← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

ولما كانوا بهذا التأكيد في التبعيد كأنهم قالوا: إنا لا نبعث أصلاً، اتصل به: ﴿إن هي﴾ أي الحالة التي لا يمكن لنا سواها ﴿إلا حياتنا الدنيا﴾

стр. 6372

أي التي هي أقرب الأشياء إلينا وهي ما نحن فيها، ثم فسروها بقولهم: ﴿نموت ونحيا﴾ أي يموت منا من هو موجود، وينشأ آخرون بعدهم ﴿وما نحن بمبعوثين*﴾ بعد الموت، فكأنه قيل: فما هذا الكلام الذي يقوله؟ فقيل: كذب؛ ثم حصروا أمره في الكذب فقالوا: ﴿إن﴾ أي ما ﴿هو إلا﴾ وألهبوه على ترك مثل ما خاطبهم به بقولهم: ﴿رجل افترى﴾ أي تعمد ﴿على الله﴾ أي الملك الأعلى ﴿كذباً﴾ والرجل لا ينبغي له مثل ذلك، أو هو واحد وحده، أي لا يلتفت إليه ﴿وما نحن له بمؤمنين*﴾ أي بمصدقين فيما يخبرنا به من البعث والرسالة؛ ثم استأنف قوله: ﴿قال رب﴾ أي أيها المحسن إليّ بإرسالي إليهم وغيره من أنواع التربية ﴿انصرني﴾ عليهم أي أوقع لي النصر ﴿بما كذبون*﴾ فأجابه ربه بأن ﴿قال عما قليل﴾ أي من الزمن. وأكد قلته بزيادة «ما» ﴿ليصبحن نادمين*﴾ على تخلفهم عن اتباعك.

стр. 6373

ولما تسبب عن دعائه أن تعقب هلاكهم، وعد الله له بذلك، قال تعالى: ﴿فأخذتهم الصيحة﴾ أي التي كأنها لقوتها لا صحية إلا هي،

стр. 6374

ويمكن أن تكون على بابها فتكون صيحة جبرئيل ﵊ ويكون القوم ثمود، ويمكن أنت تكون مجازاً عن العذاب الهائل ﴿بالحق﴾ أي بالأمر الثابت من العذاب الذي أوجب لهم الذي لا تمكن مدافعته لهم ولا لأحد غير الله، ولا يكون كذلك إلا وهو عدل ﴿فجعلناهم﴾ بعظمتنا التي لا تدانيها عظمة، بسبب الصيحة ﴿غثاء﴾ كأنهم أعجاز نخل خاوية، جاثمين أمواتاً يطرحون كما يطرح الغثاء، وهو ما يحمله السيل من نبات ونحوه فيسود ويبلى فيصير بحيث لا ينتفع به، ونجينا رسولهم ومن معه من المؤمنين، فخاب الكافرون، وأفلح المؤمنون، وكانوا هم الوارثين للأرض من بعدهم. ولما كان هلاكهم على هذا الوجه سبباً لهوانهم، عبر عنه بقوله: ﴿فبعداً﴾ أي هلاكاً وطرداً. ولما كان كأنه قيل: لمن؟ قيل: لهم! ولكنه أظهر الضمير تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف تحذيراً لكل من تلبس به فقال: ﴿للقوم﴾ أي الأقوياء الذي لا عذر لهم في التخلف عن اتباع الرسل والمدافعة عنهم ﴿الظالمين*﴾ الذين وضعوا قوتهم التي كان يجب عليهم بذلها في نصر الرسل في خذلانهم. ولما كانت عادة المكذبين أن يقولوا تكذيباً: هذا تعريض لنا بالهلاك، فصرِّح ولا تدع جهداً في إحلاله بنا والتعجيل به

стр. 6375

إلينا، فإنا لا ندع ما نحن عليه لشيء، وكان العرب أيضاً قد ادعوا أن العادة بموتهم وإنشاء من بعدهم شيئاً فشيئاً لا تنخرم، قال تعالى رادعاً لهم: ﴿ثم أنشأنا﴾ أي بعظمتنا التي لا يضرها تقديم ولا تأخير، وأثبت الجار لما تقدم فقال: ﴿من بعدهم﴾ أي من بعد من قدمنا ذكره من نوح والقرن الذي بعده ﴿قروناً آخرين﴾ ثم أخبر بأنه لم يعجل على أحد منهم قبل الأجل الذي حده له بقوله: ﴿ما تسبق﴾ ولعله عبر بالمضارع إشارة إلى أنه ما كان شيء من ذلك ولا يكون، وأشار إلى الاستغراق بقوله: ﴿من أمة أجلها﴾ أي الذي قدرناه لهلاكها ﴿وما يستأخرون*﴾ عنه، وكلهم أسفرت عاقبته عن خيبة المكذبين وإفلاح المصدقين، وجعلهم بعدهم الوارثين، وعكس هذا الترتيب في غيرها من الآيات فقدم الاستئخار لنه فرض هناك مجيء الأجل فلا يكون حينئذ نظر إلا إلى التأخير. ولما كان قد أملى لكل قوم حتى طال عليهم الزمن، فلما لم يهدهم عقولهم لما نصب لهم من الأدلة، وأسبغ عليهم من النعم، وأحل بالمكذبين قبلهم من النقم، أرسل فيهم رسولاً، دل على ذلك بأداة التراخي فقال: ﴿ثم أرسلنا﴾ أي بعد إنشاء كل قرن منهم وطول إمهالنا له،

стр. 6376

ومن هنا يعلم أن بين كل رسولين فترة، وأضاف الرسل إليه لأنه في مقام العظمة وزيادة في التسلية فقال: ﴿رسلنا تترا﴾ أي واحداً بعد واحد؛ قال الرازي: من وتر القوس لاتصاله. وقال البغوي: واترت الخبر: اتبعت بعضه بعضاً وبين الخبرين هنيهة. وقال الأصبهاني: والأصل: وترى، فقلبت الواو تاء كما قلبوها في التقوى. فجاء كل رسول إلى أمته قائلاً: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. ولما كان كأنه قيل: فكان ماذا؟ قيل: ﴿كلما جاء أمة﴾ ولما كان في بيان التكذيب، اضاف الرسول إليهم، ذماً لهم لأن يخصوا بالكرامة فيأبوها ولقصد التسلية أيضاً فقال: ﴿رسولها﴾ أي بما أمرناه به من التوحيد. ولما كان الأكثر من كل أمة مكذباً، أسند الفعل إلى الكل فقال: ﴿كذبوه﴾ أي كما فعل هؤلاء بك لما أمرتهم بذلك ﴿فأتبعنا﴾ القرون بسبب تكذيبهم ﴿بعضهم بعضاً﴾ في الإهلاك، فكنا نهلك الأمة كلها في آن واحد، بعضهم بالصيحة، وبعضهم بالرجفة، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بغير ذلك، فدل أخذنا لهم على غير العادة - من إهلاكنا لهم

стр. 6377

جميعاً وإنجاء الرسل ومن صدقهم والمخالفة بينهم في نوع العذاب - أنا نحن الفاعلون بهم ذلك باختيارنا لا الدهر، وأنا ما فعلنا ذلك إلا بسبب التكذيب. ولما كانوا قد ذهبوا لم يبق عند الناس منهم إلا أخبارهم، جعلوا إياها، فقال: ﴿وجعلناهم أحاديث﴾ أي أخباراً يسمر بها ويتعجب منها ليكونوا عظة للمستبصرين فيعلموا أنه لا يفلح الكافرون ولا يخيب المؤمنون، وما أحسن قول القائل: ولا شيء يدوم فكن حديثاً ... جميل الذكر فالدنيا حديث ولما تسبب عن تكذيبهم هلاكهم المقتضي لبعدهم فقال: ﴿فبعداً لقوم﴾ أي أقوياء على ما يطلب منهم ﴿لا يؤمنون*﴾ أي لا يتجدد منهم إيمان وإن جرت عليهم الفصول الأربعة، لأنه لا مزاج لهم معتدل.

стр. 6378

ولما كان آل فرعون قد أنكروا الإيمان لبشر مثلهم كما قال من تقدم ذكره من قوم نوح والقرن الذي بعدهم، وكانوا أترف أهل زمانهم، وأعظمهم قوة، وأكثرهم عدة، وكانوا يستعبدون بني إسرائيل، وكان قد نقل إلينا من الآيات التي أظهر رسولهم ما لم ينقل إلينا مثله لمن تقدمه، صرح سبحانه بهم، وكأن الرسالة إليهم كانت بعد فترة طويلة، فدل عليها بحرف التراخي فقال: ﴿ثم أرسلنا﴾ أي بما لنا

стр. 6379

من العظمة ﴿موسى﴾ وزاد في التسلية بقوله: ﴿وأخاه هارون﴾ أي عاضداً له وبياناً لأن إهلاك فرعون وآله جميعاً مع أنجاء الرسولين معاً ومن آمن بهما لإرادة الواحد القهار لإفلاح المؤمنين وخيبة الكافرين ﴿بآياتنا﴾ أي المعجزات، بعظمتنا لمن يباريها ﴿وسلطان مبين*﴾ أي حجة ملزمة عظيمة واضحة، وهي حراسته وهو وحده، وأعلاه على كل من ناواه وهم مع قوتهم ملء الأرض وعجزهم عن كل ما يرومونه من كيده، وهذه وإن كانت من جملة الآيات لكنها أعظمها، وهي وحدها كافية في إيجاب التصديق ﴿إلى فرعون وملئه﴾ أي وقومه. ولما كان الأطراف لا يخالفون الأشراف، عدهم عدماً، ومن الواضح أن التقدير: أن اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره، وأشار بقوله: ﴿فاستكبروا﴾ إلى أنهم أوجدوا الكبر عن الاتباع فيما دعوا إليه عقب الإبلاغ من غير تأمل ولا تثبت وطلبوا أن لا يكونوا تحت أمر من دعاهم، وأشار بالكون إلى فساد جبلتهم فقال: ﴿وكانوا قوماً﴾ أي أقوياء ﴿عالين*﴾ على جميع من يناويهم من أمثالهم.

стр. 6380

ولما تسبب عن استكبارهم وعلوهم إنكارهم للاتباع قال: ﴿فقالوا أنؤمن﴾ أي بالله مصدقين ﴿لبشرين﴾ ولما كان «مثل» و «غير» قد يوصف بهما المذكر والمؤنث والمثنى والجمع دون تغيير، ولم تدع حاجة إلى التثنية قال: ﴿مثلنا﴾ أي في البشرية والمأكل والمشرب وغيرهما مما يعتري البشر كما قال من تقدمهم ﴿وقومهما﴾ أي والحال أن قومهما ﴿لنا عابدون*﴾ أي في غاية الذل والانقياد كالعبيد فنحن أعلى منهما بهذا، ويا ليت شعري ما لهم لما جعلوا هذا شبهة لم يجعلوا عجزهم عن إهلاك الرسل وعما يأتون به من المعجزات فرقاناً وما جوابهم عن أن من الناس الجاهل الذي لا يهتدي لشيء والعالم الذي يفوق الوصف من فاوت بينهما؟ وإذا جاز التفاوت بينهما في ذلك فلم لا يجوز في غيره؟ . ولما تسبب عن هذا الإنكار التكذيب، فتسبب عنه الهلاك، قال: ﴿فكذبوهما﴾ أي فرعون وملؤه موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام ﴿فكانوا﴾ أي فرعون وآله، ونبه بصيغة المفعول على عظيم القدرة فقال: ﴿من المهلكين*﴾ بإغراقنا لهم على تكذيبهم إشارة إلى أنهم لم يهلكوا بأنفسهم من غير مهلك مختار بدليل إغراقهم كلهم بما كان سبب إنجاء بني إسرائيل كلهم ولم تغن عنهم قوتهم في أنفسهم ثم قوتهم على خصوص بني إسرائيل

стр. 6381

باستعبادهم إياهم، ولا ضر بني إسرائيل ضعفهم عن دفاعهم، ولا ذلهم لهم وصغارهم في أيديهم.

стр. 6382

ولما كان ضلال قومهما الذين استنقذناهم من عبودية فرعون وقومه أعجب، وكان السامع متشوفاً إلى ما كان من أمرهم بعد نصرهم، ذكر ذلك مبتدئاً له بحرف التوقع مشيراً إلى حالهم في ضلالهم تسلية للنبي ﷺ فقال: ﴿ولقد آتينا﴾ أي بعظمتنا ﴿موسى الكتاب﴾ أي الناظم لمصالح البقاء الأول بل والثاني. ولما كان كتابهم لم ينزل إلا بعد هلاك فرعون كما هو واضح لمن تأمل أشتات قصتهم في القرآن، وكان حال هلاك القبط معرفاً أن الكتاب لبني إسرائيل، اكتفى بضميرهم فقال: ﴿لعلهم﴾ اي قوم موسى وهارون ﵉ ﴿يهتدون*﴾ أي ليكون حالهم عند من لا يعلم العواقب حال من ترجى هدايته، فأفهم جعلهم في ذلك في مقام الترجي أن فيهم من لم يهتد؛ قال ابن كثير: وبعد أن أنزل التوراة لم تهلك أمة بعامة بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين - انتهى. ولا يبعد على هذا أن يكون الضمير في ﴿لعلهم﴾ للقرون الحادثة المدلول عليها بقوله ﴿قروناً﴾ وربما أرشد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد

стр. 6383

ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون﴾ [القصص: ٤٣] وقد ختم الهلاك العام بالإغراق كما فتح به، والنبيان اللذان وقع ذلك لهما دعا كل منهما على من عصاه، وكلاهما مثله النبي ﷺ في غزوة بدر في الشدة على العصاة بعمر ﵁ الذي أطاعه النيل وأطاع جيشه الدجلة. ولما كان من ذكر كلهم قد ردوا من جاءهم لإشعارهم استبعادهم لأن يكون الرسل بشراً، وكان بنو إسرائيل الذين أعزهم الله ونصرهم على عدوهم وأوضح لهم الطريق بالكتاب قد اتخذوا عيسى - مع كونه بشراً - إلهاً، اتبع ذلك ذكره تعجيباً من حال المكذبين في هذا الصعود بعد ذلك نزول في أمر من أرسلوا إليهم، وجرت على أيديهم الآيات لهدايتهم، فقال: ﴿وجعلنا﴾ أي بعظمتنا ﴿ابن مريم﴾ نسبه إليها تحقيقاً لكونه لا أب له، وكونه بشراً محمولاً في البطن مولوداً لا يصلح لرتبة الإلهية؛ وزاد في حقيق ذلك بقوله: ﴿وأمه﴾ وقال: ﴿آية﴾ إشارة إلى ظهور الخوارق على أيديهما حتى كأنهما نفس الآية، فلا يرى منها شيء إلا وهو آية، ولو قال: آيتين، لكان ربما ظن أنه يراد حقيقة هذا العدد، ولعل في ذلك إشارة إلى أنه تكملت به آية القدرة على إيجاد الإنسان بكل اعتبار من غير ذكر ولا أنثى

стр. 6384

كآدم ﵇، ومن ذكر بلا أنثى كحواء ﵍، ومن أنثى بلا ذكر كعيسى ﵇، ومن الزوجين كبقية الناس، والمراد أن بني إسرائيل - مع الكتاب الذي هو آية مسموعة والنبي الذي هو آية مرئية - لم يهتد أكثرهم. ولما كان أهل الغلو في عيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام ربما تشبثوا من هذه العبارة بشيء، حقق بشريتهما واحتياجهما المنافي لرتبة الإلهية فقال: ﴿وآويناهما﴾ أي بعظمتنا لما قصد ملوك البلاد الشامية إهلاكهما ﴿إلى ربوة﴾ أي مكان عال من الأرض، وأحسن ما يكون النبات في الأماكن المرتفعة، والظاهر أن المراد بها عين شمس في بلاد مصر؛ قال ابن كثير: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ليس الربى إلا بمصر والماء حين يرسل تكون الربى عليها القرى، ولولا الربى غرقت القرى، وروي عن وهب بن منبه نحو هذا - انتهى. ﴿ذات قرار﴾ أي منبسط صالح لأن يستقر فيه لما فيه من المرافق ﴿ومعين﴾ أي ماء ظاهر للعين، ونافع كالماعون، فرع اشتق من أصلين، ولم يقدر من خالفه من الملوك وغيرهم على كثرتهم وقوتهم على قتله لا في حال صغره، ولا في حال كبره، كما مضى نقله عن

стр. 6385

الإنجيل وصدقة عليه القرآن، مع كونه مظنة لتناهي الضعف بكونه، من أنثى فقط ولا ناصر له إلا الله، ومع ذلك فأنجح الله أمره وأمر من اتبعه، وخيب به الكافرين، ورفعه إليه ليؤيد به هذا الدين في آخر الزمان، ويكون للمؤمنين حينئذ فلاح لم يتقدمه مثله، وكان ذلك من إحسان خالقه ونعمته عليه. ذكر شيء من دلائل كونه آية من الإنجيل: قال يوحنا أحد المترجمين للإنجيل وأغلب السياق لمتى فإني خلطت كلام المترجمين الأربعة: ولما قرب عيد المظال قال إخوة يسوع أي الاثني عشر تلميذاً - له: تحول من ههنا إلى يهوذا ليرى تلاميذك الأعمال التي تعمل لأنه ليس أحد يعمل شيئاً سراً فيجب أن يكون علانية إذ كنت تعمل هذه الأشياء فأظهر نفسك للعالم، فقال لهم يسوع: أما وقتي فلم يبلغ، وأما وقتكم فإنه مستعد في كل حين، لم يقدر العالم أن يبغضكم وهم يبغضونني لأني أشهد عليهم أن أعمالهم شريرة، اصعدوا أنتم إلى هذا العيد، فإني لا أصعد الآن، ثم قال: ولما انتصف أيام العيد صعد يسوع إلى الهيكل فبدأ يعلم، وكان اليهود

стр. 6386

ويتعجبون ويقولون: كيف يحسن هذا الكتاب ولم يعلمه أحد، فقال: تعليمي ليس هو لي، بل للذي أرسلني، فمن أحب أن يعمل مرضاته فهو يعرف تعليمي هو من الله أو من عندي؟ من يتكلم من عنده إنما يطلب المجد لنفسه، وأما الذي يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم، أليس موسى أعطاكم الناموس وليس فيكم أحد يعمل بالناموس، ثم قال: وفي اليوم العظيم الذي هو آخر العيد كان يسوع قائماً ينادي: كل من يؤمن بي كما قالت الكتب تجري من بطنه أنهار ماء الحياة، وإن الجمع الكثير سمعوا كلامه فقالوا: هذا نبي حقاً، وآخرون قالوا: هذا هو المسيح، وآخرون قالوا: ألعل المسيح من الجليل يأتي؟ أليس قد قال الكتاب: إنه من نسل داود، من بيت لحم قرية داود خاصة يأتي المسيح، فوقع بين الجموع خوف من أجله، قال متى: حينئذ جاء إلى يسوع من يروشليم كتبة وفريسيون قائلين: لماذا تلاميذك يتعدون وصية المشيخة إذ لا يغسلون أيديهم عند أكلهم؛ وقال مرقس: ثم اجتمع إليه الفريسيون وبعض الذين جاؤوا من يروشليم فنظروا إلى تلاميذه يأكلون الطعام بغير غسل أيديهم، لأن الفريسيين

стр. 6387

وكل اليهود لا يأكلون إلا بغسل أيديهم تمسكاً بتعليم شيوخهم والذين يشترونه من الأسواق إن لم يغسلوه لا يأكلونه، وأشياء أخر كثيرة تمسكوا بها من غسل كؤوس وأواني ومصاغ وأسرة، وسأله الكتبة والفريسيون: لم تلاميذك لا يسيرون على ما وصّت به المشيخة قال متى: فأجابهم وقال: لماذا أنتم تتعدون وصية الله من أجل سننكم، ألم يقل الله: أكرم أباك وأمك، والذي يقول كلاماً رديئاً في أبيه وأمه يستأصل بالموت، وأنتم تقولون: من قال لأبيه أو لأمه. إن القربان شيء ينتفع به، فلا يكرم أباه وأمه، فأبطلتم كلام الله من تلقاء روايتكم؛ قال مرقس: وتفعلون كثيراً مثل هذا - انتهى. يا مراؤون حسناً يثني وقال مرقس: نعماً يثني عليكم أشعيا قائلاً: إن هذا لاشعب قرب مني ويكرمني بشفتيه،

стр. 6388

وقلبه بعيد عني، يعبدونني باطلاً ويعلّمون تعليم وصايا الناس. ودعا الجمع وقال لهم: اسمعوا وافهموا، ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، لكن الذي يخرج من الفم ينجس الإنسان، حينئذ جاء إليه تلاميذه وقالوا: اعلم أن الفريسيين لما سمعوا الكلام شكوا، فأجابهم وقال: كل غرس لا يغرسه أبي السماوي يقلع، دعوهم فإنهم عميان يقودهم عميان، أجابه بطرس وقال: فسر لنا المثل! فقال: حتى أنتم لا تفهمون؟ أما تعلمون أن كل ما يدخل إلى الفم يصل إلى البطن وينطرد إلى المخرج، فأما الذي يخرج من الفم فهو يخرج من القلب، هذا الذي ينجس الإنسان، لأنه يخرج من القلب الفكر الشرير: القتل الزنى الفسق السرقة وشهادة الزور التجديف، هذا هو الذي ينجس الأنسان، وأما الأكل بغير غسل الأيدي وفليس ينجس الإنسان، وقال مرقس: إن كل ما كان خارجاً يدخل إلى فم الإنسان لا يقدر أن ينجسه لأنه لا يصل إلى القلب، بل إلى الجوف ويذهب إلى خارج، والذي يخرج من الإنسان هو الذي ينجس الإنسان، لأنه من داخل تخرج أفكار السوء: فجور الزنى قتل سرقة

стр. 6389

شره شر غش فسق عين شريرة تجديف تعاظم جهل، هذا كله شر من داخل يخرج وينجس الإنسان انتهى. وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا: الأب - كما تقدم غير مرة. ولما بين أن عيسى ﵇ على منهاج إخوانه من الرسل في الأكل والعبادة، وجميع الأحوال، زاد في تحقيق ذلك بياناً لمن ضل بأن اعتقد فيه ما لا يليق به، فقال مخاطباً لجميعهم بعد إهلاك من عاندهم من قومهم على وجه يشمل ما قبل ذلك رداً لمن جعله موجباً لإنكار الرسالة، وتبكيتاً لمن ابتدع الرهبانية من أمة عيسى ﵇، إعلاماً بأن كل رسول قيل له معنى هذا الكلام فعمل به، فكانوا كأنهم نودوا به في وقت واحد، فعبر بالجمع ليكون أفخم له فيكون أدعى لقبوله: ﴿يا أيها الرسل﴾ من عيسى وغيره ﴿كلوا﴾ أنتم ومن نجيناه معكم بعد إهلاك المكذبين. ولما علو عن رتبة الناس، فلم يكونوا أرضيين، لم يقل ﴿مما في الأرض﴾ [البقرة: ١٦٨] وعن رتبة الذين آمنوا، لم يقل ﴿من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ١٧٢] ليكنوا عابدين نظراً إلى النعمة أو حذراً من النقمة، كما مضى بيانه في سورة البقرة، بل قال: ﴿من الطيبات﴾ أي الكاملة التي مننت عليكم بخلقها لكم وإحلالها وإزالة الشبه عنها وجعلها شهية للطبع، نافعة

стр. 6390

للبدن، منعشة للروح، وذلك ما كان حلاًّ غير مستقذر لقوله تعالى ﴿يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧] . ودل سبحانه على أن الحلال عون على الطاعة بقوله: ﴿واعملوا صالحاً﴾ أي سراً وجهراً غير خائفين من أحد، فقد أهلكت عدوكم وأورثتكم أرضكم، ولم يقيد عملكم بشكر ولا غيره، إشارة إلى أنه لوجهه ليس غير، فإنهم دائماً في مقام الشهود، في حضرة المعبود، والغنى عن كل سوى حتى عن الغنى، ثم حثهم على دوام المراقبة بقوله: ﴿إني بما﴾ أي بكل شيء ﴿تعملون عليم*﴾ أي بالغ العلم. ولما كان هذا تعليلاً لما سبقه من الأمر، عطف على لفظه قوله: ﴿وإن﴾ بالكسر في قراءة الكوفيين، وعلى معناه لما كان يستحقه لو أبرزت لام العلة من الفتح في قراءة غيرهم ﴿هذه﴾ أي دعوتكم أيها الأنبياء المذكورين إجمالاً وتفصيلاً وملتكم المجتمعة على التوحيد أو الجماعة التي أنجيتها معكم من المؤمنين ﴿أمتكم﴾ أي مقصدكم الذي ينبغي أن لا توجهوا هممكم إلى غيره أو جماعة أتباعكم حال كونها ﴿أمة واحدة﴾ لا شتات فيها أصلاً، فما دامت متوحدة فهي مرضية ﴿وأنا ربكم﴾ أي المحسن إليكم بالخلق والرزق وحدي، فمن وحدني نجا، ومن كثر الأرباب هلك.

стр. 6391

ولما كان الخطاب في هذه السورة كلها للخلص من الأنبياء ومن تبعهم من المؤمنين، قال: ﴿فاتقون*﴾ أي اجعلوا بينكم وبين غضبي وقاية من جمع عبادي بالدعاء إلى وحدانيتي بلا فرقة أصلاً، بخلاف سورة الأنبياء المصدرة بالناس فإن مطلق العبارة أولى بدعوتها.

стр. 6392

ولما كان من المعلوم قطعاً أن التقدير: فاتقى الأنبياء الله الذي أرسلهم وتجشموا حمل ما أرسلهم به من عظيم الثقل، فدعوا العباد إليه وأرادوا جمعهم عليه، عطف عليه بفاء السبب قوله معبراً بفعل التقطع لأنه يفيد التفرق: ﴿فتقطعوا﴾ أي الأمم، وإنما أضمرهم لوضوح إرادتهم لأن الآية التي قبلها قد صرحت بأن الأنبياء ومن نجا معهم أمة واحدة لا اختلاف بينها، فعلم قطعاً أن الضمير للأمم ومن نشأ بعدهم، ولذلك كان النظر إلى الأمر الذي كان واحداً أهم، فقدم قوله: ﴿أمرهم﴾ أي في الدين بعد أن كان مجتمعاً متصلاً ﴿بينهم﴾ فكانوا شيعاً، وهو معنى ﴿زبراً﴾ أي قطعاً، كل قطعة منها في غاية القوة والاجتماع والثبات على ما صارت إليه من الهوى والضلال، بكل شيعة طريقة في الضلال عن الطريق الأمم، والمقصد المستقيم،

стр. 6393

وكتاب زبروه في أهويتهم ولم يرحموا أنفسهم بما دعتهم إليه الهداة من الاجتماع والألفة فأهلكوها بالبغضاء والفرقة، وهو منصوب بأنه مفعول ثان لتقطع على ما مضى تخريجه في الأنبياء، وقد ظهر كما ترى ظهوراً بيناً أن هذه إشارة إلى الناجين من أمة كل نبي بعد إهلاك أعدائهم، أي إن هذه الجماعة الذين أنجيتهم معكم أمتكم، حال كونهم أمة واحدة متفقين في الدين، لا خلاف بينهم، وكما أن جماعتكم واحدة فأنا ربكم لا رب لكم غيري فاتقون ولا يخالف أحد منكم أمري ولا تختلفوا وتفترقوا لئلا أعذب العاصي منكم كما عذبت أعداءكم. ولما كان هذا مما لا يرضاه عاقل، أجيب من كأنه قال: هل رضوا بذلك مع انكشاف ضرره؟ بقوله: ﴿كل حزب﴾ أي فرقة ﴿بما لديهم﴾ أي من ضلال وهدى ﴿فرحون*﴾ أي مسرورون فضلاً عن أنهم راضون غير معرج الضال منهم على ما جاءت به الرسل من الهدى، ولا على الاعتبار بما اتفق لأممهم بسبب تكذيبهم من الردى. ولما أنتج هذا أن الضلال وإن وضح لا يكشفه إلا ذو الجلال،

стр. 6394

سبب عنه سبحانه قوله تسلية لرسوله ﷺ : ﴿فذرهم﴾ أي اتركهم على شر حالاتهم ﴿في غمرتهم﴾ أي الضلاله التي غرقوا فيها ﴿حتى حين*﴾ أي إلى وقت ضربناه لهم من قبل أن نخلقهم ونحن عالمون بكل ما يصدر منهم على أنه وقت يسير. ولما كان الموجب لغرورهم ظنهم أن حالهم - في بسط الأرزاق من الأموال والأولاد - حال الموعود لا المتوعد، أنكر ذلك عليهم تنبيهاً لمن سبقت له السعادة، وكتبت له الحسنى وزيادة، فقال: ﴿أيحسبون﴾ أي لضعف عقولهم ﴿أنما﴾ أي الذين ﴿نمدهم﴾ على عظمتنا ﴿به﴾ أي نجعله مدداً لهم ﴿من مال﴾ نيسره لهم ﴿وبنين*﴾ نمتعهم بهم، ثم أخبر عن «أن» بدليل قراءة السلمي بالياء التحتية فقال: ﴿نسارع لهم﴾ أي به بإدرارنا له عليهم في سرعة من يباري آخر ﴿في الخيرات﴾ التي لا خيرات إلا هي لأنها محمودة العاقبة، ليس كذلك بل هو وبال عليهم لأنه استدراج إلى الهلاك لأنهم غير عاملين بما يرضي الرحمن ﴿بل﴾ هم يسارعون في أسباب الشرور، ولا يكون عن السبب إلا مسببه، ولكنهم كالبهائم ﴿لا يشعرون*﴾ أنهم في غاية البعد عن الخيرات ﴿سنستدرجهم من

стр. 6395

حيث لا يعلمون﴾ [القلم: ٤٤] . ولما ذكر أهل الافتراق، أتبعهم أهل النفاق، فكان كأنه قيل: فمن الذي يكون له الخيرات؟ فأجيب بأنه الخائف من الله، فقيل معبراً بما يناسب أول السورة من الأوصاف، بادئاً بالخشية لأنها الحاملة على تجديد الإيمان: ﴿إن الذين هم﴾ أي ببواطنهم ﴿من خشية ربهم﴾ أي الخوف العظيم من المحسن إليهم المنعم عليهم ﴿مشفقون*﴾ أي دائمو الحذر ﴿والذين هم بآيات ربهم﴾ المسموعة والمرئية، لا ما كان من جهة غيره ﴿يؤمنون*﴾ لا يزال إيمانهم بها يتجدد شكراً لإحسانه إليهم. ولما كان المؤمن قد يعرض له ما تقدم في إيمانه من شرك جلي أو خفي، قال: ﴿والذين هم بربهم﴾ أي الذي لا محسن إليهم غيره وحده ﴿لا يشركون*﴾ أي شيئاً من شرك في وقت من الأوقات كما لم يشركه في إحسانه إليهم أحد.

стр. 6396

ولما أثبت لهم الإيمان الخالص، نفى عنهم العجب بقوله: ﴿والذين يؤتون ما آتوا﴾ أي يعطون ما أعطوا من الطاعات، وكذا قراءة يحيى بن الحارث وغيره: يأتون ما أتوا، أي يفعلون

стр. 6397

ما فعلوا من أعمال البر لتتفق القراءتان في الإخبار عنهم بالسبق؛ ثم ذكر حالهم فقال: ﴿وقلوبهم وجلة﴾ أي شديدة الخوف، قد ولج في دواخلها وجال في كل جزء منها لأنهم عالمون بأنهم لا يقدرون الله حق قدره وإن اجتهدوا، ثم علل ذلك بقوله: ﴿أنهم إلى ربهم﴾ أي الذي طال إحسانه إليهم ﴿راجعون*﴾ بالبعث فيحاسبهم على النقير والقطمير، ويجزيهم بكل قليل وكثير وهو النافذ البصير، قال الحسن البصري: إن المؤمن حمع إيماناً وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمناً. ثم أثبت لهم ما أفهم أن ضده لأضدادهم فقال: ﴿أولئك﴾ أي خاصة ﴿يسارعون﴾ أي يسبقون سبق من يساجل آخر ﴿في الخيرات﴾ فأفهم ذلك ضد ما ذكر لأضدادهم بقوله: ﴿وهم لها﴾ أي إليها خاصة، أي إلى ثمراتها، ولكنه عبر باللام إشارة إلى زيادة القرب منها والوصول إليها مع الأمن لجعل الخيرات ظرفاً للمسارعة من أخذها على حقيقتها للتعدية ﴿سابقون*﴾ لجميع الناس، لأنا نحن نسارع لهم في المسببات أعظم من مسارعتهم في الأسباب، ويجوز أن يكون ﴿سابقون﴾ بمعنى: عالين، من وادي «سبقت رحمتي غضبي»

стр. 6398

أي أنهم مطيقون لها ومعانون عليها ﴿ولا﴾ أي والحال أنا لا نكلفهم ولكنه عم فقال: ﴿نكلف نفساً﴾ أي كافرة ومؤمنة ﴿إلا وسعها﴾ فلا يقدر عاص على أن يقول: كنت غير قادر على الطاعة، ولا يظن بنا مؤمن أنا نؤاخذه بالزلة والهفوة، فإن أحداً لا يستطيع أن يقدرنا حق قدرنا لأن مبنى المخلوق على العجز. ولما كانت الأعمال إذا تكاثرت وامتد زمنها تعسر أو تعذر حصرها إلا بالكتابة عامل العباد سبحانه بما يعرفون مع غناه عن ذلك فقال: ﴿ولدينا﴾ أي عندنا على وجه هو أغرب الغريب ﴿كتاب﴾ وعبر عن كونه سبباً للعلم بقوله: ﴿ينطق﴾ بما كتب فيه من أعمال العباد من خير وشر صغير وكبير ﴿بالحق﴾ أي الثابت الذي يطابقه الواقع، قد كتب فيه أعمالهم من قبل خلقهم، لا زيادة فيها ولا نقص، تعرض الحفظة كل يوم عليه ما كتبوه مما شاهدوه بتحقيق القدر له فيجدونه محرراً بمقاديره وأوقاته وجميع أحواله قيزدادون به إيماناً، ومن حقيته أنه لا يستطاع إنكار شيء منه. ولما أفهم ذلك نفي الظلم، صرح به فقال: ﴿وهم﴾ أي الخلق

стр. 6399

كلهم ﴿لا يظلمون*﴾ من ظالم ما بزيادة ولا نقص في عمل ولا جزاء. ولما كان التقدير: ولكنهم بذلك لا يعلمون، قال: ﴿بل قلوبهم﴾ أي الكفرة من الخلق؛ ويجوز أن يكون هذا الإضراب بدلاً من قوله ﴿بل لا يشعرون﴾ ﴿في غمرة﴾ أي جهالة قد أغرقتها ﴿من هذا﴾ أي الذي أخبرنا به من الكتاب الحفيظ فهم به كافرون ﴿ولهم أعمال﴾ وأثبت الجار إشارة إلى أنه لا عمل لهم يستغرق الدون فقال: ﴿من دون ذلك﴾ أي مبتدئة من أدنى رتبة التكذيب من سائر المعاصي لأجل تكذيبهم بالكتاب المستلزم لتكذيبهم بالبعث المستلزم لعدم الخوف المستلزم للإقدام على كل معضلة ﴿هم لها﴾ أي دائماً ﴿عاملون*﴾ لا شيء يكفهم إلا عجزهم عنها. ولما كانوا كالبهائم لا يخافون من المهلكة إلا عند المشاهدة، غيَّى عملهم للخبائث بالأخذ فقال: ﴿حتى إذا أخذنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿مترفيهم﴾ الذين هم الرؤساء القادة ﴿بالعذاب﴾ فبركت عليهم كلاكله، وأناخت بهم أعجازه وأوائله ﴿إذا هم﴾ كلهم المترف ومن تبعه من باب الأولى ﴿يجئرون*﴾ أي يصرخون ذلاًّ وانكساراً وجزعاً من غير مراعاة لنخوة، لا استكباراً، وأصل الجأر رفع الصوت

стр. 6400

بالتضرع - قاله البغوي، فكأنه قيل: فهل يقبل اعتذارهم أو يرحم انكسارهم؟ فقيل: لا بل يقال لهم بلسان الحال أو القال: ﴿لا تجئروا اليوم﴾ بعد تلك الهمم، فإن الرجل من لا يفعل شيئاً عبثاً، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنكم منا﴾ أي خاصة ﴿لا تنصرون*﴾ أي بوجه من الوجوه، ومن عدم نصرنا لم يجد له ناصراً، فلا فائدة لجؤاره إلا إظهار الجزع؛ ثم علل عدم نصره لهم بقوله: ﴿قد كانت آياتي﴾ . ولما كانت عظمتها التي استحقت بها الإضافة إليه تكفي في الحث على الإيمان بمجرد سماعها، بنى للمفعول قوله: ﴿تتلى عليكم﴾ أي وهي أجلى الأشياء، من أوليائي وهم الهداة النصحاء ﴿فكنتم﴾ أي كوناً هو كالجبلة ﴿على أعقابكم﴾ عند تلاوتها ﴿تنكصون*﴾ أي ترجعون القهقرى إما حساً أو معنى، والماشي كذلك لا ينظر ما وراءه، ومضارعه فيه مع الكسر الضم ولم يقرأ به ولو شاذاً، دلالة على أنه رجوع كبر وبطر فهو بالهوينا، ولو قرىء بالضم لدل على القوة فأفهم النفرة والهرب، قال في القاموس: نكص على عقبيه ينكص وينكص: رجع عما كان عليه من خير، وفي الشر قليل، وعن الأمر نكصاً ونكوصاً ونكاصاً.

стр. 6401

أو على ما ذكرت دلالة على ما تقديره: حال كونكم ﴿مستكبرين به﴾ أي بذلك النكوص، لا شيء غير الاستكبار من هرب أو غيره، ذوي سمر في أمرها بالقول الهجر، وهو الفاحش، ولعله إنما قال: ﴿سامراً﴾ بلفظ المفرد لأن كلاًّ منهم يتحدث في أمر الآيات مجتمعاً مع غيره ومنفرداً مع نفسه حديثاً كثيراً كحديث المسامر الذي من شأنه أن لا يمل؛ وقال: ﴿تهجرون*﴾ أي تعرضون عنها وتقولون فيها القول الفاحش، فأسنده إلى الجمع لأن بعضهم كان يستمعها، ولم يكن يفحش القول فيها، أو تعجيباً من أن يجتمع جمع على مثل ذلك لأن الجمع جدير بأن يوجد فيه من يبصر الحق فيأمر به.

стр. 6402

ولما كانت الآيات - لما فيها من البلاغة المعجزة، والحكم المعجبة داعية إلى تقبلها بعد تأملها، وكانوا يعرضون عنها ويفحشون في وصفتها تارة بالسحر وأخرى بالشعر، وكرة بالكهانة ومرة بغيرها، تسبب عن ذلك الإنكار عليهم فقال معرضاً عنهم إيذاناً بالغضب مسنداً إلى الجمع الذي هو أولى بإلقاء السمع: ﴿أفلم يدبروا القول﴾ أي المتلو عليهم بأن ينظروا في أدباره وعواقبه ولو لم يبلغوا في نظرهم

стр. 6403

الغاية بما أشار إليه الإدغام، ليعلموا أنه موجب للإقبال والوصال، والوصف بأحسن المقال، لعله عبر بالقول إشارة إلى أن من لم يتقبله ليس بأهل لفهم شيء من القول بل هو في عداد البهائم ﴿أم جاءهم﴾ في هذا القول من الأوامر بالتوحيد الآتي بها الرسول الذي هو من نسل إسماعيل بن إبراهيم ﵉ وما ترتب على ذلك من الأوامر التي لا يجهل حسم فعلها عاقل، والنواهي التي - كما يشهد بقبح إتيانها العالم - يقطع بها الجاهل، وبالرسالة برسول من البشر ﴿ما لم يأت آباءهم الأولين*﴾ الذين بعد إسماعيل وقبله. ولما كان الرجل الكامل من عرف الرجال بالحق، بدأ بما أشار إليه ثم أعقبه بمن يعرف الشيء للألف به، ثم بمن يعرف الحق بالرجال فقال: ﴿أم لم يعرفوا رسولهم﴾ أي الذي أتاهم بهذا القول الذي لا قول مثله، ويعرفوا نسبه وصدقه وأمانته، وما فاتهم به من معالي الأخلاق حتى أنهم لا يجدون فيه - إذا حقت الحقائق - نقيصة يذكرونها، ولا صمة يتخيلونها، كما دلت عليه الأحاديث الصحاح منها حديث أبي سفيان بن حرب ﵁ الذي في أول البخاري في سؤال هرقل ملك الروم له عن شأنه ﷺ ﴿فهم﴾ أي فتسبب عن جهلهم به أنهم ﴿له﴾ أي نفسه أو للقول الذي أتى به ﴿منكرون*﴾ فيكونوا ممن جهل الحق لجهل حال الآتي به، فلم يحرز

стр. 6404

شيئاً من رتبتي الناس، لا رتبة العلماء الناقدين، ولا رتبة الجهال المتقلدين، وفي هذا غاية التوبيخ لهم بجهلهم وبعنادهم بأنهم يعرفون أنه أصدق الخلق وأعلاهم في كل معنى جميل ثم يكذبونه. ولما فرغ بما قد يجر إلى الطعن في القول أو القائل، أشار إلى العناد في أمر القائل والقول والرسول بقوله: ﴿أم يقولون﴾ أي بعد تدبر ما أتى به وعدم عثورهم فيه على وجه من وجوه الطعن ﴿به﴾ أي برسولهم ﴿جنة﴾ أي فلا يوثق به لأنه قد يخلط فيأتي بما فيه مطعن وإن خفي وجه الطعن فيه في الحال. ولما كانت هذه الأقسام منتفية ولا سيما الأخير المستلزم عادة للتخليط المستلزم للباطل، فإنهم أعرف الناس بهذا الرسول الكريم وأنه أكملهم خلقاً، وأشرفهم خلقاً، وأطهرهم شيماً، وأعظمهم همماً، وأرجحهم عقلاً، وأمتنهم رأياً وأرضاهم قولاً، وأصوبهم فعلاً، اضرب عنها وقال: ﴿بل﴾ أي لم ينكصوا عند سماع الآيات ويسمروا ويهجروا لاعتقاد شيء مما مضى، وإنما فعلوا ذلك لأن هذا الرسول الكريم ﴿جاءهم بالحق﴾ الذي لا تخليط فيه بوجه، ولا شيء أثبت منه ولا أبين مما فيه من التوحيد والأحكام، ولقد أوضح ذلك تحديهم بهذا الكتاب فعجزوا فهو بحيث لا يجهله منصف ﴿وأكثرهم﴾ أي والحال أن أكثرهم ﴿للحق كارهون*﴾ متابعة

стр. 6405

للأهواء الرديئة والشهوات البهيمية عناداً، وبعضهم، يتركونه جهلاً وتقليداً أو خوفاً من أن يقال: صبأ، وبعضهم يتبعه توفيقاً من الله وتأييداً. ولما كان ربما قيل: ما له ما كان بحسب أهوائهم فكانوا يتبعونه ويستريح ويستريحون من هذه المخالفات، التي جرت إلى المشاحنات، فأوجبت أعظم المقاطعات، قال مبيناً فساد ذلك، ولعله حال من فاعل كاره، فإن جزاءه خبري مسوغ لكونه حالاً كما ذكره الشيخ سعد الدين في بحث المسند، أو هو معطوف على ما تقديره: فلو تركوا الكره لأحبوه ولو أحبوه لاتبعوه ولو اتبعوه لانصلحوا وأصلحوا ﴿ولو اتبع الحق﴾ أي في الأصول والفروع والأحوال والأقوال ﴿أهواءهم﴾ أي شهواتهم التي تهوي بهم لكونها أهواء - بما أشار إليه الافتعال ﴿لفسدت السماوات﴾ على علوها وإحكامها ﴿والأرض﴾ على كثافتها وانتظامها ﴿ومن فيهن﴾ على كثرتهم وانتشارهم وقوتهم، بسبب ادعائهم تعدد الآلهة، ولو كان ذلك حقاً لأدى ببرهان التمانع إلى الفساد، وبسبب اختلاف أهوائهم واضطرابها المفضي إلى النزاع كما ترى من الفساد عند اتباع بعض الأغراض في بعض الأزمان إلى أن يصلحها الحق بحكمته، ويقمعها بهيبته وسطوته، ولكنا لم نتبع الحق

стр. 6406

أهواءهم ﴿بل أتيناهم﴾ بعظمتنا ﴿بذكرهم﴾ وهو الكتاب الذي في غاية الحكمة، ففيه صلاح العلم وتمام انتظامه، فإذا تأمله الجاهل صده عن جهله فسعد في أقواله وأفعاله، وبان له الخير في سائر أحواله، وإذا تدبره العالم عرج به إلى نهاية كماله، فحينئذ يأتي السؤال عمن أنزله، فتخضع الرقاب، وعمن أنزل عليه فيعظم في الصدور، وعن قومه فتجلهم النفوس، وتنكس لمهابتهم الرؤوس، فيكون لهم أعظم ذكر وأعلى شرف. ولما جعلوا ما يوجب الإقبال سبباً للإدبار، قال معجباً منهم: ﴿فهم عن ذكرهم﴾ أي الذي هو شرفهم ﴿معرضون*﴾ لا يفوتنا بإعراضهم مراد، ولا يلحقنا به ضرر، إنما ضرره عائد إليهم، وراجع في كل حال عليهم. ولما أبطل تعالى وجوه طعنهم في المرسل به والمرسل من جهة جهلهم مرة، ومن جهة ادعائهم البطلان أخرى، نبههم على وجه آخر هم أعرف الناس ببطلانه ليثبت المدعى من الصحة إذا انتفت وجوه المطاعن فقال منكراً: ﴿أم تسألهم﴾ أي على ما جئتهم به ﴿خرجاً﴾ قال

стр. 6407

البغوي: أجراً وجعلاً، وقال ابن مكتوم في الجمع بين العباب والمحكم: والخرج والخراج شيء يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم، والخراج غلة العبد والأمة، وقال الزجاج: الخراج: الفيء، والخرج: الضريبة والجزية، وقال الأصبهاني: سئل أبو عمرو بن العلاء فقال: الخراج ما لزمك ووجب عليك أداؤه، والخرج ما تبرعت به من غير وجوب. ولما كان الإنكار معناه النفي، حسن موقع فاء السبب في قوله: ﴿فخراج﴾ أي أم تسألهم ذلك ليكون سؤالك سبباً لاتهامك وعدم سؤالك، بسبب أن خراج ﴿ربك﴾ الذي لم تقصد غيره قط ولم تخل عن بابه وقتاً ما ﴿خير﴾ من خراجهم، لأن خراجه غير مقطوع ولا ممنوع عن أحد من عباده المسيئين فكيف بالمحسنين! وكأنه سماه خراجاً إشارة إلى أنه أوجب رزق كل أحد على نفسه بوعد لا خلف فيه ﴿وهو خير الرازقين*﴾ فإنه يعلم ما يصلح كل مرزوق وما يفسده، فيعطيه على حسب ما يعلم منه ولا يحوجه إلى سؤال.

стр. 6408

ولما كانت عظمة الملك مقتضية لتقبل ما أتى به والتشرف به على أيّ حال كان، نبه على أنه حق يكسب قبوله الشرف لو لم يكن من عند الملك فكيف إذا كان من عنده، فكيف إذا كان ملك الملوك ومالك الملك فكيف إذا كان الآتي به خالصة العباد وأشرف

стр. 6409

الخلق، كما قام عليه الدليل بنفي هذه المطاعن كلها، فقال عاطفاً على ﴿آتيناهم﴾ : ﴿وإنك﴾ أي مع انتفاء هذه المطاعن كلها ﴿لتدعوهم﴾ أي بهذا الذكر مع ما قدمنا من الوجوه الداعية إلى اتباعك بانتفاء جميع المطاعن عنك وعما جئت به ﴿إلى صراط مستقيم*﴾ لا عوج فيه ولا طعن أصلاً كما تشهد به العقول الصحيحة، فمن سلكه أوصله إلى الغرض فحاز كل شرف، والحال أنهم، ولكنه عبر بالوصف الحامل لهم على العمى فقال: ﴿وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ فلذلك لا يخشون القصاص فيها ﴿على الصراط﴾ أي الذي لا صراط غيره لأنه لا موصل إلى القصد غيره ﴿لناكبون*﴾ أي عادلون متنحون مائلون منحرفون في سائر أحوالهم سائرون على غير منهج أصلاً، بل خبط عشواء لأنه يجوز أن يراد مطلق الصراط وأن يراد النكرة الموصوفة بالاستقامة. ولما وصفوا بالميل، وكان ربما قال قائل: إن جؤارهم المذكور آنفاً سلوك في الصراط، بين أنه لا اعتداد به لعروضه فقال: ﴿ولو رحمناهم﴾ أي عاملناهم معاملة المرحوم في إزالة ضرره وهو معنى ﴿وكشفنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿ما بهم من ضر﴾ وهو الذي عرض جؤارهم بسببه ﴿لَلَجّوا﴾ أي تمادوا تمادياً عظيماً

стр. 6410

﴿في ظغيانهم﴾ الذي كانوا عليه قبل الجؤار وهو إفراطهم في منابذة الحق والاستقامة ﴿يعمهون*﴾ أي يفعلون من التحير والتردد فعل من لا بصيرة له في السير المنحرف عن القصد، والجائر عن الاستقامة، قال ابن كثير: فهذا من باب علمه بما لا يكون لو كان كيف كان يكون، قال الضحاك عن ابن عباس ﵄: كل ما فيه «لو» فهو مما لا يكون أبداً. ثم أتبع هذا الدليل تأييداً له ما يدل على أنهم لا يسلكون الصراط إلا اضطراراً فقال: ﴿ولقد أخذناهم﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿بالعذاب﴾ أي بمطلقه كإظهار حزب الله عليهم في بدر وغيرها ﴿فما استكانوا﴾ أي خضعوا خضوعاً هو كالجبلة لهم ﴿لربهم﴾ المحسن إليهم عقب المحنة، وحقيقته ما طلبوا أن يكونوا له ليكرموا مقام العبودية من الذل والخضوع والانقياد لأوامره تاركين حظوظ أنفسهم، والحاصل أنه لما ضربهم بالعذاب كان من حقهم أن يكونوا له لا لشركائهم، فما عملوا بمقتضى ذلك إيجاداً ولا طلباً ﴿وما يتضرعون*﴾ أي يجددون الدعاء بالخضوع والذل والخشوع في كل وقت بحيث يكون لهم عادة، بل هم على ما جبلوا عليه من الاستكبار والعتو إلا إذا التقت حلقتا البطان، ولم يبق لهم نوع
следующие страницы →