Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.
стр. 6336
ورفع يديه فقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا، ثم قال: لقد أنزلت عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، ثم قرأ ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ حتى ختم العشر»
- ورواه النسائي في الصلاة وقال: منكر لا يُعرَف أحد رواه غير يونس بن سليم ويونس لا نعرفه، وعزى أبو حيان آخر الحديث للحاكم في المستدرك.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: فصل في افتتاحها ما أجمل في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير﴾ [الحج: ٧٧] وأعلم بما ينبغي للراكع والساجد التزامه من الخشوع، ولالتحام الكلامين ما ورد الأول أمراً والثاني مدحه وتعريفاً بما به كمال الحال، وكأنه لما أمر المؤمنين، وأطمع بالفلاح جزاء لامتثاله، كان مظنة لسؤاله عن تفصيل ما أمر به من العبادة وفعل الخير الذي به يكمل فلاحه فقيل له: المفلح من التزم كذا وكذا، وذكر سبعة أضرب من العبادة هي أصول لما وراءها ومستتبعة سائر التكاليف، وقد بسط حكم كل عبادة منها وما يتعلق بها في الكتاب والسنة؛ ولما كانت المحافظة على الصلاة منافرة إتيان المأثم جملة ﴿إن الصلاة
стр. 6337
تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥] لذلك ما ختمت بها هذه العبادات بعد التنبيه على محل الصلاة من هذه العبادة بذكر الخشوع فيها أولاً، واتبعت هذه الضروب السبعة بذكر أطوار سبعة يتقلب فيها الإنسان قبل خروجه إلى الدنيا فقال تعالى ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ - إلى قوله: ﴿ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ وكأن قد قيل له: إنما كمل خلقك وخروجك إلى الدنيا بعد هذه التقلبات السبعة. وإنما تتخلص من دنياك بالتزام هذه العبادات السبع، وقد وقع عقب هذه الايات قوله تعالى ﴿ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق﴾ ولعل ذلك مما يقرر هذا الاعتبار ووارد لمناسبته - والله أعلم، وكما أن صدر هذه السورة مفسر لما أجمل في الآيات قبلها فكذا الآيات بعد مفصلة لمجمل ما تقدم في قوله تعالى ﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة﴾ [الحج: ٥] وهذا كاف في التحام السورتين والله سبحانه المستعان - انتهى.
ولما ذكر سبحانه الجنة المتضمن ذكرها للبعث، استدل على القدرة عليه بابتداء الخلق للإنسان، ثم لما هو أكبر منه من الأكوان، وما فيهما من المنافع، فلما ثبت ذلك شرع يهدد من استكبر عنه بإهلاك الماضين، وابتدأ بقصة نوح ﵊ لأنه أول، ولأن نجاته كانت في الفلك المختوم به الآية التي قبله، وفي ذلك تذكير بنعمة النجاة
стр. 6338
فيه لأن الكل من نسله، فلما ثبت بالتهديد بإهلاك الماضين القدرة التامة بالاختيار، خوف العرب مثل ذلك العذاب، فلما تم زاجر الإنذار بالنقم شرع في الاستعطاف إلى الشكر بالنعم، بتمييز الإنسان على سائر الحيوان ونحو ذلك، ثم عاد إلى دلائل القدرة على البعث بالوحدانية والتنزه عن الشريك والولد - إلى آخرها، ثم ذكر في أول التي بعدها على ما ذكر هنا من صون الفروج، فذكر حكم من لم يصن فرجه وأتبعه ما يناسبه من توابعه.
ولما كان التقدير: فلقد حكمنا ببعث جميع العباد بعد الممات، فريقاً منهم إلى النعيم، وفريقاً إلى الجحيم، فإنا قادرون على الإعادة وإن تمزقتم وصرتم تراباً فإنه تراب له أصل في الحياة، كما قدرنا على البداءة فلقد خلقنا أباكم آدم من تراب الأرض قبل أن يكون للتراب أصل في الحياة، عطف عليه قوله، دلالة على هذا المقدر واستدلالاً على البعث مظهراً له في مقام العظمة، مؤكداً إقامة لهم بإنكارهم للبعث مقام المنكرين: ﴿ولقد خلقنا الإنسان﴾ أي هذا النوع الذي تشاهدونه آنساً بنفسه مسروراً بفعله وحسه ﴿من سلالة﴾
стр. 6339
أي شيء قليل، بما تدل عليه الصيغة كالقلامة والقمامة، انتزعناه واستخلصناه برفق، فكان على نهاية الاعتدال، وهي طينة آدم عليه الصلاة السلام، سلّها - بما له من اللطف - ﴿من طين*﴾ أي جنس طين الأرض، روى الإمام أحمد وأبو داود والترميذي عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم عن قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ذلك» .
ولما ذكر سبحانه أصل الآدمي الأول الذي هو الطين الذي شرفه به لجمعه الطهورين، وعبر فيه بالخلق لما فيه من الخلط، لأن الخلق - كما مر عن الحرالي في أول البقرة: تقدير أمشاج ما يراد إظهاره بعد الامتزاج والتركيب صورة، مع أنه ليس مما يجري على حكمة التسبيب التي نعهدها أن يكون من الطين إنسان، أتبعه سبحانه أصله الثاني الذي هو أطهر الطهورين: الماء الذي منه كل شيء حي، معبراً عنه بالجعل لأنه كما مر أيضاً إظهار أمر سبب وتصيير، وما هو من الطين
стр. 6340
مما يتسبب عنه من الماء ويستجلب منه وهو بسيط لا خلط فيه فلا تخليق له، وعبر بأداة التراخي لأن جعل الطين ماء مستبعد جداً فقال: ﴿ثم جعلناه﴾ أي الطين أو هذا النوع المسلول من المخلوق من الطين بتطوير أفراده ببديع الصنع ولطيف الوضع ﴿نطفة﴾ اي ماء دافقاً لا أثر للطين فيه ﴿في قرار﴾ أي من الصلب والترائب ثم الرحم، مصدر جعل اسماً للموضع ﴿مكين*﴾ أي مانع من الأشياء المفسدة.
стр. 6341
ولما كان تصيير الماء دماً أمراً بالغاً خارجاً عن التسبيب، وكانت النطفة التي هي مبدأ الآدمي تفسد تارة وتأخذ في التكون أخرى، عبر بالخلق لما يخلطها به مما تكتسبه من الرحم عند التحمير وقرنه بأداة التراخي فقال: ﴿ثم﴾ أي بعد تراخ في الزمان وعلو في الرتبة والعظمة ﴿خلقنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿النطفة﴾ أي البيضاء جداً ﴿علقة﴾ حمراء دماً عبيطاً شديد الحمرة جامداً غليظاً.
стр. 6342
ولما كان ما بعد العلقة من الأطوار المتصاعدة مسبباً كل واحد منه عما قبله بتقدير العزيز العليم الذي اختص به من غير تراخ، وليس تسببه من العادة التي يقدر عليها غيره سبحانه، عبر بالفاء والخلق فقال: ﴿فخلقنا العلقة مضغة﴾ أي قطعة لحم صغيرة لا شكل فيها ولا تخطيط ﴿فخلقنا المضغة﴾ بتصفيتها وتصليبها بما سببنا لها من الحرارة والأمور اللطيفة الغامضة ﴿عظاماً﴾ من رأس ورجلين وما بينهما ﴿فكسونا﴾ بما لنا من قدرة الاختراع، تلك ﴿العظام لحماً﴾ بما ولدنا منها ترجيعاً لحالها قبل كونها عظماً، فسترنا تلك العظام وقويناها وشددناها بالروابط والأعصاب.
ولما كان التصوير ونفخ الروح من الجلالة بمكان أيّ مكان، أشار إليه بقوله: ﴿ثم أنشأناه﴾ أي هذا المحدث عنه بعظمتنا ﴿خلقاً آخر﴾ أي عظيماً جليلاً متحركاً ناطقاً خصيماً مبيناً بعيداً من الطين جداً؛ قال الرازي: وأصل النون والشين والهمزة يدل على ارتفاع شيء وسموه.
ولما كان هذا التفصيل لتطوير الإنسان سبباً لتعظيم الخالق: ﴿فتبارك﴾ أي ثبت ثباتاً لم يثبته شيء، بأن حاز جميع صفات الكمال، وتنزه عن كل شائبة نقص، فكان قادراً على كل شيء، ولو داناه
стр. 6343
شيء من عجز لم يكن تام الثبات، ولذلك قال: ﴿الله﴾ فعبر بالاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى؛ وأشار إلى جمال الإنسان بقوله: ﴿أحسن الخالقين*﴾ أي المقدرين، أي قدر هذا الخلق العجيب هذا التقدير، ثم طوره في أطواره ما بين طفل رضيع، ومحتلم شديد، وشاب نشيط، وكهل عظيم، وشيخ هرم - إلى ما بين ذلك من شؤون لا يحيط بها إلا اللطيف الخبير.
ولما كانت إماتة ما صار هكذا - بعد القوة العظيمة والإدراك التام - من الغرائب، وكان وجودها فيه وتكرارها عليه في كل وقت قد صيرها أمراً مألوفاً، وشيئاً ظاهراً مكشوفاً، وكان عتو الإنسان على خالقه وتمرده ومخالفته لأمره نسياناً لهذا المألوف كالإنكار له، أشار إلى ذلك بقوله تعالى مسبباً مبالغاً في التأكيد: ﴿ثم إنكم﴾ ولما كان من الممكن ليس له من ذاته إلا العدم، نزع الجار فقال: ﴿بعد ذلك﴾ أي الأمر العظيم من الوصف بالحياة والمد في العمر في آجال متفاوتة ﴿لميتون*﴾ وأشار بهذا النعت إلى أن الموت أمر ثابت للإنسان حيّ في حال حياته لازم له، بل ليس لممكن من ذاته إلا العدم.
ولما تقرر بذلك القدرة على البعث تقرراً لا يشك فيه عاقل،
стр. 6344
قال نافياً ما يوهمه إعراء الظرف من الجار: ﴿ثم إنكم﴾ وعين البعث الأكبر التام، الذي هو محط الثواب والعقاب، لأن من أقر بما هو دونه من الحياة في القبر وغيرها، فقال: ﴿يوم القيامة﴾ أي الذي يجمع فيه جميع الخلائق ﴿تبعثون*﴾ فنقصه عن تأكيد الموت تنبيهاً على ظهوره، ولم يخله عن التأكيد لكونه على خلاف العادة، وليس في ذكر هذا نفي للحياة في القبر عند السؤال.
стр. 6345
ولما بين لهم أن فكرهم فيهم يكفيهم، ولاعتقاد البعث يعنيهم، أتبعه دليلاً آخر بالتذكير بخلق ما هو أكبر منهم، وبتدبيرهم بخلقه وخلق ما فيه من المنافع لاستبقائهم، فقال: ﴿ولقد خلقنا قوقكم﴾ في جميع جهة الفوق في ارتفاع لا تدركونه حق الإدراك ﴿سبع﴾ ولإرادة التعظيم أضاف إلى جمع كثرة فقال: ﴿طرائق﴾ أي سماوات لا تتغير عن حالتها التي دبرناها عليها إلى أن نريد، وبعضها فوق بعض متطابقة، وكل واحدة منها على طريقة تخصها، وفيها طرق لكواكبها؛ قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي: سميت طرائق لأنها مطارقة بعضها في أثر بعض - انتهى. وهذا من قولهم: فلان على طريقة - أي حالة - واحدة، وهذا مطراق هذا، أي تلوه ونظيره، وريش طراق - إذا كان بعضه فوق بعض. وقال ابن القطاع:
стр. 6346
وأطرق جناح الطائر - أي مبنياً للمجهول: ألبس الريش الأعلى الأسفل. وقال أبو عبيد الهروي: وأطرق جناح الطير - إذا وقعت ريشة على التي تحتها فألبستها، وفي ريشه طرق - إذا ركب بعضه بعضاً. وقال الصغاني في مجمع البحرين: والطرق أيضاً بالتحريك في الريش أن يكون بعضها فوق بعض، وقال ابن الأثير في النهاية: طارق النعل - إذا صيرها طاقاً فوق طاق وركب بعضها على بعض، وفي القاموس: والطراق - ككتاب: كل خصفة يخصف بها النعل وتكون حذوها سواء وأن يقور جلد على مقدار الترس فيلزق بالترس، وقال القزاز: يقال: ترس مُطرَق - إذا جعل له ذلك، وقال الصغاني في المجمع: والمجان المطرقة التي يطرق بعضها على بعض كالنعل المطرقة - أي المخصوفة بعضها على بعض، ويقال: أطرقت بالجلد والعصب، أي ألبست، وقال أبو عبيد: طارق النعل - إذا صير خصفاً فوق خصف، وقال في الخصف: هو إطباق طاق على طاق، وأصل الخصف: الضم والجمع، وقال القزاز: وطارقت بين النعلين والثوبين: جعلت أحدهما فوق الآخر - انتهى. وأصل الطرق الضرب، ومع كون السماوات مطارقة بعضها فوق بعض فهي طرق للملائكة يتنزلون فيها بأوامره .
стр. 6347
ولما كان إهمال الشيء بعد إيجاده غفلة عنه، وكان البعث إحداث تدبير لم يكن كما أن الموت كذلك، بين أن مثل تلك الأفعال الشريفة عادته سبحانه إظهاراً للقدرة وتنزهاً عن العجز والغفلة فقال: ﴿وما كنا﴾ أي على ما لنا من العظمة ﴿عن الخلق﴾ أي الذي خلقناه وفرغنا من إيجاده وعن إحداث ما لم يكن، بقدرتنا التامة وعلمنا الشامل ﴿غافلين*﴾ بل دبرناه تدبيراً محكماً ربطناه بأسباب تنشأ عنها مسببات يكون بها صلاحه، وجعلنا في كل سماء ما ينبغي أن يكون فيها من المنافع، وفي كل أرض كذلك، وحفظناه من الفساد إلى الوقت الذي نريد فيه طيّ هذا العالم وإبراز غيره، ونحن مع ذلك كل يوم في شأن، وإظهار برهان، نعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، إذا شئنا أنفذنا السبب فنشأ عنه المسبب، وإذا شئنا منعناه مما هيىء له، فلا يكون شيء من ذلك إلا بخلق جديد، فكيف يظن بنا أنا نترك الخلق بعد موتهم سدى، مع أن فيهم المطيع الذي لم نوفه ثوابه، والعاصي الذي لم ننزل به عقابه، أم كيف لا نقدر على إعادتهم إلى ما كانوا عليه بعد ما قدرنا على إبداعهم ولم يكونوا شيئاً.
ولما ساق سبحانه هذين الدليلين على القدرة على البعث، أتبعهما بما هو من جنسهما ومشاكل للأول منهما، وهو مع ذلك دليل على ختام الثاني من أنه من أجلّ النعم التي يجب شكرها، فقال: ﴿وأنزلنا﴾
стр. 6348
أي بعظمتنا ﴿من السماء﴾ أي من جهتها ﴿ماء بقدر﴾ لعله - والله أعلم - بقدر ما يسقي الزروع والأشجار، ويحيي البراري والقفار، وما تحتاج إليه البحار، مما تصب فيها الأنهار، إذ لو كان فوق ذلك لأغرقت البحار الأقطار، ولو كان دون ذلك لأدى إلى جفاف النبات والأشجار ﴿فأسكنّاه﴾ بعظمتنا ﴿في الأرض﴾ بعضه على ظهرها وبعضه في بطنها، ولم نعمها بالذي على ظهرها ولم نغور ما في بطنها ليعم نفعه وليسهل الوصول إليه ﴿وإنا﴾ على ما لنا من العظمة ﴿على ذهاب به﴾ أي على إذهابه بأنواع الإذهاب بكل طريق بالإفساد والرفع والتغوير وغير ذلك، مع إذهاب البركة التي تكون لمن كنا معه ﴿لقادرون*﴾ قدرة هي في نهاية العظمة، فإياكم والتعرض لما يسخطنا.
ولما ذكر إنزاله، سبب عنه الدليل القرب على البعث فقال: ﴿فأنشأنا﴾ أي فأخرجنا وأحيينا ﴿لكم﴾ خاصة، لا لنا ﴿به﴾ أي بذلك الماء الذي جعلنا منه كل شيء حي ﴿جنات﴾ أي بساتين تجن - أي تستر - داخلها بما فيها ﴿من نخيل وأعناب﴾ صرح بهذين الصنفين لشرفهما، ولأنهما أكثر ما عند العرب من الثمار، سمي الأول باسم
стр. 6349
شجرته لكثرة ما فيهما من المنافع المقصودة بخلاف الثاني فإنه المقصود من شجرته؛ وأشار إلى غيرهما بقوله: ﴿لكم﴾ أي خاصة ﴿فيها﴾ أي الجنات ﴿فواكه كثيرة﴾ ولكم فيها غير ذلك.
ولما كان التقدير: منها - وهي طرية - تتفكهون، عطف عليه قوله: ﴿ومنها﴾ أي بعد اليبس والعصر ﴿تأكلون*﴾ أي يتجدد لكم الأكل بالادخار، ولعله قدم الظرف تعظيماً للامتنان بها.
стр. 6350
ولما ذكر سبحانه ما إذا عصر كان ماء لا ينفع للاصطباح، أتبعه ما إذا عصر كان دهناً يعم الاصطباح والاصطباغ، وفصله عنه لأنه أدل على القدرة فقال: ﴿وشجرة﴾ أي وأنشأنا به شجرة، أي زيتونة ﴿تخرج من طور﴾ .
ولما كان السياق للإمداد بالنعم، ناسبه المد فقال: ﴿سيناء﴾ قال الحافظ عماد الدين ابن كثير: وهو طور سينين، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران ﵇ وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون. وقال صاحب القاموس: والطور: الجبل، وجبل
стр. 6351
قرب أيلة يضاف إلى سيناء وسينين، وجبل بالشام، وقيل: هو المضاف إلى سيناء، وجبل بالقدس عن يمين المسجد، وآخر عن قبليه، به قبر هارون ﵇، مجبل برأس العين، - وآخر مطلّ على طبرية - انتهى. وهو اسم مركب من الاسمين، وقيل: بل هو مضاف إلى سيناء، ومعنى سيناء الحسن، وقيل: المبارك، وقيل: هو حجارة معروفة، وقيل شجر، ولعله خصه من بين الأطوار لقربه من المخاطبين أولاً بهذا القرآن، وهم العرب، ولغرابة نبت الزيتون به لأنه في بلاد الحر والزيتون من نبات الأرض الباردة، ولتمحضه لأن يكون نبته مما أنزل من السماء من الماء لعلوه جداً، وبعد من أن يدعي أن ما فيه من النداوة من الماء من البحر لأن الإمام أبا العباس أحمد ابن القاص من قدماء أصحاب الشافعي حكى في كتابه أدلة القبلة أنه يصعد إلى أعلاه في ستة آلاف مرقاة وستمائة وست وستين مرقاة، قال: وهي مثل الدرج من الصخر، فإذا انتهى إلى مقدار النصف من الطريق يصير إلى مستواه من الأرض فيها أشجار وماء عذب، في هذا الموضع كنيسة على اسم إيليا النبي ﵇، وفيه مغار، ويقال: إن إيليا ﵇ لما هرب من إزقيل الملك اختفى فيه؛ ثم يصعد من هذا الموضع في الدرج حتى ينتهي إلى قلة الجبل،
стр. 6352
وفي قلبه كنيسة بنيت على اسم موسى ﵇ بأساطين رخام، أبوابها من الصفر والحديد، وسقفها من خشب الصنوبر، وأعلى سقوفها أطباق رصاص قد أحكمت بغاية الإحكام، وليس فيها إلا رجل راهب يصلي ويدخن ويسرج قناديلها، ولا يمكن أحداً أن ينام فيها البتة، وقد اتخذ هذا الراهب لنفسه خارجاً من الكنيسة بيتاً صغيراً يأوي فيه، وهذه الكنيسة بنيت في المكان الذي كلم الله فيه موسى ﵊، وحواليه - أي حوالي الجبل - من أسفله ستة آلاف ما بين دير وصومعة للرهبان والمتعبدين، كان يحمل إليهم خراج مصر في أيام ملك الروم للنفقة على الديارات وغيرها، وليس اليوم بها إلا مقدار سبعين راهباً يأوون في الدير الذي داخل الحصن، وفي أكثرها يأوي أعراب بني رمادة، وعلى الجبل مائة صومعة، وأشجار هذا الجبل اللوز والسرو، وإذا هبطت من الطور أشرفت على عقبة تهبط منها فتسير خطوات فتنتهي إلى دير النصراني: حُصين عليه سور من حجارة منحوتة ذات شرف عليه بابان من حديد، وفي جوف هذا الدير عين ماء عذب، وعلى هذه العين درابزين من نحاس لئلا يسقط في العين أحد، وقد هيىء براتج رصاص يجري فيها الماء إلى كروم لهم حول الدير، ويقال: إن هذا الدير هو الموضع الذي رأى موسى ﵇ فيه النار في الشجرة العليق، وقبلة من بها دبر الكعبة، وفيه
стр. 6353
يقول القائل:
عجب الطور من ثباتك موسى ... حين ناجاك بالكلام الجليل
والطور من جملة كور مصر، منه إلى بلد قلزم على البر مسيرة أربعة أيام، ومنه إلى فسطاط مصر مسيرة سبعة أيام - انتهى كلام ابن القاص، وسألت أنا من له خبرة بالجبل المذكور: هل به أشجار الزيتون؟ فأخبرني أنه لم ير به شيئاً منها، وإنما رآها فيما حوله في قرار الأرض، وهي كثيرة وزيتونها مع كبره أطيب من غيره، فإن كان ذلك كذلك فهو أغرب مما لو كانت به، لأنه لعلوه أبرد مما سفل من الأرض، فهو بها أولى، وظهر لي - والله أعلم - أن حكمة تقدير الله تعالى أن يكون عدد الدرج ما ذكر موافقة زمان الإيجاد الأول لمكان الإبقاء الأول، وذلك أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام وهو الإيجاد الأول، وكلم موسى ﵊، وكتب له الألواح في هذا الجبل، ثم أتم له التوراة وهي أعظم الكتب بعد القرآن، وبالكتب السماوية والشرائع الربانية انتظام البقاء الأول، كما سلف في الفاتحة والأنعام والكهف.
ولما ذكر سبحانه إنشاء هذه الشجرة بهذا الجبل البعيد عن مياه البحار لعلوه وصلابته أو بما حوله من الأرض الحارة، ذكر تميزها عن
стр. 6354
عامة الأشجار بوجه آخر عجيب فقال: ﴿تنبت﴾ أي بالماء الذي لا دهن فيه أصلاً، نباتاً على قراءة الجمهور، أو إنباتاً على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وورش عن يعقوب بضم الفوقانية، ملتبساً ثمره ﴿بالدهن﴾ وهو في الأصل مائع لزج خفيف يتقطع ولا يختلط بالماء الذي هو أصله فيسرج ويدهن به، وكأنه عرّفه لأنه أجلّ الأدهان وأكملها.
ولما كان المأكول منها الدهن والزيتون قبل العصر، عطف إشعاراً بالتمكن فقال: ﴿وصبغ﴾ أي وتنبت بشيء يصبغ - أي يلون - الخبز إذا غمس فيه أو أكل به ﴿للآكلين*﴾ وكأنه نكره لأن في الإدام ما هو أشرف منه وألذ وإن كانت بركته مشهورة؛ روى الإمام أحمد عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة»
وللترمذي وابن ماجه عبد بن حميد في مسنده وتفسيره كما نقله ابن كثير عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من
стр. 6355
شجرة مباركة» وقال أبو حيان: وخص هذه الأنواع الثلاثة من النخل والعنب والزيتون لأنها أكرم الشجر وأجمعها للمنافع.
ولما دل على قدرته بما أحيا بالماء حياة قاصرة عن الروح، أتبعه ما أفاض عليه به حياة كاملة فقال: ﴿وإن لكم في الأنعام﴾ وهي الإبل والبقر والغنم ﴿لعبرة﴾ تعبرون بها من ظاهر أمرها إلى باطنه مما له سبحانه فيها من القدرة التامة على البعث وغيره؛ ثم استأنف تفصيل ما فيها من العبرة قائلاً: ﴿نسقيكم﴾ ولما كان الأنعام مفرداً لكونه اسم جمع، ولم يذكر ما يسقى منه، أنث الضمير بحسب المعنى وعلم أن المراد ما يكون منه اللبن خاصة وهو الإناث، فهو استخدام لأنه لو أريد جميع ما يقع عليه الاسم لذكر الضمير، فلذلك قال: ﴿مما في بطونها﴾ أي نجعله لكم شراباً نافعاً للبدن موافقاً للشهوة تلتذون به مع خروجه من بين الفرث والدم كما مضى في النحل ﴿ولكم فيها﴾ أي في جماعة الأنعام، وقدم الجار تعظيماً لمنافعها حتى كأن غيرها عدم
стр. 6356
﴿منافع كثيرة﴾ باستسلامها لما يراد منها مما لا يتيسر من أصغر منها، وبأولادها وأصوفها وأوبارها، وغير ذلك من آثارها.
ولما كان التقدير: تصرفونها في تلك المنافع، عطف عليه مقدماً للجار تعظيماً لمأكولها فقال: ﴿ومنها تأكلون*﴾ بسهولة من غير امتناع ما عن شيء من ذلك، ولو شاء لمنعها من ذلك وسلطها عليكم، ولو شاء لجعل لحمها لا ينضج، أو جعله قذراً لا يؤكل، ولكنه بقدرته وعلمه هيأها لما ذكر وذللها له.
ولما كانت المفاوتة بين الحيوانات في القوى وسهولة الانقياد دالة على كمال القدرة، وكان الحمل للنفس والمتاع عليها وعلى غيرها من الحيوان من أجلّ المنافع بحيث لولا هو تعطلت أكثر المصالح، ذكره فيها مذكراً بغيرها في البر تلويحاً، وذاكراً لمحامل البحر تصريحاً، فقال مقدماً للجار عداً لحمل غيرها بالنسبة إلى حملها لعظيم وقعه عدماً: ﴿وعليها﴾ أي الأنعام الصالحة للحمل من الإبل والبقر في البر ﴿وعلى الفلك﴾ في البحر. ولما كان من المعلوم من تذليلها على كبرها وقوتها وامتناع غيرها على صغره وضعفه أنه لا فاعل لذلك
стр. 6357
إلا الله مع أن الممتن به نفس الحمل لا بالنظر إلى شيء آخر، بني للمفعول قوله: ﴿تحملون*﴾ بإنعامه عليكم بذلك، ولو شاء لمنعه، فتذكروا عظيم قدرته وكمال صنعته، وعظموه حق تعظيمه، واشكروه على ما أولاكم من تلك النعم، وأخلصوا له الدين، لتفلحوا فتكونوا من الوارثين.
ولما كان التقدير: فلقد حملنا نوحاً ومن أردنا ممن آمن به من أولاده وأهله وغيرهم على الفلك، وأغرقنا من عانده من أهل الأرض قاطبة بقدرتنا، ونصرناه عليهم بعد ضعفه عنهم بأيدينا وقوتنا، وجعلناه وذريته هم الوارثين، وكنتم ذرية في أصلابهم، وكثرناهم حتى ملأنا منهم الأرض، دلالة على ما قدمنا من تفردنا كما أجرينا عادة هذا الكتاب الكريم بذكر عظيم البطش بعد أدلة التوحيد، وأتبعناه بعده الرسل الذين سمعتم بهم، وعرفتم بعض أخبارهم، يا من أنكر الآن رسالة البشر لإنكار رسالة هذا النبي الكريم! عطف عليه يهدد بإهلاك الماضين، للرجوع عن الكفر، ويذكر بنعمة النجاة للإقبال على الشكر، ويسلي هذا النبي الكريم ومن معه من المؤمنين لمن كذب قبله من النبيين وأوذي من أتباعهم، ويدل على أنه يفضل من عباده من يشاء بالرسالة، كما فضل طينة الإنسان على سائر الطين، وعلى أن الفلاح بالإرث والحياة الطيبة في الدارين مخصوص بالمؤمنين كما ذكر أول السورة، فذكر نوحاً
стр. 6358
لأن قصته أشهر القصص، ولأن قومه كانوا ملء الأرض، ولم تغن عنهم كثرتهم ولا نفعتهم قوتهم، ولأنه الأب الثاني بعد الأب الأول المشار إليه بالطين، ولأن نجاته ونجاة المؤمنين معه كانت بالفلك المختوم به الآية قبله، فقال: ﴿ولقد أرسلنا﴾ إشارة بصيغة العظمة إلى زيادة التسلية بأنه «آتاه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر» وقام هو ﷺ بذلك حق القيام ﴿نوحاً﴾ أي وهو الأب الثاني بعد آدم ﵉ ﴿إلى قومه﴾ وهم جميع أهل الأرض لتواصل ما بينهم لكونهم على لغة واحدة ﴿فقال﴾ أي فتسبب عن ذلك أن قال: ﴿يا قوم﴾ ترفقاً بهم ﴿اعبدوا الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له، وحده، لأنه إلهكم وحده لاستحقاقه لجميع خلال الكمال؛ واستأنف على سبيل التعليل قوله: ﴿ما لكم﴾ وأغْرق في النفي بما هو حق العبادة فقال: ﴿من إله﴾ أي معبود بحق ﴿غيره﴾ فلا تعبدوا سواه.
ولما كانت أدلة الوحدانية والعظمة بإعطاء الثواب وإحلال العقاب في غاية الظهور لا تحتاج إلى كبير تأمل، تسبب عن ذلك إنكاره لأمنهم من مكره، والخوف من ضره، فقال: ﴿أفلا تتقون*﴾ أي تخافون ما ينبغي الخوف منه فتجعلوا لكم وقاية من عذابه فتعملوا
стр. 6359
بما تقتضيه التقوى من إفراده بالعبادة خوفاً من ضركم ورجاء لنفعكم ﴿فقال﴾ أي فتسبب عن ذلك أن كذبوه فقال: ﴿الملأ﴾ أي الأشراف الذين تملأ رؤيتهم الصدور عظمة. ولما كان أهل الإيمان كلهم إذ ذاك قبيلة واحدة لاجتماعهم في لسان واحد قدم قوله: ﴿الذين كفروا﴾ أي بالله لأن التسلية ببيان التكذيب أتم، والصلة هنا قصيرة لا يحصل بها لبس ولا ضعف في النظم بخلاف ما يأتي، وكأن أفخاذهم كانت متمايزة فزاد في الشناعة عليهم بأن عرف أنهم من أقرب الناس إليه بقوله: ﴿من قومه ما هذا﴾ أي نوح ﵊ ﴿إلا بشر مثلكم﴾ أي فلا يعلم ما لا تعلمون، فأنكروا أن يكون بعض البشر نبياً، ولم ينكروا أن يكون بعض الطين إنساناً، وبعض الماء علقة، وبعض العلقة مضغة - إلى آخره، فكأنه قيل: فما حمله على ذلك؟ فقالوا: ﴿يريد أن يتفضل﴾ أي يتكلف الفضل بادعاء مثل هذا ﴿عليكم﴾ لتكونوا أتباعاً له، ولا خصوصية له به دونكم.
ولما كان التقدير: فلم يرسله الله كما ادعى، عطف عليه قولهم: ﴿ولو شاء الله﴾ أي الملك الأعلى الإرسال إليكم وعدم عبادة غيره ﴿لأنزل﴾ لذلك ﴿ملائكة﴾ وما علموا أن القادر على تفضيل بعض الجواهر بجعلها ملائكة قادر على تفضيل ما شاء ومن شاء بما
стр. 6360
يشاء من الملائكة وغيرها.
ولما كان هذا متضمناً لإنكار رسالة البشر، صرحوا به في قولهم كذباً وبهتاناً كما كذب فرعون وآله حين قالوا مثل هذا القول وكذبهم المؤمن برسالة يوسف ﵊: ﴿ما سمعنا بهذا﴾ أي بإرسال نبي من البشر يمنع أن يعبد غير الله بقصد التقريب إليه، فجعلوا الإله حجراً، وأحالوا كون النبي بشراً ﴿في آبائنا الأولين*﴾ ولا سمعنا بما دعا إليه من التوحيد.
стр. 6361
ولما نفوا عنه الرسالة وحصروا أمره في قصد السيادة، وكانت سيادته لهم بمثل هذا عندهم من المحال، قالوا: ﴿إن﴾ أي ما ﴿هو إلا رجل به جنة﴾ أي جنون في قصده التفضل بما يروث بغضه وهضمه ولا نعرف له وجهاً مخصصاً به، فلا نطيع له فيه ابداً ﴿فتربصوا به﴾ أي فتسبب عن الحكم بجنونه أنا نأمركم بالكف عنه لأنه لا حرج على مجنون ﴿حتى﴾ أي إلى ﴿حين*﴾ لعله يفيق أو يموت، فكأنه قيل: فما قال؟ فقيل: ﴿قال﴾ عندما أيس من فلاحهم: ﴿رب انصرني﴾ أي أعني عليهم ﴿بما كذبون*﴾ أي بسبب تكذيبهم لي، فإن تكذيب الرسول استخفاف بالمرسل ﴿فأوحينا﴾
стр. 6362
أي فتسبب عن دعائه أنا أوحينا ﴿إليه أن اصنع الفلك﴾ أي السفينة.
ولما كان يخاف من أذاهم له في عمله بالإفساد وغيره قال: ﴿بأعيننا﴾ أي إنه لا يغيب عنا شيء من أمرك ولا من أمرهم وأنت تعرف قدرتنا عليهم فثق بحفظنا ولا تخف شيئاً من أمرهم. ولما كان لا يعلم تلك الصنعة، قال: ﴿ووحينا﴾ ثم حقق له هلاكهم وقربه بقوله: ﴿فإذا جاء أمرنا﴾ أي بالهلاك عقب فراغك منه ﴿وفار التنور﴾ قال ابن عباس ﵄: وجه الأرض. وفي القاموس: التنور: الكانون يخبز فيه، ووجه الأرض، وكل مفجر ماء، وجبل قرب المصيصة - انتهى. والأليق بهذا الأمر صرفه إلى ما يخبز فيه ليكون آية في آية ﴿فاسلك﴾ أي فادخل ﴿فيها﴾ أي السفينة ﴿من كل زوجين﴾ من الحيوان ﴿اثنين﴾ ذكراً وأنثى ﴿وأهلك﴾ من أولادك وغيرهم ﴿إلا من سبق عليه﴾ لا له ﴿القول منهم﴾ بالهلاك لقطع ما بينك وبينه من الوصلة بالكفر.
ولما كان التقدير: فلا تحمله معك ولا تعطف عليه لظلمه، عطف عليه قوله: ﴿ولا تخاطبني﴾ أي بالسؤال في النجاة ﴿في الذين ظلموا﴾ عامة؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنهم مغرقون*﴾ أي قد ختم القضاء عليهم، ونحن نكرمك عن سؤال لا يقبل.
стр. 6363
ولما قدم ذلك، لأن درء المفاسد - بالنهي عما لا يرضي - أولى من جلب المصالح، أتبعه الأمر بالشكر فقال: ﴿فإذا استويت﴾ أي اعتقلت ﴿أنت ومن معك﴾ أي من البشر وغيرهم ﴿على الفلك﴾ ففرغت من امتثال الأمر بالحمل ﴿فقل﴾ لأن علمك بالله ليس كعلم غيرك فالحمد منك أتم، وإذا قلت اتبعك من معك، فإنك قدوتهم وهم في غاية الطاعة لك، ولهذا أفرد في الجزاء بعد العموم في الشرط ﴿الحمد﴾ أي الإحاطة بأوصاف الكمال في الإيجاد والإعدام ﴿لله﴾ أي الذي لا كفوء له لأنه المختص بصفات المجد ﴿الذي نجّانا﴾ بحملنا فيه ﴿من القوم﴾ الأشداء الأعتياء ﴿الظالمين*﴾ الذين حالهم - لوضعهم الأشياء في غير مواضعها - حال من يمشي في الظلام، فلك الحمد بعد إفنائهم كما كان لك الحمد في حال إبدائهم وإبقائهم، والحمد في هذه السورة المفتتحة بأعظم شعيرة بها الإبقاء الأول، وهي الصلاة الموصوفة بالخشوع كالحمد في سورة الإيجاد الأول: الأنعام بقوله تعالى
﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ [الأنعام: ٤٥] .
ولما أشار له بهذا القول إلى السلامة بالحمل، أتبعه الإشارة إلى الوعد بإسكان الأرض فقال: ﴿وقل رب أنزلني﴾ في الفلك ثم في الأرض وفي كل منزل تنزلني به وتورثني إياه ﴿منزلاً﴾ موضع نزول، أو إنزالاً ﴿مباركاً﴾ أي أهلاً لأن يثبت فيه أو به. ولما كان
стр. 6364
الثناء أعظم مهيج على إجابة الدعاء، وكان التقدير، فأنت خير الحاملين، عطف عليه قوله: ﴿وأنت خير المنزلين*﴾ لأنك تكفي نزيلك كل ملم، وتعطيه كل مراد.
стр. 6365
ولما كانت هذه القصة من أغرب القصص، حث على تدبرها بقوله: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم الذي ذكر من أمر نوح وقومه وكذا ما هو مهاد له ﴿لآيات﴾ أي علامات دالات على صدق الأنبياء في أن المؤمنين هم المفلحون، وأنهم الوارثون للأرض بعد الظالمين وإن عظمت شوكتهم، واشتدت صولتهم ﴿وإن﴾ أي وإنا بما لنا من العظمة ﴿كنا﴾ بما لنا من الوصف الثابت الدال على تمام القدرة ﴿لمبتلين*﴾ أي فاعلين فعل المختبر لعبادنا بإرسال الرسل ليظهر في عالم الشهادة الصالحُ منهم من غيره، ثم نبتلي الصالحين منهم بما يزيد حسناتهم، وينقص سيئاتهم، ويعلي درجاتهم، ثم نجعل لهم العاقبة فنبلي بهم الظالمين بما يوجب دمارهم، ويخرب ديارهم، ويمحو آثارهم، هذه عادتنا المستمرة إلى أن نرث الأرض ومن عليها فيكون البلاء المبين.
ولما بين تكذيبهم وما عذبهم به، وكان القياس موجباً لأن من يأتي يعدهم يخشى مثل مصرعهم، فيسلك غير سبيلهم،
стр. 6366
ويقول غير قيلهم، بين أنه لم تنفعهم العبرة، فارتكبوا مثل أحوالهم، وزادوا على أقوالهم وأفعالهم، لإرادة ذلك من الفاعل المختار، الواحد القهار، وأيضاً فإنه لما كان المقصود - مع التهديد والدلالة على القدرة والاختيار - الدلالة على تخصيص المؤمنين بالفلاح والبقاء بعد الأعداء، وكان إهلاك المترفين أدل على ذلك، اقتصر على ذكرهم وأبهمهم ليصح تنزيل قصتهم على كل من ادعى فيهم الإتراف من الكفرة، ويترجح إرادة عاد لما أعطوا مع ذلك من قوة الأبدان وعظم الأجسام، وبذلك قال ابن عباس ﵄، وإرادة ثمود لما في الشعراء والقمر مما يشابه بعض قولهم هنا، وللتعبير عن عذابهم بالصيحة ولموافقتهم لقوم نوح في تعليل ردهم بكونه بشراً، وطوى الإخبار عمن بعدهم بغير التكذيب والإهلاك لعدم الحاجة إلى ذكر شيء غيره، فقال: ﴿ثم أنشأنا﴾ أي أحدثنا وأحيينا وربينا بما لنا من العظمة. ولما لم يستغرقوا زمان البعد، أتى بالجار فقال: ﴿من بعدهم قرناً﴾ أي أمة وجيلاً. ولما كان ربما ظن ظان أنهم فرقة من المهلكين نجوا من عذاب سائرهم كما يكون في حروب سائر الملوك، عبر عن
стр. 6367
إنجائهم بإنشائهم، حقق أنهم أحدثوا بعدهم فقال: ﴿آخرين فأرسلنا﴾ أي فتعقب إنشاءنا لهم وتسبب عنه أن أرسلنا.
ولما كان المقصود الإبلاغ في التسلية، عدي الفعل ب «في» دلالة على أنه عمهم بالإبلاغ كما يعم المظروف الظرف، حتر لم يدع واحداً منهم إلا أبلغ في أمره فقال: ﴿فيهم رسولاً منهم﴾ فكان القياس يقتضي مبادرتهم لاتباعه لعلمهم بما حل بمن قبلهم لأجل التكذيب، ولمعرفتهم غاية المعرفة لكون النبي منهم، بما جعلناه عليه المحاسن، وما زيناه به من الفضائل، ولأن عزه عزهم، ولدعائه لهم إلى ما لا يخفى حسنه على عاقل، ولا يأباه منصف؛ ثم بين ما أرسل به بقوله: ﴿أن اعبدوا الله﴾ أي وحده لأنه لا مكافىء له، ولذا حفظ اسمه فكان لا سمي له؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿ما لكم﴾ ودل على الاستغراق بقوله: ﴿من إله غيره﴾ .
ولما كانت المثلات قد دخلت من قبلهم في المكذبين، وأناخت صروفها بالظالمين، فتسبب عن عملهم بذلك إنكار قلة مبالاتهم في عدم تحرزهم من مثل مصارعهم، قال: ﴿أفلا تتقون*﴾ أي تجعلون
стр. 6368
لكم وقاية مما ينبغي الخوف منه فتجعلوا وقاية تحول بينكم وبين سخط الله.
стр. 6369
ولما كان التقدير: فلم يؤمنوا ولم يتقوا دأب قوم نوح، عطف عليه قوله: ﴿وقال الملأ﴾ أي الأشراف الذين تملأ رؤيتهم الصدور، فكأن ما اقترن بالواو أعظم في التسلية مما خلا منها على تقدير سؤال لدلالة هذا على ما عطف عليه. ولما كانت القبائل قد تفرغت بتفرق الألسن، قدم قوله: ﴿من قومه﴾ اهتماماً وتخصيصاً للإبلاغ في التسلية ولأنه لو أخر لكان بعد تمام الصلة وهي طويلة؛ ثم بين الملأ بقوله: ﴿الذين كفروا﴾ أي غطوا ما يعرفون من أدلة التوحيد والانتقام من المشركين ﴿وكذبوا بلقاء الآخرة﴾ لتكذيبهم بالبعث.
ولما كان من لازم الشرف الترف، صرح به إشارة إلى أنه - لظن كونه سعادة في الدنيا - قاطع في الغالب عن سعادة الآخرة، لكونه حاملاً على الأشر والبطر والتكبر حتى على المنعم، فقال: ﴿وأترفناهم﴾ أي والحال أنا - بما لنا وعلى ما لنا من العظمة - نعمناهم ﴿في الحياة الدنيا﴾ أي الدانية الدنيئة، بالأموال والأولاد وكثرة السرور، يخاطبون أتباعهم: ﴿ما هذا﴾ أشاروا إليه تحقيراً له عند المخاطبين ﴿إلا بشر مثلكم﴾ أي في الخلق والحال؛ ثم
стр. 6370
وصفوه بما يوهم المساواة في كل وصف فقالوا: ﴿يأكل مما تأكلون منه﴾ من طعام الدنيا ﴿ويشرب مما تشربون*﴾ أي منه من شرابها فكيف يكون رسولاً دونكم!
ولما كان التقدير: فلئن اتبعتموه إنكم لضالون، عطف عليه: ﴿ولئن أطعتم بشراً مثلكم﴾ في جميع ما ترون ﴿إنكم إذاً﴾ أي إذا أطعتموه ﴿لخاسرون*﴾ أي مغبونون لكونكم فضلتم مثلكم عليكم بما يدعيه مما نحن له منكرون؛ ثم بينوا إنكارهم بقولهم: ﴿أيعدكم أنكم إذا متم﴾ ففارقت أرواحكم أجسادكم ﴿وكنتم﴾ أي وكانت أجسادكم ﴿تراباً﴾ باستيلاء التراب على ما دون عظامها ﴿وعظاماً﴾ مجردة؛ ثم بين الموعود به بعد أن حرك النفوس إليه، وبعث بما قدمه أتم بعث عليه، فقال مبدلاً من ﴿أنكم﴾ الأولى إيضاحاً للمعنى: ﴿أنكم مخرجون*﴾ أي من تلك الحالة التي صرتم إليها، فراجعون إلى ما كنتم عليه من الحياة على ما كان لكم من الأجسام؛ ثم استأنفوا التصريح بما دل عليه الكلام من استبعادهم ذلك فقالوا: ﴿هيهات هيهات﴾ أي بعد بعد جداً بحيث صار ممتنعاً، ولم يرفع ما بعده به بل قطع عنه تفخيماً له، فكان كأنه قيل: لأيّ شيء هذا الاستبعاد؟ فقيل: ﴿لما توعدون*﴾ .
стр. 6371
ولما كانوا بهذا التأكيد في التبعيد كأنهم قالوا: إنا لا نبعث أصلاً، اتصل به: ﴿إن هي﴾ أي الحالة التي لا يمكن لنا سواها ﴿إلا حياتنا الدنيا﴾
стр. 6372
أي التي هي أقرب الأشياء إلينا وهي ما نحن فيها، ثم فسروها بقولهم: ﴿نموت ونحيا﴾ أي يموت منا من هو موجود، وينشأ آخرون بعدهم ﴿وما نحن بمبعوثين*﴾ بعد الموت، فكأنه قيل: فما هذا الكلام الذي يقوله؟ فقيل: كذب؛ ثم حصروا أمره في الكذب فقالوا: ﴿إن﴾ أي ما ﴿هو إلا﴾ وألهبوه على ترك مثل ما خاطبهم به بقولهم: ﴿رجل افترى﴾ أي تعمد ﴿على الله﴾ أي الملك الأعلى ﴿كذباً﴾ والرجل لا ينبغي له مثل ذلك، أو هو واحد وحده، أي لا يلتفت إليه ﴿وما نحن له بمؤمنين*﴾ أي بمصدقين فيما يخبرنا به من البعث والرسالة؛ ثم استأنف قوله: ﴿قال رب﴾ أي أيها المحسن إليّ بإرسالي إليهم وغيره من أنواع التربية ﴿انصرني﴾ عليهم أي أوقع لي النصر ﴿بما كذبون*﴾ فأجابه ربه بأن ﴿قال عما قليل﴾ أي من الزمن. وأكد قلته بزيادة «ما» ﴿ليصبحن نادمين*﴾ على تخلفهم عن اتباعك.
стр. 6373
ولما تسبب عن دعائه أن تعقب هلاكهم، وعد الله له بذلك، قال تعالى: ﴿فأخذتهم الصيحة﴾ أي التي كأنها لقوتها لا صحية إلا هي،
стр. 6374
ويمكن أن تكون على بابها فتكون صيحة جبرئيل ﵊ ويكون القوم ثمود، ويمكن أنت تكون مجازاً عن العذاب الهائل ﴿بالحق﴾ أي بالأمر الثابت من العذاب الذي أوجب لهم الذي لا تمكن مدافعته لهم ولا لأحد غير الله، ولا يكون كذلك إلا وهو عدل ﴿فجعلناهم﴾ بعظمتنا التي لا تدانيها عظمة، بسبب الصيحة ﴿غثاء﴾ كأنهم أعجاز نخل خاوية، جاثمين أمواتاً يطرحون كما يطرح الغثاء، وهو ما يحمله السيل من نبات ونحوه فيسود ويبلى فيصير بحيث لا ينتفع به، ونجينا رسولهم ومن معه من المؤمنين، فخاب الكافرون، وأفلح المؤمنون، وكانوا هم الوارثين للأرض من بعدهم.
ولما كان هلاكهم على هذا الوجه سبباً لهوانهم، عبر عنه بقوله: ﴿فبعداً﴾ أي هلاكاً وطرداً. ولما كان كأنه قيل: لمن؟ قيل: لهم! ولكنه أظهر الضمير تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف تحذيراً لكل من تلبس به فقال: ﴿للقوم﴾ أي الأقوياء الذي لا عذر لهم في التخلف عن اتباع الرسل والمدافعة عنهم ﴿الظالمين*﴾ الذين وضعوا قوتهم التي كان يجب عليهم بذلها في نصر الرسل في خذلانهم.
ولما كانت عادة المكذبين أن يقولوا تكذيباً: هذا تعريض لنا بالهلاك، فصرِّح ولا تدع جهداً في إحلاله بنا والتعجيل به
стр. 6375
إلينا، فإنا لا ندع ما نحن عليه لشيء، وكان العرب أيضاً قد ادعوا أن العادة بموتهم وإنشاء من بعدهم شيئاً فشيئاً لا تنخرم، قال تعالى رادعاً لهم: ﴿ثم أنشأنا﴾ أي بعظمتنا التي لا يضرها تقديم ولا تأخير، وأثبت الجار لما تقدم فقال: ﴿من بعدهم﴾ أي من بعد من قدمنا ذكره من نوح والقرن الذي بعده ﴿قروناً آخرين﴾ ثم أخبر بأنه لم يعجل على أحد منهم قبل الأجل الذي حده له بقوله: ﴿ما تسبق﴾ ولعله عبر بالمضارع إشارة إلى أنه ما كان شيء من ذلك ولا يكون، وأشار إلى الاستغراق بقوله: ﴿من أمة أجلها﴾ أي الذي قدرناه لهلاكها ﴿وما يستأخرون*﴾ عنه، وكلهم أسفرت عاقبته عن خيبة المكذبين وإفلاح المصدقين، وجعلهم بعدهم الوارثين، وعكس هذا الترتيب في غيرها من الآيات فقدم الاستئخار لنه فرض هناك مجيء الأجل فلا يكون حينئذ نظر إلا إلى التأخير.
ولما كان قد أملى لكل قوم حتى طال عليهم الزمن، فلما لم يهدهم عقولهم لما نصب لهم من الأدلة، وأسبغ عليهم من النعم، وأحل بالمكذبين قبلهم من النقم، أرسل فيهم رسولاً، دل على ذلك بأداة التراخي فقال: ﴿ثم أرسلنا﴾ أي بعد إنشاء كل قرن منهم وطول إمهالنا له،
следующие страницы →