← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

بريرة ﵂ فاستعظمت أن يظن في عائشة ﵂ مثل ذلك فقالت: سبحان الله! والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، وخطب رسول الله ﷺ الناس على المنبر واستعذر ممن تكلم في أهله وما علم عليهم إلا خيراً، وشهد رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق بصلاح صفوان بن المعطل ﵁ وأنه ما علم عليه إلا خيراً، فكاد الناس يقتتلون فسكنهم رسول الله ﷺ ، ثم دخل بعد أن صلى العصر على عائشة ﵂ وهي تبكي والأنصارية معها فوعظها، فأجابت وأجادت، فأنزل الله على رسول الله ﷺ في ذلك المجلس فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، قالت عائشة ﵂: فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فو الله ما فزعت وما باليت، قد عرفت أني بريئة، وأن الله غير ظالمي، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده! ما سري عن رسول الله ﷺ حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقاً من أن يأتي الله بتحقيق ما قاله الناس، قالت: فرفع عنه وإني لأتيبن السرور في وجهه وهو يمسح عن جبينه العرق ويقول: «أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك» ، فكنت اشد ما كنت غضباً، فقال لي أبواي: قومي إليه! فقلت: والله لا أقوم إليه

стр. 6477

ولا أحمده ولا أحمدكما ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه، وأنزل الله تعالى: ﴿إن الذين جاؤوا بالإفك﴾ العشر الآيات كلها، قالت عائشة ﵂: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله! والذي نفسي بيده! ما كشفت كنف أنثى قط. قالت: ثم قتل بعد ذلك شهيداً في سبيل الله.

стр. 6478

ولما أخبر بعقابهم، وكان من المؤمنين من سمعه فسكت، وفيهم من سمعه فتحدث به متعجباً من قائله، أو مستثبتاً في أمره، ومنهم من كذبه، أتبعه سبحانه بعتابهم، في أسلوب خطابهم، مثنياً على من كذبه، فقال مستأنفاً محرضاً: ﴿لولا﴾ أي هلا ولم لا ﴿إذ سمعتموه﴾ أيها المدعون للإيمان. ولما كان هذا الإفك قد تمالأ عليه رجال ونساء قال: ﴿ظن المؤمنون﴾ أي منكم ﴿والمؤمنات﴾ وكان الأصل: ظننتم، ولكنه التفت إلى الغيبة تنبيهاً على التوبيخ، وصرح بالنساء، ونبه على الوصف المقتضي لحسن الظن تخويفاً للذي ظن السوء من سوء الخاتمة: ﴿بأنفسهم﴾ حقيقة ﴿خيراً﴾ وهم دون من كذب عليها، فقطعوا ببراءتها لأن الإنسان لا يظن بالناس إلا ما هو متصف به أو بإخوانهم، لأن المؤمنين كالجسد الواحد، أو ظنوا

стр. 6479

ما يظن بالرجل لو خلا بأمه، وبالمرأة إذا خلت بابنها، فإن نساء النبي ﷺ أمهات المؤمنين ﴿وقالوا هذا إفك﴾ أي كذب عظيم خلف منكب على وجهه ﴿مبين*﴾ أي واضح في نفسه، موضح لغيره، وبيانه وظهوره أن المرتاب يكاد يقول: خذوني فهو يسعى في التستر جهده، فإتيان صفوان بعائشة ﵂ راكبة على جملة داخلاً به الجيش في نحر الظهيرة والناس كلهم يشاهدون ورسول الله ﷺ بين أظهرهم ينزل عليه الوحي، إدلالاً بحسن عمله، غافلاً عما يظن به أهل الريب، أدل دليل على البراءة وكذب القاذفين، ولو كان هناك أدنى ريبة لجاء كل منهما وحده على وجه من التستر والذعر، تعرف به خيانته، فالأمور تذاق، ولا يظن الإنسان بالناس إلا ما في نفسه، ولقد عمل أبو أيوب الأنصاري وصاحبته ﵄ بما أشارت إليه هذه الآية؛ قال ابن اسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيد ﵁ قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ﵂؟ قال: بلى وذلك كذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة؟ قالت لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منك. وروى البغوي أنه قال: سبحانك هذا بهتان عظيم، فنزلت الآية على وفق قوله ﵁. ثم علل سبحانه

стр. 6480

بيان كذب الآفكين بأن قال موبخاً لمن اختلقه وأذاعه ملقناً لمن ندبه إلى ظن الخير: ﴿لولا﴾ أي هلا ولم لا ﴿جاءو﴾ أي المفترون له أولاً ﴿عليه﴾ إن كانوا صادقين ﴿بأربعة شهداء﴾ كما تقدم أن القذف لا يباح إلا بها. ولما تسبب عن كونهم لم يأتوا بالشهداء كذبهم قال: ﴿فإذ﴾ أي فحين ﴿لم يأتوا بالشهداء﴾ أي الموصوفين ﴿فأولئك﴾ أي البعداء من الصواب ﴿عند الله﴾ أي في حكم الملك الأعلى، بل وفي هذه الواقعة بخصوصها في علمه ﴿هم الكاذبون*﴾ أي الكذب العظيم ظاهراً وباطناً. ولما بين لهم بإقامة الدليل على كذب الخائضين في هذا الكلام أنهم استحقوا الملام، وكان ذلك مرغباً لأهل التقوى، بين أنهم استحقوا بالتقصير في الإنكار عموم الانتقام في سياق مبشر بالعفو، فقال عاطفاً على ﴿ولولا﴾ الماضية: ﴿ولولا فضل الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿عليكم ورحمته﴾ أي معاملته لكم بمزيد الإنعام، الناظر إلى الفضل والإكرام، اللازم للرحمة ﴿في الدنيا﴾ بقبول التوبة والمعاملة بالحلم ﴿والآخرة﴾ بالعفو عمن يريد أن يعفو عنه منكم ﴿لمسكم﴾ أي عاجلاً عموماً ﴿في ما أفضتم﴾ أي اندفعتم على أي وجه كان ﴿فيه﴾ بعضكم حقيقة، وبعضكم مجازاً بعدم الإنكار ﴿عذاب عظيم*﴾ أي

стр. 6481

يحتقر معه اللوم والجلد، بأن يهلك فيتصل به عذاب الآخرة؛ ثم بين وقت حلوله وزمان تعجيله بقوله: ﴿إذ﴾ أي مسكم حين ﴿تلقونه﴾ أي تجتهدون في تلقي أي قبول هذا الكلام الفاحش وإلقائه ﴿بألسنتكم﴾ بإشاعة البعض وسؤال آخرين وسكوت آخرين ﴿وتقولون﴾ وقوله: ﴿بأفواهكم﴾ تصوير لمزيد قبحه، وإشارة إلى أنه قول لا حقيقة له، فلا يمكن ارتسامه في القلب بنوع دليل؛ وأكد هذا المعنى بقوله: ﴿ما ليس لكم به علم﴾ أي بوجه من الوجوه، وتنكيره للتحقير ﴿وتحسبونه﴾ بدليل سكوتكم عن إنكاره ﴿هيناً وهو﴾ أي والحال أنه ﴿عند الله﴾ أي الذي لا يبلغ أحد مقدار عظمته ﴿عظيم*﴾ أي في حد ذاته ولو كان في غير أم المؤمنين ﵂، فكيف وهو في جنابها المصون، وهي زوجة خاتم الأنبياء وإمام المرسلين عليه أفضل الصلاة وأفضل التسليم. ولما بين فحشه وشناعته، وقبحه وفظاعته، عطف على التأديب الأول في قوله ﴿لولا إذ سمعتموه﴾ تأديباً فقال: ﴿ولولا إذ﴾ أي وهلا حين ﴿سمعتموه قلتم﴾ أي حين السماع من غير توقف ولا تلعثم، وفصل بين آلة التحضيض والقول المحضض عليه بالظرف لأن الظروف تنزل من الشيء منزلة نفسه لوقوعه فيها، وأنها لا انفكاك لها

стр. 6482

عنه، ولأن ذكره منبه على الاهتمام به لوجوب المبادرة إلى المحضض عليه: ﴿ما يكون﴾ أي ما ينبغي وما يصح ﴿لنا أن نتكلم﴾ حقيقة بالنطق ولا مجازاً بالسكوت عن الإنكار ﴿بهذا﴾ أي بمثله في حق أدنى الناس فكيف بمن اختارها العليم الحكيم لصحبة أكمل الخلق، ثم دللتم على شدة نفرتكم منه بأن وصلتم بهذا النفي قولكم: ﴿سبحانك﴾ تعجباً من أن يخطر بالبال، في حال من الأحوال. ولما كان تنزيه الله تعالى في مثل ذلك وإن كان للتعجب إشارة إلى تنزيه المقام الذي وقع فيه التعجب تنزيها عظيماً، حسن أن يوصل بذلك قوله تعليلاً للتعجب والنفي: ﴿هذا بهتان﴾ أي كذب يبهت من يواجه به، ويحيره لشدة ما يفعل في القوى الباطنة، لأنه في غاية الغفلة عنه لكونه أبعد الناس منه؛ ثم هوله بقوله: ﴿عظيم*﴾ والمراد أن الذي ينبغي للإنسان أولاً أن لا يظن بإخوانه المؤمنين ولا يسمع فيهم إلا خيراً، فإن غلبه الشيطان وارتسم شيء من ذلك في ذهنه فلا يتكلم به، ويبادر إلى تكذيبه.

стр. 6483

ولما كان هذا كله وعظاً لهم واستصلاحاً، ترجمه بقوله: ﴿يعظكم الله﴾ أي يرقق قلوبكم الذي له الكمال كله فيمهل بحمله، ولا يمهل بحكمته وعلمه، بالتحذير على وجه الاستعطاف: ﴿أن﴾ أي كراهة لأن

стр. 6484

﴿تعودوا لمثله أبداً﴾ أي ما دمتم أهلاً لسماع هذا القول؛ ثم عظم هذا الوعظ، وألهب سامعه بقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين*﴾ أي متصفين بالإيمان راسخين فيه فإنكم لا تعودون، فإن عدتم فأنتم غير صادقين في دعواكم الاتصاف به ﴿ويبين الله﴾ أي بما له من الاتصاف بصفات الجلال والإكرام ﴿لكم الآيات﴾ أي العلامات الموضحة للحق والباطل، من كل أمر ديني أو دنيوي ﴿والله﴾ أي المحيط بجميع الكمال ﴿عليم﴾ فثقوا ببيانه ﴿حكيم*﴾ لا يضع شيئاً إلا في أحكم مواضعه وإن دق عليكم فهم ذلك، فلا تتوقفوا في أمر من أوامره، واعلموا أنه لم يختر لنبيه ﵊ إلا الخلص من عباده، على حسب منازلهم عنده، وقربهم من قلبه. ولما كان من أعظم الوعظ بيان ما يستحق على الذنب من العقاب، أدبهم تأديباً ثالثاً أشد من الأولين، فقال واعظاً ومقبحاً لحال الخائضين في الإفك ومحذراً ومهدداً: ﴿إن الذين يحبون﴾ عبر بالحب إشارة إلى أنه لا يرتكب هذا مع شناعته إلا محب له، ولا يحبه إلا بعيد عن الاستقامة ﴿أن تشيع﴾ أي تنتشر بالقول أو بالفعل ﴿الفاحشة﴾ أي الفعلة الكبيرة القبح، ويصير لها شيعة يحامون عليها

стр. 6485

﴿في الذين آمنوا﴾ ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان فكيف بمن تسنم ذروته، وتبوأ غايته ﴿لهم عذاب أليم﴾ ردعاً لهم عن إرادة إشاعة مثل ذلك لما فيه من عظيم الأذى ﴿في الدنيا﴾ بالحد وغيره مما ينتقم الله منهم به ﴿والآخرة﴾ فإن الله يعلم هل كفر الحد عنهم جميع مرتكبهم أم لا ﴿والله﴾ أي المستجمع لصفات الجلال والجمال ﴿يعلم﴾ أي له العلم التام، فهو يعلم مقادير الأشياء ما ظهر منها وما بطن وما الحكمة في ستره أو إظهاره أو غير ذلك من جميع الأمور ﴿وأنتم لا تعلمون*﴾ أي ليس لكم علم من أنفسكم فاعلموا بما علمكم الله، ولا تتجاوزوه تضلوا.

стр. 6486

ولما ختم بالحكم عليهم بالجهل، وكان التقدير كما أرشد إليه ما يأتي من العطف على غير معطوف: فلولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لعجل هلاك المحبين لشيوع ذلك بعذاب الدنيا ليكون موصولاً بعذاب الآخرة، عطف عليه قوله مكرراً التذكير بالمنة بترك المعاجلة حاذفاً الجواب، منبهاً بالتكرير والحذف على قوة المبالغة وشدة التهويل: ﴿ولولا فضل الله﴾ أي الحائز لجميع الجلال والإكرام ﴿عليكم ورحمته﴾ بكم ﴿وأن﴾ أي ولولا أن ﴿الله﴾ أي الذي له القدرة التامة فسبقت رحمته غضبه ﴿رؤوف﴾ بكم في نصب ما يزيل جهلكم بما يحفظ

стр. 6487

من سرائركم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الحدود، الزاجرة عن الجهل، الحاملة على التقوى، التي هي ثمرة العلم، فإن الرأفة كما تقدم في الحج وغيرها تقيم المرؤوف به لأنها ألطف الرحمة وأبلغها على أقوم سنن حتى تحفظ بمسراها في سره ظهور ما يستدعي العفو، وتارة يكون هذا الحفظ بالقوة بنصب الأدلة، وتارة يضم إلى ذلك الفعل بخلق الهداية في القلب بما للمرؤوف به من الوصلة بسهولة الانقياد وقوة الاستعداد ﴿رحيم*﴾ بما يثبت لكم من الدرجات على ما منحكم به من ثمرات ذلك الحفظ من الأعمال المرضية، والجواب محذوف تقديره: لترككم في ظلمات الجهل تعمهون، فثارت بينكم الفتن حتى تفانيتم ووصلتم إلى العذاب الدائم بعد الهم اللازم. ولما أخبرهم بأنه ما أنزل لهم هذا الشرع على لسان هذا الرسول الرؤوف الرحيم إلا رحمة لهم، بعد أن حذرهم موارد الجهل، نهاهم عن التمادي فيه في سياق معلم أن الداعي إليه الشيطان العدو، فقال ساراً لهم بالإقبال عليهم بالنداء: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان ﴿لا تتبعوا﴾ أي بجهدكم ﴿خطوات﴾ أي طريق ﴿الشيطان﴾ أي لا تقتدوا به ولا تسلكوا مسالكه التي يحمل على سلوكها بتزيينها

стр. 6488

في شيء من الأشياء، وكأنه أشار بصيغة الافتعال إلى العفو عن الهفوات. ولما كان التقدير: فإنه من يتنكب عن طريقه يأت بالحسنى والمعروف، عطف عليه قوله: ﴿ومن يتبع﴾ أي بعزم ثابت من غير أن يكون مخطئاً أو ناسياً؛ وأظهر ولم يضمر لزيادة التنفير فقال: ﴿خطوات الشيطان﴾ أي ويقتد به يقع في مهاوي الجهل الناشىء عنها كل شر ﴿فإنه﴾ أي الشيطان ﴿يأمر بالفحشاء﴾ وهي ما أغرق في القبح ﴿والمنكر﴾ وهو ما لم يجوزه الشرع، فهو أولاً يقصد أعلى الضلال، فإن لم يصل تنزل إلى أدناه، وربما درج بغير ذلك، ومن المعلوم أن من اتبع من هذا سبيله عمل بعمله، فصار في غاية السفول، وهذا أشد في التنفير من إعادة الضمير في ﴿فإنه على من﴾ والله الموفق. ولما كان التقدير: فلولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان مع أمره بالقبائح، عطف عليه قوله: ﴿ولولا فضل الله﴾ أي ذي الجلال والإكرام ﴿عليكم﴾ أي بتطهير نفوسكم ورفعها عما تعشقه

стр. 6489

من الدنايا إلى المعالي ﴿ورحمته﴾ لكم بإكرامكم ورفعتكم بشرع التوبة المكفرة لما جرّ إليه الجهل من ناقص الأقوال وسفاف الأفعال ﴿ما زكى﴾ أي طهر ونما ﴿منكم﴾ وأكد الاستغراق بقوله: ﴿من أحد﴾ وعم الزمان بقوله: ﴿أبداً ولكن الله﴾ أي بجلاله وكماله ﴿يزكي﴾ أي يطهر وينمي ﴿من يشاء﴾ من عباده، من جميع أدناس نفسه وأمراض قلبه، وإن كان العباد وأخلاقهم في الانتشار والكثرة بحيث لا يحصيهم غيره، فلذلك زكى منكم من شاء فصانه عن هذا الإفك، وخذل من شاء. ثم ختم الآية بما لا تصح التزكية بدونه فقال: ﴿والله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿سميع﴾ أي لجميع أقولهم ﴿عليم*﴾ بكل ما يخطر في بالهم، وينشأ عن أحوالهم وأفعالهم، فهو خبير بمن هو أهل للتزكية ومن ليس بأهل لها، فاشكروا الله على تزكيته لكم من الخوض في مثل ما خاض فيه غيركم ممن خذله نوعاً من الخذلان، واصبروا على ذلك منهم، ولا تقطعوا إحسانكم عنهم، فإن ذلك يكون زيادة في زكاتكم، وسبباً لإقبال من علم فيه الخير منهم، فقبلت توبته، وغسلت حوبته، وهذا المراد

стр. 6490

من قوله: ﴿ولا يأتل﴾ أي يحلف مبالغاً في اليمين ﴿أولوا الفضل منكم﴾ الذين جعلتهم بما آتيتهم من العلم والأخلاق الصالحة أهلاً لبر غيرهم ﴿والسعة﴾ أي بما أوسعت عليهم في دنياهم. ولما كان السياق والسباق واللحاق موضحاً للمراد، لم يحتج إلى ذكر أداة النفي فقال: ﴿أن يؤتوا﴾ ثم ذكر الصفات المقتضية للإحسان فقال: ﴿أولي القربى﴾ وعددها بأداة العطف تكثيراً لها وتعظيماً لأمرها، وإشارة إلى أن صفة منها كافية في الإحسان، فكيف إذا اجتمعت! فقال سبحانه: ﴿والمساكين﴾ أي الذين لا يجدون ما يغنيهم وإن لم تكن لهم قرابة ﴿والمهاجرين﴾ لأهلهم وديارهم وأموالهم ﴿في سبيل الله﴾ أي الذي عم الخلائق بجوده لما له من الإحاطة بالجلال والإكرام وإن انتفى عنهم الوصفان الأولان، فإن هذه الصفات مؤذنة بأنهم ممن زكى الله، وتعدادها بجعلها علة للعفو - دليل على أن الزاكي من غير المعصومين قد يزل، فتدركه الزكاة بالتوبة فيرجع كما كان، وقد تكون الثلاثة لموصوف واحد لأن سبب نزولها مسطح ﵁، فالعطف إذن للتمكن في كل وصف منها.

стр. 6491

ولما كان النهي عن ذلك غير صريح في العفو، وكان التقدير: فلؤتوهم، عطف عليه مصرحاً بالمقصود قوله: ﴿وليعفوا﴾ أي عن زللهم بأن يمحوه ويغطوه بما يسلبونه عليه من أستار الحلم حتى لا يبقى له أثر. ولما كان المحو لا ينفي التذكر قال: ﴿وليصفحوا﴾ أي يعرضوا عنه أصلاً ورأساً، فلا يخطروه لهم على بال ليثمر ذلك الإحسان، ومنه الصفوح وهو الكريم. ولما كانت لذة الخطاب تنسي كل عتاب، أقبل سبحانه بفضله ومنّه وطوله على أولي الفضل، مرغباً في أن يفعلوا بغيرهم ما يحبون أن يفعل بهم، مرهباً من أن يشدد عليهم إن شددوا فقال: ﴿ألا تحبون﴾ أي يا أولي الفضل ﴿أن يغفر الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿لكم﴾ أي ما قصرتم في حقه، وسبب نزولها كما في الصحيح من حديث عائشة ﵂ أن أباها رضي الله تعالى عنه كان حلف ما بعد برأ الله عائشة ﵂ أن لا ينفق على مسطح ابن خالته لكونه خاض من أهل الإفك؛ وفي تفسير الأصبهاني عن ابن عباس ﵄: أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر ﵃ أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من

стр. 6492

الإفك ولا ينفعوهم فأنزل الله هذه الآية. وناهيك بشهادة الله ﷻ للصديق بأنه من أولي الفضل فيا له من شرف ما أجلاه! ومن سؤدد وفخار ما أعلاه! ولا سيما وقد صدقه ﵁ بالعفو عمن شنع على ثمرة فؤاده ومهجة كبده، وهي الصديقة زوجة خاتم المرسلين، وخير الخلائق أجمعين، والحلف على أنه لا يقطع النفقة عنه أبداً، فيا لله من أخلاق ما أبهاها! وشمائل ما أطهرها وأزكاها! وأشرفها وأسندها. ولما كان الجواب قطعاً كما أجاب الصديق ﵁: بلى والله! إنا لنحب أن يغفر الله لنا، وكان كأنه قيل: فاغفروا لمن أساء إليكم، فالله حكم عدل، يجازيهم على إساءتهم إليكم إن شاء، والله عليم شكور، يشكر لكم ما صنعتم إليهم، عطف عليه قوله: ﴿والله﴾ أي مع قدرته الكاملة وعلمه الشامل ﴿غفور رحيم*﴾ من صفته ذلك، إن شاء يغفر لكم ذنوبكم بأن يمحوها فلا يدع لها أثراً ويرحمكم بعد محوها بالفضل عليكم كما فعلتم معهم، فإن الجزاء من جنس العمل.

стр. 6493

ولما كان الختم بهذين الوصفين بعد الأمر بالعفو ربما جرّأ على مثل هذه الإساءة، وصل به مرهباً من الوقوع في مثل ذلك قوله معمماً للحكم: ﴿إن الذين يرمون﴾ أي بالفاحشة ﴿المحصنات﴾ أي اللائي جعلن

стр. 6494

أنفسهن من العفة في مثل الحصن. ولما كان الهام بالسيىء والمقدم عليه عالماً بما يرمي به منه، جاعلاً له نصب عينه، أكد معنى الإحصان بقوله: ﴿الغافلات﴾ أي عن السوء حتى عن مجرد ذكره. ولما كان وصف الإيمان حاملاً على كل خير ومانعاً ن كل سوء، نبه على أن الحامل على الوصفين المتقدمين إنما هو التقوى، وصرف ما لهن من الفطنة إلى ما لله عليهن من الحقوق فقال: ﴿المؤمنات﴾ . ولما ثبت بهذه الأوصاف البعد عن السوء، ذكر جزاء القاذف كفّاً عنه وتحذيراً منه بصيغة المجهول، لأن المحذور اللعن لا كونه المعين، وتنبيهاً على وقوع اللعن من كل من يتأتي منه فقال: ﴿لعنوا﴾ أي أبعدوا عن رحمة الله، وفعل معهم فعل المبعد من الحد وغيره ﴿في الدنيا والآخرة﴾ ثم زاد في تعظيم القذف لمن هذه أوصافها فقال: ﴿ولهم﴾ أي في الآخرة ﴿عذاب عظيم*﴾ وقيد بوصف الإيمان لأن قذف الكافرة وإن كان محرماً ليس فيه هذا المجموع، وهذا الحكم وإن كان عاماً فهو لأجل الصديقة بالذات وبالقصد الأول وفيما فيه من التشديد الذي قل أن يوجد مثله في القرآن من الإعلام

стр. 6495

بعلي قدرها، وجلي أمرها، في عظيم فخرها، ما يجل عن الوصف؛ ثم أتبع ذلك ذكر اليوم الذي يكون فيه أثر ذلك على وجه زاد الأمر عظماً فقال: ﴿يوم تشهد عليهم﴾ أي يوم القيامة في ذلك المجمع العظيم ﴿ألسنتهم﴾ إن ترفعوا عن الكذب ﴿وأيديهم وأرجلهم﴾ إن أنكرت ألسنتهم كذباً وفجوراً ظناً أن الكذب ينفعها ﴿بما كانوا يعملون*﴾ من هذا القذف وغيره؛ ثم زاد في التهويل بقوله: ﴿يومئذ﴾ أي إذ تشهد عليهم هذه الجوارح ﴿يوفيهم الله﴾ أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة وله الكمال كله ﴿دينهم﴾ أي جزاءهم ﴿الحق﴾ أي الذي يظهر لكل أحد من أهل ذلك المجمع العظيم أنهم يستحقونه، فلا يقدر أحد على نوع طعن فيه ﴿ويعلمون﴾ أي إذ ذاك، لانقطاع الأسباب، ورفع كل حجاب ﴿أن الله﴾ أي الذي له العظمة المطلقة، فلا كفوء له ﴿هو﴾ أي وحده ﴿الحق﴾ أي الثابت أمره فلا أمر لأحد سواه، ﴿المبين*﴾ الذي لا أوضح من شأنه في ألوهيته وعلمه وقدرته وتفرده بجميع صفات الكمال، وتنزهه عن جميع سمات النقص، فيندمون

стр. 6496

على ما فعلوا في الدنيا مما يقدح في المراقبة وتجري عليه الغفلة؛ قال ابن كثير: وأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة لا سيما التي كانت سبب النزول، وهي عائشة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما، وقد أجمع العلماء قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر لأنه معاند للقرآن، وفي بقية أمهات المؤمنين ﵅ قولان أصحهما أنهن كهي، والله أعلم - انتهى. وقد علم من هذه الآيات وما سبقها من أول السورة وما لحقها إلى آخرها أن الله تعالى ما غلظ في شيء من المعاصي ما غلظ في قصة الإفك، ولا توعد في شيء ما توعد فيها، وأكد وبشع، ووبخ وقرع، كل ذلك إظهاراً لشرف رسوله ﷺ وغضباً له وإعظاماً لحرمته وصوناً لحجابه.

стр. 6497

ولما تضمن ما ذكر من وصفه تعالى علمه بالخفيات، أتبعه ما هو كالعلة لآية ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ دليلاً شهودياً على براءة عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: ﴿الخبيثات﴾ أي من النساء وقدم هذا الوصف لأن كلامهم فيه، فإذا انتفى ثبت الطيب

стр. 6498

﴿للخبيثين﴾ أي من الرجال. ولما كان ذلك لا يفهم أن الخبيث مقصور على الخبيثة قال: ﴿والخبيثون﴾ أي من الرجال أيضاً ﴿للخبيثات﴾ أي من النساء. ولما أنتج هذا براءتها ﵂ لأنها قرينة أطيب الخلق، أكده بقوله: ﴿والطيبات﴾ أي منهن ﴿للطيبين﴾ أي منهم ﴿والطيبون للطيبات﴾ بذلك قضى العليم الخبير أن كل شكل ينضم إلى شكله، ويفعل أفعال مثله، وهو سبحانه قد اختار لهذا النبي الكريم لكونه أشرف خلقه خلص عباده من الأزواج والأولاد والأصحاب ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠] «خيركم قرني» وكلما ازداد الإنسان منهم من قلبه ﷺ قرباً ازداد طهارة، وكفى بهذا البرهان دليلاً على براءة الصديقة ﵂، فكيف وقد أنزل الله العظيم في براءتها صريح كلامه القديم، وحاطه من أوله وآخره بهاتين الآيتين المشيرتين إلى الدليل العادي، وقد تقدم عند آية ﴿الزاني﴾ ذكر لحديث «الأرواح جنود مجندة» وما لاءمه، لكنه لم يستوعب تخريجه،

стр. 6499

وقد خرجه مسلم في الأدب من صحيحه وأبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» وفي رواية عنه رفعها: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» وهذا الحديث روي أيضاً عن عائشة أم المؤمنين ﵂ وعلي ابن أبي طالب وسلمان الفارسي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وعمرو بن عبسة ﵃، وقد علق البخاري في صحيحه حديث عائشة ﵂ بصيغة الجزم، ووصله في كتاب الأدب المفرد وكذا الإسماعيلي في المستخرج، وأبو الشيخ في كتاب الأمثال، وتقدم عزوه إلى أبي يعلى، ولفظ حديث ابن عمر ﵄ «فما كان في الله ائتلف، وما كان في غير الله اختلف» أخرجه أبو الشيخ في الأمثال، ولفظ حديث ابن مسعود ﵁ «فإذا التقت تشامّ كما تشامّ الخيل، فما تعارف منها ائتلف» -

стр. 6500

الحديث. وأما حديث علي ﵁ فرواه الطبراني في الأوسط في ترجمة محمد بن الفضل السقطي وأبو عبد الله بن منده في كتاب الروح عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ لعلي بن أبي طالب ﵁: يا أبا الحسن! ربما شهدت وغبنا وربما شهدنا وغبت، ثلاث أسألك عنهن هل عندك منهن علم؟ قال علي: وما هن؟ قال: الرجل يحب الرجل ولم ير منه خيراً، والرجل يبغض الرجل ولم ير منه شراً، فقال علي ﵁: نعم! سمعت رسول الله صلى الله ﵇ يقول: «إن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» قال عمر: واحدة، قال: والرجل يحدث الحديث إذ نسيه فبينا هو وما نسيه إذ ذكره؟ فقال علي ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، بينما القمر مضيء إذ علته سحابة فأظلم إذ تجلت فأضاء، وبينا القلب يتحدث إذ تجللته سحابة فنسي إذ تجلت عنه فذكر» ، فقال عمر ﵁:

стр. 6501

اثنتان، وقال: والرجل يرى الرؤيا، فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب؟ قال: نعم! سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد أو أمة ينام فيستثقل نوماً إلا عرج بروحه إلى العرش، فالتي لا تستيقظ إلا عند العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والتي تستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب» ، فقال عمر ﵁: ثلاث كنت في طلبهن فالحمد لله الذي أصبتهن قبل الموت وكذا أخرج الطبراني حديث سلمان كحديث أبي هريرة ﵃ أجمعين، وأنشدوا لأبي نواس في المعنى: إن القلوب لأجناد مجندة ... لله في الأرض بالأهواء تعترف فما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف ولما ثبت هذا كانت نتيجته قطعاً: ﴿أولئك﴾ أي العالو الأوصاف بالطهارة والطيب ﴿مبرؤون﴾ ببراءة الله وبراءة كل من له تأمل في مثل هذا الدليل ﴿مما يقولون﴾ أي القذفة الأخابث لأنها لا تكون

стр. 6502

زوجة أطيب الطيبين إلا وهي كذلك. ولما أثبت لهم البراءة، استأنف الإخبار بجزائهم فقال: ﴿لهم مغفرة﴾ أي لما قصروا فيه إن قصروا، ولما كان في معرض الحث على الإنفاق على بعض الآفكين قال: ﴿ورزق كريم*﴾ أي يحيون به حياة طيبة، ويحسنون له إلى من أساء إليهم، ولا ينقصه ذلك لكرمه في نفسه بسعته وطيبه وغير ذلك من خلال الكرم. ولما أنهى سبحانه الأمر في براءة عائشة ﵂ على هذا الوجه الذي كساها به من الشرف ما كساها، وحلاها برونقه من مزايا الفضل ما حلاها، وكأن أهل الإفك قد فتحوا بإفكهم هذا الباب الظنون السيئة عدواة من إبليس لأهل هذا الدين بعد أن كانوا في ذلك وفي كثير من سجاياهم - إذ قانعاً منهم بداء الشرك - على الفطرة الأولى، أمر تعالى رداً لما أثار بوسواسه من الداء بالتنزه عن مواقع التهم والتلبس بما يحسم الفساد فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي ألزموا أنفسهم هذا الدين ﴿لا تدخلوا﴾ أي واحد منكم، ولعله

стр. 6503

خاطب الجمع لأنهم في مظنة أن يطردوا الشيطان بتزين بعضهم بحضرة بعض بلباس التقوى، فمن خان منهم منعه إخوانه، فلم يتكمن منه شيطانه، فنهي الواحد من باب الأولى ﴿بيوتاً غير بيوتكم﴾ أي التي هي سكنكم ﴿حتى تستأنسوا﴾ أي تطلبوا بالاستئذان أن يأنس بكم من فيها وتأنسوا به، فلو قيل له: من؟ فقال: أنا لم يحصل الاستئناس لعدم معرفته، بل الذي عليه أن يقول: أنا فلان - يسمى نفسه بما يعرف به ليؤنس به فيؤذن له أو ينفر منه فيرد ﴿وتسلموا على أهلها﴾ أي الذين هم سكانها ولو بالعارية منكم فتقولوا: السلام عليكم! أأدخل؟ أو تطرقوا الباب إن كان قد لا يسمع الاستئذان ليؤذن لكم ﴿ذلكم﴾ الأمر العالي الذي أمرتكم به ﴿خير لكم﴾ مما كنتم تفعلونه من الدخول بغير إذن ومن تحية الجاهلية، لأنكم إذا دخلتم بغير إذن ربما رأيتم ما يسوءكم، وإذا استأذنتم لم تدخلوا على ما تكرهون، هذا في الدنيا، وأما في الأخرى فأعظم، وقد روى أبو موسى

стр. 6504

الأشعري ﵁: إذا سلم ثلاثاً فلم يجبه أحد فليرجع. وكان هذا إذا ظن أن صاحب البيت سمع. ولما كان كل إنسان لا ينفك عن أحوال يكره أن يطلع عليها أو تقطع عليه، قال: ﴿لعلكم تذكرون*﴾ أي لتكون حالكم حال من يرجى أن يتذكر برجوعه إلى نفسه عند سماع هذا النهي، فيعرف أن ما يسوءه من غيره يسوء غيره منه، فيفعل ما يحب أن يفعل معه خوفاً من المقابلة، لأن الجزاء من جنس العمل، وكل ما يجب عليه في غير بيته يستحب له في بيته بنحو النحنحة ورفع الصوت بالذكر ونحوه على ما أشار إليه حديث النهي عن الطروق لكيلا يرى من أهله ما يكره. ولما كان السكان قد يكونون غائبين، والإنسان لكونه عورة لا يحب أن يطلع غيره على جميع أموره، قال: ﴿فإن لم تجدوا فيها﴾ أي البيوت التي ليس بها سكناكم ﴿أحداً﴾ قد يمنعكم، فالله يمنعكم منها، تقديماً لدرء المفاسد ﴿فلا تدخلوها﴾ أي أبداً

стр. 6505

﴿حتى يؤذن لكم﴾ من آذن ما بإذن شرعي من الساكن أو غيره، لأن الدخول تصرف في ملك الغير أو حقه فلا يحل بدونه إذنه. ولما كان كأنه قيل: فإن أذن لكم في شيء ما استأذنتم فيه فادخلوا، عطف عليه قوله: ﴿وإن قيل لكم﴾ من قائل ما إذا استأذنتم في بيت فكان خالياً أو فيه أحد: ﴿ارجعوا فارجعوا﴾ أي ولا تستنكفوا من أن تواجهوا بما تكرهون من صريح المنع، فإن الحق أحق أن يتبع، وللناس عورات وأمور لا يحبون اطلاع غيرهم عليها. ولما كان في المنع نقص يوجب غضاضة ووحراً في الصدر، وعد سبحانه عليه بما يجبر ذلك، فقال على طريق الاستئناف: ﴿هو﴾ أي الرجوع المعين ﴿أزكى﴾ أي أطهر وأنمى ﴿لكم﴾ فإن فيه طهارة من غضاضة الوقوف على باب الغير، ونماء بما يلحق صاحب البيت من الاستحياء عند امتثال أمره في الرجوع مع ما في ذلك عند الله. ولما كان التقدير: فالله يجازيكم على امتثال أمره، وكان الإنسان قد يفعل في البيوت الخالية وغيرها من الأمور الخفية ما يخالف ما أدب به سبحانه مما صورته مصلحة وهو مفسدة، عطف على ذلك المقدر قوله: ﴿والله﴾ أي الملك الأعلى. ولما كان المراد المبالغة في العلم، قدم الجار ليصير كما إذا سألت شخصاً عن علم شيء فقال لك: ما

стр. 6506

أعلم غيره، فقال: ﴿بما تعملون﴾ أي وإن التبس أمره على أحذق الخلق ﴿عليم*﴾ لا يخفى عليه شيء منه وإن دق، فإياكم ومشتبهات الأمور، فإذا وقفتم للاستئذان فلا تقفوا تجاه الباب، ولكن على يمينه أو يساره، لأن الاستئذان إنما جعل من أجل البصر، وتحاموا النظر إلى الكوى التي قد ينظر منها أحد من أهل البيت ليعرف من على الباب: هل هو ممن يؤنس به فيؤذن له، أو لا فيرد، ونحو هذا من أشكاله مما لا يخفى على متشرع فطن، يطير طائر فكره في فسيح ما أشار إليه مثل قوله صلى الله ﵇: «إذا حدث الرجل فالتفت فهي أمانة» وراه أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر ﵁.

стр. 6507

ولما كان من الأماكن التي قد لا يوجد بها أحد ما يباح الدخول إليه لخلوه أو عدم اختصاص النازل به كالخانات والربط، أتبع ما تقدم التعريف بأنه لم يدخل في النهي فقال مستأنفاً: ﴿ليس عليكم جناح﴾ أي ميل بلوم أصلاً ﴿أن تدخلوا بيوتاً﴾ كالخانات والربط ﴿غير مسكونة﴾ ثم وصفها بقوله: ﴿فيها متاع﴾

стр. 6508

أي استمتاع بنوع انتفاع كالاستظلال ونحوه ﴿لكم﴾ ويدخل فيه المعد للضيف إذا أذن فيه صاحبه في أول الأمر ووضع الضيف متاعه فيه، لأن الاستئذان لئلا يهجم على ما يراد الاطلاع عليه ويراد طيه عن علم الغير، فإذا لم يخف ذلك فلا معنى للاستئذان. ولما كان التقدير: فالله لا يمنعكم مما ينفعكم، ولا يضر غيركم، عطف عليه قوله: ﴿والله﴾ أي الملك الأعظم ﴿يعلم﴾ في كل وقت ﴿ما تبدون﴾ وأكد بإعادة الموصول فقال: ﴿وما تكتمون*﴾ تحذيراً من أن تزاحموا أحداً في مباح بما يؤذيه ويضيق عليه، معتلين بأصل الإباحة، أو يؤذن لكم في منزل فتبطنوا فيه الخيانة فإنه وإن وقع الاحتراز من الخونة بالحجاب فلا بد من الخلطة لما بني عليه الإنسان من الحاجة إلى العشرة، ولذلك اتصل به على طريق الاستئناف قوله تعالى؛ مقبلاً على أعلى خلقه فهماً وأشدهم لنفسه ضبطاً دون بقيتهم، إشارة إلى صعوبة الأمر وخطر المقام، مخوفاً لهم بالإعراض عنهم، بالتردي برداء الكبر، والاحتجاب في مقام القهر: ﴿قل للمؤمنين﴾ فعبر بالوصف إشارة إلى عدم القدرة على الاحتراز من المخالط بعد الخلطة، وأنه لا يعف فيها إلا من رسخ الإيمان في قلبه

стр. 6509

لخفاء الخيانة حينئذ بخلاف ما سبق في المنع من الدخول حيث كان التعبير ب «الذين آمنوا» ﴿يغضوا﴾ أي يخفضوا ولا يرفعوا، بل يكفوا عما نهوا عنه. ولما كان الأمر في غاية العسر، قال: ﴿من أبصارهم﴾ بإثبات من التبعيضية إشارة إلى العفو عن النظرة الأولى، وأن المأخوذ به إنما هو التمادي، ولما كان البصر يريد الزنى قدمه. ولما كان حفظ الفرج لخطر المواقعة أسهل من حفظ البصر، ولأنه لا يفعل به من غير اختبار، حذف «من» لقصد العموم فقال: ﴿ويحفظوا فروجهم﴾ أي عن كل حرام من كشف وغيره ولم يستثن الزوجة وملك اليمين استغناء عنه بما سبق في المؤمنون، ولأن المقام للتهويل في أمر للحفظ والتشديد، ورغب في ذلك بتعليله بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العالي العظيم من كل من الغض والحفظ الذي أمرتهم به ﴿أزكى لهم﴾ أي أقرب إلى أن ينموا ويكثروا ويطهروا حساً ومعنى، ويبارك لهم، أما الحسي فهو أن الزنى مجلبة للموت بالطاعون، ويورث الفقر وغيرهما من البلايا «ما من قوم ظهر فيهم الزنى إلا أخذوا بالسنة» رواه أحمد عن عمرو بن العاص ﵁،

стр. 6510

ورواه عنه أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم في كتاب الفتوح ولفظه «ما من قوم يظهر فيهم الزنى إلا أخذوا بالفنا وما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب الزنى يورث الفقر» رواه البيهقي عن ابن عمر ﵄ وإذا ظهر الزنى ظهر الفقر والمسكنة وراه ابن ماجة والبزار وهذا لفظه عن ابن عمر ﵄ والبيهقي ولفظه: «الزنى يورث الفقر» وفي رواية له «ما ظهرت الفاحشة في قوم قط يعمل بها فيهم علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم» ورواه عنه ابن إسحاق في السيرة في سرية عبد الرحمن بن عوف ﵁ إلى دومة الجندل ولفظه: «إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقضوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجورالسلطان، ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، فلولا البهائم ما مطروا، وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم، فأخذ بعض ما كان في أيديهم، وما

стр. 6511

لم يحكم أئمتهم بكتاب الله وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» وفي الترغيب للمنذري عن ابن ماجة والبزار والبيهقي عنه ﵁ نحو هذا اللفظ، وفي آخر السيرة عن أبي بكر ﵁ في خطبته عندما ولي الخلافة: لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء. وفي الموطأ عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه عن ابن عباس ﵄ أنه قال «ما ظهر الغلول فب قوم قط إلا ألقى في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنى في قوم قط إلا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم قط المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط عليهم العدو» وروى الطبراني في الأوسط عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا كثرت الفاحشة كثر الفساد، وجار السلطان» وفيه: «أمثلهم في ذلك الزمان المداهن. إذا ظهر الربا والزنى في قرية آذن الله في هلاكها» رواه الطبراني عن ابن عباس ﵄،

стр. 6512

وأما المعنوي فروى الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ قال: «ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها» قال ابن كثير: وروي هذا مرفوعاً عن ابن عمر وحذيفة وعائشة ﵃ ولكن في أسانيدها ضعف. وساق له شاهداً من الطبراني عن ابن مسعود ﵁ بلفظ: «إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه» فعلم من ذلك أن من تخلق بما أمره الله هنا كان قلبه موضعاً للحكمة، وفعله أهلاً للنجح، وذكره مقروناً بالقبول. ولما كان الزكاء يتضمن التكثير والتطهير، وكان الكلام هنا في غض البصر، وكان ظاهراً جداً في الطهارة، لم يدع داع إلى التأكيد بالتصريح بالطهارة، وأما آية البقرة فلما كانت في العضل، وكان لا يكون إلا عن ضغائن وإحن فكان الولي رما ظن أن منعها عمن عضلها عنه أطهر له ولها. أكد العبارة بفعل الزكاء بالتصريح بما

стр. 6513

أفهمه من الطهارة. ولما كان المقام صعباً لميل النفوس إلى الدنايا واتباعها للشهوات، علل هذا الأمر مرغباً ومرهباً بقوله: ﴿إن الله﴾ أي الذي لا يخفى عليه شيء لما له من الإحاطة الكاملة ﴿خبير﴾ ولما كان وازع الحياء مع ذلك مانعاً عظيماً فلا يخالف إلا بمعالجة وتدرب، عبر بالصنعة فقال: ﴿بما يصنعون*﴾ أي وإن تناهوا في إخفائه، ودققوا في تدبير المكر فيه. ولما بدأ بالقومة من الرجال، ثنى بالنساء فقال: ﴿وقل للمؤمنات﴾ فرغب أيضاً بذكر هذا الوصف الشريف ﴿يغضضن﴾ ولما كان المراد الغض عن بعض المبصرات وهم المحارم قال: ﴿من أبصارهن﴾ فلا يتبعنها النظر إلى منهي عنه رجل أو غيره، وأجابوا عن حديث عائشة ﵂ في النظر إلى لعب الحبشة في المسجد باحتمال أنها كانت دون البلوغ لأنها قالت: فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو. ﴿ويحفظن فروجهن﴾ عما لا يحل لهن من كشف وغيره. ولما كان النساء حبائل الشيطان، أمرن بزيادة الستر بقوله:

стр. 6514

ناهياً عن الزينة ليكون النهي عن مواقعها من الجسد أشد وأولى ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ أي كالحلي والفاخر من الثياب فكيف بما وراءها ﴿إلا ما ظهر منها﴾ أي كان بحيث يظهر فيشق التحرز في إخفائه فبدا من غير قصد كالسوار والخاتم والكحل فإنها لا بد لها من مزاولة حاجتها بيدها ومن كشف وجهها في الشهادة ونحوها. ولما كان أكثر الزينة في ألأعناق والأيدي والأرجل، وكان دوام ستر الأعناق أيسر وأمكن، خصها فقال: ﴿وليضربن﴾ من الضرب، وهو وضع الشيء بسرعة وتحامل، يقال: ضرب في عمله: أخذ فيه، وضرب بيده إلى كذا: أهوى، وعلى يده: أمسك، وضرب الليل بأوراقه: أقبل، والضارب: الليل الذي ذهبت ظلمته يميناً وشمالاً وملأت الدنيا، والضارب: الطويل من كل شيء والمتحرك. ولما كان المقصود من هذا الضرب بعض الخمار، وهو ما لا صق الجيب منه، عداه بالباء فقال: ﴿بخمرهن﴾ جمع خمار، وهو منديل يوضع على الرأس، وقال أبو حيان: وهو المقنعة التي تلقي المرأة على رأسها. ﴿على جيوبهن﴾ جمع جيب، وهو خرق الثوب الذي

стр. 6515

يحيط بالعنق، فالمعنى حينئذ يهوين بها إلى ما تحت العنق ويسبلنها من جميع الجوانب ويطولنها ستراً للشعر والصدر وغيرهما مما هنالك، وكأنه اختير لفظ الضرب إشارة إلى قوة القصد للستر وإشارة إلى العفو عما قد يبدو عند تحرك الخمار عند مزاولة شيء من العقل؛ قال أبو حيان: وكان النساء يغطين رؤوسهن بالأخمرة ويسدلنها من وراء الظهور فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر عليهن. وروى البخاري في التفسير عن عائشة ﵂ قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما نزلت ﴿وليضربن بخمرهن﴾ شققن مروطهن - وفي رواية: أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي - فاختمرن بها، يعني تسترن ما قدام، والإزار هنا الملاء. ولما كان ذكر الجيب ربما أوهم خصوصاً في الزينة، عم بقوله: ﴿ولا يبدين﴾ أو كرره لبيان من يحل الإبداء له ومن لا يحل، وللتأكيد ﴿زينتهن﴾ أي الخفية في أي موضع كانت من عنق أو غيره،
следующие страницы →