← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

فلا أسخف عقلاً ممن يترك من بيده كل نفع وضر وهو يتقلب في نعمه، في يقظته ونومه، وأمسه ويومه، ويقبل على من لا نفع بيده ولا ضر أصلاً؛ وأظهر في موضع الضمير بياناً للوصف الحامل على ما لا يفعله عاقل، وأفرد تحقيراً لهم فقال: ﴿وكان الكافر﴾ مع علمه بضعفه وعجزه. ولما كان الكافر لا يمكن أن يصافي مسلماً ما دام كافراً، وكانت مصافاته لغيره حاصلة إما بالفعل أو بالقوة، عدت مصارمته لغيره عدماً، فكانت مصارمته خاصة بأولياء الله، وكان ذلك أشد لذمه، دل عليه بتقديم الجار فقال: ﴿على ربه﴾ أي المحسن إليه لا غيره ﴿ظهيراً*﴾ معيناً لشياطين الإنس والجن على أولياء الله، والتعبير ب «على» دال على أنه وإن كان مهيناً في نفسه حقيراً فاعل فعل العالي على الشيء القوي الغليظ الغالب له، المعين عليه، من قولهم: ظهر الأرض لما علا منها وغلظ، وأمر ظاهر لك، أي غالب، والظاهر: القوي والمعين، وذلك لأنه يجعل لما يعبده من الأوثان نصيباً مما تفرد الله بخلقه، ثم يجعل لها أيضاً بعض ما كان سماه لله، ويعاند أولياء الله من الأنبياء وغيرهم، وينصب لهم المكايد والحروب، ويؤذيهم بالقول والفعل، مع علمه بأن الله معهم لما يشاهدونه من خرقه لهم العوائد، فكان هذا فعل من

стр. 6687

لا يعبأ بالشيء ﴿لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتواً كبيراً﴾ [الفرقان: ٢١] ﴿أن لا تعلوا على الله﴾ [الدخان: ١٩] وهو في الحقيقة تهكم بالكفار، لأنهم يفعلون ما يلزم عليه هذا اللازم الذي لا يدور في خلد عاقل. ولما كان التقدير تسلية له ﷺ : فالزم ما نأمرك به ولا يزد همُّك بردهم عما هم فيه، فإنا ما أرسلناك عليهم وكيلاً، عطف عليه قوله: ﴿وما أرسلناك﴾ أي بما لنا من العظمة. ولما كان سياق السورة للإنذار، لما ذكر فيها من سوء مقالهم، وقبح أفعالهم، حسن التعبير في البشارة بما يدل على كثرة الفعل، ويفهم كثرة المفعول، بشارة بكثرة المطيع، وفي النذارة بما يقتضي أن يكون صفة لازمة فقال: ﴿إلا مبشراً﴾ أي لكل من يؤمن ﴿ونذيراً*﴾ لكل من يعصي.

стр. 6688

ولما وقع جوابهم عن قولهم ﴿لولا أنزل إليه ملك﴾ [الفرقان: ٧] وكان قد بقي قولهم ﴿أو يلقى إليه كنز﴾ [الفرقان: ٨] أشير إلى مزيد الاهتمام بجوابه بإبرازه في صورة الجواب لمن كأنه قال: ماذا يقال لهم إذا تظاهروا وطعنوا في الرسالة بما تقدم وغيره؟ فقال: ﴿قل﴾ أي لهم يا أكرم الخلق حقيقة، وأعدلهم طريقة محتجاً عليهم بإزالة ما يكون موضعاً للتهمة:

стр. 6689

﴿ما أسألكم عليه﴾ أي على الإبلاغ بالبشارة والنذارة ﴿من أجر﴾ لتتهموني أني أدعوكم لأجله، أو تقولوا: لولا ألقي إليه كنز ليغتني به عن ذلك، فكأنه يقول: الاقتصار عن التوسع في المال إنما يكره لمن يسأل الناس، وليس هذا من شيمي قبل النبوة فكيف بما بعدها؟ فلا غرض لي حينئذ إلا نفعكم. ثم أكد هذا المعنى بقوله، مستثنياً لأن الاستثناء معيار العموم: ﴿إلا من﴾ أي إلا أجر من ﴿شاء أن يتخذ﴾ أي يكلف نفسه ويخالف هواه ويجعل له ﴿إلى ربه سبيلاً*﴾ فإنه إذا اهتدى بهداية ربه كان لي مثل أجره، لا نفع لي من جهتكم إلا هذا، فإن سيتم هذا أجراً فهو مطلوبي، ولا مرية في أنه لا ينقص أحداً شيئاً من دنياه، فلا ضرر على أحد في طي الدنيا عني، فأفاد هذا فائدتين: إحداهما أنه لا طمع له أصلاً في شيء ينقصهم، والثانية إظهار الشفقة البالغة بأنه يعتد بمنفعتهم الموصلة لهم إلى ربهم ثواباً لنفسه. ولما كان المقصود ردهم عن عنادهم، وكان ذلك في غاية الصعوبة، وكان هذا الكلام لا يرد متعنتيهم - وهم الأغلب - الذين تخشى غائلتهم،

стр. 6690

عطف على «قل» قوله: ﴿وتوكل﴾ أي أظهر العجز والضعف واستسلم واعتمد في أمرك كله، ولا سيما في مواجهتهم بالإنذار، وفي ردهم عن عنادهم. ولما كان الوكيل يحمل عن الموكل ثقل ما أظهر له عجزه فيه ويقوم بأعبائه حتى يصير كمن يحمل عن آخر عيناً محسوسة لا يصير له عليه شيء منها أصلاً، عبر بحرف الاستعلاء تمثيلاً لذلك فقال: ﴿على الحي﴾ ولا يصح التوكل عليه إلا بلزوم طاعته والإعراض عما سواها. ولما كان الأحياء من الخلق يموتون، بين أن حياته ليست كحياة غيره فقال: ﴿الذي لا يموت﴾ أي فلا ضياع لمن توكل عليه أصلاً، بل هو المتولي لمصالحه في حياته وبعد مماته، ولا تلتفت إلى ما سواه بوجه فإنه هالك ﴿وسبح بحمده﴾ أي نزهه عن كل نقص مثبتاً له كل كمال. ولما كان المسلى ربما وقع في فكره أن من سلاه إما غير قادر على نصره، أو غير عالم بذنوب خصمه، وكان السياق للشكاية من إعراض المبلغين عن القرآن، وما يتبع ذلك من الأذى، أشار بالعطف على غير مذكور إلى أن التقدير: فكفى به لك نصيراً، وعطف عليه:

стр. 6691

﴿وكفى﴾ وعين الفاعل وحققه بإدخال الجار عليه فقال: ﴿به بذنوب عباده﴾ أي وكل ما سواهم عباده ﴿خبيراً*﴾ لا يخفى عليه شيء منها وإن دق، ثم وصفه بما يقتضي أنه مع ما له من عظيم القدرة بالملك والاختراع - متصف بالأناة وشمول العلم وحسن التدبير ليتأسى به المتوكل عليه فقال: ﴿الذي خلق السماوات والأرض﴾ أي على عظمهما ﴿وما بينهما﴾ من الفضاء والعناصر والعباد وأعمالهم من الذنوب وغيرها ﴿ألا يعلم من خلق﴾ [الملك: ١٤] وقوله: ﴿في ستة أيام﴾ تعجيب للغبي الجاهل، تدريب للفطن العالم في الحلم والأناة والصبر على عباد الله في دعوتهم إلى الله، وتذكير بما له من عظيم القدرة وما يلزمها من شمول العلم، والمراد مقدار ستة من أيامنا، فإن الأيام ما حدثت إلا بعد خلق الشمس، والإقرار بأن تخصيص هذا العدد لداعي حكمة عظيمة، وكذا جميع أفعاله وإن كنا لا ندرك ذلك، هو الإيمان، وجعل الله الجمعة عيداً للمسلمين لأن الخلق اجتمع فيه بخلق آدم ﵇ فيه في آخر ساعة. ولما كان تدبير هذا الملك أمراً باهراً، أشار إليه بأداة التراخي فقال: ﴿ثم استوى على العرش﴾ أي شرع في تدبير لهذا الملك

стр. 6692

الذي اخترعه وأوجده، وهم وذنوبهم من جملته كما يفعل الملوك في ممالكهم، لا غفلة عنده عن شيء أصلاً، ولا تحدث فيه ذرة من ذات أو معنى إلا بخلق جديد منه سبحانه، رداً على من يقول من اليهود وغيرهم: إن ذلك إنما هو بما دبر في الأزل من الأسباب، وأنه الآن لا فعل له. ولما كان المعصى إذا علم بعصيان من يعصيه وهو قادر عليه لم يمهله، أشار إلى أنه على غير ذلك، حاضاً على الرفق، بقوله: ﴿الرحمن﴾ أي الذي سبقت رحمته غضبه، وهو يحسن إلى من يكفره، فضلاً عن غيره، فأجدر عباده بالتخلق بهذا الخلق رسله، والحاصل أنه أبدع هذا الكون وأخذ في تدبيره بعموم الرحمة في إحسانه لمن يسمعه يسبّه بالنسبة له إلى الولد، ويكذبه في أنه يعيده كما بدأه، وهو سبحانه قادر على الانتقام منه بخلاف ملوك الدنيا فإنهم لا يرحمون من يعصيهم مع عجزهم. ولما كان العلم لازماً للملك، سبب عن ذلك قوله على طريق التجريد: ﴿فاسأل به﴾ أي بسبب سؤالك إياه ﴿خبيراً﴾ عن

стр. 6693

هذه الأمور وكل أمر تريده ليخبرك بحقيقة أمره ابتداء وحالاً ومآلاً، فلا يضيق صدرك بسبب هؤلاء المدعوين، فإنه ما أرسلك إليهم إلا وهو عالبم بهم، فسيعلي كعبك عليهم، ويحسن لك العاقبة. ولما ذكر إحسانه إليهم، وإنعامه عليهم، ذكر ما أبدوه من كفرهم في موضع شكرهم فقال: ﴿وإذا قيل لهم﴾ أي هؤلاء الذين يتقلبون في نعمه، ويغذوهم بفضله وكرمه، من أيّ قائل كان: ﴿اسجدوا﴾ أي اخضعوا بالصلاة وغيرها ﴿للرحمن﴾ الذي لا نعمة لكم إلا منه ﴿قالوا﴾ قول عال متكبر كما تقدم في معنى ﴿ظهيراً﴾ : ﴿وما الرحمن﴾ متجاهلين عن معرفته فضلاً عن كفر نعمته معبرين بأداة ما لا يعقل، وقال ابن العربي: إنهم إما عبروا بذلك إشارة إلى جهلهم الصفة، دون الموصوف. ثم عجبوا من أمره بذلك منكرين عليه، بقولهم: ﴿أنسجد لما تأمرنا﴾ فعبروا عنه بعد التجاهل في أمره والإنكار على الداعي إليه أيضاً بأداة ما لا يعقل ﴿وزادهم﴾ هذا الأمر الواضح المقتضي للإقبال والسكون شكراً للنعم وطمعاً في الزيادة ﴿نفوراً*﴾ لما عندهم من الحرارة الشيطانية التي تؤزهم أزاً، فلا نفرة توازي هذه النفرة، ولا ذم أبلغ منه. ولما ذكر حال النذير الذي ابتدأ به السورة في دعائه إلى الرحمن

стр. 6694

الذي لو لم يدع إلى عبادته إلا رحمانيته لكفى، فكيف بكل جمال وجلال، فأنكروه، اقتضى الحال أن يوصل به إثباته بإثبات ما هم عالمون به من آثار رحمانيته، ففصل ما أجمل بعد ذكر حال النذير، ثم من الملك، مصدراً له بوصف الحق الذي جعله مطلع السورة راداً لما تضمن إنكارهم من نفيه فقال: ﴿تبارك﴾ أي ثبت ثباتاً لا نظير له ﴿الذي جعل في السماء﴾ التي قدم أنه اخترعها ﴿بروجاً﴾ وهي اثنا عشر برجاً، هي للكواكب السيارة كالمنازل لأهلها، سميت بذلك لظهورها، وبنى عليها أمر الأرض، دبر بها فصولها، وأحكم بها معايش أهلها. ولما كانت البروج على ما تعهد لا تصلح إلا بالنور، ذكره معبراً بلفظ السراج فقال: ﴿وجعل فيها﴾ أي البروج ﴿سراجاً﴾ أي شمساً، وقرأ حمزة والكسائي بصيغة الجمع للتنبيه على عظمته في ذلك بحيث إنه أعظم من ألوف ألوف من السرج، فهو قائم مقام الوصف كما قال في الذي بعده: ﴿وقمراً منيراً*﴾ أتم - بتنقلهما فيها وبغير ذلك

стр. 6695

من أحوالهما - التدبير، أي أن العلم بوجوبه لا شك فيه، فكيف يشك عاقل في وجوده أو في رحمانيته بهذا العالم العظيم المتقن الصنع الظاهر فيه أمر الرحمانية.

стр. 6696

ولما ذكر الآيتين، ذكر ما هما آيتاه فقال: ﴿وهو الذي جعل الليل﴾ أي الذي آيته القمر ﴿والنهار﴾ الذي آيته الشمس ﴿خلفة﴾ أي ذوي حالة معروفة في الاختلاف، فيأتي هذا خلف ذاك، بضد ما له من الأوصاف، ويقوم مقامه في كثير من المرادات، والأشياء المقدرات، ويعلم قد التسامح فيها، ومن فاته شيء من هذا قضاه في ذاك؛ قال ابن جرير: والعرب تقول: خلف هذا من كذا خلفة، وذلك إذا جاء شيء مكان شيء ذهب قبله. وفي القاموس أن الخلف والخلفة - بالكسر: المختلف. فعلى هذا يكون التقدير: جعلهما مختلفين في النور والظلام، والحر والبرد، غير ذلك من الأحكام. وقال الرازي في اللوامع: يقال: الأمر بينهم خلفة، أي نوبة، كل واحد يخلف صاحبه، والقوم خلفة، أي مختلفون. ولما كان الذي لا ينتفع بالشيء كالعادم لذلك الشيء، خص الجعل بالمجتني للثمرة فقال: ﴿لمن أراد أن يذكر﴾ أي يحصل له تذكر ولو على أدنى الوجوه - بما دل عليه الإدغام في قراءة الجماهة بفتح الذال

стр. 6697

والكاف مشددتين، لما يدله عليه عقله من أن التغير على هذه الهيئة العظيمة لا يكون بدون مغير قادر عظيم القدرة مختار، فيؤديه تذكره إلى الإيمان إن كان كفوراً، وقراءة حمزة بالتخفيف من الذكر تشير إلى أن ما يدلان عليه من تمام القدرة وشمول العلم الدال قطعاً على الوحدانية على غاية من الظهور، لا يحتاج إلى فكر، بل تحصل بأدنى التفات ﴿أو أراد شكوراً*﴾ أي شكراً بليغاً عظيماً لنعم الله لتحمله إرادته تلك على الشكر إن كان مؤمناً، بسبب ما أنعم به ربه من الإتيان بكل منهما بعد هجوم الآخر لاجتناء ثمراته، ولو جعل أحدهما دائماً لفاتت مصالح الآخرة، ولحصلت السآمة به، والملل منه، والتواني في الأمور المقدرة بالأوقات، الكسل وفتر العزم الذي إنما يثيره لتداركها دخول وقت آخر، وغير ذلك من الأمور التي أحكمها العلي الكبير. ولما ذكر عباده الذين خذلهم بتسليط الشيطان عليهم فصاروا حزب الشيطان، ولم يصفهم إلى اسم من أسمائه، إيذاناً بإهانتهم لهوائهم عنده، وهم الذين صرح بهم قوله أول السورة ﴿نذيراً﴾ وختم بالتذكر والشكر إشارة إلى عباده الذين أخلصهم لنفسه، وأشار إليهم سابقاً بتخصيص الوصف بالفرقان، فأتبع ذلك ذكرهم، فقال عاطفاً على جملة الكلام في قوله ﴿وإذا قيل لهم﴾ لكنه رفعهم بالابتداء

стр. 6698

تشريفاً لهم: ﴿وعباد﴾ ويجوز أن يقال ولعله أحسن: أنه سبحانه لما وصف الكفار في هذه السورة بما وصفهم به من الفظاظة والغلظة على النبي ﷺ ، وعداوتهم له، ومظاهرتهم على خالقهم، ونحو ذلك من جلافتهم، وختم بالتذكر والشكر، وكان التقدير: فعباد الشيطان لا يتذكرون ولا يشكرون، لما لهم من القسوة، عطف على هذا المقدر أضدادهم، واصفاً لهم بأضداد أوصافهم، مبشراً لهم بضد جزائهم، فقال: وعباد ﴿الرحمن﴾ فأضافهم إليه رفعة لهم وإن كان كل الخلق عباده، وأضافهم إلى صفة وصف الرحمة الأبلغ الذي أنكره أولئك تبشيراً لهم؛ ثم وصفهم بضد ما وصف به المتكبرين عن السجود، إشارة إلى أنهم تخلقوا من هذه الصفة التي أضيفوا إليها بأمر كبير، فقال: ﴿الذين يمشون﴾ وقال: ﴿على الأرض﴾ تذكيراً بما هم منه وما يصيرون إليه، وحثاً على السعي في معالي الأخلاق للترقي عنه، وعبر عن حالهم بالمصدر مبالغة في اتصافهم بمدلوله حتى كانوا إياه، فقال: ﴿هوناً﴾ أي ذوي هون، أي لين ورفق وسكينة ووقار وإخبات وتواضع، لا يؤذون أحداً ولا يفخرون، رحمة لأنفسهم وغيرهم، غير متابعين ما هم فيه من الحرارة الشيطانية، فبرؤوا من

стр. 6699

حظوظ الشيطان، لأن من كان من الأرض وإليها يعود لا يليق به إلا ذلك، والأحسن أن يجعل هذا خبر «العباد» ، ويكون ﴿أولئك يجزون الغرفة﴾ [الفرقان: ٧٥] استئنافاً متشوفاً إليه تشوف المستنتج إلى النتيجة. ولما ذكر ما أثمره العلم من الفعل في أنفسهم، أتبعه ما أنتجه الحلم من القول لغيرهم فقال: ﴿وإذا﴾ دون «إن» لقضاء العادة بتحقق مدخولها، ولم يقل: والذين كبقية المعطوفات، لأن الخصلتين كشيء واحد من حيث رجوعهما إلى التواضع ﴿خاطبهم﴾ خطاباً ما، بجهل أو غيره وفي وقت ما ﴿الجاهلون﴾ أي الذين يفعلون ما يخالف العلم والحكمة ﴿قالوا سلاماً*﴾ أي ما فيه سلامة من كل سوء، وليس المراد التحية - نقل ذلك سيبويه عن أبي الخطاب، قال: لأن الآية فيما زعم مكية، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، ولكنه على قولك: تسليماً لا خير بيننا وبينكم ولا شراً - انتهى. فلا حاجة إلى ادعاء نسخها بآية القتال ولا غيرها، لأن الإغضاء عن السفهاء

стр. 6700

وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة، وأسلم للعرض والورع، وكأنه أطلق الخطاب إعلاماً بأن أكثر قول الجاهل الجهل. ولما ذكر ما بينهم وبين الخلق من القول والفعل، وكان الغالب على ذلك أن يكون جلوة نهاراً، ذكر ما بينهم وبين خالقهم من ذلك خلوة ليلاً، وذكر هذه المعطوفات التي هي صفات بالواو، تنبيهاً على أن كل واحدة منها تستقل بالقصد لعظم خطرها، وكبر أثرها، فقال: ﴿والذين يبيتون﴾ من البيتوتة: أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، وهي خلاف الظلول؛ وأفاد الاختصاص بتقديم ﴿لربهم﴾ أي المحسن إليهم برحمانيته، يحيون الليل رحمة لأنفسهم، وشكراً لفضله. ولما كان السجود أشد أركان الصلاة تقريباً إلى الله، لكونه أنهى الخضوع مع أنه الذي أباه الجاهلون، قدمه لذلك ويعلم بادىء بدء أن القيام في الصلاة فقال: ﴿سجداً﴾ وأتبعه ما هو تلوه في المشقة تحقيقاً لأن السجود على حقيقته فيتمحص الفعلان للصلاة، فقال: ﴿وقياماً*﴾ أي ولم يفعلوا فعل الجاهلين من التكبر عن السجود، بل كانوا - كما قال الحسن ﵀: نهارهم في خشوع، وليلهم في خضوع. ولما ذكر تهذيبهم لأنفسهم للخلق والخالق، أشار إلى أنه لا إعجاب عندهم، بل هم وجلون، وأن الحامل لهم على ذلك الإيمان بالآخرة التي

стр. 6701

كذب بها الجاهلون ﴿يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾ [المؤمنون: ٦٠] وقدموا الدعاء بالنجاة اهتماماً بدرء المفسدة، وإشعاراً بأنهم مستحقون لذلك وإن اجتهدوا، لتقصيرهم عن أن يقدروه سبحانه حق قدره فقال: ﴿والذين يقولون ربنا﴾ أي أيها المحسن إلينا ﴿اصرف عنا عذاب جهنم﴾ الذي أحاط بنا لا ستحقاقنا إياه إلا أن يتداركنا عفوك ورحمتك، بما توفقنا له من لقاء من يؤذينا بطلاقة الوجه، لا بالتجهم، ثم علل سؤالهم يقولهم: ﴿إن عذابها كان﴾ أي كوناً جبلت عليه ﴿غراماً*﴾ أي هلاكاً وخسراناً ملحاً محيط بمن تعلق به مذلاً له، دائماً بمن غرى به، لازماً له لا ينفك عنه ونحن كنا نسير على من آذانا. ولما ثبت لها هذا الوصف، أنتج قوله: ﴿إنها ساءت﴾ أي تناهت هي في كل ما يحصل منه سوء، وهي في معنى بئست في جميع المذام ﴿مستقراً﴾ أي من جهة موضع استقرار ﴿ومقاماً*﴾ أي موضع إقامة.

стр. 6702

ولما ذكر أفعالهم وأقوالهم فيما بينهم وبين الخلق وقدمه، والخالق وأخره، لأن وجوبه يكون بعد ذلك، ذكر أحوالهم في

стр. 6703

أموالهم، نظراً إلى قول الكفرة ﴿أو يلقى إليه كنز﴾ [الفرقان: ٨] وهداية إلى طريق الغنى لأنه ما عال من اقتصد، فقال: ﴿والذين إذا أنفقوا﴾ أي للخلق أو الخالق في واجب أو مستحب ﴿لم يسرفوا﴾ أي يجاوزوا الحد في النفقة بالتبذير، فيضيعوا الأموال في غير حقها فيكونوا إخوان الشياطين الذين هم من النار ففعلهم فعلها ﴿ولم يقتروا﴾ أي يضيقوا فيضيعو الحقوق؛ ثم بين العدل بقوله: ﴿وكان﴾ أي إنفاقهم ﴿بين ذلك﴾ أي الفعل الذي يجب إبعاده. ولما علم أن ما بين الطرفين المذمومين يكون عدلاً، صرح به في قوله: ﴿قواماً*﴾ أي عدلاً سواء بين الخلقين المذمومين: الإفراط والتفريط، تخلقاً بصفة قوله تعالى ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن نزل بقدر ما يشاء﴾ [الشورى: ٢٧] وهذه صفة أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم - كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوباً للجمال والزينة، بل كانوا يأكلون ما يسد الجوعة، ويعين على العبادة، ويلبسون ما يستر العورة، ويكنّ من الحر والقر،

стр. 6704

قال عمر ﵁: كفى سرفاً أن لا يشتهي الرجل شيئاً إلا اشتراه فأكله. ولما ذكر ما تحلوا به من أصول الطاعات، بما لهم من العدل والإحسان بالأفعال والأقوال، في الأبدان والأموال، أتبعه ما تخلوا عنه من أمهات المعاصي التي هي الفحشاء والمنكر، فقال: ﴿والذين لا يدعون﴾ رحمة لأنفسهم واستعمالاً للعدل ﴿مع الله﴾ أي الذي اختص بصفات الكمال ﴿إلهاً﴾ وكلمة «مع» وإن أفهمت أنه غير، لكن لما كانوا يتعنتون حتى أنهم يتعرضون بتعديد الأسماء كما مر في آخر سبحان والحجر، قال تعالى قطعاً لتعنتهم: ﴿آخر﴾ أي دعاء جلياً بالعبادة له، ولا خفياً بالرياء، فيكونوا كمن أرسلت عليهم الشياطين فأزتهم أزاً. ولا نفى عنهم ما يوجب قتل أنفسهم بخسارتهم إياها، أتبعه قتل غيرهم فقال: ﴿ولا يقتلون﴾ أي بما تدعو إليه الحدة ﴿النفس﴾ أي رحمة للخلق وطاعة للخالق. ولما كان من الأنفس ما لا حرمة له، بين المراد بقوله: ﴿التي حرم الله﴾ أي قتلها، أي منع منعاً عظيماً الملك الأعلى - الذي لا كفوء له - من قتلها ﴿إلا بالحق﴾ أي بأن تعمل ما يبيح قتلها.

стр. 6705

ولما ذكر القتل الجلي، أتبعه الخفي بتضييع نسب الولد، فقال: ﴿ولا يزنون﴾ أي رحمة لما قد يحدث من ولد، إبقاء على نسبه، ورحمة للمزني بها ولأقاربها أن تنهتك حرماتهم، مع رحمته لنفسه، على أن الزنى جارّ أيضاً إلى القتل والفتن، وفيه التسبب لإيجاد نفس بالباطل كما أن القتل تسبب إلى إعدامها بذلك، وقد روي في الصحيح «عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم - وفي رواية: أكبر - عند الله؟ قال: أن تدعو لله نداً هون خلقك، قال: ثم أيّ؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: ثم أيّ؟ قال: أن تزني بحليلة جارك، فأنزل الله تصديق ذلك ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية» وقد استشكل تصديق الآية للخبر من حيث إن الذي فيه قتل خاص وزنى خاص، والتقييد بكونه أكبر، والذي فيها مطلق القتل والزنى من غير تعرض لعظم، ولا إشكال لأنها نطقت بتعظيم ذلك من سبعة أوجه: الأول: الاعتراض بين المبتدأ الذي هو «وعباد» وما عطف عليه، والخبر الذي هو ﴿أولئك يجزون﴾ [الفرقان: ٧٥] على أحد الرأيين بذكر جزاء هذه الأشياء

стр. 6706

الثلاثة خاصة، وذلك دال على مزيد الاهتمام الدال على الإعظام. الثاني: الإشارة بأداة البعد - في قوله: ﴿ومن يفعل ذلك﴾ أي الفعل العظيم القبح - مع قرب المذكورات، فدل على أن البعد في رتبها. الثالث: التعبير باللقى مع المصدر المزيد الدال على زيادة المعنى في قوله: ﴿يلق أثاماً*﴾ دون يأثم أو يلق إثماً أو جزاء إثمه. الرابع: التقييد بالمضاعفة في قوله مستأنفاً: ﴿يضاعف﴾ أي بأسهل أمر ﴿له العذاب﴾ جزاء ما أتبع نفسه هواها بما فيه من الحرارة الشيطانية - هذا في قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم بالرفع وهو بدل «يلق» في قراءة الجماعة، لأنهما تؤولان إلى معنى واحد، ومضاعفة العذاب - والله أعلم - إتيان بعضه في أثر بعض بلا انقطاع كما كان يضاعف سيئته كذلك، وقراءة ابن كثير وأبي جعفر وابن عامر ويعقوب بالتشديد تفيد مطلق التعظيم للتضعيف، وقراءة الباقين بالمفاعلة تقتضيه بالنسبة إلى من يباري آخر فيه فهو أبلغ. الخامس: التهويل بقوله: ﴿يوم القيامة﴾ الذي هو أهول من غيره بما لا يقايس. السادس: الإخبار بالخلود الذي هو أول درجاته أن يكون مكثاً طويلاً، فقال عاطفاً في القراءتين على يضاعف: ﴿ويخلد فيه﴾ . السابع: التصريح بقوله: ﴿مهاناً*﴾ ولعله للاحتراز عما يجوز من أن بعض عصاة هذه الأمة - الذين يريد الله

стр. 6707

تعذيبهم - يعلمون أنهم ينجون ويدخلون الجنة، فتكون إقامتهم - مع العلم بالمآل - ليست على وجه الإهانة، فلما عظم الأمر من هذه الأوجه، علم أن كلاًّ من هذه الذنوب كبير، وإذا كان الأعم كبيراً، كان الأخص المذكور أعظم من مطلق الأعم، لأنه زاد عليه بما صار به خاصاً، فثبت بهذا أنها كبائر، وأن قتل الولد والزنى بحليلة الجار أكبر لما ذكر، فوضح وجه تصديق الآية للخبر، ولا يقال: إن الإشارة ترجع إلى المجموع، فالتهويل خاص بمن ارتكب مجموع هذه الذنوب لأنا نقول: السياق يأباه، لأن تكرار «لا» أفاد - كما حققه الرضي - ورود النفي على وقوع الخصال الثلاث حال الاجتماع والانفراد، فالمعنى: لا يوقعون شيئاً منها، فكان معنى ﴿ومن يفعل ذلك﴾ : ومن يفعل شيئاً من ذلك - ليرد الإثبات على ما ورد عليه النفي، فيحصل التناسب، وأما عدم منافاة الآية للترتيب فمن وجهين: الأول أن الأصل في التقديم الاهتمام بما سبقت له الآية، وهو التنفير المفيد للتغليظ، فيكون كل واحد منها أعلى مما بعده. الثاني أن الواو لا تنافيه، وقد وقعت الأفعال مرتبة في الذكر كما رتبت في الحديث ب «ثم» فيكون مراداً بها الترتيب - والله الهادي. ولما أتم سبحانه تهديد الفجار، على هذه الأوزار، أتبعه ترغيب الأبرار،

стр. 6708

في الإقبال على الله العزيز الغفار، فقال: ﴿إلا من تاب﴾ أي رجع إلى الله عن شيء مما كان فيه من هذه النقائص ﴿وآمن﴾ أي أوجد الأساس الذي لا يثبت عمل بدون وهو الإيمان، أو أكد وجوده ﴿وعمل﴾ . ولما كان الرجوع عنه أغلظ، أكد فقال: ﴿عملاً صالحاً﴾ أي مؤسساً على أساس الإيمان؛ ثم زاد في الترغيب بالإتيان بالفاء ربطاً للجزاء بالشرط دليلاً على أنه سببه فقال: ﴿فأولئك﴾ أي العالو المنزلة ﴿يبدل الله﴾ وذكر الاسم الأعظم تعظيماً للأمر وإشارة إلى أنه سبحانه لا منازع له ﴿سيئاتهم حسنات﴾ أي بندمهم على تلك السيئات، لكونها ما كانت حسنات فيكتب لهم ثوابها بعزمهم الصادق على فعلها لو استقبلوا من أمرهم ما استدبروا، بحيث إذا رأى أحدهم تبديل سيئاته بالحسنات تمنى لو كانت سيئاته أكثر! وورد أن بعضهم يقول: رب! إن لي سيئات ما رأيتها - رواه مسلم في أواخر الإيمان من صحيحه عن أبي ذر ﵁ رفعه. ولما كان هذا أمراً لم تجر العادة بمثله، أخبر أنه صفته تعالى أزلاً وأبداً، فقال مكرراً للاسم الأعظم لئلا يقيد غفرانه شيء مما مضى: ﴿وكان الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام على الإطلاع ﴿غفوراً﴾

стр. 6709

أي ستوراً لذنوب كل من تاب بهذا الشرط ﴿رحيماً*﴾ له بأن يعامله بالإكرام كما يعامل المرحوم فيعطيه مكان كل سيئة حسنة؛ روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن هذه الآية نزلت في أهل الشرك، لما نزل صدرها قال أهل مكة: فقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله، وأتينا الفواحش، فأنزل الله ﴿إلا من تاب﴾ [الفرقان: ٧]- إلى - ﴿رحيماً﴾ [الفرقان: ٧] ؛ وروي عنه أيضاً أنه قال: هذه مكية نسختها آية مدنية التي في سورة النساء. أي على تقدير كونها عامة في المشرك وغيره؛ وروي عنه أنه قال في آية النساء: نزلت في آخر ما نزل، ولم ينسخها شيء. وقد تقدم في سورة النساء الجواب عن هذا، وكذا ما رواه البخاري عنه في التفسير: إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا، فأتوا محمداً ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾ [الفرقان: ٦٨] ونزل ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ [الزمر: ٥٣] . ولما أشعرت الفاء بالتسبيب، ودل تأكيد الفعل بالمصدر على الاحتياج إلى عمل كثير

стр. 6710

ربما جل عن طوق البشر، وأشار إلى التطريق له بالوصفين العظيمين، أتبع ذلك بيان الطريق إليه بما أجرى من العادة فقال: ﴿ومن تاب﴾ أي عن المعصية كفراً كانت أو ما دونه ﴿وعمل﴾ تصديقاً لادعائه التوبة. ولما كان في سياق الترغيب، أعراه من التأكيد فقال: ﴿صالحاً﴾ ولو كان كل من نيته وعمله ضعيفاً؛ ورغب سبحانه في ذلك بقوله معلماً أنه يصل إلى الله: ﴿فإنه يتوب﴾ أي يرجع واصلاً ﴿إلى الله﴾ أي الذي له صفات الكمال، فهو يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات ﴿متاباً*﴾ أي رجوعاً عظيماً جداً بأن يرغبه الله في الأعمال الصالحة، فلا يزال كل يوم في زيادة في نيته وعمله، فيخف ما كان عليه ثقيلاً، ويتيسر له ما كان عسيراً، ويسهل عليه ما كان صعباً، كما تقدم في ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم﴾ [يونس: ٩] ولا يزال كذلك حتى يحبه فيكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، بأن يوفقه للخير، فلا يسمع إلا ما يرضيه، وهكذا، ومن أجراه على ظاهره فعليه لعنة الله، لمخالفته إجماع المسلمين. ولما وصف عباده سبحانه بأنهم تحلوا بأصول الفضائل، وتخلوا

стр. 6711

عن أمهات الرذائل، ورغب التوبة، لأن الإنسان لعجزه لا ينفك عن النقص، وكان قد مدحهم بعد الأولى من صفاتهم بالحلم عن الجهل مدحهم قبل الأخرى من أمداحهم وعقب تركهم الزنى بالإعراض أصلاً عن اللغو الذي هو أعظم مقدمات الزنى فقال: ﴿والذين لا يشهدون﴾ أي يحضرون انحرافاً مع الهوى كما تفعل النار التي الشيطان منها ﴿الزور﴾ أي القول المنحرف عن الصدق كذباً كان أو مقارباً له فضلاً عن أن يتفوهوا به ويقروا عليه؛ قال ابن جرير: وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه أنه بخلاف ما هو به فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، والشرك قد يدخل في ذلك لأنه محسن لأهله حتى ظنوا أنه حق وهو باطل، ويدخل فيه الغنا لأنه أيضاً مما يحسن بترجيع الصوت حتى يستحلي سامعه سماعه، والكذب أيضاً يدخل فيه بتحسين صاحبه إياه حتى يظن أنه حق. وعطف عليه ما هو أعم منه فقال: ﴿وإذا مروا باللغو﴾ أي الذي ينبغي أن يطرح ويبطل سواء كان من وادي الكذب أو العبث الذي لا يجدي؛ قال ابن جرير: وهو في كلام العرب كل كلام

стр. 6712

أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل، أو ما يستقبح. ﴿مروا كراماً*﴾ أي آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، إن تعلق بهم أمر أو نهي، بإشارة أو عبارة، على حسب ما يرونه نافعاً، أو معرضين إن كان لا يصلح شيء من ذلك لإثارة مفسدة أعظم من ذلك أو نحوه، رحمة لأنفسهم وغيرهم، وأما حضورهم لذلك وسكوتهم فلا، لأن النظارة إلى كل ما لم تسوغه الشريعة هم شركاء فاعليه في الإثم لأن حضورهم ونظرهم دليل الرضا به، وسبب لوجوده والزيادة فيه.

стр. 6713

ولما ذكر وصفهم الذي فاقوا به، أشار إلى وصف الجهلة الذي سفلوا به، فقال: ﴿والذين إذا ذكروا﴾ أي ذكرهم غيرهم كائناً من كان، لأنهم يعرفون الحق بنفسه لا بقائله ﴿بآيات ربهم﴾ أي الذي وفقهم لتذكر إحسانه إليهم في حسن تربيته لهم بالاعتبار بالآيات المرئية والمسموعة ﴿لم يخروا﴾ أي لم يفعلوا فعل الساقطين المستعلين ﴿عليها﴾ الساترين لها؛ ثم زاد في بيان إعراضهم وصدهم عنها فقال منبهاً على أن المنفي القيد لا المقيد، وهو الخرور، بل هو موجود غير منفي بصفة السمع والبصر: ﴿صماً وعمياناً*﴾ أي كما يفعل المنافقون والكفار في الإقبال عليها سماعاً واعتباراً، والإعراض عنها تغطية لما عرفوا من حقيتها، وستراً لما رأوا من نورها، فعل من لا يسمع ولا يبصر كما تقدم

стр. 6714

عن أبي جهل وأبي سفيان والأخنس بن شريق، وذلك وصف لعباد الرحمن بفعل ضد هذا، أي أنهم يسقطون عند سماعها ويبكون عليها، سقوط سامع منتفع بسمعه، بصير منتفع ببصره وبصيرته، سجداً يبكون كما تقدم في أول أوصافهم وإن لم يبلغوا أعلى الدرجات البصيرة - بما أشارت إليه المبالغة بزيادة النون جمع العمى. ولما ذكر هذه الخصلة المثمرة لما يلي الخلصة الأولى، ختم بما ينتج الصفة الأولى. فقال مؤذناً بأن إمامة الدين ينبغي أن تطلب ويرغب فيها: ﴿والذين يقولون﴾ علماً منهم بعد اتصافهم بجميع ما مضى أنهم أهل للإمامة: ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا﴾ اللاتي قرنتها بنا كما فعلت لنبيك ﷺ ، فمدحت زوجته في كلامك القديم، وجعلت مدحها يتلى على تعاقب الأزمان والسنين ﴿وذرياتنا قرة﴾ ولما كان المتقون - الذين يفعلون الطاعة ويسرون بها - قليلاً في جنب العاصين، أتى بجمع القلة ونكر فقال: ﴿أعين﴾ أي من الأعمال أو من العمال يأتمون بنا، لأن الأقربين أولى بالمعروف، ولا شيء أسر للمؤمن ولا أقر لعينه من أن يرى حبيبه يطيع الله، فما طلبوا إلا أن يطاع الله فتقر أعينهم، ف «من» إما تكون مثلها في: رأيت منك أسداً، وإما أن تكون على بابها، وتكون القرة هي الأعمال، أي هب لنا منهم

стр. 6715

أعمالاً صالحة فجعلوا أعمال من يعز عليهم هبة لهم، وأصل القرة البرد لأن العرب تتأذى بالحر وتستروح إلى البرد، فجعل ذلك كناية عن السرور ﴿واجعلنا﴾ أي إيانا وإياهم ﴿للمتقين﴾ أي عامة من الأقارب والأجانب. ولما كان المطلوب من المسلمين الاجتماع في الطاعة حتى تكون الكلمة في المتابعة واحدة، أشاروا إلى ذلك بتوحيد الإمام وإن كان المراد الجنس، فقالوا: ﴿إماماً*﴾ أي فنكون علماء مخبتين متواضعين كما هو شأن إمامة التقوى في إفادة التواضع والسكينة، لنحوز الأجر العظيم، إذ الإنسان له أجره وأجر من اهتدى به فعمل بعمله «من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» وعكسه. ولما وصف سبحانه عباده المؤمنين بضد أوصاف الكافرين من الرفق والسكينة، والتواضع والحلم والطمأنينة والشكر لربهم والرغبة إليه والرهبة منه. وقال الرازي: فوصف مشيهم خطابهم وانتصابهم له ودعاءهم ونفقاتهم ونزاهتهم وتيقظهم وانتباههم وصدقهم ومحبتهم ونصحهم. تشوف السامع إلى ما لهم عنده بعد المعرفة

стр. 6716

بما للكافرين، فابتدأ الخبر عن ذلك بتعظيم شأنهم فقال: ﴿أولئك﴾ أي العالو الرتبة، العظيمو المنزلة. ولما كان المقصود إنما هو الجزاء، بني للمفعول قوله: ﴿يجزون﴾ أي فضلاً من الله على ما وفقهم له من هذه الأعمال الزاكية، والأحوال الصافية ﴿الغرفة﴾ أي التي هي لعلوها واتساعها وطيبها لا غرفة غيرها، لأنها منتهى الطلب، وغاية الأرب، لا يبغون عنها حولاً، ولا يريدون بها بدلاً، وهي كل بناء عال مرتفع، والظاهر أن المراد بها الجنس. ولما كانت الغُرَب في غابة التعب لمنافاتها لشهوات النفس وهواها وطبع البدن، رغب فيها بأن جعلها سبباً لهذا الجزاء فقال: ﴿بما صبروا﴾ أي أوقعوا الصبر على أمر ربهم ومرارة غربتهم بين الجاهلين في أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم، وغير ذلك من معاني جلالهم. ولما كان المنزل لا يطيب إلا بالكرامة والسلامة، قال: ﴿ويلقون﴾ أي يجعلهم الله لاقين بأيسر أمر؛ وهلى قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم بالتخفيف والبناء للفاعل والأمر واضح

стр. 6717

﴿فيها تحية﴾ أي دعاء بالحياة من بعضهم لبعض، ومن الملائكة الذين لا يرد دعاؤهم، ولا يمترى في إخبارهم، لأنهم عن الله ينطقون، وذلك على وجه الإكرام والإعظام مكان ما أهانهم عباد الشيطان ﴿وسلاماً﴾ أي من الله ومن الملائكة وغيرهم، وسلامة من كل آفة مكان ما أصابوهم بالمصائب. ولما كان هذا ناطقاً بدوام حياتهم سالمين بصريحه، وبعظيم شرفهم بلازمه، دل على أنهم لا يبرحون عنه بقوله: ﴿خالدين فيها﴾ أي الغرفة مكان ما أزعجوهم من ديارهم حتى هاجروا؛ ودل على علو أمرها، وعظيم قدرها، بإبراز مدحها في مظهر التعجب فقال: ﴿حسنت﴾ أي ما أحسنها ﴿مستقراً﴾ أي موضع استقرار ﴿ومقاماً*﴾ أي موضع إقامة. ولما ثبت أمر الرحمانية، فظهر أمر الرحمن وما عليه عباده من الدعاء الذي هو الخضوع والإخلاص، وختم أوصافهم الحسنة بالدعاء حقيقة الدال على الإخلاص في الخضوع، وذكر حسن جزائهم وكريم منقلبهم، أمر النذير أن يقول لعباد الشيطان الذين تكبروا عن السجود للرحمن، وعن الاعتراف والإيمان، ليرجعوا عن العصيان، ويزداد المؤمنون في الطاعات والإيمان: إن ربه لا يعتد بمن لا يدعوه، فمن ترك دعاءه فليرتقب العذاب الدائم، فقال: ﴿قل ما يعبأ﴾ أي يعتد

стр. 6718

ويبالي ويجعلكم ممن يسد به في موضع التعبئة الآن - على أن «ما» نافية ﴿بكم﴾ أي أيها الكافرون ﴿ربي﴾ أي المحسن إليّ وإليكم برحمانيته، المخصص لي بالإحسان برحيميته، وإنما خصه بالإضافة لا عترافه دونهم ﴿لولا دعاؤكم﴾ أي نداؤكم له في وقت شدائدكم الذي أنتم تبادرون إليه فيه خضوعاً له به لينجيكم، فإذا فعلتم ذلك أنقذكم مما أنتم فيه، معاملة لكم معاملة من يبالي بالإنسان ويعتد به ويراعيه، ولولا دعاؤه إياكم لتعبدوه رحمة لكم لتزكوا أنفسكم وتصفّوا أعمالكم ولا تكونوا حطباً للنار ﴿فقد كذبتم﴾ أي فتسبب عن ذلك لسوء طباعكم ضد ما كان ينبغي لكم من الشكر والخير بأن عقبتم بالإنجاء وحققتم وقرنتم التكذيب بالرحمن بعد رحمتكم بالبيان مع ضعفكم وعجزكم، وتركتم ذلك الدعاء له وعبدتم الأوثان، وادعيتم له الولد وغيره من البهتان، أو ما يعتد بكم شيئاً من الاعتداد لولا دعاؤكم إياه وقت الشدائد، فهو يعتد بكم لأجله نوع اعتداد، وهو المدة التي ضربها لكم في الدنيا لا غيرها، بسب أنكم قد كذبتم، أو ما يصنع بكم لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته، لأنكم قد كذبتم، فكنتم شراً من البهائم، فدعاكم فتسبب عن دعائه إياكم أنكم فاجأتم الداعي بالتكذيب، والحاصل أنه ليس فيكم الآن

стр. 6719

ما يصلح أن يعتد بكم لأجله إلا الدعاء، لأنكم مكذبون، وإنما قلت: «الآن» لأن «ما» لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال، عكس «لا» ﴿فسوف﴾ أي فتسبب عن تكذيبكم أنه يجازيكم على ذلك، ولكنه مع قوته وقدرته واختياره لا يعاجلكم، بل ﴿يكون﴾ جزاء هذا التكذيب عند انقضاء ما ضربه لكم من الآجال، وكل بعيد عندكم قريب عنده، وكل آتٍ قريب، فتهيؤوا واعتدوا لذلك اليوم ﴿لزاماً*﴾ أي لازماً لكم لزوماً عظيماً لا انفكاك له عنكم بحال، وهذا تنبيه على ضعفهم وعجزهم، وذلهم وقهرهم، لأن الملزوم لا يكون إلا كذلك، فأسرهم يوم بدر من أفراد هذا التهديد، فقد انطبق آخر السورة على أولها بالإنذار بالفرقان، لمن أنكر حقيقة الرحمن - والله ولي التوفيق بالإيمان.

стр. 6720

مقصودها أن هذا الكتاب بين في نفسه بإعجازه أنه من عند الله، مبين لكل ملتبس، ومن ذلك بيان آخر التي قبلها بتفصيلهن وتنزيله على أحوال الأمم وتمثيله، وتسكين أسفه ﷺ خوفاً من أن يعم أمته الهوان بعدم الإيمان، وأن يشتد قصدهم لأتباعه بالأذى والعدوان بما تفهمه) سوف (من طول الزمان، بالإشارة غلى إهلاك من علم منه دوام العصيان، ورحمة من أراده للهداية والإحسان، وتسميتها بالشعراء أدل دليل على ذلك بما يفارق به القرآن الشعر من علو مقامه، واستقامة مناهجه وعز مرامه، وصدق وعده ووعيده وعدل تبشيره وتهديده، وكذا تسميتها بالظلة إشارة إلى أنه أعدل

стр. 6721

في بيانه، أو أدل في جميع شأنه، من المقادير التي دلت عليها قصة شعيب ﵇ بالمكيال والميزان، وأحرق من الظلة لمن يبارزه بالعصيان. ) بسم الله (الذي دل على علو كلامه، على عظمة شأنه وعز مرامه) الرحمن (الذي لا يعجل على من عصاه) الرحيم (الذي يحيي قلوب أهل وده بالتوفيق لما يرضاه)

стр. 6722

﴿طسم*﴾ لعله إشارة إلى الطهارة الواقعة بذي طوى من طور سيناء وطيبة ومكة وطيب ما نزل على محمد ﷺ مما يجمع ذلك كله - كما روي عن ابن عباس ﵄ ما يرشد إلى ذلك، وإلى خلاص بني إسرائيل بما سمعه موسى ﵇ من الكلام القديم، وبإتمام أمرهم بتهيئتهم للملك بإغراق فرعون وجنوده ونصرهم على من ناوأهم في ذلك الزمان بعد تطهيرهم بطول البلاء الذي أوصلهم إلى ذل العبودية، وذلك كله إشارة إلى تهديد قريش بأنهم إن لم يتركوا لددهم فعل بهم ما فعل بفرعون وجنوده من الإذلال بأي وجه أراد. وخلص عباده منهم، وأعزهم على كل من ناوأهم. ولما فرق سبحانه في تلك بين الدين الحق والمذهب الباطل، وبين ذلك غاية البيان، وفصل الرحمن من عباد الشيطان، وأخبر أنه عم برسالته ﷺ جميع الخلائق، وختم بشديد الإنذار

стр. 6723

لأهل الإدبار، بعد أن قال ﴿فقد كذبتم﴾ وكان حين نزولها لم يسلم منهم إلا القليل، وكان ذلك ربما أوهم قرب إهلاكهم وإنزال البطش بهم، كما كان في آخر سوة مريم، وأشارت الأحرف المقطعة إلى مثل ذلك، فأوجب الأسف على فوات ما كان يرجى من رحمتهم بالإيمان، والحفظ عن نوازل الحدثان، وكان ذلك أيضاً ربما أوجب أن يظن ظان، أن عدم إسلامهم لنقص في البيان، أزال ذلك سبحانه أول هذه فقال ﴿تلك﴾ أي الآيات العالية المرام، الحائزة أعلى مراتب التمام، المؤلفة من هذه الحروف التي تتناطقون بها وكلمات لسانكم ﴿ءايات الكتاب﴾ أي الجامع لكل فرقان ﴿المبين*﴾ أي الواضح في نفسه أنه معجز، وأنه من عند الله، وأن فيه كل معنى جليل، الفارق لكل مجتمع ملتبس بغاية البيان، فصح أنه كما ذكر في التي قبلها، فإن الإبانة هي الفصل والفرق، فصار الإخبار بأنه فرقان مكتنفاً الإنذار أول السورة التي قبلها وآخرها - والله الموفق. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما عرفت سورة الفرقان بشنيع مرتكب الكفرة المعاندين، وختمت بما ذكر من الوعيد، كان ذلك مظنة لإشفاقه ﵊ وتأسفه على فوات إيمانهم، لما جبل عليه من الرحمة والإشفاق، فافتتحت السورة الأخرى بتسليته ﵊،

стр. 6724

وأنه سبحانه لو شاء لأنزل عليهم آية تبهرهم وتذل جبابرتهم فقال سبحانه ﴿لعلك باخع نفسك﴾ - الآيتين، وقد تكرر هذا المعنى عند إرادة تسليته ﵊ كقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ [الأنعام: ٣٥] ، ﴿ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها﴾ [السجدة: ١٣] ، ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً﴾ [يونس: ٩٩] ، ﴿ولو شاء الله ما فعلوه﴾ [الأنعام: ١٣٧] ثم أعقب سبحانه بالتنبيه والتذكير ﴿أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم﴾ ، ﴿وإذ نادى ربك موسى﴾ وقلّما تجد في الكتاب العزيز ورود تسليته ﵇ إلا معقبة بقصص موسى ﵇ وما كابد من بني إسرائيل وفرعون، وفي كل قصة منها إحراز ما لم تحرزه الأخرى من الفوائد والمعاني والأخبار حتى لا تجد قصة تتكر وإن ظن ذلك من لم يمعن النظر، فما من قصة من القصص المتكررة في الظاهر إلا ولو سقطت أو قدر إزالتها لنقص من الفائدة ما لا يحصل من غيرها، وسيوضح هذا في التفسير بحول الله؛ ثم أتبع جل وتعالى قصة موسى بقصص غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أممهم على الطريقة المذكورة، وتأنيساً له ﵊ حتى لا يهلك نفسه أسفاً على فوت إيمان قومه؛ ثم أتبع سبحانه ذلك بذكر الكتاب

стр. 6725

وعظيم النعمة به فقال ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون﴾ فيا لها كرامة تقصر الألسن عن شكرها، وتعجز العقول عن تقديرها، ثم أخبر تعالى أنه ﴿بلسان عربي مبين﴾ ، ثم أخبر سبحانه بعلى أمر هذا الكتاب وشائع ذكره على ألسنة الرسل والأنبياء فقال: ﴿وإنه لفي زبر الأولين﴾ وأخبر أن علم بني إسرائيل من أعظم آية وأوضح برهان وبينة، وأن تأمل ذلك كاف، واعتباره شاف، فقال: ﴿أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل﴾ كعبد الله بن سلام وأشباهه، ثم وبخ تعالى متوقفي العرب فقال: ﴿ولو نزلناه على بعض الأعجمين﴾ - الآية، ثم أتبع ذلك بما يتعظ به المؤمن الخائف من أن الكتاب - مع أنه هدى ونور - قد يكون محنة في حق طائفة كما قال تعالى: ﴿يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً﴾ [البقرة: ٢٦] ، ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم﴾ [التوبة: ١٢٥] فقال تعالى في هذا المعنى ﴿كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم﴾ الآيات، ثم عاد الكلام إلى تنزيه الكتاب وإجلاله عن أن تتسور الشياطين على شيء منه أو تصل إليه فقال سبحانه ﴿وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون﴾ أي ليسوا أهلاً له ولا يقدرون على استراق سمعه، بل هم معزولون عن السمع، مرجومون بالشهب، ثم وصى تعالى
следующие страницы →