تكذيبه القبط، وأما قومه فما كذبه منهم إلا ناس يسير، فقال: ﴿وكذب موسى﴾ وفي ذلك أيضاً تعظيم للتأسية وتفخيم للتسلية ﴿فأمليت للكافرين﴾ أي فتعقب عن تكذيبهم أني أمهلتهم بتأخير عقوبتهم إلى الوقت الذي ضربته لهم، وعبر عن طول الإملاء بأداة التراخي لزيادة التأسية فقال: ﴿ثم أخذتهم﴾ ونبه على أنه كان في أخذهم عبر وعجائب، وأهوال وغرائب، بالاستفهام في قوله: ﴿فكيف كان نكير*﴾ أي إنكاري لأفعالهم، فليحذر هؤلاء الذين أتيتهم بأعظم ما أتى به رسول قومه مثل ذلك.
стр. 6277
ولما كانت هذه الأمم السبعة أكثر أهل الأرض، بل كانت أمة
стр. 6278
منهم أهل الأرض كما مضى بيانه في الأعراف، فكيف بمن عداهم ممن كان في أزمانهم وبعدهم، وأخبر أن عادته فيهم الإملاء ثم الإهلاك، تسبب عن ذلك تهويل الإخبارعنهم وتكثيرهم، فقال تعالى شارحاً للأخذ والإمهال على طريق النشر المشوش: ﴿فكأين من قرية أهلكناها﴾ كهؤلاء المذكورين وغيرهم، وفي قراءة الجماعة غير أبي عمرو بالنون إظهاراً للعظمة ﴿وهي﴾ أي والحال أنها ﴿ظالمة فهي﴾ أي فتسبب عن إهلاكها أنها ﴿خاوية﴾ أي متهدمة ساقطة أي جدرانها ﴿على عروشها﴾ أي سقوفها، بأن تقصفت الأخشاب ولا من كثرة الأمطار، وغير ذلك من الأسرار، فسقطت ثم سقطت عليها الجدران. أو المعنى: خالية، قد ذهبت أرواحها بذهاب سكانها على البقاء سقوفها، ليست محتاجة إلىغير السكان ﴿و﴾ كم من ﴿بئر معطلة﴾ من أهلها مع بقاء بنائها، وفوران مائها ﴿وقصر مشيد*﴾ أي عال متقن مجصص لأنه لا يشيد - أي يجصص - إلا الذي يقصد رفعه، فحلت القصور من أربابها، وأقفرت موحشة من جميع أصاحبها، بعد كثرة التضام في نواديها، وعطلت الآبار من ورَّادها
стр. 6279
بعد الازدحام بين رائحها وغاديها، دانية ونائية، حاضرة وبادية؛ ولما كان خراب المشيد يوهى من أركانه، ويخلق من جدارنه، لم يحس التشديد في وصف القصر، كما حسن في وصف البئر.
ولما كان هذا واعظاً لمن له استبصار، وعاطفاً له إلى العزيز الغفار، تسبب عنه الإنكار عليهم في عدم الاعتبار، فعد أسفارهم - التي كانوا يرون فيها هذه القرى على الوجه الذي أخر به سبحانه لما كانت على ذلك الوجه - عدماً، فقال تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض﴾ أي وهم بصراء ينظرون بأعينهم ما يمرون عليه، من الآيات المرئية من القرى الظالمة المهلكة وغيرها، وقرينة الحث على السير دل على البصر.
ولما كان الجواب منصوباً، علم أنه منفي لأنه مسبب عن همزة الإنكار التي معناها النفي، وقد دخلت على النفي السير فنفته، فأثبتت السير عرياً عما أفاده الجواب، وهو قوله ﴿فتكون﴾ أي فيتسبب عن سيرهم أن تكون ﴿لهم قلوب﴾ واعية ﴿يعقلون بها﴾ ما رأوه بأبصارهم في الآيات المرئيات من الدلالة على وحدانية الله تعالى وقدرته على الإحياء والإماتة متى أراد فيعتبروا به، فانتفاء القلوب الموصوفة متوقف على نفي السير الذي هو إثبات السير، وكذا الكلام في الآذان من قوله ﴿أو﴾ أي أو تكون لهم إن كانوا عمي الأبصار
стр. 6280
كما دل عليه جعل هذا قسيماً ﴿آذان يسمعون بها﴾ الآيات المسموعة المترجمة عن تلك القرى وغيرها سواء ساروا أو لم يسيروا، إن كانت بصائرهم غير نافذة الفهم بمجرد الرؤية فيتدبروها بقلوبهم، فإنه لا يضرهم فقد الأبصار عند وجود البصائر.
ولما كان الضار للإنسان إنما هو عمى البصائر دون الأبصار، نفى العمى أصلاً عن الأبصار لعدم ضرورة مع إنارة البصائر، وخصه بالبصئر لوجود الضرر به ولو وجدت الأبصار، مسبباً عما مضى مع ما أرشد إليه من التقدير، فقال: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار﴾ أي لعدم الضرر بعماها المستنير البصيرة ﴿ولكن تعمى القلوب﴾ وأكد المعنى بقوله: ﴿التي في الصدور*﴾ لوجود الضرر بعماها المبطل لمنفعة صاحبها وإن كان البصر موجداً، فاحتيج في تصوير عماها إلى زيادة تعيين لما تعورف من أن العمى إنما هو للبصر، إعلاماً بأن القلوب ما ذكرت غلطاً، بل عمداً، تنبيهاً على أن عمى البصر عدم بالنسبة لى عماها، والمراد بالقلب لطيفة ربانية روحانية مودعة في اللحم الصنوبري المودع في الجانب الأيسر من الصدر، لديه تعلق. . . عقول الأكثر في أنه يضاهي تعلق العرض بالجسم، أو الصفة بالموصوف، أو المتمكن بمكان
стр. 6281
وهذه اللطيفة على حقيقة الإنسان سميت قلباً للمجاورة والتعلق، وهي كالفارس والبدن كله كالفرس، وعمى الفارس أضر على الفارس من عمى الفرس، بل لا نسبة لأحد الضررين بالآخرة، فلذلك نفى عمى الأبصار أصلاً
стр. 6282
ورأساً، فلا شيء ضرره بالنسبة إلى عمى البصائر.
ولما قدم سبحانه أن الضال المضل له خزي في الدنيا، وقدم أنه يدفع عن الذين آمنوا وينصرهم، وساق الدليل الشهودي على ذلك لمن كان جامد الفهم، مقيداً بالوهم، بالقرى الظالمة التي أنجز هلاكها، وختم بإنكار عماهم عن ظاهر الآيات البينات، قال عاطفاً على ﴿ومن الناس من يجادل﴾ معجباً منهم وموضحاً لعماهم: ﴿ويستعجلونك﴾ ويجوز وهو أحسن أن تكون هذه الجملة حالاً من فاعل ﴿يسيروا﴾ فيكون مما أنكر عليهم ﴿بالعذاب﴾ الذي تتوعدهم به تكذيباً واستهزاء، ﴿و﴾ الحال أنه ﴿لن يخلف الله﴾ الذي لا كفوء له ﴿وعده﴾ فلا بد من وقوعه لكن الطويل عندهم من الزمن قصير عنده، وقد ينجز الوعد وقد يؤخره بعد الوعيد إلى حين يوم أو أقل أو أكثر، لأن قضاءه سبق أنه لا يكون إلا فيه لحكم يظهرها لمن يشاء من عباده ﴿وإن يوماً﴾ أي واحداً ﴿عند ربك﴾ أي المحسن إليك بتأخير
стр. 6283
العذاب عنهم إكراماً لك ﴿كألف سنة﴾ ولما كان المقصود هنا التطويل، فعبر بالسنة تنبيهاً عليه؛ ولما كانت السنون قد تختلف قال: ﴿مما تعدون*﴾ لأن أيامكم تناسب أوهامكم، وأزمانكم تناسب شأنكم، وهو حليم لا يستطيل الزمان، وقادر لا يخاف الفوت.
стр. 6284
ولما دل على نصر أوليائه، وقسر أعدائه، بشهادة تلك القرى، وختم بالتعجيب من استعجالهم مع ما شاهدوا من إهلاك أمثالهم، وأعلمهم ما هو عليه من الأناة، واتساع العظمة، وكبر المقدار، عطف على ﴿فكأين﴾ محذراً من نكاله، بعد طويل إمهاله، قوله: ﴿وكأين من قرية﴾ أي من أهلها ﴿أمليت لها﴾ أي أمهلتها كما أمهلتكم ﴿وهي ظالمة﴾ كظلمكم بالاستعجال وغيره ﴿ثم أخذتها﴾ أي بالعذاب ﴿وإليّ المصير*﴾ بانقطاع كل حكم دون حكمي، كما كان مني البدء، فلم يقدر أحد أن يمنع من خلق ما أردت خلقه، ولا أن يخلق ما لم أرد خلقه، فلا تغتروا بالإمهال، وإن تمادت الأيام والليالي، واحذروا عواقب الوبال، وإن بلغتم ما أردتم من الآمال، ولعله إنما طوى ذكر البدء، لأنه احتجب فيه بالأسباب فغلب فيه اسمه الباطن، ولذلك ضل في هذه الدار أكثر الخلق وقوفاً مع الأسباب.
ولما كان الاستعجال بالأفعال لا يطلب من الرسول، وكان الإخبار باستهزائهم وشدة عماهم ربما أفهم الإذن في الإعراض عنهم أصلاً ورأساً قال مزيلاً لذلك منبهاً على أن مثله إنما يطلب من المرسل، لا من الرسول: ﴿قل﴾ أي لهم، ولا يصدنك عن دعائهم ما أخبرناك به من عماهم ﴿يا أيها الناس﴾ أي جميعاً من قومي وغيرهم ﴿إنما أنا لكم نذير﴾ أي وبشير، وإنما طواه لأن المقام للتخويف، ويلزم منه الأمن للمنتهى فتأتي البشارة، ولأن النذارة هي المقصود الأعظم من الدعوة، لأنه لا يقدم عليها إلا المؤيدون بروح من الله ﴿مبين*﴾ أي لكل ما ينفعكم لتلزموه. ويضركم فتتركوه لا إله، أعجل لكم العذاب؛ ثم تسبب عن كونه مبيناً العلم بأن وصف البشارة مراد وإن طوي، فدل عليه سبحانه بقوله تفضيلاً لأهل البشارة والنذارة: ﴿فالذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان ﴿وعملوا﴾ أي تصديقاً لدعواهم ذلك ﴿الصالحات لهم مغفرة﴾ لما فرط منهم من التقصير لأنه لن يقد أحد أن يقدر الله حق قدره.
ولما كان هذا أول الإذن في القتال، الموجب لمنابذة الكفار، ومهاجرة الأهل والأموال والديار، وكان ذلك - مع كونه في غاية الشدة - موجباً للفقر عادة، قال محققاً له ومنبهاً على أنه سبب الرزق: ﴿ورزق﴾ أي في الدنيا بالغنائم وغيرها، والآخرة بما
стр. 6285
لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿كريم*﴾ لا خسة فيه ولا دناءة بانقطاع ولا غيره أصلاً ما داموا على الاتصاف بذلك، هذا فعل ربهم بهم عكس ما وصف به مدعو الكفار من أن ضره أقرب من نفعه.
ولما كان في سياق الإنذار، قال معبراً بالماضي زيادة في التخويف: ﴿والذين سعوا﴾ أي أوقعوا السعي ولو مرة واحدة بشبهة من الشبه ونحوها ﴿في آياتنا﴾ أي التي نصبناها للدلالة علينا مرئية أو مسموعة ﴿معاجزين﴾ أي مبالغين في فعل ما يلزم - في زعمهم - منه عجزنا، ومعجزين، أي مقدرين أنهم يعجزوننا بإخفائهم آياتنا، وإضلال الناس وصدهم عهنا بألقاء الشبه والجدال، اتباعاً للشيطان المريد، من غير علم ولا هدى ولا كتب منير كشبه الاتحادية الذين راج أمرهم على كثير من الناس مع أنه لا شيء أوهى من شبههم ولا أظهر بطلاناً، ولذلك راج أمرها على أهل الغباوة، فإن الداعية منهم يقول لمن يغره: هذا الظاهر من الكلام لا يقول به عاقل، فالمراد به أسرار دقيقة، وراء طور العقل، لا يوصل إليه إلا بالرياضة والكشف، وما درى المغرور أن أبا طالب كان أعقل من هذا الذي ينسب إليه ذلك الكفر الظاهر،
стр. 6286
فإن شعره أحسن من شعره، وبديهته أعظم من بديهته، ورؤيته أحكم من رؤيته، وقد رأى من الآيات من النبي ﷺ ما لا مزيد عليه، مع أن له من القرابة ما هو معروف، ومن المحبة ما يفوت الحصر، ومع ذلك فقد أصرّ من الضلال ما لا يرضاه حمار لو نطق، على أن هذا المغرور قد لزمه - بتحسين الظن بهؤلاء الكفرة - إساءة الظن بأشرف الخلق: النبي ﷺ في قوله
«من رأى منكم منكراً» - الحديث الذي في بعض رواياته: «وليس وراء ذلك أي الإنكار بالقلب - مثقال حبة من إيمان» وقد أفردت لبيان ضلالهم كتباً لما استطار من شرهم، ومس من ضرهم، منها المطول والمختصر، لا مزيد على بيانها وظهور سلطانها ﴿أولئك﴾ البعداء البغضاء ﴿أصحاب الجحيم*﴾ أي استحقاقاً بما سعوا، فإن شاء تاب عليهم، وإن شاء كبهم فيها، ليعلموا أنهم هم العاجزون، هذا في الآخرة، وسيظهر سبحانه في الدنيا أيضاً عجزهم، بكشف شبههم ومج القلوب النيرة لها، مع ذلهم وانكسارهم، وهوانهم وصغارهم، حتى لا يقدروا أن ينطقوا من ذلك ببنت شفة، علماً منهم أن مثلها لا يقوله عاقل.
ولما لاح من ذلك أن الشيطان ألقى للكفار شبهاً، يعاجزون بها بجدالهم في دين الله الذي أمر رسوله محمداً ﷺ بإظهاره،
стр. 6287
وتقرير وإشهاره، عطف عليه تسلية له ﷺ قوله: ﴿وما أرسلنا﴾ أي بعظمتنا ﴿من قبلك﴾ ثم أكد الاستغراق بقوله: ﴿من رسول﴾ أي من ملك أو بشر بشريعة جديدة يدعو إليها ﴿ولا نبي﴾ سواء كان رسولاً أو لا، مقرر بالحفظ لشريعة سابقة - كذا قال البيضاوي وغيره في الرسول وهو منقوص بأنبياء بني أسرائيل الذين بين موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، فإن الله تعالى سماهم رسلاً في غير آية منها ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل﴾ [البقرة: ٨٧] فالصواب أن يقال: النبي إنسان أوحي إليه بشرع جديد أو مقرر، فإن أمر بالتبليغ فرسول أيضاً، والتقييد بشرع لإخراج مريم وغيرها من الأولياء ﴿إلا إذا تمنى﴾ أي تلا على الناس ما أمره الله به أو حدثهم به واشتهى في نفسه أن يقبلوه حرصاً منه على إيمانهم شفقة عليهم ﴿ألقى الشيطان في أمنيته﴾ أي ما تلاه أو حدث به واشتهى أن يقبل، من الشبه والتخيلات ما يتلقفه منه أولياءه فيجادلون به أهل الطاعة ليضلوهم
﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾ [الأنعام: ١٢١] ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً﴾ [الأنعام: ١١٢] كما يفعل هؤلاء فيما
стр. 6288
يغيرون به في وجه الشريعة أصولاً وفروعاً من قولهم: إن القرآن شعر وسحر وكهانة، وقولهم ﴿لو شاء الله ما أشركنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقولهم ﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] وقولهم: إن ما قلته الله بالموت حتف أنفه أولى بالأكل مما ذبح، وقولهم: نحن أهل الله وسكان حرمه، لا نخرج من الحرم فنقف في الحج بالمعشر الحرام ويقف الناس بعرفة، ونحن نطوف قي ثيابنا وكذا من ولدناه، وأما غيرنا فلا يطوف إلا عرياناً ذكراً ان أو أنثى إلا أن يعطيه أحد منا ما يلبسه، ونحو ذلك مما يريدون أن يطفئوا به نور الله، وكذا تأويلات الباطنية والاتحادية وأنظارهم التي ألحدوا فيها، يضل بها من يشاء الله ثم يمحوها من أراد من عباده وما أراد من أمره ﴿فينسخ﴾ أي فيتسبب عن إلقائه أنه ينسخ ﴿الله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿ما يلقي الشيطان﴾ فيبطله بإيضاح أمره ومج القلوب له.
ولما كان إبطاله سبحانه للشبه إبطالاً محكماً، لا يتطرق إليه لعلو رتبة بيانه - شبهة أصلاً، عبر بأداة التراخي فقال: ﴿ثم يحكم الله﴾ أي الملك الذي لا كفوء له ﴿آياته﴾ أي يجعلها جلية فيما أريد منها، وأدل دليل على أن هذا هو المراد مع الافتتاح بالمعاجزة في الآيات - الختام بقوله عطفاً على ما تقديره: فالله على ما يشاء قدير:
стр. 6289
﴿والله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿عليم﴾ أي بنفي الشبه ﴿حكيم*﴾ بإيراد الكلام على وجه لا تؤثر فيه عند من له أدنى بصيرة، وكذا ما مضى في السورة ويأتي من ذكر الجدال.
стр. 6290
ولما ذكر سبحانه ما حكم به من تمكين الشيطان من هذا الإلقاء، ذكر العلة في ذلك فقال: ﴿ليجعل ما يلقي الشيطان﴾ أي في المتلو أو المحدث به من تلك الشبه في قلوب أوليائه ﴿فتنة﴾ أي اختباراً وامتحاناً ﴿للذين في قلوبهم مرض﴾ لسفولها عن حد الاعتدال من اللين حتى صارت مائيته تقبل كل صورة ولا يثبت فيها صورة، وهم أهل النفاق المتلقفون للشبه الملقون لها ﴿والقاسية قلوبهم﴾ عن فهم الآيات، وهم من علت قلوبهم عن ذلك الجدال أن صارت حجرية، وهم المصارحون بالعداوة، فهم في ريب من أمرهم وجدال للمؤمنين، قد انتقشت فيها الشبه، فصارت أبعد شيء عن الزوال. ولما كان التقدير: فإنهم حزب الشيطان، وأعداء الرحمن، عطف عليه قوله. وإنهم هكذا الأصل، ولكنه أظهر تنبيهاً على وصفهم فقال: ﴿وإن الظالمين﴾ أي الواضعين لأقوالهم وأفعالهم في غير مواضعها كفعل من هو في الظلام ﴿لفي شقاق﴾ أي خلاف بكونهم في شق
стр. 6291
غير شق حزب الله بمعاجزتهم في الآيات بتلك الشبه التي تلقوها من الشيطان، وجادلوا بها أولياء الرحمن ﴿بعيد*﴾ عن الصواب ﴿ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ [الأنعام: ١١٣] ﴿وليعلم الذين أوتوا العلم﴾ بإتقان حججه، وإحكام براهينه، وضعف شبه المعاجزين، وبني فعله للمجهول تعظيماً لثمرته في حد ذاته لا بالنسبة إلى معط معين ﴿أنه﴾ أي الشيء الذي تلوته أو حدثت به ﴿الحق﴾ أي الثابت الذي لا يمكن زواله ﴿من ربك﴾ أي المحسن إليك بتعليمك إياه، فإن الحق كلما جودل أهله ظهرت حججه، وأسفرت وجوهه، ووضحت براهينه، وغمرت لججه، كما قال تعالى ﴿يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً﴾ [البقرة: ٢٦] ﴿فيؤمنوا به﴾ لما ظهر لهم من صحته بما ظهر من ضعف تلك الشبه ﴿فتخبت﴾ أي تطمئن وتخضع ﴿له قلوبهم﴾ وتسكن به قلوبهم، فإن الله جعل فيها السكينة فجعلها زجاجية صلبة صافية رقيقة بين المائية والحجرية، نافعة بفهم العلم وحفظه والهداية به لمن يقبل عنهم من الضالين كما ينفع الخبث بقبول طائفة منه لطائفة من الماء، وإنبات ما يقدره الله من الكلاء وغيره وحفظ طائفة أخرى لطائفة أخرى منه لشرب الحيوان ﴿وإن الله﴾ بجلاله وعظمته لهاديهم، ولكنه أظهر تنبيهاً على سبب العلم فقال: ﴿لهاد الذين آمنوا﴾ في
стр. 6292
جميع ما يلقيه أولياء الشيطان ﴿إلى صراط مستقيم*﴾ يصلون به إلى معرفة بطلانه، فيوصلهم ذلك إلى سعادة الدارين ﴿ولا يزال الذين كفروا﴾ أي وجد منهم الكفر وطبعوا عليه ﴿في مرية﴾ أي شك يطلبون السكون إليه ﴿منه﴾ أي من أجل إلقاء الشيطان وما ألقاه، أو مبتدىء منه ﴿حتى تأتيهم الساعة﴾ أي الموت أو القيامة ﴿بغتة﴾ أي فجأة بموتهم حتف الأنف ﴿أو يأتيهم عذاب يوم عقيم*﴾ يقتل فيه جميع أبنائهم منهم ولا يكون لهم فيه شيء مما يترجونه من نصر أو غيره كما سعوا بجدلهم وإلقاء الضلالات في إعقام الآيات، فإذا انكشف لهم الغطاء بالساعة أو العذاب الموصل إلى حد الغرغرة آمنوا دأب البهائم التي لا ترى إلا الجزئيات، فلم ينفعهم ذلك لفوات شرطه، وقد زالت بحمد الله عن هذه الآية - بما قررته الشكوك، وانفضحت مخيلات الشبه، وانقمعت مضلات الفتن، من قصة الغرانيق وما شاكلها مما يتعالى عنه ذلك الجناب الرفيع، والحمى العظيم المنيع، ولم يصح شيء من ذلك كما صرح به الحافظ عماد الدين ابن كثير وغيره كيف وقد منع الشيطان من مثاله ﷺ في المنام،
стр. 6293
كما قال ﷺ فيما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة ﵁
«من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي» وقد تولى الله سبحانه حفظ الذكر الحكيم بحراسة السماوات وغيرها ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ ﴿إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم﴾ [الجن: ٢٧] .
ولما كانوا من الكثرة والقوة بمكان كان كأنه قيل: كيف يغلبون؟ فقال جواباً عن ذلك: ﴿الملك يومئذ﴾ أي يوم إذ يأتيهم ذلك إما في القيامة أو في الدنيا ﴿لله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال وحد بتغليب اسمه الظاهر، بأن يجري أمره فيه على غير الأسباب التي تعرفونها.
ولما كان كأنه قيل: ما معنى اختصاصه به وكل الأيام له؟ قيل: ﴿يحكم بينهم﴾ أي بين المؤمنين والكافرين بالأمر الفيصل، لا حكم فيه ظاهراً ولا باطناً لغيره، كما ترونه الآن، بل يمشي فيه الأمر على أتم قوانين العدل، ولذلك سبب ظهور العدل عنه قوله مفصلاً بادئاً. إظهاراً لتفرده بالحكم بإكرام من كانوا قاطعين بهوانهم في الدارين
стр. 6294
مع أن تقديمهم أوفق لمقصود السورة: ﴿فالذين آمنوا وعملوا﴾ أي وصدقوا دعواهم الإيمان بأن عملوا ﴿الصالحات﴾ وهي ما أمرهم الله به.
ولما كانت إثابته تعالى لأهل طاعته تفضلاً منه، نبه على ذلك بإعراء الخبر عن الفاء السببية بخلاف ما يأتي في حق الكفار فقال: ﴿في جنات النعيم*﴾ في الدنيا مجازاً، لمآلهم إليهم مع ما يجدونه من لذة المناجاة واستشعار القرب وفي الآخرة حقيقة بما ﵏ به من توفيقهم للأعمال الصالحة ﴿والذين كفروا﴾ أي غطوا ما أعطيناهم من المعرفة بالأدلة على وحدانيتنا ﴿وكذبوا بآياتنا﴾ ساعين - بما أعطيناهم من الفهم في تعجيزها بالمجادلة بما يوحي إليهم أولياؤهم من الشياطين من الشبه، وقرن الخبر بالفاء إيذاناً بأنه مسبب عن كفرهم فقال: ﴿فأولئك﴾ أي البعداء عن أسباب الكرم ﴿لهم عذاب مهين*﴾ بسبب ما سعوا في إهانة آياتنا مريدين إعزاز أنفسهم بمغالبتها والتكبر عن اتباعها.
ولما كان المشركون يمنعون بهذ الشبه وغيرها كثيراً من الناس الإيمان، وكانوا لا يتمكنون بها إلا ممن يخالطهم، رغب سبحانه في الهجرة فقال: ﴿والذين هاجروا﴾ أي أوقعوا هجرة ديارهم وأهليهم ﴿في سبيل الله﴾ أي طريق ذي الجلال والإكرام التي شرعها، فكانت
стр. 6295
ظرفاً لمهاجرتهم، فلم يكن لهم بها غرض آخر. ولما كان أكثر ما يخاف من الهجرة القتل. لقصد الأعداء للمهاجر بالمصادمة، عند تحقق المصارمة، قال معبراً بأداة التراخي إشارة إلى طول العمر وعلو الرتبة بسبب الهجرة: ﴿ثم قتلوا﴾ أي بعد الهجرة، وألحق به مطلق الموت فضلاً منه فقال: ﴿أو ماتوا﴾ أي من غير قتل ﴿ليرزقنهم الله﴾ أي الملك الأعلى ﴿رزقاً حسناً﴾ من حين تفارق أرواحهم أشباحهم لأنهم أحياء عند ربهم، وذلك لأنهم أرضوا الله بما انخلعوا منه مما أثلوه طول أعمارهم. وأثله آباؤهم من قبلهم، وأموالهم وأهليهم وديارهم.
ولما كان التقدير: فإن الله فعال ما يريد من إحيائهم ورزقهم وغيره، عطف عليه قوله: ﴿وإن الله﴾ أي الجامع لصفات الكمال بعظمته وقدرته على الإحياء كما قدر على الإماتة ﴿لهو خير الرازقين*﴾ يرزق الخلق عامة البر منهم والفاجر، فكيف بمن هاجر إليه! ويعطي عطاء لا يدخله عد، ولا يحويه حد، وكما دلت الآية على تسوية من مات في سبيل الله برباط أو غيره في الرزق بالشهيد، دلت السنة أيضاً من حديث سلمان وغيره ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: «من مات مرابطاً أجري عليه الرزق وأمن الفتانين» .
стр. 6296
ولما كان الرزق لا يتم إلا بحسن الدار، وكان ذلك من أفضل
стр. 6297
الرزق، قال دالاً على ختام التي قبل: ﴿ليدخلنهم مدخلاً﴾ أي دخولاً ومكان دخول قراءة نافع وأبي جعفر بفتح الميم، وإدخالاً ومكان إدخال على قراءة الباقين ﴿يرضونه﴾ لا يبغون به بدلاً، بما أرضوه به بما خرجوا منه.
ولما كان التقدير: فإن الله لشكور حميد، وكان من المعلوم قطعاً أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره وإن اجتهد، لأن الإنسان محل الخطأ والنسيان، فلو أوخذ بذلك هلك، وكان ربما ظن ظان أنه لو علم ما قصروا فيه لغضب عليهم، عطف على ما قدرته قوله: ﴿وإن الله﴾ أي الذي عمت رحمته وتمت عظمته ﴿لعليم﴾ أي بمقاصدهم وما علموا مما يرضيه وغيره ﴿حليم*﴾ عما قصروا فيه من طاعته، وما فرطوا في جنبه سبحانه.
ولما ختم هذه الآيات - التي الإذن للمظلومين في القتال للظالمين - بصفة الحلم، فكان ذلك مخيلة لوجوب العفو عن حقوق العباد كما في شريعة عيسى ﵊، نفى ذلك بقوله إذناً للمجهارين فيمن أخرجهم من ديارهم أن يخرجوه من دياره ويذيقوه بعض ما توعده الله به من العذاب المهين: ﴿ذلك﴾ أي الأمر المقرر من صفة الله تعالى ذلك ﴿ومن عاقب﴾ من العباد بأن
стр. 6298
أصاب خصمه، لمصيبة يرجو فيها العاقبة ﴿بمثل ما عوقب﴾ أي عولج علاج من يطلب حسن العاقبة ﴿به﴾ من أي معاقب كان فلم يتجاوز إلى ظلم ﴿ثم بغي﴾ أي من أيّ باغ كان ﴿عليه﴾ بالعود إلى خصومته لأخذه حقه.
ولما كان ما يحصل للمبغي عليه بالكسر عوداً على بدء من الذل والهوان مبعداً لأن ينجبر، أكد وعده فقال: ﴿لينصرنه الله﴾ أي الذي لا كفوء له.
ولما قيد ذلك بالمثلية، وكان أمراً خفياً، لا يكاد يوقف عليه، فكان ربما وقعت المجاوزة خطأ، فظن عدم النصرة لذلك، أفهم تعالى أن المؤاخذة إنما هي بالعمد، بقوله؛ ويجوز أن يكون التقدير ندباً إلى العفو بعد ضمان النصر: إن الله لعزيز حكيم، ومن عفا وأصلح فقد تعرض لعفو الله عن تقصيره، ومغفرته لذنوبه، فهو احتباك: ذكر النصرة دليل العزة والحكمة، وذكر العفو منه سبحانه دليل حذف العفو من العبد ﴿إن الله﴾ أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿لعفو﴾ أي عمن اقتص ممن ظلمه أول مرة ﴿غفور*﴾ لمن اقتص ممن بغى عليه.
стр. 6299
ولما ختم بهذين الوصفينن ذكر من الدليل عليهما أمراً جامعاً للمصالح، عاماً للخلائق، يكون فيه وبه الإحسان بالخلق والرزق فقال: ﴿ذلك﴾ أي معرفة اتصافه سبحانه بهذين الوصفين ﴿بأن الله﴾ المتصف بجميع صفات الكمال ﴿يولج﴾ لأجل مصالح العباد المسيء والمحسن ﴿الليل في النهار﴾ فيمحو ظلامه بضيائه، ولو شاء مؤاخذة الناس لجعله سرمداً فتعطلت مصالح النهار ﴿ويولج النهار في الليل﴾ فينسخ ضياءه بظلامه، ولولا ذلك لتعطلت مصالح الليل، أو يطول أحدهما حيث يراد استيلاء ما طبع عليه على ضد ما طبع عليه آخر لما يراد من المصالح التي جعل ذلك لأجلها ﴿وأن الله﴾ بجلاله وعظمته ﴿سميع﴾ لما يمكن أن يسمع ﴿بصير*﴾ أي مبصر عالم لما يمكن أن يبصر دائم الاتصاف بذلك فهو غير محتاج إلى سكون الليل ليسمع، ولا لضياء النهار ليبصر، لأنه منزه عن الأعراض، وهو لتمام قدرته وعلمه لا يخاف في عفوه غائلة، ولا يمكن أن يفوته أمر، أو يكون التقدير: ذلك النصر والعفو بأنه قادر وبأنه عالم.
ولما وصف نفسه سبحانه بما ليس لغيره فبان بذلك نقير ما سواه بفعله علله بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الاتصاف بتمام القدرة وشمول العلم ﴿بأن الله﴾ الحاوي لصفات الكمال، القادر على إخراج المعدوم
стр. 6300
ولما ختم بهذين الوصفينن ذكر من الدليل عليهما أمراً جامعاً للمصالح، عاماً للخلائق، يكون فيه وبه الإحسان بالخلق والرزق فقال: ﴿ذلك﴾ أي معرفة اتصافه سبحانه بهذين الوصفين ﴿بأن الله﴾ المتصف بجميع صفات الكمال ﴿يولج﴾ لأجل مصالح العباد المسيء والمحسن ﴿الليل في النهار﴾ فيمحو ظلامه بضيائه، ولو شاء مؤاخذة الناس لجعله سرمداً فتعطلت مصالح النهار ﴿ويولج النهار في الليل﴾ فينسخ ضياءه بظلامه، ولولا ذلك لتعطلت مصالح الليل، أو يطول أحدهما حيث يراد استيلاء ما طبع عليه على ضد ما طبع عليه آخر لما يراد من المصالح التي جعل ذلك لأجلها ﴿وأن الله﴾ بجلاله وعظمته ﴿سميع﴾ لما يمكن أن يسمع ﴿بصير*﴾ أي مبصر عالم لما يمكن أن يبصر دائم الاتصاف بذلك فهو غير محتاج إلى سكون الليل ليسمع، ولا لضياء النهار ليبصر، لأنه منزه عن الأعراض، وهو لتمام قدرته وعلمه لا يخاف في عفوه غائلة، ولا يمكن أن يفوته أمر، أو يكون التقدير: ذلك النصر والعفو بأنه قادر وبأنه عالم.
ولما وصف نفسه سبحانه بما ليس لغيره فبان بذلك نقير ما سواه بفعله علله بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الاتصاف بتمام القدرة وشمول العلم ﴿بأن الله﴾ الحاوي لصفات الكمال، القادر على إخراج المعدوم
стр. 6301
وتجديد ما فات، من نشر الأموات وغيره ﴿هو﴾ وحده ﴿الحق﴾ أي الواجب الوجود ﴿وأن ما يدعون﴾ أي دعاء عبادة وهم لا يسمعون.
ولما كان سبحانه فوق كل شيء بقهره وسلطانه، قال محقراً لهم: ﴿من دونه﴾ أي من هذه الأصنام وغيرها، ولم يتقدم هنا من الدليل على بطلان الأوثان مثل ما ذكره في لقمان الداعي الحال إلى التأكيد بضمير الفصل فقال: ﴿هو الباطل﴾ لأنه ممكن وجوده وعدمه، فليس له من ذاته إلا العدم كغيره من الممكنات ﴿وأن الله﴾ لكونه هو الحق الذي لا كفوء له ﴿هو﴾ وحده ﴿العلي الكبير*﴾ وكل ما سواه سافل حقير، تحت قهره وأمره، فهو يحيي الموتى كما تقدم أول السورة.
ولما دل ما تضمنه رزقه سبحانه للميت في سبيله بقتل أو غيره على إحيائه له، ودل سبحانه على ذلك وعلى أنه خير الرازقين بما له من العظمة، وختم بهذين الوصفين، أتبعه دليلاً آخر على ذلك كله بآية مشاهدة جامعة بين العالم العلوي والسفلي قاضية بعلوه وكبره، فقال: ﴿ألم تر﴾ أي أيها المخاطب ﴿أن الله﴾ أي المحيط قدرة وعلماً ﴿أنزل من السماء ماء﴾ بأن يرسل رياحاً فتثير سحاباً فيمطر على الأرض الملساء.
ولما كان هذا الاستفهام المتلو بالنفي في معنى الإثبات لرؤية الإنزال لكونه فيه معنى الإنكار، عطف على ﴿أنزل﴾ معقباً له على حسب العادة قوله، معبراً بالمضارع تنبيهاً على عظمة النعمة بطول زمان أثر المطر وتجدد نفعه: ﴿فتصبح الأرض﴾ أي بعد أن كانت مسودة يابسة، ميتة هامدة ﴿مخضرة﴾ حية يانعة، مهتزة نامية، بما فيه رزق العبادة، وعمار البلاد، ولم ينصب على أنه جوابه لئلا يفيد نفي الاخضرار، وذلك لأن الاستفهام من حيث فيه معنى الإنكار نفي لنفي رؤية الإنزال الذي هو إثبات الرؤية، فيكون ما جعل جواباً له منفياً، لأن الجواب متوقف على ما هو جوابه، فإذا نفى ما عليه التوقف انتفى المتوقف عليه، أي إذا نفى الملزوم انتفى اللازم، وإذا نفي السبب انتفى المسبب - كما تقدم «فتكون لهم قلوب» فلو نصب «يصبح» على أنه جواب الاستفهام لكان المعنى أن عدم الاخضرار متوقف على نفي النفي للإنزال الذي هو إثبات الإنزال، وهو واضح الفساد - أفاده شيخنا الإمام أبو الفضل ﵀.
ولما كان هذا إنتاجاً للأشياء من أضدادها، لأن كلاًّ من الماء في
стр. 6302
رقته وميوعه والتراب في كثافته، وجموده في غاية البعد عن النبات في تنوعه وخضرته، ونموه وبهجته، قال منبهاً على ذلك: ﴿إن الله﴾ أي الذي له تمام العز وكمال العلم ﴿لطيف﴾ أي يسبب الأشياء عن أضدادها ﴿خبير*﴾ أي مطلع على السرائر وإن دقت، فلا يستبعد عليه إحياء من أراد بعد موته، والإحسان في رزقه.
стр. 6303
ولما اقتضى ذلك أنهى التصرف، لأنه لا بد بعد اختلاط الماء بالتراب من أمور ينشأ عنها النبات، على تلك الهيئات الغريبة المختلفة، فأوجب ذلك أن يكون هو المالك المطلق، قال: ﴿له ما في السماوات﴾ أي التي أنزل منها الماء، ولما كان السباق لإثبات البعث والانفراد بالملك والدلالة على ذلك، اقتضى الحال التأكيد بإعادة الموصول فقال: ﴿وما في الأرض﴾ أي التي استقر فيها، وذلك يقتضي ملك السماوات والأرضين، فإن كل واحدة منها في التي فوقها حتى ينتهي الأمر إلى عرشه سبحانه الذي لا يجوز أصلاً أن يكون لغيره.
ولما كان من المألوف عندنا أن المالك فقير إلى ما في يده؛ مذموم على إمساكه بالتقتير، وعلى بذله بالتبذير، بين أنه بخلاف ذلك فقال: ﴿وإن الله﴾ أي الذي له الإحاطة التامة ﴿لهو﴾ أي وحده ﴿الغني﴾ أي عنهما وعما فيهما، ما خلق شيئاً منهما أو فيهما لحاجة له إليه بل لحاجتكم أنتم إليه ﴿الحميد*﴾ في كل ما يعطيه أو يمنعه، لما في
стр. 6304
ذلك من الحكم الخفية والجلية؛ ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿ألم تر﴾ أي أيها المخاطب ﴿أن الله﴾ أي الحائز لصقفات الكمال، من الجلال والجمال ﴿سخّر لكم﴾ فضلاً منه ﴿ما في الأرض﴾ كله من مسالكها وفجاجها وما فيها من حيوان وجماد، وزروع وثمار، فعلم أنه غير محتاج إلى شيء منه
ولما كان تسخير السلوك في البحر من أعجب العجب، قال: ﴿والفلك﴾ أي وسخرها لكم موسقة بما تريدون من البضائع. ثم بين تسخيرها بقوله: ﴿تجري في البحر﴾ أي العجاج، المتلاطم بالأمواج، بريح طيبة على لطف وتؤدة.
ولما كان الراكب فيها - مع حثيث السير وسرعة المر - مستقراً كأنه على الأرض، عظم الشأن في سيرها بقوله: ﴿بأمره﴾ ولما كان إمساكها على وجه الماء مع لطافته عن الغرق أمراً غريباً كإمساك السماء على متن الهواء عن الوقوع، أتبعه قوله: ﴿ويمسك السماء﴾ ثم فسر ذلك بقوله مبدلاً: ﴿أن تقع﴾ أي مع علوها وعظمها وكونها بغير عماد ﴿على الأرض﴾ التي هي تحتها.
ولما اقتضى السياق أنه لا بد أن تقع لانحلاله إلى أن يمنع
стр. 6305
وقوعها لأنها جسم كثيف عظيم، ليس له من طبعه إلا السفول، أشار إلى ذلك بقوله: ﴿إلا بإذنه﴾ أي فيقع إذا أذن في وقوعها حين يريد طي هذا العالم وإيجاد عالم البقاء. ولما كان هذا الجود الأعظم والتدبير المحكم محض كرم من غير حاجة أصلاً، أشار إليه بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي له الخلق والأمر.
ولما كان الجماد كله متاعاً للحيوان، اقتضى تقديم قوله: ﴿بالناس﴾ أي على ظلمهم ﴿لرؤوف﴾ أي بما يحفظ من سرائرهم عن الزيغ بإرسال الرسل، وإنزال الكتب ونصب المناسك، التي يجمع معظمها البيت الذي بوأه لإبراهيم ﵇، وهو التوحيد والصلاة والحج الحامل على التقوى التي بنيت عليها السورة، فإن الرأفة كما قال الحرالي: ألطف الرحمة وأبلغها، فالمرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ بمسراها في سره ظهور ما يستدعي العفو، وتارة يكن هذا الحفظ بالقوة بنصب الأدلة، وتارة يضم إلى ذلك الفعل بخلق الهداية في القلب، وهذا خاص بمن له بالمنعم نوع وصلة.
﴿رحيم*﴾ بما يثبت لهم عموماً من الدرجات على ما منحهم به من ثمرات
следующие страницы →