Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.
стр. 6441
﴿إلا قليلاً﴾ أي هو من القلة بحيث لا يسمى بل هو عدم ﴿لو أنكم كنتم﴾ أي كوناً هو كالجبلة ﴿تعلمون*﴾ أي في عداد من يعلم في ذلك الوقت، لما آثرثم الفاني على الباقي، ولأقبلتم على ما ينفعكم، وتركتم الخلاعة التي لا يرضاها عاقل، ولا يكون على تقدير الرضا بفعلها إلا بعد الفراغ من المهم، ولكنكم كنتم في عداد البهائم، وفي ذلك تنبيه للمؤمنين الذين هم الوارثون على الشكر على ما منحهم من السرور بإهلاك أعدائهم وإيراثهم أرضهم وديارهم، مع إعزازهم والبركة في أعمارهم، بعد إراحتهم منهم في الدنيا، ثم بإدامة سعادتهم في الآخرة وشقاوة أعدائهم.
ولما كان حالهم في ظنهم أن لا بعث، حتى اشتغلوا بالفرح، والبطر والمرح، والاستهزاء بأهل الله، حال من يظن العبث على الله الملك الحق المبين، سبب عن ذلك عطفاً على قوله ﴿فاتخذتموهم سخرياً﴾ إنكاره عليهم في قوله: ﴿أفحسبتم﴾ ويجوز أن يكون معطوفاً على مقدر نحو: أحسبتم أنا نهملكم فلا ننصف مظلومكم من ظالمكم، فحسبتم ﴿أنما خلقناكم﴾ أي على ما لنا من العظمة ﴿عبثاً﴾ أي عابثين أو للعبث منا أو منكم، لا لحكمة إظهار العدل والفضل، حتى اشغلتم بظلم أنفسكم وغيركم؛ قال أبو حيان: والعبث:
стр. 6442
اللب الخالي عن فائدة. ﴿وأنكم﴾ أي وحسبتم أنكم ﴿إلينا﴾ أي خاصة ﴿لا ترجعون*﴾ بوجه من الوجوه لإظهار القدرة والعظمة في الفصل، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره وأبو يعلى الموصلي في الجزء الرابع والعشرين من مسنده والبغوي في تفسيره عن ابن مسعود ﵁ أنه رقى رجلاً مصاباً بهذه الآية إلى آخر السورة في أذنيه فبرأ فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده! لو أن رجلاً موقناً قرأ بها على جبل لزال» وفي سندهما ابن لهيعة. قال ابن كثير: وروى أبو نعيم عن محمد ابن إبراهيم بن الحارث عن أبيه ﵁، قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية وأمرنا أن نقول إذا أمسينا وأصبحنا ﴿أفحسبتم﴾ - الآية، قال: فقرأناها فغنمنا وسلمنا.
ولما كان التقدير: ليس الأمر كما حسبتم، علل ذلك بقوله: ﴿فتعالى الله﴾ أي علا الذي له الجلال والجمال علواً كبيراً عن العبث؛ ثم وصفه بما ينافي العبث فقال: ﴿الملك﴾ أي المحيط بأهل مملكته علماً وقدرة وسياسة، وحفظاً ورعاية.
ولما كان بعض ملوك الدنيا قد يفعل ما ينافي شيم الملوك من العبث بما فيه من الباطل، أتبع ذلك بصفة تنزهه عنه فقال: ﴿الحق﴾ .
стр. 6443
أي الذي لا تطرق للباطل إليه في شيء من ذاته ولا صفاته، فلا زوال له ولا لملكه فأنّى يأتيه العبث.
ولما كان الحق من حيث هو قد يكون له ثان. نفى ذلك في حقه تعالى بقوله: ﴿لا إله إلا هو﴾ فلا يوجد له نظير أصلاً في ذات ولا صفة، ومن يكون كذلك يكون حائزاً لجميع أوصاف الكمال، وخلال الجلال والجمال، متعالياً عن سمات النقص، والعبث من أدنى صفات النقص، لخلوه عن الحكمة التي هي أساس الكمال؛ ثم زاد في التعيين والتأكيد للتفرد بوصفه بصفة لا يدعيها غيره فقال: ﴿رب العرش﴾ أي السرير المحيط بجميع الكائنات، العالي عليها علواً لا يدانيه شيء؛ ثم وصف العرش لأنه في سياق الحكم بالعدل والتنزه عن العبث بخلاف سياق براءة والنمل فإنه للقهر والجبروت بقوله: ﴿الكريم*﴾ أي الذي تنزل منه الخيرات الحاصلة للعباد، مع شرف جوهره، وعلى رتبته، ومدحه أبلغ مدح لصاحبه، والكريم من ستر مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها وتنزه عن كل دناءة؛ قال القزاز: وأصل الكرم في اللغة الفضل والرفعة. ولما كان التقدير: فمن دعا الله وحده فأولئك هم المفلحون الوارثون في الدارين، عطف عليه قوله: ﴿ومن يدع مع الله﴾ أي الملك الذي كفوء له لإحاطته بجميع صفات
стр. 6444
الكمال ﴿إلهاً﴾ ولما كانوا لتعنتهم ينسبون الداعي له سبحانه باسمين أو أكثر إلى الشرك، قيد بقوله: ﴿آخر﴾ ثم أيقظ من سنة الغفلة، ونبه على الاجتهاد والنظر في أيام المهلة، بقول لا أعدل منه ولا أنصف فقال: ﴿لا برهان له﴾ ولما كان المراد ما يسمى برهاناً ولو على أدنى الوجوه الكافية، عبر بالباء سلوكاً لغاية الإنصاف دون «على» المفهمة للاستعلاء بغاية البيان فقال: ﴿به﴾ أي بسبب دعائه فإنه إذا اجتهد في إقامة برهان على ذلك لم يجد، بل وجد البراهين كلها قائمة على نفي ذلك، داعية إلى الفلاح باعتقاد التوحيد والصلاح، هذا المراد، لا أنه يجوز أن يقوم على شيء غيره برهان ﴿فإنما حسابه﴾ أي جزاؤه الذي لا تمكن زيادته ولا نقصه ﴿عند ربه﴾ الذي رباه، ولم يربه أحد سواه، وغمره بالإحسان، ولم يحسن إليه أحد غيره، الذي هو أعلم بسريرته وعلانيته منه نفسه، فلا يخفى عليه شيء من أمره.
ولما أفهم كون حسابه عند هذا المحسن أحد أمرين: إما الصفح بدوام الإحسان، وإما الخسران بسبب الكفران، قال على طريق الجواب لمن يسأل عن ذلك: ﴿إنه لا يفلح﴾ ووضع ﴿الكافرون*﴾ موضع ضميره تنبيهاً على كفره وتعميماً للحكم، فصار أول السورة
стр. 6445
وآخرها مفهماً لأن الفلاح مختص به المؤمنون.
ولما كان الأمر كذلك، أمر سبحانه نبيه ﷺ بالاجتهاد في إنقاذ عباده حتى بالدعاء لله في إصلاحهم ليكون الختم بالرحمة للمؤمنين، كما كان الافتتاح بفلاحهم، فقال عاطفاً على قوله ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ فإنه لا إحسان أحسن من الغفران، أو على معنى ﴿قال كم لبثتم﴾ الذي بينته قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي بالأمر: ﴿وقل﴾ ، أو يكون التقدير: فأخلص العبادة له ﴿وقل﴾ لأجل أن أحداً لا يقدره حق قدره: ﴿رب﴾ أيها المحسن إليّ ﴿اغفر وارحم﴾ أي أكثر من تعليق هاتين الصفتين في أمتي لتكثرها، فإن في ذلك شرفاً لي ولهم، فأنت خير الغافرين ﴿وأنت خير الرّاحمين*﴾ فَمنْ رحمته أفلح بما توفقه له من امتثال ما أشرت إليه أول السورة، فكان من المؤمنين، فكان من الوارثين الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون، فقد انطبق على الأول هذا الآخر بفوز كل مؤمن، وخيبة كل كافر، نسأل الله تعالى أن يكون لنا أرحم راحم وخير غافر، إنه المتولي للسرائر، والمرجو لإصلاح الضمائر - آمين.
стр. 6446
مقصودها مدلول اسمها المودع قلبها المراد منه أنه تعالى شامل العلم، اللازم منه تمام القدرة، اللازم منه إثبات الأمور على غاية الحكمة، اللازم منه تأكيد الشرف للنبي ﷺ ، اللازم منه شرف من اختاره لصحبته على منازل قربهم منه واختصاصهم به، اللازم منه غاية النزاهة والشرف والطهارة لأم المؤمنين عائشة ﵂ التي مات النبي ﷺ وهو عنها راض، وماتت هي ﵂ صالحة محسنة، وهذا هو المقصود بالذات ولكن إثباته محتاج إلى تلك المقدمات) بسم الله (الذي تمت كلمته فبهرت قدرته) الرحمن (الذي ظهرت الحقائق كلها بشمول رحمته) الرحيم (الذي شرف من اختاره بخدمته.
لما تقدم في التي قبلها تحريم الزنى والحث على الصيانة، وختم تلك الآية بذكر الجنة المتضمن للبعث، استدل عليه وذكر ما يتبعه من تهديد وعمل إلى أن فرغت السورة وأخبر في آخرها بتبكيت
стр. 6447
المعاندين يوم الندم بقوله)) ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون () [المؤمنون: ١٠٥] وبقوله)) أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً () [المؤمنون: ١١٥] كل ذلك رحمة منه لخلقه ليرجع منهم من قضى بسعادته، ثم ختم بقوله)) وأنت خير الراحمين () [المؤمنون: ١١٨] فابتدأ سبحانه هذه السورة بأنه منَّ على المخاطبين ببيان ما خلقوا له من الأحكام لنهم لم يخلقوا سدى، بل لتكاليف تعبدهم بها ترفع التنازع وتحسم مادة الشر، فتوجب الرحمة والعطف بسلامة الصدر بما فيهم من الجنسية، فقال مخبراً عن مبتدإ تقديره: هذه
стр. 6448
﴿سورة﴾ أي عظيمة؛ ثم رغب في امتثال ما فيها مبيناً أن تنويهاً للتعظيم بقوله: ﴿أنزلناها﴾ أي بما لنا من العظمة وتمام العلم والقدرة ﴿وفرضناها﴾ أي قررناها وقدرناها وأكثرنا فيها من الفروض وأكدناها ﴿وأنزلنا فيها﴾ بشمول علمنا ﴿آيات﴾ من الحدود والأحكام والمواعظ والأمثال وغيرها، مبرهناً عليها ﴿بينات﴾ لا إشكال فيها رحمة منا لكم، فمن قبلها دخل في دعوة نبينا ﷺ التي لقناه إياها في آخر تلك فرحمه خير الراحمين، ومن أباها ضل فدخل في التبكيت بقولنا ﴿ألم تكن آياتي تتلى عليكم﴾ [المؤمنون: ١ ٠٥] ونحوه، وذلك معنى قوله: ﴿لعلكم تذكرون*﴾ أي لتكونوا - إذا تأملتموها مع ما قبلها من الآيات المرققة والقصص
стр. 6449
المحذرة - على رجاء - عند من لا يعلم العواقب - من أن تتذكروا ولو نوعاً من التذكر - كما أشار إليه الإدغام - بما ترون فيها من الحكم أن الذي نصبها لكم وفصلها إلى ما ترون لا يترككم سدى، فتقبلوا على جميع أوامره، وتنتهوا عن زواجره، ليغفر لكم ما قصرتم فيه من طاعته، ويرحمكم بتنويل ما لا وصول لكم إليه إلا برحمته، وتتذكروا أيضاً بما يبين لكم من الأمور، ويكشف عنه الغطاء من الأحكام التي اغمت عنها حجب النفوس، وسترتها ظلمات الأهوية - ما جبل عليه الآدميون، فتعلموا أن الذي تحبون أن يفعل معكم بحب غيركم أن تفعلوه معه، والذي تكرهونه من ذلك يكرهه غيركم، فيكون ذلك حاملاً لكم على النصفة فيثمر الصفاء، والألفة والوفاء، فتكونوا من المؤمنين المفلحين الوارثين الداخلين في دعوة البشير النذير بالرحمة.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما قال تعالى ﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾ [المؤمنون: ٥] ثم قال تعالى ﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ [المؤمنون: ٧] استدعى الكلام بيان حكم العادي في ذلك، ولم يبين فيها فأوضحه في سورة النور فقال تعالى ﴿الزانية والزاني﴾ - الآية، ثم أتبع ذلك بحكم اللعان والقذف وانجرّ مع ذلك الإخبار
стр. 6450
بقصة الإفك تحذيراً للمؤمنين من زلل الألسنة رجماً بالغيب ﴿وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم﴾ وأتبع ذلك بعد بوعيد محبّي شياع الفاحشة، في المؤمنين بقوله تعالى ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات﴾ [النور: ٢٣] الآيات، ثم بالتحذيرمن دخول البيوت إلا بعد الاستئذان المشروع، ثم بالأمر بغض الأبصار للرجال والنساء ونهى النساء عن إبداء الزينة إلا لمن سمى الله سبحانه في الآية، وتكررت هذه المقاصد في هذه السورة إلى ذكر حكم العورات الثلاث، ودخول بيوت الأقارب وذوي الأرحام، وكل هذا مما تبرأ ذمة المؤمن بالتزام ما أمر الله فيه من ذلك والوقوف عندما حده تعالى من أن يكون من العادين المذمومين في قوله تعالى
﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ [المؤمنون: ٧] . وما تخلل الآي المذكورات ونسق عليها مما ليس من الحكم المذكور فلاستجرار الآي إياه واستدعائه، ومظنة استيفاء ذلك وبيان ارتباطه التفسير، وليس من شرطنا هنا - والله يوفقنا لفهم كتابه - انتهى.
ولما كان مبنى هذه الدار على الأنساب في التوارث والإمامة والنكاح وغير ذلك، ومبنى تلك الدار على الأعمال لقوله تعالى
стр. 6451
﴿فلا أنساب بينهم يومئذ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وكان قد حث في آخر تلك على الستر والرحمة، حذر رحمة منه في أول هذه من لبس الأنساب، وكسب الأعراض وقطع الأسباب، معلماً أن الستر والرقة ليسا على عمومهما، بل على ما يحده سبحانه، فقال مخاطباً للأئمة ومن يقيمونه: ﴿الزانية﴾ وهي من فعلت الزنى، وهو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً، وقدمها لأن أثر الزنى يبدو عليها من الحبل وزوال البكارة، ولأنها أصل الفتنة بهتك ما أمرت به من حجاب التستر والتصون والتحذر ﴿والزاني﴾ .
ولما كان «ال» بمعنى الاسم الموصول، أدخل الفاء في الخبر فقال: ﴿فاجلدوا﴾ أي فاضربوا وإن كان أصله ضرب الجلد بالسوط الذي هو جلد ﴿كل واحد منهما﴾ إذا لم يكن محصناً، بل كان مكلفاً بكراً - بما بينته السنة الشريفة ﴿مائة جلدة﴾ فبدأ بحد الزنى المشار إليه أول تلك بقوله تعالى ﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ [المؤمنون: ٧] وفي التعبير بلفظ الجلد الذي هو ضرب الجلد إشارة إلى أنه يكون مبرحاً بحيث يتجاوز الألم إلى اللحم.
ولما كان هذا ظاهراً في ترك الشفقة عليهما، صرح به
стр. 6452
لأن من شأن كل من يجوز على نفسه الوقوع في مثل ذلك أن يرحمهما فقال: ﴿ولا تأخذكم﴾ أي على حال من الأحوال ﴿بهما رأفة﴾ أي لين، ولعله عبر بها إعلاماً بأنه لم ينه عن مطلق الرحمة، لأن الرأفة أشد الرحمة أو أرقها وتكون عن أسباب من المرؤوف به، وكذا قوله: ﴿في دين الله﴾ أي الذي شرعه لكم الملك المحيط بصفات الكمال - إشارة إلى أن الممنوع منه رحمة تؤدي إلى ترك الحد أو شيء منه أو التهاون به أو الرضى عن منتهكه لا رقة القلب المطبوع عليها البشر كما يحكى عن أبي الدرداء ﵁ أنه بكى يوم فتحت قبرص وضربت رقاب ناس من أسراها فقيل له: هذا يوم سرور، فقال: هو كذلك، ولكني أبكي رحمة لهؤلاء العباد الذين عصوا الله فخذلهم وأمكن منهم.
ولما علم سبحانه ما طبع عليه عباده من رحمة بعضهم لبعض فحث على هذا الحكم بالأمر والنهي، زاد في التهييج إليه والحض عليه بقوله: ﴿إن كنتم﴾ أي بما هو كالجبلة التي لا تنفك ﴿تؤمنون بالله﴾ أي الملك الأعظم الذي هو أرحم الراحمين، فما شرع ذلك إلا رحمة للناس عموماً وللزانيين خصوصاً، فمن نقص سوطاً فقد ادعى أنه أرحم منه، ومن زاد سوطاً فقد ظن أنه أحكم وأعظم منه.
стр. 6453
ولما ذكر بالإيمان الذي من شرطه التزام الأحكام، وكان الرجاء غالباً على الإنسان، أتبعه ما يرهبه فقال: ﴿واليوم الآخر﴾ الذي يحاسب فيه على النقير والقطمير والخفي والجلي. ولما كان الخزي والفضيحة أعظم عند بعض الناس من ضرب السيف فضلاً عن ضرب السوط قال: ﴿وليشهد﴾ أي يحضر حضوراً تاماً ﴿عذابهما طائفة﴾ أي جماعة يمكن إطافتها أي تحلقها وحفوفها بكل منهما ﴿من المؤمنين*﴾ العريقين إشهاراً لأمرهما نكالاً لهما، وعن نصر بن علقمة أن ذلك ليدعى لهما بالتوبة والرحمة. وفي كل هذا إشارة ظاهرة إلى أن إقامة الحدود والغلظة فيها من رحمته سبحانه المشار إليها بقوله ﴿وأنت خير الراحمين﴾ [المؤمنون: ١١٨] .
стр. 6454
ولما كان في ذلك من الغلظة على الزاني لما ارتكب من الحرام المتصف بالعار ما يفهم مجانبته، صرح به، مانعاً من نكاح المتصف بالزنى من ذكر وأنثى، إعلاماً بأن وطء من اتصف به من رجل أو امرأة لا يكون إلا زنى وإن كان بعقد، فقال واصلاً له بما قبله:
стр. 6455
﴿الزاني لا ينكح﴾ أي لا يتزوج ﴿إلا زانية أو مشركة﴾ أي المعلوم اتصافه بالزنى مقصور نكاحه على زانية أو مشركة، وذلك محرم، فهذا تنفير للمسلمة عن نكاح المتصف بالزنى حيث سويت بالمشركة إن عاشرته، وذلك يرجع إلى أن من نكحت زانياً فهي زانية أو مشركة، أي فهي مثله أو شر منه، ولو اقتصر على ذلك لم يكن منع من أن ينكح العفيف الزانية، فقال تعالى مانعاً من ذلك: ﴿والزانية لا ينكحها﴾ أي لا يتزوجها ﴿إلا زان أو مشرك﴾ أي والمعلوم اتصافها بالزنى مقصور نكاحها على زان أو مشرك، وذلك محرم فهو تنفير للمسلم أن يتزوج من اتصفت بالزنى حيث سوى في ذلك بالمشرك، وهو يرجع إلى أن من نكح زانية فهو زان أو مشرك، أي فهو مثلها أو شر منها، وأسند النكاح في الموضعين إلى الرجل تنبيهاً إلى أن النساء لا حق لهن في مباشرة العقد؛ ثم صرح بما أفهمه صدر الاية بقوله مبنياً للمفعول لأن ذلك يكفي المؤمن الذي الخطاب معه: ﴿وحرم ذلك﴾ أي نكاح الزاني والزانية تحريماً لا مثنوية فيه ﴿على المؤمنين*﴾ وعلم من هذا أن ذكر المشرك والمشركة لزيادة التنفير، ثم إن هذا الحكم فسخ كما قال إمامنا الشافعي ﵀ موافقة لابن المسيب بقوله تعالى ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢] وهو جمع أيم وهو من لا زوج له من الذكور والإناث، فأحل للزاني
стр. 6456
أن ينكح من شاء، وللزانية أن تنكح من شاءت، وقراءة من قرأ ﴿لا ينكح﴾ بالنهي راجعة إلى هذا، لأن الطلب قد يجيء للخبر كما يجيء الخبر للطلب - والله أعلم؛ قال الشافعي رحمه الله تعالى ورضي الله عنه في الأم في جزء مترجم بأحكام القرآن وفي جزء بعد كتاب الحج الكبير والصغير والضحايا: ما جاء في نكاح المحدثين، فذكر الآية وقال: اختلف أهل التفسير في هذه الاية اختلافاً متبايناً، أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن مجاهد أن هذه الآية نزلت في بغايا من بغايا الجاهلية كانت على منازلهن رايات، قال في الجزء الآخر: وكن غير محصنات، فأراد بعض المسلمين نكاحهن فنزلت الآية بتحريم أن ينكحن إلا من أعلن بمثل ما أعلن به أو مشركاً، وقيل كن زواني مشركات فنزلت لا ينكحهن إلا زان مثلهم مشرك، أو مشرك وإن لم يكن زانياً، وحرم ذلك على المؤمنين، وقيل: هي عامة ولكنها نسخت، أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: هي منسوخة نسختها
﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: ٣٢] فهي من أيامي المسلمين، فهذا كما قال ابن المسيب إن شاء الله تعالى، وعليه
стр. 6457
دلائل من الكتاب والسنة، ثم استدل على فساد غير هذا القول بأن الزانية إن كانت مشركة فهي محرمة على زناة المسلمين وغير زناتهم بقوله تعالى ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١] ولا خلاف في ذلك، وإن كانت مسلمة فهي بالإسلام محرمة على جميع المشركين بكل نكاح بقوله تعالى ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ [الممتحنة: ١٠] ولا خلاف في ذلك أيضاً، وبأنه لا اختلاف بين أحد من أهل العلم أيضاً في تحريم الوثنيات عفائف كن أو زواني على من آمن زانياً كان أو عفيفاً، وبأن النبي ﷺ جلد بكراً في الزنى وجلد امرأة ولم نعلمه قال للزاني: هل لك زوجة فتحرم عليك إذا زنيت، ولا يتزوج هذا الزاني ولا الزانية إلا زانية أو زانياً، بل قد يروى أن رجلاً شكا من امرأته فجوراً فقال: طلقها، قال: إني أحبها، قال: استمتع بها - يشير إلى ما رواه ابو داود والنسائي وغيرهما عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: «إن امرأتي لا تمنع يد لامس، قال: طلقها، قال: إني لا أصبر عنها، قال: فأمسكها» ورواه البيهقي والطبراني من حديث جابر ﵁، وقال شيخنا ابن حجر: إنه حديث حسن صحيح - انتهى. قال الشافعي: وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
стр. 6458
قال لرجل اراد أن ينكح امرأة أحدثت: أنكحها نكاح العفيفة المسلمة - انتهى بالمعنى. وقال في الجزء الذي بعد الحج: فوحدنا الدلالة عن رسول الله ﷺ في زانية وزان من المسلمين لم نعلمه حرم على واحد منهما أن ينكح غير زانية ولا زان، ولا حرم واحداً منهما على زوجه؛ ثم قال: فالاختيار للرجل أن لا ينكح زانية وللمرأة أن لا تنكح زانياً، فإن فعلا فليس ذلك بحرام على واحد منهما، ليست معصية واحد منهما في نفسه تحرم عليه الحلال إذا أتاه، ثم قال: وسواء حد الزاني منهما أو لم يحد، أو قامت عليه بينة أو اعترف، لا يحرم زنى واحد منهما ولا زناهما ولا معصية من المعاصي الحلال إلا أن يختلف ديناهما بشرك وإيمان - انتهى. وقد علم أنه لم يرد أن هذا الحكم نسخ بآية الأيامى فقط، بل بما انضم إليها من الإجماع وغيره من الآيات والأحاديث بحيث صير ذلك دلالتها على ما تناولته متيقناً كدلالة الخاص على ما تناوله، فلا يقال: إن الشافعي ﵀ خالف أصله في أن الخاص لا ينسخ بالعام، لأن ما تناوله الخاص متيقن، وما تناوله العام ظاهر مظنون، وكان هذا الحكم - وهو الحرمة في أول الإسلام بعد الهجرة - لئلا يغلب حال المفسد على المصلح فيختل بعض الأمر كما أشير إليه في البقرة
﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ [البقرة: ٢٢١] وفي
стр. 6459
المائدة عند ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ [المائدة: ٥] وهو من وادي قوله:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل خليل بالمخالل يقتدي
والجنسية علة الضم، والمشاكلة سبب المواصلة، والمخالفة توجب المباعدة وتحرم المؤالفة، وقد روى أبو داود في الأدب والترمذي في الزهد - وقال: حسن غريب - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» وروى الإمام أبو يعلى الموصلي في مسنده قال: حدثنا يحيى بن معين حدثنا سعيد بن الحكم حدثنا يحيى بن أيوب حدثني يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: كانت امرأة بمكة مزاحة، يعني فهاجرت إلى المدينة الشريفة، فنزلت على امرأة شبه لها، فبلغ ذلك عائشة ﵂ فقالت صدق حبي! سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» قال: ولا أعلم إلا قال في الحديث: ولا نعرف تلك المرأة، وسيأتي ﴿والطيبات للطيبين﴾ تخريج «الأرواح جنود مجندة» وقال الإمام أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري في كتاب المجالسة: حدثنا
стр. 6460
أحمد بن علي الخزاز حدثنا مصعب بن عبد الله عن أبي غزية الأنصاري قال: قال الشعبي: يقال: إن لله ملكاً موكلاً بجمع الأشكال بعضها إلى بعض - انتهى. وعزاه شيخنا الحافظ أبو الفضل بن حجر في تخريج أحاديث مسند الفردوس إلى أنس ﵁ وقال: بتأليف الأشكال. ويروى أن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ﵁ خطب أهل الكوفة بعد ثلاثة أيام من مقدمه عليهم فقال: يا أهل الكوفة، قد علمنا شراركم من خياركم، فقالوا: كيف وما لك إلا ثلاثة أيام؟ فقال: كان معنا شرار وخيار، فانضم خيارنا إلى خياركم، وشرارنا إلى شراركم، فلما تقررت الأحكام، وأذعن الخاص والعام، وضرب الدين بجرانه، ولم يخش وهي شيء من بنيانه، نسخت الحرمة، وبقيت الكراهة أو خلاف الأولى - والله الموفق. وهذا كله توطئة لبراءة عائشة أم المؤمنين ﵂ كما يأتي إيضاحه عنه ﴿والطيبات للطيبين﴾ لأنها قرينة خير العالمين وأتقاهم وأعفهم، ولأن كلاًّ منها ومن صفوان ﵄ بعيد عما رمى به شهير بضده، وإليه الإشارة
«بقول النبي ﷺ : من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً»
стр. 6461
وفي رواية «ما علمت عليه من سوء قط، ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر» وبقول عائشة ﵂ عن صفوان ﵁: إنه قتل شهيداً في سبيل الله. وهذا سوى الآيات المصرحة والأعلام المفصحة، فهو ﴿والطيبون﴾ تلويح قبل بيان، وتصريح وإشارة بعد عبارة وتوضيح، ليجتمع في براءة الصديقة ﵂ دليلان عقليان شهوديان اكتنفا الدليل النقلي فكانا سوراً عليه، وحفظاً من تصويب طعن إليه، وفي ذلك من فخامة أمرها وعظيم قدرها ما لا يقدره حق قدره إلا الذي خصها به.
стр. 6462
ولما نفر سبحانه من نكاح من اتصف بالزنى من رجل أو امرأة، وبدأ - لأن نكاح المرأة للزاني مظنة لزناها - بتنفير الإناث بما يوهم جواز إطلاق الزنى عليهن بمجرد نكاح من علم زناه، وذلك بعد أن ابتدأ في حد الزنى بالأنثى أيضاً لأن زناها أكبر شراً، وأعظم فضيحة وضراً، عطف على ذلك تحريم القذف بما يوجب تعظيم الرغبة في الستر وصيانة الأعراض وإخفاء الفواحش، فقال ذاكراً الجمع لأن الحكم بإقامة الحد عليه
стр. 6463
يفهم إقامة الحد على الواحد من باب الأولى ولا إيهام فيه لأن الجمع إذا قوبل بالجمع أفهم التوزيع: ﴿والذين يرمون﴾ أي بالزنى ﴿المحصنات﴾ جمع محصنة، وهي هنا المسلمة الحرة المكلفة العفيفة، والمراد القذف بالزنى بما أرشد إليه السياق سابقاً ولاحقاً، ذكوراً كان الرامون أو إناثاً بما أفهمه الموصول، وخص الإناث وإن كان الحكم عاماً للرجال تنبيهاً على عظيم حق أم المؤمنين عائشة ﵂، ولأن الكلام في حقهن أشنع.
ولما كان إقدام المجترىء على القذف مع ما شرطه فيه لدرء الحد إرادة الستر - بعيداً، أشار إليه بأداة التراخي فقال: ﴿ثم لم يأتوا﴾ أي إلى الحاكم ﴿بأربعة شهداء﴾ ذكور ﴿فاجلدوهم﴾ أيها المؤمنون من الأئمة ونوابهم ﴿ثمانين جلدة﴾ لكل واحد منهم، لكل محصنة، إن لم يكن القاذف أصلاً، إن كانوا أحراراً، وحد العبد نصف ذلك لآية النساء ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] فهذه الآية مخصوصة بتلك إذ لا فرق بين الذكر والأنثى ولا بين حد الزنى وحد القذف ﴿ولا تقبلوا لهم﴾ أي بعد قذفهم على هذا الوجه ﴿شهادة﴾
стр. 6464
أي شهادة كانت ﴿أبداً﴾ للحكم بافترائهم، ومن ثبت افتراؤه سقط الوثوق بكلامه.
ولما كان التقدير: فإنهم قد افتروا، عطف عليه تحذيراً من الإقدام عن غير تثبيت: ﴿وأولئك﴾ أي الذين تقدم ذمهم بالقذف فسفلت رتبتهم جداً ﴿هم الفاسقون*﴾ أي المحكوم بفسقهم الثابت لهم هذا الوصف وإن كان القاذف منهم محقاً في نفس الأمر.
ولما كان من أصل الشافعي ﵀ أن الاستثناء المتعقب للجمل المتواصلة المتعاطفة بالواو عائد إلى الجميع سواء كانت من جنس أو أكثر إلا إذا منعت قرينة، أعاد الاستثناء هنا إلى الفسق ورد الشهادة دون الحكم بالجلد، لأن من تمام التوبة الاستسلام للحد والاستحلال منه، ولقرينة كونه حق آدمي وهو لا يسقط بالتوبة، في قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ أي رجعوا عما وقعوا فيه من القذف وغيره وندموا عليه وعزموا على أن لا يعودوا كما بين في البقرة في قوله تعالى ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا﴾ [البقرة: ١٦٠] وأشار إلى أن الجلد لا يسقط بالتوبة بقوله مشيراً بإدخال الجار إلى أن قبولها لا يتوقف على استغراقها الزمان الآتي: ﴿من بعد ذلك﴾ أي الأمر الذي أوجب إبعادهم وهو الرمي
стр. 6465
والجلد، فإن التوبة لا تغير حكم الرامي في الجلد، وإنما تغيره في رد الشهادة وما تسببت عنه وهو الفسق، وأشار إلى شروط التوبة بقوله: ﴿وأصلحوا﴾ أي بعد التوبة بمضي مدة يظن بها حسن الحال، وهي سنة يعتبر بها حال التائب بالفصول الأربعة التي تكشف الطباع.
ولما كان استثناؤهم من رد الشهادة والفسق، فكان التقدير: فاقبلوا شهادتهم ولا تصفوهم بالفسق، علله بقوله: ﴿فإن الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿غفور﴾ أي ستور لهم ما أقدموا عليه لرجوعهم عنه ﴿رحيم*﴾ أي يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم في قبول الشهادة.
ولما كان لفظ المحصنات عاماً للزوجات، وكان لهن حكم غير ما تقدم، أخرجهن بقوله: ﴿والذين يرمون﴾ أي بالزنى ﴿أزواجهم﴾ أي من المؤمنات الأحرار والإماء والكافرات ﴿ولم يكن لهم﴾ بذلك ﴿شهداء إلا أنفسهم﴾ وهذا يفهم أن الزوج إذا كان أحد الأربعة كفى، لكن يرد هذا المفهوم كونه حكاية واقعة لا شهود فيها، وقوله في الآية قبلها: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ فإنه يقتضي كون الشهداء غير الرامي، ولعله استثناه من الشهداء لأن لعانه يكون بلفظ الشهادة، ومذهب الشافعي ﵁ أنه لا يقبل في ذلك على زوجته - قال ابن الرفعة في الكفاية: لأمرين: أحدهما أن الزنى تعرض لمحل حق
стр. 6466
الزوج، فإن الزاني مستمتع بالمنافع المستحقة له، فشهادته في صفتها تتضمن إثبات جناية الغير على ما هو مستحق له فلم تسمع، كما إذا شهد أنه جنى على عبده، والثاني أن من شهد بزنى زوجته فنفس شهادته تدل على إظهار العداوة، لأن زناها يوغر صدره بتلطيخ فراشه وإدخال العار عليه وعلى ولده، وهو أبلغ في العداوة من مؤلم الضرب وفاحش السب، قال القاضي الحسين: وإلى هذه العلة أشار الشافعي ﵀ وهي التي حكاها القاضي أبو الطيب في باب حد قاطع الطريق عن الشيخ أبي حامد. ﴿فشهادة أحدهم﴾ أي على من رماها ﴿أربع شهادات﴾ من خمس في مقابلة أربعة شهداء ﴿بالله﴾ أي مقرونة بهذا الاسم الكريم الأعظم الموجب لاستحضار جميع صفات الجلال والجمال ﴿إنه لمن الصادقين*﴾ أي فيما قذفها به ﴿والخامسة أن لعنت الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿عليه﴾ أي هذا القاذف نفسه ﴿إن كان من الكاذبين*﴾ فيما رماها به، ولأجل قطعه بهذه الأيمان الغليظة بصدقه وحكم الله بخلاصه انتفى عنه الولد، فلزم من نفيه الفرقة المؤبدة من غير لفظ لعدم صلاحيتها أن تكون فراشاً له، لأن الولد للفراش، ولا يصح
стр. 6467
اللعان إلا عند حاكم، ولا يخفى ما في هذا من الإبعاد عن القذف بوجوب مزيد الاحتياط، لما في ذلك من التكرير والاقتران بالاسم الأعظم، والجمع بين الإثبات وما يتضمن النفي، والدعاء باللعن المباعد لصفة المؤمن، فإذا فعل الزوج ذلك سقط عنه العذاب بحد القذف وأوجبه على المقذوفة، فلذلك قال تعالى: ﴿ويدرؤا﴾ أي يدفع ﴿عنها﴾ أي المقذوفة ﴿العذاب﴾ أي المعهود، وهو الحد الذي أوجبه عليها ما تقدم من شهادة الزوج ﴿أن تشهد أربع شهادات﴾ من خمس ﴿بالله﴾ الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى كما تقدم في الزوج ﴿إنه لمن الكاذبين*﴾ فيما قاله عنها ﴿والخامسة﴾ من الشهادات ﴿أن غضب الله﴾ الذي له الأمر كله فلا كفوء له ﴿عليها﴾ وهو أبلغ من اللعن الذي هو الطرد، لأنه قد يكون بسبب غير الغضب، وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يعضد الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو صادق، ولأنها مادة الفساد، وهاتكة الحجاب، وخالطة الأنساب ﴿إن كان﴾ أي كوناً راسخاً ﴿من الصادقين*﴾ أي فيما رماها به؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عباس وغيره ﵃
«أن
стр. 6468
هلال بن أمية ﵁ قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء ﵁ فقال النبي ﷺ :» البينة وإلا حداً في ظهرك «، قال يا رسول الله! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: البينة وإلا حداً في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق! إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد، فنزل جبريل ﵇ وأنزل عليه ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إن كان من الصادقين﴾ فانصرف النبي صلى الله صلى عليه وسلم فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ يقول:» إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ «ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة، فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت، وقال النبي ﷺ :» أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء «، فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ : لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» وقد روى البخاري أيضاً عن سهل بن سعد ﵁ أن سبب نزولها قصة مثل هذه لعويمر، وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدة أسباب
стр. 6469
معاً أو متفرقة.
ولما حرم الله سبحانه بهذه الجمل الأعراض والأنساب، فصان بذلك الدماء والأموال، علم أن التقدير: فلولا أنه سبحانه خير الغافرين وخير الراحمين، لما فعل بكم ذلك، ولفضح المذنبين، وأظهر سرائر المستخفين، ففسد النظام، وأطبقتم على التهاون بالأحكام، فعطف على هذا الذي علم تقديره قوله: ﴿ولولا فضل الله﴾ أي بما له من الكرم والجمال، والاتصاف بصفات الكمال ﴿عليكم ورحمته﴾ أي بكم ﴿وأن الله﴾ أي الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة ﴿تواب﴾ أي رجاع بالعصاة إليه ﴿حكيم*﴾ يحكم الأمور فيمنعها من الفساد بما يعلم من عواقب الأمور، لفضح كل عاص، ولم يوجب أربعة شهداء ستراً لكم، ولأمر بعقوبته بما توجبه معصيته، ففسد نظامكم، واختل نقضكم وإبرامكم، ونحو ذلك مما لا يبلغ وصفه، فتذهب النفس فيه كل مذهب، فهو كما قالوا: رب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به، ثم علل ما اقتضته ﴿لولا﴾ من نحو: ولكنه لم يفعل ذلك إفضالا عليكم ورحمة لكم، بقوله على وجه التأكيد لما عرف من حال كثير ممن غضب لله ولرسوله من إرادة العقوبة للآفكين بضرب الأعناق، منبهاً لهم على أن ذلك يجر إلى مفسدة كبيرة: ﴿إن الذين جاءو بالإفك﴾
стр. 6470
أي أسوأ الكذب لأنه القول المصروف عن مدلوله إلى ضده، المقلوب عن وجهه إلى قفاه، وعرّف زيادة تبشيع له في هذا المقام، حتى كأنه لا إفك إلا هو لأنه في حق أم المؤمنين عائشة ﵂ وهي من أحق الناس بالمدحة لما كانت عليه من الحصانة والشرف والعفة والكرم، فمن رماها بسوء فقد قلب الأمر عن أحسن وجوهه إلى أقبح أقفائه، وترك تسميتها تنزيهاً لها عن هذا المقام، إبعاداً لمصون جانبها العلي عن هذا المرام ﴿عصبة﴾ أي جماعة أقلهم عشرة وأكثرهم أربعون، فهم لكونهم عصبة يحمى بعضهم لبعض فيشتد أمرهم، لأن مدار مادة «عصب» على الشدة، وهم مع ذلك ﴿منكم﴾ أي ممن يعد عندكم في عداد المسلمين، فلو فضحهم الله في جميع ما أسروه وأعلنوه، وأمركم بأن تعاقبوهم بما يستحقون على ذلك، لفسدت ذات البين، بحمايتهم لأنفسهم وهم كثير، وتعصّب أودّائهم لهم، إلا بأمر خارق يعصم به من ذلك كما كشفت عنه التجربة حين خطب النبي ﷺ وقال:
«من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي» حين كادوا يقتتلون لولا أن سكنهم
стр. 6471
النبي صلى الله عليه سلم، فالله سبحانه برحمته بكم يمنع من كيدهم ببيان كذبهم، وبحكمته يستر عليهم ويخيفهم، لتنحسم مادة مكرهم، وتنقطع أسباب ضرهم.
ولما كان هذا مقتضياً للاهتمام بشأنهم، أتبعه قوله، تحقيراً لأمرهم مخاطباً للخلص وخصوصاً النبي ﷺ وأبو بكر وعائشة وأمها وصفوان بن المعطل ﵃: ﴿لا تحسبوه﴾ أي الإفك ﴿شراً لكم﴾ أيها المؤمنون بأن يصدقه أحد أو تنشأ عنه فتنة ﴿بل هو خير لكم﴾ بثبوت البراءة الموجبة للفخر الذي لا يلحق، بتلاوتها على مر الدهور بألسنة من لا يحصى من العباد، في أكثر البلاد، وتسلية الرسول ﷺ والصديقين بذلك، مع الثواب الجزيل، بالصبر على مرارة هذا القيل، وثبوت إعجاز القرآن بعد أعجازه بالبلاغة بصدقه في صيانة من أثنى عليها في ذلك الدهر الطويل، الذي عاشته مع رسول الله ﷺ وبعده إلى أن ماتت رضي الله تعالى عنها أتقى الناس ديانة، وأظهرهم صيانة، وأنقاهم عرضاً، وأطهرهم نفساً، فهو لسان صدق في الدنيا، ورفعة منازل في الآخرة إلى غير
стр. 6472
ذلك من الحكم، التي رتبها بارىء النسم، من الفوائد الدينية والأحكام والآداب.
ولما كان لا شفاء لغيظ الإنسان أعظم من انتصار الملك الديان له، علل ذلك بقوله: ﴿لكل امرئ منهم﴾ أي الآفكين ﴿ما﴾ أي جزاء ما ﴿اكتسب﴾ بخوضه فيه ﴿من الإثم﴾ الموجب لشقائه، وصيغة الافتعال من «كسب» تستعمل في الذنب إشارة إلى أن الإثم يرتب على ما حصل فيه تصميم وعزم قوي صدقه العمل بما فيه من الجد والنشاط، وتجرد في الخير إشارة إبى أن الثواب يكتب بمجرد فعل الخير بل ونيته ﴿والذي تولى كبره﴾ أي معظمه بإشاعته والمجاهرة به ﴿منهم له﴾ بما يخصه لإمعانه في الأذى ﴿عذاب عظيم*﴾ أي أعظم من عذاب الباقين، لأنهم لم يقولوا شيئاً إلا كان عليه مثل وزره من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاَ، وقصه الإفك معروفة في الصحيح والسنن وغيرها شهيرة جداً، وذلك أن النبي ﷺ غزا بني المصطلق بعد ما أنزلت آية الحجاب، وكانت معه الصديقة بنت الصديق زوجته أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تحمل هودج لها، فافتقدت عقداً لها ليلة فرجعت إلى الموضع الذي تخلت
стр. 6473
فيه فالتمسته، فرحل النبي ﷺ وحمل جمالوها هودجها وهم يظنونها فيه، فلما رجعت فلم تجد أحداً اضطجعت مكان هودجها رجاء أن يعلموا بها فيرجعوا، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني ﵁ قد عرس من وراء الجيش، فأصبح في مكانهم، فلما رآها وكان يراها قبل الحجاب استرجع وأناخ راحلته فوطىء على يدها، ولم يتكلم بكلمة غير استرجاعه، فركبت أم المؤمنين ﵂، ثم أقبل بها حتى لحق بالجيش وهم نزول في نصف النهار، فتكلم أهل الإفك فيهما ﵄، وكان من سمي منهم عبد الله بن أبي المنافق، وزيد بن رفاعة، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش وحسان بن ثابت، قال عروة بن الزبير: في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة كما قال تعالى. وهكذا ذكروا حسان منهم وأنا والله لا أظن به أصلاً وإن جاءت تسميته في الصحيح فقد يخطىء الثقة لأسباب لا تحصى، كما يعرف ذلك من مارس نقد الأخبار، وكيف يظن به ذلك ولا شغل له إلا مدح النبي ﷺ والمدافعة عنه والذم لأعدائه وقد شهد رسول الله ﷺ أن جبريل ﵇ معه، فأقسم بالله أن الذي أيده بجبريل ما كان
стр. 6474
ليكله إلى نفسه في مثل هذه الواقعة، وقد سبقني إلى الذب عنه الحافظ عماد الدين بن كثير الدمشقي ﵀ وكيف لا ينافح عنه وهو القائل:
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
وهو القائل يمدح عائشة ﵂ ويكذب من نقل عنه ذلك:
حصان رزان ما تزنُّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
حليلة خير الناس ديناً ومنصباً ... نبي الهدى والمكرمات الفواضل
عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زائل
مهذبة قد طيب الله خيمها ... وطهرها من كل شين وباطل
فإن كان ما بلغت عني قلته ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي
وكيف وودي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل
له رتب عال على الناس فضلها ... تقاصر عنها سورة المتطاول
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب: وأنكر قوم أن يكون حسان خاض في الإفك وجلد فيه ورووا عن عائشة رضي الله عنها
стр. 6475
أنها برأته من ذلك - انتهى. واستمر أهل الإفك في هذا أكثر من شهر، والله تعالى عالم بما يقولون، وأن قولهم يكاد يقطع أكباد أحب خلقه إليه، وهو قادر على تكذيبهم عند أول ما خاضوا فيه، ولكنه سبحانه أراد لناس رفعة الدرجات، ولآخرين الهلاك، فيا لله ما لقي النبي صلى عليه وسلم والصديق وآله ﵃ وكل من أحبهم وهم خير الناس، والله يملي للآفكين ويمهلهم، وكأن الحال لعمري كما قال أبو تمام الطائي في قصيدة:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
وحين سمعت عائشة ﵂ بقول أهل الإفك سقطت مغشياً عليها وأصابتها حمى بنافض، واستأذنت رسول الله ﷺ في إتيان بيت أبيها فأذن لها فسألت أمها عن الخبر، فأخبرتها فاستعبرت وبكت، وكان أبو بكر ﵁ في علية يقرأ فسمع حسها فنزل فسأل أمها فقالت: بلغها الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه، واستمرت هي ﵂ تبكي حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها، وساعدتها على البكاء امرأة من أولي الوفاء والمؤاساة والكرم والإيثار ومعالي الشيم: الأنصار ﵃، فكانت تبكي معها، وسأل رسول الله ﷺ عن عائشة ﵂ جاريتها
стр. 6476
بريرة ﵂ فاستعظمت أن يظن في عائشة ﵂ مثل ذلك فقالت: سبحان الله! والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، وخطب رسول الله ﷺ الناس على المنبر واستعذر ممن تكلم في أهله وما علم عليهم إلا خيراً، وشهد رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق بصلاح صفوان بن المعطل ﵁ وأنه ما علم عليه إلا خيراً، فكاد الناس يقتتلون فسكنهم رسول الله ﷺ ، ثم دخل بعد أن صلى العصر على عائشة ﵂ وهي تبكي والأنصارية معها فوعظها، فأجابت وأجادت، فأنزل الله على رسول الله ﷺ في ذلك المجلس فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، قالت عائشة ﵂: فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فو الله ما فزعت وما باليت، قد عرفت أني بريئة، وأن الله غير ظالمي، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده! ما سري عن رسول الله ﷺ حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقاً من أن يأتي الله بتحقيق ما قاله الناس، قالت: فرفع عنه وإني لأتيبن السرور في وجهه وهو يمسح عن جبينه العرق ويقول:
«أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك» ، فكنت اشد ما كنت غضباً، فقال لي أبواي: قومي إليه! فقلت: والله لا أقوم إليه
стр. 6477
ولا أحمده ولا أحمدكما ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه، وأنزل الله تعالى: ﴿إن الذين جاؤوا بالإفك﴾ العشر الآيات كلها، قالت عائشة ﵂: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله! والذي نفسي بيده! ما كشفت كنف أنثى قط. قالت: ثم قتل بعد ذلك شهيداً في سبيل الله.
стр. 6478
ولما أخبر بعقابهم، وكان من المؤمنين من سمعه فسكت، وفيهم من سمعه فتحدث به متعجباً من قائله، أو مستثبتاً في أمره، ومنهم من كذبه، أتبعه سبحانه بعتابهم، في أسلوب خطابهم، مثنياً على من كذبه، فقال مستأنفاً محرضاً: ﴿لولا﴾ أي هلا ولم لا ﴿إذ سمعتموه﴾ أيها المدعون للإيمان. ولما كان هذا الإفك قد تمالأ عليه رجال ونساء قال: ﴿ظن المؤمنون﴾ أي منكم ﴿والمؤمنات﴾ وكان الأصل: ظننتم، ولكنه التفت إلى الغيبة تنبيهاً على التوبيخ، وصرح بالنساء، ونبه على الوصف المقتضي لحسن الظن تخويفاً للذي ظن السوء من سوء الخاتمة: ﴿بأنفسهم﴾ حقيقة ﴿خيراً﴾ وهم دون من كذب عليها، فقطعوا ببراءتها لأن الإنسان لا يظن بالناس إلا ما هو متصف به أو بإخوانهم، لأن المؤمنين كالجسد الواحد، أو ظنوا
стр. 6479
ما يظن بالرجل لو خلا بأمه، وبالمرأة إذا خلت بابنها، فإن نساء النبي ﷺ أمهات المؤمنين ﴿وقالوا هذا إفك﴾ أي كذب عظيم خلف منكب على وجهه ﴿مبين*﴾ أي واضح في نفسه، موضح لغيره، وبيانه وظهوره أن المرتاب يكاد يقول: خذوني فهو يسعى في التستر جهده، فإتيان صفوان بعائشة ﵂ راكبة على جملة داخلاً به الجيش في نحر الظهيرة والناس كلهم يشاهدون ورسول الله ﷺ بين أظهرهم ينزل عليه الوحي، إدلالاً بحسن عمله، غافلاً عما يظن به أهل الريب، أدل دليل على البراءة وكذب القاذفين، ولو كان هناك أدنى ريبة لجاء كل منهما وحده على وجه من التستر والذعر، تعرف به خيانته، فالأمور تذاق، ولا يظن الإنسان بالناس إلا ما في نفسه، ولقد عمل أبو أيوب الأنصاري وصاحبته ﵄ بما أشارت إليه هذه الآية؛ قال ابن اسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيد ﵁ قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ﵂؟ قال: بلى وذلك كذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة؟ قالت لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منك. وروى البغوي أنه قال: سبحانك هذا بهتان عظيم، فنزلت الآية على وفق قوله ﵁. ثم علل سبحانه
стр. 6480
بيان كذب الآفكين بأن قال موبخاً لمن اختلقه وأذاعه ملقناً لمن ندبه إلى ظن الخير: ﴿لولا﴾ أي هلا ولم لا ﴿جاءو﴾ أي المفترون له أولاً ﴿عليه﴾ إن كانوا صادقين ﴿بأربعة شهداء﴾ كما تقدم أن القذف لا يباح إلا بها.
ولما تسبب عن كونهم لم يأتوا بالشهداء كذبهم قال: ﴿فإذ﴾ أي فحين ﴿لم يأتوا بالشهداء﴾ أي الموصوفين ﴿فأولئك﴾ أي البعداء من الصواب ﴿عند الله﴾ أي في حكم الملك الأعلى، بل وفي هذه الواقعة بخصوصها في علمه ﴿هم الكاذبون*﴾ أي الكذب العظيم ظاهراً وباطناً.
ولما بين لهم بإقامة الدليل على كذب الخائضين في هذا الكلام أنهم استحقوا الملام، وكان ذلك مرغباً لأهل التقوى، بين أنهم استحقوا بالتقصير في الإنكار عموم الانتقام في سياق مبشر بالعفو، فقال عاطفاً على ﴿ولولا﴾ الماضية: ﴿ولولا فضل الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿عليكم ورحمته﴾ أي معاملته لكم بمزيد الإنعام، الناظر إلى الفضل والإكرام، اللازم للرحمة ﴿في الدنيا﴾ بقبول التوبة والمعاملة بالحلم ﴿والآخرة﴾ بالعفو عمن يريد أن يعفو عنه منكم ﴿لمسكم﴾ أي عاجلاً عموماً ﴿في ما أفضتم﴾ أي اندفعتم على أي وجه كان ﴿فيه﴾ بعضكم حقيقة، وبعضكم مجازاً بعدم الإنكار ﴿عذاب عظيم*﴾ أي
следующие страницы →