Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.
стр. 6651
المشيرة إلى التدريج والتفريق استجلاباً للسامع لئلا يعرض عنهم، أشاروا إلى أن ذلك غير مراد فقالوا: ﴿القرآن﴾ أي المقتضي اسمه للجمع؛ ثم صرحوا بالمراد بقولهم: ﴿جملة﴾ وأكدوا بقولهم: ﴿واحدة﴾ أي من أوله إلى آخره بمرة، ليتحقق أنه من عند الله، ويزول عنا ما نتوهمه من أنه هو الذي يرتبه قليلاً قليلاً، فتعبيرهم بما يدل على التفريق أبلغ في مرادهم، فإنهم أرغبوا السامع في الإقبال على كلامهم بتوطينه على ما يقارب مراده، ثم أزالوا بالتدريج أتم إزالة، فكان في ذلك من المفاجأة بالروعة والإقناط مما أمّل من المقاربة ما لم يكن في «أنزل» والله أعلم.
ولما كان التقدير: وما له ينزل عليه مفرقاً، وكان للتفريق فوائد جليلة، أشار سبحانه إلى عظمتها بقوله معبراً للإشارة إلى ما اشتملت عليه من العظمة بأداة البعد: ﴿كذلك﴾ أي أنزلناه شيئاً فشيئاً على هذا الوجه العظيم الذي أنكروه ﴿لنثبت به فؤادك﴾ بالإغاثة بتردد الرسل بيننا وبينك، وبتمكينك وتمكين أتباعك من تفهم المعاني، وتخفيفاً للأحكام، في تحميلها أهل الإسلام، بالتدريج على حسب المصالح، ولتنافي الحكمة في الناسخ والمنسوخ، لما رتب فيه من المصالح،
стр. 6652
وتسهيلاً للحفظ لا سيما والأمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، وتلقيناً للأجوبه في أوقاتها، وتعظيماً للإعجاز، لأن ما تحدى بنجم منه فعجز عنه علم أن العجز عن أكثر منه أولى، فالحاصل أن التفريق أدخل في باب الإعجاز وفي كل حكمة، فعلم أن هذا الاعتراض فضول ومماراة بما لا طائل تحته من ضيق الفطن، وقلة الحلية، وحرج الخطيرة، دأب المقطوع المبهوت، لأن المدار الإعجاز، وأما كونه جملة أو مفرقاً فأمر لا فائدة لهم فيه، وليست الإشارة محتملة لأن تكون للكتب الماضية، لأن نزولها إنما كان منجماً كما بينته في سورة النساء عن نص التوراة المشير إليه نص كتابنا، لا كما يتوهمه كثير من الناس، ولا أصل له إلا كذبة من بعض اليهود شبهوا بها على أهل الإسلام فمشت على أكثرهم وشرعوا يتكلفون لها أجوبة، واليهود الآن معترفون بأن التوراة نزلت في نحو عشرين سنة والله الموفق.
ولما كان إنزله مفرقاً أحسن، أكده بقوله عطفاً على الفعل الذي تعلق به «كذلك» ﴿ورتلناه ترتيلاً*﴾ أي فرقناه في الإنزال إليك تفريقاً في نيف وعشرين سنة؛ وقال البغوي: قال ابن عباس رضي الله
стр. 6653
عنهما: بيناه بياناً، والترتيل: التبين في ترسل وتثبت انتهى. وأصله ترتيل الأسنان وهو تفليجها كنور الأقحوان.
ولما كان التقدير: قد بطل ما أتوا به هذا الاعتراض، عطف عليه قوله: ﴿ولا يأتونك﴾ أي المشركون ﴿بمثل﴾ أي باعتراض في إبطال أمرك يخيلون به لعقول الضعفاء بما يجتهدون في تنميقه وتحسينه وتدقيقه حتى يصير عندهم في غاية الحسن والرشاقة لفظاً ومعنى ﴿إلا جئناك﴾ أي في جوابه ﴿بالحق﴾ ومن الألف واللام الدالة على الكمال يُعرَف أن المراد به الثابت الذي لا شيء أثبت منه، فيرهق ما أتوا به لبطلانه، ويفتضح بعد ذلك الستر فضيحة تخجّل القائل والسامع القابل.
ولما كان التقدير في الأصل: بأحق منه، وإنما عبر بالحق، لئلا يفهم أن لما يأتون به وجهاً في الحقيقة، عطف عليه قوله: ﴿وأحسن﴾ أي من مثلهم ﴿تفسيراً*﴾ أي كشفاً لما غطى الفهم من ذلك الذي خيلوا به وادعوا أنهم أوضحوا به وجهاً من وجوه المطاعن، فجزم أكثر من السامعين بحسنه.
ولما أنتجت هذه الآيات كلها أنهم معاندون لربهم، وأنهم يريدن بهذه السؤالات أن يضللوا سبيله، ويحتقروا مكانته، ويهدروا منزلته،
стр. 6654
علم قطعاً أنه يعمر بهم دار الشقاء، وكان ذلك أدل على أنهم أعمى الناس عن الطرق المحسوسة، فضلاً عن الأمثال المعلومة، والتمثيل للمدارك الغامضة، وأنهم أحقر الناس لأنه لا ينتقص الأفاضل إلا ناقص، ولا يتكلم الإنسان إلا فيمن هو خير منه، قال معادلاً لقوله: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير﴾ [الفرقان: ٢٤] واصفاً لما تقدم أنه أظهره موضع الإضمار من قوله ﴿الذين كفروا﴾ [الفرقان: ٣٢] ﴿الذين يحشرون﴾ أي يجمعون قهراً ماشين مقلوبين ﴿على وجوههم﴾ أو مسحوبين ﴿إلى جهنم﴾ كما أنهم في الدنيا كانوا يعملون ما كأنهم معه لا يبصرون ولا تصرف لهم في أنفسهم، تؤزهم الشياطين أزاً، فإن الآخرة مرآة الدنيا، مهما عمل هنا رئي هناك، كما أن الدنيا مزرعة الآخرة، مهما عمل فيها جنيت ثمرته هناك «روى البخاري عن أنس ﵄ أن رجلاً قال: يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال:» أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ قال قتادة: يعني الراوي عن أنس: بلى وعزة ربنا «.
стр. 6655
ولما وصف المتعنتين في أمر القرآن بهذا الوصف، استأنف الإخبار بأنهم متصفون بما ألزموا به من أن الإتيان بالقرآن مفرقاً وضع للشيء في غير موضعه فقال: ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿شر﴾ أي شر خلق ﴿مكاناً وأضل سبيلاً*﴾ حيث عموا عن طريق الجنة التي لا أجلى منها ولا أوسع، وسلكوا طريق النار التب لا أضيق منه ولا أوعر، وعموا عن أن إنزال القرآن نجوماً أولى لما تقدم من اللطائف وغيرها مما لا يحيط به إلا الله تعالى،» وسبيلاً «تمييز محول عن الفاعل أصله: ضل سبيلهم، وإسناد الضلال إليه من الإسناد المجازي.
ولما بين أنهم كذبوه وعادوه، وأشار بآية الحشر إلى جهنم إلى أنه لا يهلكهم بعامة، عطف على عامل» لنثبت «تسلية له وتخويفاً لهم قوله: ﴿ولقد آتينا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿موسى الكتاب﴾ كما أتيناك، بينا فيه الشرائع والسنن والأحكام، وجعلناه هدى ورحمة، وأنزلناه إليه منجماً في نحو عشرين سنة يقال: إنها ثمان عشرة كما أنزلنا إليك هذا القرآن في نيف وعشرين سنة، كما بينت ذلك
стр. 6656
في آخر سورة النساء وغيرها، على أن أحداً ممن طالع التوراة لا يقدر على إنكار ذلك، فإنه بيّن من نصوصها. وزاد في التسلية بذكر الوزير، لأن الرد للاثنين أبعد، وفيه إشارة إلى أنه لا ينفع في إيمانهم إرسال ملك كما اقترحوا ليكون معه نذيراً، فقال: ﴿وجعلنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿معه أخاه﴾ ثم بينه بقوله: ﴿هارون﴾ وبين محط الجعل بقوله: ﴿وزيراً﴾ أي معيناً في كل أمر بعثناه به، وهو مع ذلك نبي، ولا تنافي بين الوزارة والنبوة.
ولما كانت الواو لا ترتب، فلم يلزم من هذا أن يكون هذا الجعل بعد إنزال الكتاب كما هو الواقع، رتب عليه قوله: ﴿فقلنا﴾ أي بعد جعلنا له وزيراً. ولما كان المقصود هنا من القصة التسلية والتخويف، ذكر حاشيتها أولها وآخرها، وهما إلزام الحجة والتدمير، فقال: ﴿اذهبا إلى القوم﴾ أي الذين فيهم قوة وقدرة على ما يعانونه وهم القبط ﴿الذين كذبوا بآياتنا﴾ أي المرئية والمسموعة من الأنبياء الماضين قبل إتيانكما في علم الشهادة، والمرئية والمسموعة منكما بعد إتيانكما في علمنا. فذهبا إليهم فكذبوهما فيما أرياهم وأخبراهم به من الآيات،
стр. 6657
لما طبعناهم عليه من الطبع المهيىء لذلك.
ولما كان السياق للإنذار بالفرقان، طوي أمرهم إلا في عذابهم فقال: ﴿فدمرناهم﴾ أي لذلك ﴿تدميراً*﴾ بإغراقهم أجمعين عل يد موسى ﵇ في البحر، لم نبق منهم أحداً مع ما أصبناهم به قبل ذلك من المصائب، مع اجتهاد موسى ﵇ في إحيائهم بالإيمان، الموجب لإبقائهم في الدارين، عكس ما فعلناه بموسى ﵇ من إنجائه من الهلاك بإلقائه في البحر، وإبقائه بمن اجتهد في إعدامه، وجعلنا لكل منهما حظاً من بحره ﴿هذا ملح أجاج﴾ هو غطاء جهنم، ﴿وهذا عذب فرات﴾ [الفرقان: ٥٣] عنصره من الجنة، فليحذر هؤلاء الذين تدعوهم من مثل ذلك إن فعلوا مثل فعل أولئك.
стр. 6658
ولما هدد المكذبين، بإهلاك الأولين، الذين كانوا أقوى منهم وأكثر، وقدم قصة موسى ﵇ لمناسبة الكتاب في نفسه أولاً؛ وفي تنجيمه ثانياً، أتبعه أول الأمم، لأنهم أول، ولما في عذابهم من الهول، ولمناسبة ما بينه وبين عذاب القبط، فقال: ﴿وقوم﴾ أي ودمرنا قوم ﴿نوح لما كذبوا الرسل﴾ بتكذيبهم نوحاً؛ لأن من كذب واحداً من الأنبياء بالفعل فقد كذب الكل بالقوة، لأن
стр. 6659
المعجزات هي البرهان على صدقهم، وهي متساوية الأقدام في كونها خوارق، لا يقدر على معارضتها، فالتكذيب بشيء منها تكذيب بالجميع لأنه لا فرق، ولأنهم كذبوا من مضى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما سمعوه من أخبارهم، ولأنهم عللوا تكذيبهم بأنه من البشر فلزمهم تكذيب كل رسول من البشر. ولما كان كأنه قيل: بأيّ شيء دمروا؟ قال: ﴿أغرقناهم﴾ كما أغرقنا آل فرعون بأعظم مما أغرقناهم ﴿وجعلناهم﴾ أي قوم نوح في ذلك ﴿للناس آية﴾ أي علامة على قدرتنا على ما نريد من إحداث الماء وغيره وإعدامه والتصرف في ذلك بكل ما نشاء، وإنجاء من نريد بما أهلكنا به عدوه ﴿وأعتدنا﴾ أي هيأنا تهيئة قريبة جداً وأحضرنا على وجه ضخم شديد تام التقدير؛ وكان الأصل: لهم، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: ﴿للظالمين﴾ أي كلهم في أيّ زمان كانوا، لأجل ظلمهم بوضعهم الأشياء في غير مواضعها ﴿عذاباً أليماً*﴾ لاسيما في الآخرة.
ولما ذكر آخر الأمم المهلكة بعامة وأولها، وكان إهلاكهما بالماء، ذكر من بينهما ممن أهلك بغير ذلك، إظهاراً للقدرة والاختيار، وطوى
стр. 6660
خبرهم بغير العذاب لأنه كما مضى في سياق الإنذار فقال: ﴿وعاداً﴾ أي ودمرنا عاداً بالريح ﴿وثموداْ﴾ بالصيحة ﴿وأصحاب الرس﴾ أي البئر التي هي غير مطوية؛ قال ابن جرير: والرس في كلام العرب كل محفور مثل البئر والقبر ونحو ذلك. أي دمرناهم بالخسف ﴿وقروناً بين ذلك﴾ أي الأمر العظيم المذكور، وهو بين كل أمتين من هذه الأمم ﴿كثيراً*﴾ وناهيك بما يقول فيه العلي الكبير: إنه كثير؛ أسند البغوي في تفسير ﴿أمة وسطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] في البقرة عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ يوماً بعد العصر، فما ترك شيئاً إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان قال: «أما إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا، ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي آخرها وأكرمها على الله » أخرجه الترمذي في الفتن وأحمد والطبراني وابن ماجه في الفتن أيضاً لكن ببعضه وليس عند واحد منهم اللفظ المقصود من السبعين
стр. 6661
أمة، وفي بعض ألفاظهم وجعلنا نلتفت إلى الشمس هل بقي منها شيء وهذا يدل على أن الذي كان قد بقي من النهار نحو العشر من العشر، وهذا يقتضي إذا اعتبرنا ما مضى لهذه الأمة من الزمان أن يكون الماضي من الدنيا من خلق آدم ﵇ في يوم الجمعة الذي يلي الستة الأيام التي خلقت فيها السماوات والأرض أكثر من مائة ألف سنة - والله أعلم.
ولما قدم سبحانه أنه يأتي في هذا الكتاب بما هو الحق في جواب أمثالهم، بين أنه فعل بالجميع نحو من هذا، فقال تسلية لنبيه ﷺ وتأسية وبياناً لتشريفه بالعفو عن أمته: ﴿وكلاًّ﴾ أي من هذه الأمم ﴿ضربنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿له الأمثال﴾ حتى وضح له السبيل، وقام - من غير شبهة - الدليل ﴿وكلاًّ تبرنا تتبيراً*﴾ أي جعلناهم فتاتاً قطعاً بليغة التقطيع، لا يمكن غيرنا أن يصلها ويعيدها إلى ما كانت عليه قبل التفتيت.
стр. 6662
ولما ذكر الإهلاك بالماء وبغيره، وكان الإهلاك بالماء تارة بالبحر، وتارة بالإمطار، وختم بالخسف، ذكر الخسف الناشىء عن الأمطار، بحجارة النار، مع الغمر بالماء، دلالة على تمام القدرة، وباهر العظمة، وتذكيراً بما يرونه كل قليل في سفرهم إلى الأرض المقدسة لمتجرهم، وافتتح القصة باللام المؤذنة بعظيم الاهتمام، مقرونة بحرف التحقيق، إشارة إلى أنهم لعدم الانتفاع بالآيات كالمنكرين للمحسوسات، وغير الأسلوب تنبيهاً على عظيم الشأن وهزاً للسامع فقال: ﴿ولقد أتوا﴾ أي هؤلاء المكذبون من قومك، وقال: ﴿على القرية﴾ - وإن كانت مدائن سبعاً أو خمساً كما قيل - تحقيراً لشأنها في جنب قدرته سبحانه، وإهانة لمن يريد عذابه، ودلالة على جمع الفاحشة لهم حتى كانوا كأنهم شيء واحد كما دل عليه التعبير بمادة «قرا» الدالة على الجمع ﴿التي أمطرت﴾ أي وقع إمطارها ممن لا يقدر على الإمطار سواه بالحجارة، ولذا قال: ﴿مطر السوء﴾ وهي قرى قوم لوط، ثم خسف بها وغمرت بما ليس في الأرض مثله في أنواع الخبث؛ قال البغوي: كانت خمس قرى فأهلك الله أربعاً منها ونجت واحدة وهي أصغرها، وكان أهلها
стр. 6663
لا يعملون العمل الخبيث.
ولما كانوا يمرون عليها في أسفارهم، وكان من حقهم أن أن يتعظوا بحالهم، فيرجعوا عن ضلالهم، تسبب عن ذلك استحقاقهم للإنكار الشديد في قوله: ﴿أفلم يكونوا﴾ أي بما في جبلاتهم من الأخلاق العالية ﴿يرونها﴾ أي في أسفارهم إلى الشام ليعتبروا بما حل بأهلها من عذاب الله فيتوبوا.
ولما كان التقدير: بل رأوها، أضرب عنه بقوله: ﴿بل﴾ أي لم يكن تكذيبهم بسبب عدم رؤيتها وعدم علمهم بما حل بأهلها، بل بسبب أنهم ﴿كانوا﴾ يكذبون بالقيامة كأنه لهم طبع.
ولما كان عود الإنسان إلى ما كان من صحته محبوباً له، كان ينبغي لهم لو عقلوا أن يعلقوا رجاءهم بالبعث لأنه لا رجوع إلى الحياة، فهو كرجوع المريض لا سيما المدنف إلى الصحة، فلذلك قال معبراً بالرجاء تنبيهاً على هذا: ﴿لا يرجون نشوراً*﴾ بعد الموت ليخافوا الله فيخلصوا له فيجازيهم على ذلك، لأنه استقر في أنفسهم اعتقادهم التكذيب بالآخرة، واستمروا عليه قرناً بعد قرن حتى تمكن تمكناً لا ينفع معه الاعتبار إلا لمن شاء الله.
стр. 6664
ولما أثبت تكذيبهم بالآخرة، عطف عليه تحقيقاً قوله، مبيناً أنهم لم يقتصروا على التكذيب بالممكن المحبوب حتى ضموا إليه الاستهزاء بمن لا يمكن أصلاً في العادة أن يكون موضعاً للهزء: ﴿وإذا رأوك﴾ أي مع ما يعلمون من صدق حديثك وكرم أفعالك لو لم تأتهم بمعجزة، فكيف وقد أتيتهم بما بهر العقول ﴿إن﴾ أي ما ﴿يتخذونك إلا هزواً﴾ عبر بالمصدر إشارة إلى مبالغتهم في الاستهزاء مع شدة بعده ﷺ عن ذلك، يقولون محتقرين: ﴿أهذا﴾ وتهكموا مع الإنكار في قولهم ﴿الذي بعث الله﴾ أي المستجمع لنعوت العظمة ﴿رسولاً*﴾ فإخراجهم الكلام في معرض التسليم والإقرار - وهو في غاية الجحود - بالغ الذروة من الاستهزاء، فصار المراد عندهم أن هذا الذي ادعاه من الرسالة مما لا يجوز أن يعتقد.
ثم استأنفوا معجبين من أنفسهم، مخيلين غيرهم من الالتفات إلى ما يأتي به من المعجزات، قائلين: ﴿إن﴾ أي إنه ﴿كاد﴾ وعرّف بأن «إن» مخففة لا نافية باللام فقال: ﴿ليضلنا﴾ أي بما يأتي به من هذه الخوارق التي لا يقدر غيره على مثلها، واجتهاده في إظهار النصح ﴿عن آلهتنا﴾ هذه التي سبق إلى عبادتها من هو أفضل منا رأياً وأكثر للأمور تجربة. ولما كانت هذه العبارة مفهمة لمقاربة الصرف عن الأصنام، نفوه بقولهم:
стр. 6665
﴿لولا أن صبرنا﴾ بما لنا من الاجتماع والتعاضد ﴿عليها﴾ أي على التمسك بعبادتها.
ولما لزم قولهم هذا أن الأصنام تغني عنهم، نفاه مهدداً مؤكداً التهديد لفظاعة فعلهم بقوله، عطفاً على ما تقديره: فسوف يرون - أو من يرى منهم - أكثرهم قد رجع عن اعتقاد أن هذه الأصنام آلالهة: ﴿وسوف يعلمون﴾ أي في حال لا ينفعهم فيه العمل وإن طالت مدة الإمهال والتمكين ﴿حين يرون العذاب﴾ أي في الدنيا والآخرة ﴿من أضل سبيلاً*﴾ هم أوالدعي لهم إلى ترك الأصنام الذي ادعوا إضلاله بقولهم ﴿ليضلنا﴾ .
ولما أخبره تعالى بحقيقة حالهم، في ابتدائهم ومآلهم، وكان ذلك مما يحزنه ﷺ لشدة حرصه على رجوعهم، ولزوم ما ينفعهم واجتناب ما يضرهم، سلاه بقوله معجباً من حالهم: ﴿أرأيت من اتخذ﴾ أي كلف نفسه أن أخذ ﴿إلهه هواه﴾ أي أنهم حقروا الإله بإنزاله إلى رتبة الهوى فهم لا يعبدون إلا الهوى، وهو ميل الشهوة ورمي النفس إلى الشيء، لا شبهة لهم أصلاً في عبادة الأصنام يرجعون عنها إذا جلت، فهم لا ينفكون عن عبادتها ما دام
стр. 6666
هواهم موجوداً، فلا يقدر على كفهم عن ذلك إلا القادر على صرف تلك الأهواء، وهو الله وحده وهذا كما تقول: فلان اتخذ سميره كتابه، أي أنه قصر نفسه على مسامرة الكتاب فلا يسامر غير الكتاب، وقد يشاركه في مسامرة الكتاب غيره، ولو قلت: اتخذ كتابه سميره، لانعكس الحال فكان المعنى أنه أنه قصر نفسه على مطالعة السمير ولم ينظر في كتاب في وقت السمر وقد يشاركه غيره في السمير، أو قصر السمير على الكتاب والكتاب على السمير كما قصر الطين على الخزفية في قولك: اتخذت الطين خزفاً، فالمعنى أن هذا المذموم قصر نفسه على تأله الهوى فلا صلاح له ولا رشاد وقد يتأله الهوى غيره، ولو قيل: من اتخذ هواه إلهه، لكان المعنى أنه قصر هواه على الإله فلا غيّ له، لأن هواه تابع لأمر الإله، وقد يشاركه في تأله الإله غيره؛ قال أبو حيان: والمعنى أنه لم يتخذ إلهاً إلا هواه - انتهى.
فلو عكس لقيل: لم يتخذ هوى إلا إلهه، وهو إذا فعل ذلك فقد سلب نفسه الهوى فلم يعمل به إلا فيما وافق أمر إلهه ومما يوضح لك
стр. 6667
انعكاس المعنى بالتقديم والتأخير أنك لو قلت: فلان اتخذ عبده أباه، لكان معناه أنه عظم العبد، ولو قيل: إنه اتخذ أباه عبده، لكان معناه أنه أهان الأب، وسواء في ذلك إتيانك به هكذا على وزان ما في القرآن أو نكرت أحدهما، فإنك لا تجد ذوقك فيه يختلف في أنه إذا قدم الحقير شرفه، وإذا قدم الشريف حقره، وكذا لو قلت: إتخذ إصطبله مسجداً أو صديقه أباً أو عكست، ولو كان التقديم بمجرد العناية من غير اختلاف في الدلالة قدم في الجاثية الهوى، فإن السياق والسباق له، وحاصل المعنى أنه اضمحل وصف الإله، ولم يبق إلا الهوى، فلو قدم الهوى لكان المعنى أنه زال وغلبت عليه صفة الإله، ولم يكن ينظر إلا إليه، ولا حكم إلا له، كما في الطين بالنسبة إلى الخزف سواء - والله أعلم.
ولما كان لا يقدر على صرف الهوى إلا الله، تسبب عن شدة حرصه على هداهم قوله: ﴿أفأنت تكون﴾ ولما كان مراده ﷺ حرصاً عليهم ورحمة لهم ردهم عن الغي ولا بد، عبر بأداة الاستعلاء في قوله: ﴿عليه وكيلاً*﴾ أي من قبل الله بحيث يلزمك أن ترده عن هواه إلى ما أمر به الله قسراً، لست بوكيل، ولكنك
стр. 6668
رسول، ليس عليك إلا البلاغ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.
ولما انتفى الرد عن الهوى قسراً بالوكالة، نفى الرد طوعاً بتقبيح الضلالة، فذكر المانع منه بقوله معادلاً لما قبله، منكراً حسبانه، لا كونه هو الحاسب، أو أنكر كونه هو الحاسب، مع ما له من العقل الرزين، والرأي الرصين، ويكون ﴿تحسب﴾ معطوفاً على «تكون» : ﴿أم تحسب أن أكثرهم﴾ أي هؤلاء المدعوين ﴿يسمعون﴾ أي سماع من ينزجر ولو كان غير عاقل كالبهائم ﴿أو يعقلون﴾ ما يرون ولو لم يكن لهم سمع حتى يطمع في رجوعهم باختيارهم من غير قسر.
ولما كان هذا الاستفهام مفيداً للنفي، أثبت ما أفهمه بقوله: ﴿إن﴾ أي ما ﴿هم إلا كالأنعام﴾ أي في عدم العقل لعدم الانتفاع به ﴿بل هم أضل﴾ أي منها ﴿سبيلاً*﴾ لأنهم لا ينزجرون بما يسمعون وهي تنزجر، ولا يشكرون للمحسن وهو وليهم، لا يجانبون المسيء وهو عدوهم، ولا يرغبون في الثواب، ولا يخافون العقاب، وذلك لأنا حجبنا شموس عقولهم بظلال الجبال الشامخة من ضلالهم، ولو آمنوا لانقشعت تلك الحجب، وأضاءت أنوار الإيمان، فأبصروا غرائب المعاني، وتبدت لهم خفايا الأسرار
﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات
стр. 6669
يهديهم ربهم بإيمانهم﴾ [يونس: ٩] فكما أن الإنسان - وإن كان بصيراً - لا يميز بين المحسوسات ما لم يشرق عليها نور الشمس، فكذلك الإنسان - وإن كان عاقلاً ذا بصيرة - لا تدرك بصيرته المعاني المعلومات على ما هي عليه ما لم يشرق عليها نور الإيمان، لأن البصيرة عين الروح كما أن البصر عين الجسد؛ ولما كان من المعلوم أنهم يسمعون ويعقلون وأن المنفي إنما هو انتفاعهم بذلك، كان موضع عجب من صرفهم عن ذلك، فعبقه سبحانه بتصرفه في الأمور الحسية مثالاً للأمور المعنوية، ولأن عمله في الباطن ينيره إذا شاء بشمس المعارف كعمله في الظاهر سواء، دليلاً على سلبهم النفع بما أعطاهموه.
стр. 6670
ولما بين جمود المعترضين على دلائل الصانع، وتناهي جهلهم، وفساد طريقتهم، وكان المراد من العبد في تعرف ذلك أن ينظر في أفعال سيده بعين الحقيقة نظراً تفنى لديه الأغيار، فلا يرى إلا الفاعل المختار، خاطب رأس المخلصين الناظرين هذا النظر، حثاً لأهل وده على مثل ذلك، فقال ذاكراً لأنواع من الدلائل الدالة على وجود الصانع، وإحاطة علمه، وشمول قدرته، مشيراً إلى أن الناظر في هذا الدليل - لوضوحه في الدلالة على الخالق - كالناظر إلى الخالق، معبراً بوصف الإحسان
стр. 6671
تشويقاً إلى إدامة النظر إليه والإقبال عليه: ﴿ألم تر﴾ وأشار إلى عظم المقام وعلو الرتبة بحرف الغاية مع أقرب الخلق منزلة وأعلاهم مقاماً فقال: ﴿إلى ربك﴾ أي المحسن إليك، والأصل: إلى فعله؛ وأشار إلى زيادة التعجب من أمره بجعله في معرض الاستفهام فقال: ﴿كيف مد الظل﴾ وهو ظلمة ما منع ملاقاة نور الشمس، قال أبو عبيد: وهو ما تنسخه الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس وهو بعد الزوال. والظل هنا الليل لأنه ظل الأرض الممدود على قريب من نصف وجهها مدة تحجب نور الشمس بما قابل قرصها من الأرض حتى امتد بساطه، وضرب فسطاطه، كما حجب ظل ضلالهم أنوار عقولهم، وغفلة طباعهم نفوذَ أسماعهم ﴿ولو شاء لجعله﴾ أي الظل ﴿ساكناً﴾ بإدامة الليل لا تذهبه الشمس كما في الجنة لقوله ﴿وظل ممدود﴾ [الواقعة: ٣٠] وإن كان بينهما فرق، ولكنه لم يشأ ذلك بل جعله متحركاً بسوق الشمس له.
ولما كان إيجاد النهار بعد إعدامه، وتبيين الظل به غبّ إبهامه، أمراً عظيماً، وإن كان قد هان بكثرة الإلف، أشار بأداة التراخي ومقام العظمة فقال: ﴿ثم جعلنا﴾ أي بعظمتنا ﴿الشمس عليه دليلاً*﴾ أي يدور معها حيثما دارت، فلولا هي ما ظهر أن لشيء ظلاًّ، ولولا النور
стр. 6672
ما عرف الظلام، والأشياء تعرف بأضدادها.
ولما كانت إزالته شيئاً فشيئاً بعد مدة كذلك من العظمة بمكان. قال منبهاً على فضل مدخول «ثم» وترتبه متصاعداً في درج الفضل، فما هنا أفضل مما قبله، وما قبله أجلّ مما تقدمه، تشبيهاً لتباعد ما بين المراتب الثلاث في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت: ﴿ثم قبضناه﴾ أي الظل، والقبض: جمع المنبسط ﴿إلينا﴾ أي إلى الجهة التي نريدها، لا يقدر أحد غيرنا أن يحوله إلى جهة غيرها؛ قال الرازي ﵀ في اللوامع: وهذه الإضافة لأن غاية قصر الظل عند غاية تعالي الشمس، والعلو موضع الملائكة وجهة السماء التي فيها أرزاق العباد، ومنها نزول الغيث والغياث، وإليها ترتفع أيدي الراغبين، وتشخص أبصار الخائفين - انتهى. ﴿قبضاً يسيراً*﴾ أي هو - مع كونه في القلة بحيث يعسر إدراكه حق الإدراك - سهل علينا، ولم نزل ننقصه شيئاً فشيئاً حتى اضمحل كله، أو إلا يسيراً، ثم مددناه أيضاً بسير الشمس وحجبها ببساط الأرض قليلاً قليلاً، أولاً فأولاً بالجبال والأبنية والأشجار، ثم بالروابي والآكام والظراب وما دون ذلك، حتى تكامل كما كان، وفي تقديره هكذا من المنافع ما لا يحصى، ولو قبض لتعطلت
стр. 6673
أكثر منافع الناس بالظل والشمس جميعاً، فالحاصل أنه يجعل بواطنهم مظلمة بحجبها عن أنوار المعارف فيصيرون كالماشي في الظلام، ويكون نفوذهم في الأمور الدنيوية كالماشي بالليل في طرق قد عرفها ودربها بالتكرار، وحديث علي ﵁ في الروح الذي مضى عند «والطبيات للطيبين» في النور شاهد حسي لهذا المر المعنوي - والله الموفق.
стр. 6674
ولما تضمنت هذه الآية الليل النهار، قال مصرحاً بهما دليلاً على الحق، وإظهاراً للنعمة على الخلق: ﴿وهو﴾ أي ربك وحده ﴿الذي جعل﴾ ولما كان ما مضى في الظل أمراً دقيقاً فخص به أهله، وكان أمر الليل والنهار ظاهراً لكل أحد، عم فقال: ﴿لكم الليل﴾ أي الذي تكامل به مد الظل ﴿لباساً﴾ أي ساتراً للأشياء عن الأبصار كما يستر اللباس ﴿والنوم سباتاً﴾ أي نوماً وسكوناً وراحة، عبارة عن كونه موتاً أصغر طاوياً لما كان من الإحساس، قطعاً عما كان من الشعور والتقلب، دليلاً لأهل البصائر على الموت؛ قال البغوي وغيره: وأصل السبت القطع. وفي جعله سبحانه كذلك من الفوائد الدينية والدنيوية ما لا يعد، وكذا قوله: ﴿وجعل النهار نشوراً*﴾ أي
стр. 6675
حياة وحركة وتقلباً بما أوجد فيه من اليقظة المذكرة بالبعث، المهيئة للتقلب، برد ما أعدمه النوم من جميع الحواس؛ يحكى أن لقمان قال لابنه: كما تنام فتوقظ فكذلك تموت فتنشر. فالآية من الاحتباك: ذكر السبات أولاً دليلاً على الحركة ثانياً، والنشور ثانياً دليلاً على الطيّ والسكون أولاً.
ولما دل على عظمته بتصرفه في المعاني بالإيجاد والإعدام، وختمه بالإماتة والإحياء بأسباب قريبة، أتبعه التصرف في الأعيان بمثل ذلك، دالاًّ على الإماتة والإحياء بأسباب بعيدة، وبدأه بما هو قريب للطافته من المعاني، وفيه النشر الذي ختم به ما قبله، فقال: ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿الذي أرسل الرياح﴾ فقراءة ابن كثير بالإفراد لإرادة الجنس، وقراءة غيره بالجمع أدل على الاختيار بكونها تارة صباً وأخرى دبوراً، ومرة شمالاً وكرة جنوباً وغير ذلك ﴿بشراً﴾ أي تبعث بأرواحها السحاب، كما نشر بالنهار أرواح الأشباح ﴿بين يدي رحمته﴾ لعباده بالمطر.
ولما كان السحاب قريباً من الريح في اللطافة، والماء قريباً منهما
стр. 6676
ومسبباً عما تحمله الريح من السحاب، أتبعهما به، ولما كان في إنزاله من الدلالة على العظمة بإيجاده هنالك وإمساكه ثم إنزاله في الوقت المراد والمكان المختار على حسب الحاجة ما لا يخفى، غير الأسلوب مظهراً للعظمة فقال: ﴿وأنزلنا من السماء﴾ أي حيث لا ممسك للماء فيه غيره سبحانه ﴿ماء﴾ ثم أبدل منه بياناً للنعمة به فقال: ﴿طهوراً*﴾ أي طاهراً في نفسه مطهراً لغيره، اسم آلة كالسحور والسنون لما يتسحر به ويستن به، ونقل أبو حيان عن سيبويه أنه مصدر لتطهّر المضاعف جرى على غير فعله. وأما جعله مبالغة لطاهر فلا يفيد غير أنه بليغ الطهارة في نفسه لأن فعله قاصر.
ولما كانت هذه الأفعال دالة على البعث لكن بنوع خفاء، أتبعها ثمرة هذا الفعل دليلاً واضحاً على ذلك، فقال معبراً بالإحياء لذلك، معللاً للطهور المراد به البعد عن جميع ما يدنسه من ملوحة أو مرارة أو كبرتة ونحو ذلك مما يمنع كمال الانتفاع به: ﴿لنحيي به﴾ أي بالماء.
ولما كان المقصود بإحياء الأرض بالنبات إحياء البلاد لإحياء أهلها قال: ﴿بلدة﴾ ولو كان ملحاً أو مراً أو مكبرتاً لم تكن فيه قوة الإحياء. ولما كره أن يفهم تخصيص البلاد، أجري الوصف باعتبار الموضع
стр. 6677
ليعم كل مكان فقال: ﴿ميتاً﴾ أي بما نحدث فيه من النبات بعد أن كان قد صار هشيماً ثم تراباً، ليكون ذلك آية بينة على قدرتنا على بعث الموتى بعد كونهم تراباً.
ولما كان في مقام العظمة، بإظهار القدرة، زاد على كونه آية على البعث بإظهار النبات الذي هو منفعة للرعي منفعة أخرى عظيمة الجدوى في الحفظ من الموت بالشرب كما كانت آية الإحياء حافظة بالأكل فقال: ﴿ونسقيه﴾ أي الماء وهو من أسقاه - مزيد سقاه، وهما لغتان. قال ابن القطاع: سقيتك شراباً وأسقيتك، والله تعالى عباده وارضه كذلك. ﴿مما خلقنا﴾ أي بعظمتنا.
ولما كانت النعمة في إنزال الماء على الأنعام وأهل البوادي ونحوهم أكثر، لأن الطير والوحش تبعد في الطلب فلا تعدم ما تشرب، خصها فقال: ﴿أنعاماً﴾ وقدم النبات لأن به حياة الأنعام، والأنعام لأن بها كمال حياة الإنسان، فإذا وجد ما يكفيها من السقي تجزّأ هو بأيسر شيء، وأتبع ذلك قوله: ﴿وأناسيّ كثيراً*﴾ أي بحفظنا له في الغدران لأهل البوادي الذين يبعدون عن الأنهار والعيون وغيرهم ممن أردنا، لأنه تعالى لا يسقي جميع الناس على حد سواء، ولكن يصيب
стр. 6678
بالمطر من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، ويسقي بعض الناس من غير ذلك، ولذا نكر المذكورات - كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما يشاء - وتلا هذه الآية. وقال البغوي: وذكر ابن إسحاق وابن جريج ومقاتل وبلغوا به ابن مسعود ﵁ يرفعه قال: ليس من سنة بأمطر من أخرى، ولكن الله قسم الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، فإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، وإذا عصوا جميعاً صرف الله تعالى ذلك إلى الفيافي والبحار - انتهى. وكان السر في ذلك أنه كان من حقهم أن يطهروا ظواهرهم وبواطنهم، ويطهروا غيرهم ليناسبوا حاله في الطهورية، فلما تدنسوا بالقاذورات تسببوا في صرفه عنهم.
ولما ذكر سبحانه أن من ثمرة إنزال القرآن نجوماً إحياء القلوب التي هي أرواح الأرواح، وأتبعه ما لاءمه، إلى أن ختم بما جعله سبباً لحياة الأشباح، فكان موضعاً لتوقع العود إلى ما هو حياة الأرواح،
стр. 6679
قال عاطفاً على متعلق ﴿كذلك لنثبت﴾ [الفرقان: ٣٢] منبهاً على فائدة أخرى لتنجيمه أيضاً: ﴿ولقد صرفناه﴾ أي وجهنا القرآن.
كما قال ابن عباس ﵄ إنه المراد ههنا، ويؤيده ما بعده - وجوهاً من البيان، وطرقناه طرقاً تعيي أرباب اللسان، في معان كثيرة جداً ﴿بينهم﴾ في كل قطر عند كل قوم ﴿ليذكروا﴾ بالآيات المسموعة ما ركزنا في فطرهم من الأدلة العقلية والمؤيدة بالآيات المرئية ولو على أدنى وجوه التذكر المنجية لهم - بما أشار إليه الإدغام.
ولما كان القرآن قائداً ولا بد لمن أنصف إلى الإيمان، دل على أن المتخلف عنه إنما هو معاند بقوله: ﴿فأبى﴾ أي لم يرد ﴿أكثر الناس﴾ أي بعنادهم ﴿إلا كفوراً*﴾ مصدر كفر مبالغاً فيه.
стр. 6680
ولما كان تعنتهم بأن ينزل عليه ملك فيكون معه نذيراً، ربما أثار في النفس طلب إجابتهم إلى مقترحهم حرصاً على هدايتهم، فأومأ أولاً إلى أنه لا فائدة في ذلك بأن مؤازرة هارون لموسى ﵉ لم تغن عن القبط شيئاً، وثانياً بأن المدار في وجوب التصديق للنذير الإتيان بما يعجز، وكان ذلك موجوداً في آيات القرآن،
стр. 6681
المصرفة في كل زمان ومكان بكل بيان، فكانت كل آية منه قائمة مقام نذير، قال مشيراً إلى أنه إنما ترك ذلك لحكم يعلمها: ﴿ولو شئنا لبعثنا﴾ أي بما لنا من العظمة ونفوذ الكلمة ﴿في كل قرية نذيراً*﴾ أي من البشر أو الملائكة أو غيرهم من عبادنا، كما قسمنا المطر لأن الملك - كما قدمنا أول السورة - كله لنا، ليس لنا شريك يمنع من ذلك بما له من الحق، ولا ولد يمنع بما له من الدلة، ولكنا لم نفعل لما في آيات القرآن من الكفاية في ذلك، ولما في انفرادك بالدعوة من الشرف لك - وغير ذلك من الحكمة ﴿فلا تطع الكافرين﴾ فيما قصدوا من التفتير عن الدعاء به، بما يبدونه من المقترحات أو يظهرون لك من المداهنة، أو من القلق من صادع الإنذار، ويخيلون أنك لو أقللت منه رجوا أن يوافقوك ﴿وجاهدهم﴾ أي بالدعاء ﴿به﴾ أي القرآن الذي تقدم التحديث عنه في ﴿ولقد صرفناه﴾ [الفرقان: ٥] بإبلاغ آياته مبشرة كانت أو منذرة، والاحتجاج ببراهينه ﴿جهاداً كبيراً*﴾ جامعاً لكل المجاهدات الظاهرة والباطنة، لأن في ذلك إقبال كثير من الناس إليك واجتماعهم عليك، فيتقوى أمرك، ويعظم خطبك، وتضعف
стр. 6682
شوكتهم، وتنكسر سورتهم.
ولما ذكر تصريف الفرقان، ونشره في جميع البلدان، بعد إثارة الرياح ونشر السحاب، وخلط الماء بالتراب، لجمع النبات وتفريقه، أتبعه - تذكيراً بالنعمة، وتحذيراً من إحلال النقمة - الحجز بين أنواع الماء الذي لا أعظم امتزاجاً منه، وجمع كل نوع منها على حدته، ومنعه من أن يختلط بالآخر مع اختلاط الكل بالتراب المتصل بعضه ببعض، فقال عائداً إلى أسلوب الغيبة تذكيراً بالإحسان بالعطف على ضمير «الرب» في آية الظل: ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿الذي مرج البحرين﴾ أي الماءين الكثيرين الواسعين بأن جعلهما مضطربين كما تشاهدونه من شأن الماء؛ وقال الرازي: خلى بينهما كأنه أرسلهما في مجاريهما كما ترسل الخيل في المرج، وأصل المرج يدل على ذهاب ومجيء واضطراب والتباس.
ولما كان الاضطراب موجباً للاختلاط، وكانت «ال» دائرة بين العهد والجنس، تشوف السامع إلى السؤال عن ذلك، فأجيب بأن المراد جنس الماء الحلو والملح، لأن البحر في الأصل الماء الكثير، وبأنه سبحانه منعهما من الاختلاط، مع الموجب له في العادة، بقدرته الباهرة،
стр. 6683
وعظمته القاهرة، فقال: ﴿هذا عذب﴾ أي حلو سائغ ﴿فرات﴾ أي شديد العذوبة بالغ الغاية فيها حتى يضرب إلى الحلاوة، لا فرق بين ما كان منه على وجه الأرض وما كان في بطنها ﴿وهذا ملح﴾ شديد الملوحة ﴿أجاج﴾ أي مر محرق بملوحته ومرارته، لا يصلح لسقي ولا شرب، ولعله أشار بأداة القرب في الموضعين تنبيهاً على وجود الموضعين، مع شدة المقاربة، لا يلتبس أحدهما بالآخر حتى أنه إذا حفر على شاطىء البحر الملح بالقرب منه جداً خرج الماء عذباً جداً ﴿وجعل﴾ أي الله سبحانه ﴿بينهما برزخاً﴾ أي حاجزاً من قدرته مانعاً من اختلاطهما.
ولما كانا يلتقيان ولا يختلطان، كان كل منهما بالاختلاط في صورة الباغي على الآخر، فأتم سبحانه تقرير النعمة في منعهما الاختلاط بالكلمة التي جرت عادتهم بقولها عند التعوذ، تشبيهاً لكل منهما بالمتعوذ، ليكون الكلام - مع أنه خبر - محتملاً للتعوذ، فيكون من أحسن الاستعارات وأشهدها على البلاغة فقال: ﴿وحجراً﴾ أي منعاً ﴿محجوراً*﴾ أي ممنوعاً من أن يقبل رفعاً، كل هذا التأكيد إشارة إلى جلالة هذه الآية وإن كانت قد صارت لشدة الإلف بها معرضاً عنها
стр. 6684
إلى الغاية، لتعرف بها قدرته، وتشكر نعمته.
ولما ذكر تعالى قدرته في منع الماء من الاختلاط، أتبعه القدرة على خلطه، لئلا يظن أنه ممتنع، تقريراً للفعل بالاختيار، وإبطالاً للقول بالطبائع، فقال معبراً بالضمير كما تقدمه حثاً على استحضار الأفعال والصفات التي تقدمت، لتعرف الحيثية التي كرر الضمير لأجلها: ﴿وهو﴾ أي وحده ﴿الذي خلق من الماء﴾ بخلطه مع الطين ﴿بشراً﴾ كما تشاهدونه يخلق منه نباتاً وشجراً وورقاً وثمراً ﴿فجعله﴾ أي بعد ذلك بالتطوير في أطوار الخلقة، والتدوير في أدوار التربية ﴿نسباً﴾ أي ذكراً ينسب إليه ﴿وصهراً﴾ أي أنثى يصاهر - أي يخالط بها إلى الذكر، فقسم هذا الماء بعد التطوير إلى ذكر وأنثى كما جعل ذلك الماء قسمين: عذبا وملحاً، وخلط ماء الذكر بماء الأنثى متى أراد فصور منه آدمياً، ومنعه من ذلك إذا أراد، كما أنه ميز بين العذب والملح ويخلط بينهما إذا أراد بعلمه الشامل وقدرته التامة ﴿وكان ربك﴾ أي المحسن إليك بإرسالك وإنزال هذا الذكر إليك ﴿قديراً*﴾ على كل شيء قدرته على ما ذكر من إبداع هذه الأمور المتباعدة من مادة واحدة
стр. 6685
فهو يوفق من يشاء فيجعله عذب المذاق، سهل الأخلاق، ويخذل من يشاء فيجعله مرير الأخلاق كثير الشقاق، أو ملتبس الأخلاق، عريقاً في النفاق، فارغب إلى هذا الرب الشامل القدرة، التام العلم.
ولما أثبت له بهذه الأدلة القدرة على كل شيء، قال معجباً منهم في موضع الحال من «ربك» عوداً إلى تهجين سيرتهم في عبادة غيره، معبراً بالمضارع، إشارة إلى أنهم لو فعلوا ذلك مرة لكان في غاية العجب، فكيف وهو على سبيل التجديد والاستمرار؟ ومصوراً لحالهم زيادة في تبشيعها: ﴿ويعبدون﴾ أي الكفرة ﴿من دون﴾ أي ممن يعلمون أنه في الرتبة دون ﴿الله﴾ المستجمع لصفات العظمة، بحيث إنه لا ضر ولا نفع إلا وهو بيده.
ولما كان هذا السياق لتعداد نعمه سبحانه، وكان الحامل للإنسان على الإذعان رجاء الإحسان، أو خوف الهوان، وكان رجاء الإحسان مقبلاً به إلى المحسن في السر والإعلان، قدم النفع فقال: ﴿ما لا ينفعهم﴾ أي بوجه.
ولما كان الخوف إنما يوجب الإقبال ظاهراً فقط، أتبعه قوله: ﴿ولا يضرهم﴾ أي أصلاً في إزالة نعمة من نعم الله عنهم،
стр. 6686
فلا أسخف عقلاً ممن يترك من بيده كل نفع وضر وهو يتقلب في نعمه، في يقظته ونومه، وأمسه ويومه، ويقبل على من لا نفع بيده ولا ضر أصلاً؛ وأظهر في موضع الضمير بياناً للوصف الحامل على ما لا يفعله عاقل، وأفرد تحقيراً لهم فقال: ﴿وكان الكافر﴾ مع علمه بضعفه وعجزه.
ولما كان الكافر لا يمكن أن يصافي مسلماً ما دام كافراً، وكانت مصافاته لغيره حاصلة إما بالفعل أو بالقوة، عدت مصارمته لغيره عدماً، فكانت مصارمته خاصة بأولياء الله، وكان ذلك أشد لذمه، دل عليه بتقديم الجار فقال: ﴿على ربه﴾ أي المحسن إليه لا غيره ﴿ظهيراً*﴾ معيناً لشياطين الإنس والجن على أولياء الله، والتعبير ب «على» دال على أنه وإن كان مهيناً في نفسه حقيراً فاعل فعل العالي على الشيء القوي الغليظ الغالب له، المعين عليه، من قولهم: ظهر الأرض لما علا منها وغلظ، وأمر ظاهر لك، أي غالب، والظاهر: القوي والمعين، وذلك لأنه يجعل لما يعبده من الأوثان نصيباً مما تفرد الله بخلقه، ثم يجعل لها أيضاً بعض ما كان سماه لله، ويعاند أولياء الله من الأنبياء وغيرهم، وينصب لهم المكايد والحروب، ويؤذيهم بالقول والفعل، مع علمه بأن الله معهم لما يشاهدونه من خرقه لهم العوائد، فكان هذا فعل من
стр. 6687
لا يعبأ بالشيء ﴿لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتواً كبيراً﴾ [الفرقان: ٢١] ﴿أن لا تعلوا على الله﴾ [الدخان: ١٩] وهو في الحقيقة تهكم بالكفار، لأنهم يفعلون ما يلزم عليه هذا اللازم الذي لا يدور في خلد عاقل.
ولما كان التقدير تسلية له ﷺ : فالزم ما نأمرك به ولا يزد همُّك بردهم عما هم فيه، فإنا ما أرسلناك عليهم وكيلاً، عطف عليه قوله: ﴿وما أرسلناك﴾ أي بما لنا من العظمة.
ولما كان سياق السورة للإنذار، لما ذكر فيها من سوء مقالهم، وقبح أفعالهم، حسن التعبير في البشارة بما يدل على كثرة الفعل، ويفهم كثرة المفعول، بشارة بكثرة المطيع، وفي النذارة بما يقتضي أن يكون صفة لازمة فقال: ﴿إلا مبشراً﴾ أي لكل من يؤمن ﴿ونذيراً*﴾ لكل من يعصي.
стр. 6688
ولما وقع جوابهم عن قولهم ﴿لولا أنزل إليه ملك﴾ [الفرقان: ٧] وكان قد بقي قولهم ﴿أو يلقى إليه كنز﴾ [الفرقان: ٨] أشير إلى مزيد الاهتمام بجوابه بإبرازه في صورة الجواب لمن كأنه قال: ماذا يقال لهم إذا تظاهروا وطعنوا في الرسالة بما تقدم وغيره؟ فقال: ﴿قل﴾ أي لهم يا أكرم الخلق حقيقة، وأعدلهم طريقة محتجاً عليهم بإزالة ما يكون موضعاً للتهمة:
стр. 6689
﴿ما أسألكم عليه﴾ أي على الإبلاغ بالبشارة والنذارة ﴿من أجر﴾ لتتهموني أني أدعوكم لأجله، أو تقولوا: لولا ألقي إليه كنز ليغتني به عن ذلك، فكأنه يقول: الاقتصار عن التوسع في المال إنما يكره لمن يسأل الناس، وليس هذا من شيمي قبل النبوة فكيف بما بعدها؟ فلا غرض لي حينئذ إلا نفعكم. ثم أكد هذا المعنى بقوله، مستثنياً لأن الاستثناء معيار العموم: ﴿إلا من﴾ أي إلا أجر من ﴿شاء أن يتخذ﴾ أي يكلف نفسه ويخالف هواه ويجعل له ﴿إلى ربه سبيلاً*﴾ فإنه إذا اهتدى بهداية ربه كان لي مثل أجره، لا نفع لي من جهتكم إلا هذا، فإن سيتم هذا أجراً فهو مطلوبي، ولا مرية في أنه لا ينقص أحداً شيئاً من دنياه، فلا ضرر على أحد في طي الدنيا عني، فأفاد هذا فائدتين: إحداهما أنه لا طمع له أصلاً في شيء ينقصهم، والثانية إظهار الشفقة البالغة بأنه يعتد بمنفعتهم الموصلة لهم إلى ربهم ثواباً لنفسه.
ولما كان المقصود ردهم عن عنادهم، وكان ذلك في غاية الصعوبة، وكان هذا الكلام لا يرد متعنتيهم - وهم الأغلب - الذين تخشى غائلتهم،
стр. 6690
عطف على «قل» قوله: ﴿وتوكل﴾ أي أظهر العجز والضعف واستسلم واعتمد في أمرك كله، ولا سيما في مواجهتهم بالإنذار، وفي ردهم عن عنادهم.
ولما كان الوكيل يحمل عن الموكل ثقل ما أظهر له عجزه فيه ويقوم بأعبائه حتى يصير كمن يحمل عن آخر عيناً محسوسة لا يصير له عليه شيء منها أصلاً، عبر بحرف الاستعلاء تمثيلاً لذلك فقال: ﴿على الحي﴾ ولا يصح التوكل عليه إلا بلزوم طاعته والإعراض عما سواها.
ولما كان الأحياء من الخلق يموتون، بين أن حياته ليست كحياة غيره فقال: ﴿الذي لا يموت﴾ أي فلا ضياع لمن توكل عليه أصلاً، بل هو المتولي لمصالحه في حياته وبعد مماته، ولا تلتفت إلى ما سواه بوجه فإنه هالك ﴿وسبح بحمده﴾ أي نزهه عن كل نقص مثبتاً له كل كمال.
ولما كان المسلى ربما وقع في فكره أن من سلاه إما غير قادر على نصره، أو غير عالم بذنوب خصمه، وكان السياق للشكاية من إعراض المبلغين عن القرآن، وما يتبع ذلك من الأذى، أشار بالعطف على غير مذكور إلى أن التقدير: فكفى به لك نصيراً، وعطف عليه:
следующие страницы →