Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.
стр. 6756
التي منها عجزه عن نوع أذى لمن واجهه بما لا مطمع في مواجهته بأدناه - لم يدع لبساً في أنه مربوب مقهور، وأن ذلك موجب لا تباع موسى ﵇: ﴿هل أنتم مجتمعون*﴾ أي اجتماعاً أنتم راسخون فيه لكونه بالقلوب كما هو بالأبدان، كلكم ليكون أهيب لكم، وزين لهم هذا القائل البقاء على ما كانوا عليه من الباطل بذكر جانب السحرة وإن كان شرط فيه الغلبة، ولم يسمح بذكر جانب موسى ﵇ فقال: ﴿لعلنا نتبع السحرة﴾ لأن من امتثل أمر الملك كان حاله حال من يرجى منه اتباع حزبه ﴿إن كانوا هم﴾ أي خاصة ﴿الغالبين*﴾ أي غلبة لا يشك في أنها ناشئة عن مكنة نعرض عن أمر موسى الذي الذي تنازع الملك في أمره، وهذا مرادهم في الحقيقة، وعبر بهذا كناية عنه لأنه أدل على عظمة الملك، وعبر بأداة الشك إظهاراً للإنصاف، واستجلاباً للناس، مع تقديرهم لقطعهم بظفر السحرة.
لما رسخ في أذهانهم في الأزمنة المتطاولة من الضلال الذي لا غفلة لإبليس عن تزيينه مع أن تغيير المألوف أمر في غاية العسر. وقال: ﴿فلما﴾ بالفاء إيذاناً بسرعة حشرهم، إشارة إلى ضخامة ملكه. ووفور عظمته ﴿جاء السحرة﴾ أي الذين كانوا في جميع بلاد مصر ﴿قالوا لفرعون﴾ مشترطين الأجر في حال الحاجة إلى الفعل ليكون ذلك أجدر بحسن الوعد، ونجاح القصد ﴿أئِنََّ لنا لأجراً﴾
стр. 6757
وساقوه مساق الاستفهام أدباً معه، وقالوا: ﴿إن كنا﴾ أي كوناً نحن راسخون فيه ﴿نحن﴾ خاصة ﴿الغالبين*﴾ بأداة الشك مع جزمهم بالغلبة تخويفاً له بأنه إن لم يحسن في وعدهم لم ينصحوا له؛ ثم قيل في جواب من كأنه سأل عن جوابه: ﴿قال﴾ مجيباً إلى ما سألوه: ﴿نعم﴾ أي لكم ذلك، وزادهم ما لا أحسن منه عند أهل الدنيا مؤكداً له فقال: ﴿وإنكم إذاً﴾ أي إذا غلبتم ﴿لمن المقربين*﴾ أي عندي، وزاد ﴿إذاً﴾ هنا زيادة في التأكيد لما يتضمن ذلك من إبعاده عن الإيمان من وضوح البرهان، تخفيفاً على المخاطب بهذا كله ﷺ ، تسلية له في الحمل على نفسه أن لا يكون من يدعوهم مؤمنين، وما بعد ذلك من مسارعة السحرة للإيمان - بعد ما ذكر من إقسامهم بعزته بغاية التأكيد - تحقيق لآية ﴿فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾ .
ولما تشوف السامع إلى جواب نبي الله تعالى موسى ﵊ أجيب بقوله: ﴿قال لهم موسى﴾ ﵇، أي مريداً لإبطال سحرهم لأنه لا يتمكن منه إلا بإلقائهم، لا لمجرد إلقائهم، غير مبال بهم في كثرة ولا علم بعد ما خيروه - كما في غير هذه السورة: ﴿ألقوا ما أنتم ملقون*﴾ كائناً ما كان، ازدراء له بالنسبة إلى أمر الله ﴿فألقوا﴾ أي فتسبب عن قول موسى ﵇ وتعقبه أن ألقوا ﴿حبالهم وعصيهم﴾ التي أعدوها للسحر ﴿وقالوا﴾ مقسمين:
стр. 6758
﴿بعزة فرعون﴾ مؤكدين بأنواع التأكيد ﴿إنا لنحن﴾ أي خاصة لا نستثني ﴿الغالبون*﴾ قول واثق من نفسه مزمع على أن لا يدع باباً من السحر يعرفه إلا أتى به، فكل من حلف بغير الله كأن يقول: وحياة فلان، وحق رأسه - ونحو ذلك، فهو تابع لهذه الجاهليه.
стр. 6759
ولما قدم إضمار اسم موسى ﵇ في الإلقاء الأول لأن الكلام كان معه، فلم يكن إلباس في أنه الفاعل. وكان الكلام هنا في السحرة، وختموا بذكر فرعون وعزته، صرح باسم موسى ﵊ لنفي اللبس فقال: ﴿فألقى﴾ أي فتسبب عن صنع السحرة وتعقبه أن ألقى ﴿موسى﴾ وقابل جماعة ما ألقوه بمفرد ما ألقى، لأنه أدل على المعجزة، فقالك ﴿عصاه﴾ أي التي جعلناها آية له، وتسبب عن إلقائه قوله: ﴿فإذا هي تلقف﴾ أي تبتلع في الحال بسرعة ونهمة ﴿ما يأفكون*﴾ أي يصرفونه عن وجهه وحقيقته التي هي الجمادية بحيلهم وتخييلهم إلى ظن أنه حيات تسعى ﴿فألقي﴾ أي عقب فعلها من غير تلبث ﴿السحرة ساجدين*﴾ أي فسجدوا بسرعة عظيمة حتى كأن ملقياً ألقاهم بغير اختيارهم من قوة إسراعهم، علماً منهم بأن هذا من عند الله، فأمسوا أتقياء بررة، بعد ما جاؤوا في صبح ذلك اليوم سحرة.
ولما كان كأنه قيل: هذا فعلهم، فما كان قولهم؟ قيل:
стр. 6760
﴿قالوا آمنا برب العالمين*﴾ أي الذي دعا إليه موسى ﵇ أو ما تكلم؛ ثم خصوه كشفاً لتلبيس فرعون بما لا يحتمل غيره فقالوا بياناً: ﴿رب﴾ ولم يدع داع هنا إلى العدول عن الأصل، فقال عبارة عن كلامهم: ﴿موسى وهارون*﴾ أي اللذين أحسنا إلينا بالتنبيه عليه، والهداية إليه، وصدقهما بما أجرى على أيديهما.
ولما خاف فرعون اتباع الناس لهم، لما يرون مما هالهم من أمرهم، وكان قد تقدم ما يعرف أن المنكر عليهم فرعون نفسه، قال تعالى مخبراً عنه: ﴿قال﴾ من غير ذكر الفاعل - أي فرعون - لعدم اللبس، ومقصود السورة غير مقتض للتصريح كما في الأعراف بل ملائم للإعراض عنه والإراحه منه، منكراً مبادراً موهماً لأنه إنما يعاقب على المبادرة بغير إذن، لا على نفس الفعل، وأنه ما غرضه إلا التثبت ليؤخر بهذا التخييل الناس عن المبادرة بالإيمان إلى وقت ما ﴿آمنتم له﴾ أي لموسى ﵇، أفرده بالضمير لأنه الأصل في هذه الرساله، وحقيقة الكلام: أوقعتم التصديق بما أخبر به عن الله لأجله إعظاماً له بذلك ﴿قبل أن ءاذن لكم﴾ أي في الإيمان؛ ثم علل فعلهم بما يقتضي أنه عن مكر وخداع، لا عن حسن اتباع، فقال: ﴿إنه﴾ أي
стр. 6761
موسى ﵇ ﴿لكبيركم﴾ .
ولما كان هذا مشعراً بنسبته له إلى السحر، وأنه أعلم منهم به، فلذلك غلبهم، أوضحه بقوله: ﴿الذي علمكم السحر﴾ فتواعدتم معه على هذا الفعل، لتنزعوا الملك من أربابه، هذا وكل من سمعه يعلم كذبة قطعاً، فإن موسى ﵇ ما ربي إلا في بيته، واستمرّ حتى فر منهم إلى مدين، لا يعلم سحراً، ولا ألم بساحر، ولا سافر إلا إلى مدين، ثم لم يرجع إلا داعياً إلى الله، ولكن الكذب غالب على قطر مصر، وأهلها اسرع شيء سماعاً له وانقياداً به.
ولما أوقف السامعين بما خيلهم به من هذا الباطل المعلوم البطلان لكل ذي بصيرة، أكد المنع بالتهديد فقال: ﴿فلسوف تعلمون*﴾ أي ما أفعل بكم، أي فتسبب عما فعلتم أني أعاقبكم عقوبة محققة عظيمة، وأتى بأداة التنفيس خشية من أن لا يقدر عليهم فيعلم الجميع عجزه فيؤمنوا، مع ما فيها في الحقيقة على السحرة من التأكيد في الوعيد الذي لم يؤثر عندهم في جنب ما أشهدهم الله من الآية التي مكنتهم في مقام الخضوع؛ ثم فسر ما أبهم بقوله: ﴿لأقطعن﴾ بصيغة التفعيل لكثرة القطع والمقطوعين ﴿أيديكم وأرجلكم﴾ ثم بين كيفية تقطيعها فقال: ﴿من خلاف﴾ وزاد في التهويل فقال: ﴿ولأُصلبنكم أجمعين*﴾
стр. 6762
ثم استأنف تعالى حكاية جوابهم بقوله: ﴿قالوا﴾ .
ولما كان قد تقدم هنا أنهم أثبتوا له عزة توجب مزيد الخوف منه، حسن قولهم: ﴿لا ضير﴾ أي لا ضرر أصلاً علينا تحصل به المكنة منا فيما هددتنا به، بل لنا في الصبر عليه إن وقع أعظم الجزاء من الله، ورد النفي الشامل في هذه السورة إيذاناً بأنه لم يقدر فرعون على عذابهم، تحقيقاً لما في أول القصة من الإشارة إلى ذلك ب ﴿كلا﴾ و ﴿مستمعون﴾ فإن الإمكان من تابعي موسى ﵇ يؤذيه ويضيق صدره، ولما يأتي من القصص من صريح العبارة في قوله ﴿أنتما ومن اتبعكما الغالبون﴾ . ثم عللوا ذلك بقولهم: ﴿إنا﴾ أي بفعلك ذلك فينا إن قدرك الله عليه ﴿إلى ربنا﴾ أي المحسن إلينا وحده ﴿منقلبون*﴾ أي ولا بد لنا من الموت، فلنكن على ما حكم به ربنا من الحالات، وإنما حكمك على هذا الجسد ساعة من نهار، ثم لا حكم على الروح إلا الله الذي هو جدير بأن يثيبنا على ذلك نعيم الأبد. وذلك معنى قولهم معللين ما قبله: ﴿إنا نطمع أن يغفر﴾ اي يستر ستراً بليغاً ﴿لنا ربنا﴾ الذي أحسن إلينا بالهداية ﴿خطايانا﴾ أي التي قدمناها على كثرتها؛ ثم عللوا طمعهم مع كثرة الخطايا بقولهم: ﴿أن كنا﴾ أي كوناً هو لنا كالجبلة ﴿أول المؤمنين*﴾ أي من أهل هذا المشهد، وعبروا بالطمع إشارة إلى أن جميع أسباب السعادة منه تعالى،
стр. 6763
فكأنه لا سبب منهم أصلاً.
стр. 6764
ولما قص سبحانه من حال الدعاء ما كفى في التسلية من قصد هذين النبيين بالأذى والتهكم بمن دعوا إليه، وجعلهما الأعليين، ولم يضرهما ضعفهما وقلتهما، ولا نفع عدوهما قوته وكثرته، شرع يسلي بما أوقعه في حال السير، فقال طاوياً ما بقي منه لأن هذا ذكّر به، عاطفاً على هذه القصة: ﴿وأوحينا﴾ أي بما لنا من العظمة حين أردنا فصل الأمر وإنجاز الموعود ﴿إلى موسى أن أسر﴾ أي سر ليلاً، حال اشتغال فرعون وجنوده بموت أبكارهم وتجهيزهم لهم ﴿بعبادي﴾ أي بني إسرائيل الذين كرمتهم مصاحباً لهم إلى ناحية بحر القلزم، غير مبال بفرعون ولا منزعج منه، وتزودوا اللحم والخبز الفطير للإسراع، وألطخوا أعتابكم بالدم، لأني أوصيت الملائكة الذين يقتلون الأبكار أن لا يدخلوا بيتاً على بابه دم؛ ثم علل أمر له بالسير في الليل بقوله: ﴿إنكم متبعون*﴾ أي لا تظن أنهم لكثرة ما رأوا من الآيات يكفون عن اتباعكم، فأسرع بالخروج لتبعدوا عنهم إلى الموضع الذي قدرت في الأزل أن يظهر فيه مجدي، والمراد توافيهم عند البحر،
стр. 6765
ولم يكتم اتباعكم عن موسى ﵇ لعدم تأثره به لما تحقق عنده من الحفظ لما تقدم به الوعد الشريف بذلك التأكيد.
ولما كان التقدير: فأسرى بهم امتثالاً للأمر بعد نصف الليل، عطف عليه قوله: ﴿فأرسل فرعون﴾ أي لما أصبح وأعلم بهم ﴿في المدائن حاشرين*﴾ أي رجالاً يجمعون الجنود بقوة وسطوة وإن كرهوا، ويقولون تقوية لقلوبهم وتحريكاً لهممهم: ﴿إن هؤلاء﴾ إشارة بأداة القرب تحقيراً لهم إلى أنهم في القبضة وإن بعدوا، لما بهم من العجز، وبآل فرعون من القوة، فليسوا بحيث يخاف قوتهم ولا ممانعتهم ﴿لشرذمة﴾ أي طائفة وقطعة من الناس.
ولما كانت قلتهم إنما هي بالنسبة إلى كثرة آل فرعون وقوتهم وما لهم عليهم من هيبة الاستعباد، وكان التعبير بالشرذمة موهماً لأنهم في غاية القلة، أزال هذا الوهم بالتعبير بالجمع دون المفرد ليفيد أنه خبر بعد خبر، لا صفة، وأن التعبير بالشرذمة إنما هو للإشارة إلى تفرق القلوب، والجمع ولا سيما ما للسلامة مع كونه أيضاً للقلة أدل على أنهم أوزاع، وفيه أيضاً إشارة إلى أنهم مع ضعفهم بقلة العدد آيسون من إسعاف بمدد. وليس لهم أهبة لقتال لعدم العدة
стр. 6766
لأنهم لم يكونوا قط في عداد من يقاتل كما تقول لمن تزدريه: هو أقل من أن يفعل كذا، فقال: ﴿قليلون*﴾ أي بالنسبة إلى ما لنا من الجنود التي لا تحصى وإن كانوا في أنفسهم كثيرين، فلا كثرة لهم تمنعكم أيها المحشورون من اتباعهم؛ قال البغوي عن ابن مسعود ﵄: كانوا ستمائة ألف وتسعين ألفاً، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون - انتهى.
وكل هذا بيان لأن فرعون مع تناهي عظمته لم يقدر على أثرٍ ما في موسى ﵇ ولا من اتبعه تحقيقاً لما تقدم من الوعد به أول القصة.
ولما ذكر ما يمنع الخوف من اتباعهم، ذكر ما يوجب الحث عليه ويحذر من التقاعس عنه فقال: ﴿وإنهم لنا﴾ ونحن على ما نحن عليه من الكثرة والعظمة ﴿لغائظون*﴾ أي بما فجعونا به من أنفسهم وما استعاروه من الزينة من أواني الذهب والفضة وفاخر الكسوة، فلا رحمة في قلوبكم تحميهم.
ولما كان مدار مادة «شرذم» على التقطع. فكان في التعبير بها إشارة إلى أنهم مع القلة متفرقون ليسوا على قلب واحد، وذكر أن
стр. 6767
في اتباعهم شفاء الغلل، أتبعه ما ينفي عن المتقاعد العلل، فقال: ﴿وإنا لجميع﴾ أي أنا وأنتم جماعة واحدة مجتمعون بإياله الملك على قلب واحد.
ولما أشار بهذا الخبر إلى ضد ما عليه بنو إسرائيل مع قلتهم مما هو سبب للجرأة عليهم، أخبر بخبر ثان يزيد الجرأة عليهم، وفي مضادة لما أشير إليه ب «قليلون» من الاستضعاف فقال: ﴿حاذرون*﴾ أي ونحن - مع إجماع قلوبنا - من شأننا وطبعنا الحذر، فنحن لا نزال على أهبة القتال، ومقارعة الأبطال، لا عائق لنا عنه بسفر ولا بغيره، أما من جهتي فبإفاضة الأموال عليكم، وإدرار الأرزاق فيكم، ووضع الأشياء في مواضعها في الأرض والرجال، وأما من جهتكم فباستعمال الأمانة من طاعة الملك في وضع كل ما يعطيكم في مواضعه من إعداد السلاح والمراكب والزاد، وجميع ما يحتاج إليه المحارب، مع ما لكم من العزة والقوة وشماخة الأنوف وعظم النفوس مع الجرأة والإقدام والثبات في وقف الحقائق، المحفوظ بالعقل المحوط بالجزم المانع من اجتراء الأخصام عليكم، ومكرهم لديكم، فإنه يحكى أنه كان يتصرف في خراج مصر بأن يجزئه أربعة أجزاء: أحدها لوزرائه وكتابه وجنده،
стр. 6768
والثاني لحفر الأنهار وعمل الجسور، والثالث له ولولده، والرابع يفرق من مدن الكور، فإن لحقهم ظمأ أو استبحار أو فساد علة أو موت عوامل قوّاهم به؛ وري أنه قصده قوم فقالوا: نحتاج إلى أن نحفر خليجاً لنعمر ضياعنا، فإذن في ذلك واستعمل عليهم عاملاً فاستكثر ما حمل من خراج تلك الناحية إلى بيت المال، فسأل عن مبلغ ما أنفقوه على خليجهم، فإذا هو مائة ألف دينار، فأمر بحملها إليهم فامتنعوا من قبولها، فقال: اطرحوها عليهم، فإن الملك إذا استغن بمال رعيته افتقر وافتقروا، وأن الرعية إذا استغنت بمال ملكهم استغنى واستغنوا.
ولما كان التقدير: فأطاعوا أمره، ونفوا على كل صعب وذلول، عطف عليه قوله معلماً بما آل إليه أمرهم: ﴿فأخرجناهم﴾ أي بما لنا من القدرة، إخراجاً حثيثاً مما لا يسمح أحد بالخروج منه ﴿من جنات﴾ أي بساتين يحق لها أن تذكر ﴿وعيون*﴾ لا يحتاج معها إلى نيل ولا مطر ﴿وكنوز﴾ من الأموال تعرف بمقدار ما هم فيه من النعم الفاضلة عنهم، مع ما هم فيه من تمام الاستعداد لمثل هذا المراد ﴿ومقام﴾ من المنازل ﴿كريم*﴾ أي على صفة ترضي الرائي له لأنه على النهاية من الحسن لا يقال فيه: ليته كان كذا، أو كان كذا.
стр. 6769
ولما كان الخروج عن مثل هذا مما يستنكر، أشار إلى عظمة القدرة
стр. 6770
عليه بقوله: ﴿كذلك﴾ أي مثل ذلك الإخراج العجيب الذي أراده فرعون من قومه في السرعة والكمال الهيبة أخرجناهم نحن بأن يسرنا له ولهم ذلك، ووفرنا لهم الأسباب، لما اقتضته حكمتنا، أو مثل ذلك الخروج الذي قصصناه عليك أخرجناهم، أي كان الواقع من خروجهم مطابقاً لما عبرنا به عنه، أو الأمر الذي قصصناه كله كما قلنا وأولها أقعدها وأحسنها وأجودها ﴿وأورثناها﴾ أي تلك النعم السرية بمجرد خروجهم بالقوة وبإهلاكهم بالفعل ﴿بني إسرائيل*﴾ أي جعلناهم بحيث يرثونها لأنا لم نبق لهم مانعاً يمنعهم منها بعد أن كانوا مستبعدين تحت أيدي أربابها، وأما إرثهم لها بالفعل ففيه نظر لقوله في الدخان ﴿قوماً آخرين﴾ .
ولما وصف الإخراج، وصف أثره فقال مرتباً عليه بالفعل وعلى الإيراث بالقوة: ﴿فأتبعوهم﴾ أي جعلوا أنفسهم تابعة لهم ﴿مشرقين*﴾ أي داخلين في وقت شروق الشمس، أي طلوعها من صبيحة الليلة التي سار في نصفها بنو إسرائيل، ولولا تقدير العزيز العليم بخرق ذلك للعادة لم يكن على حكم العادة في أقل من عشرة أيام، فإنه أمر يعجز الملوك مثله، فيا له من حشر ما أسرعه! وجهاز ما أوسعه! واستمروا
стр. 6771
إلى أن لحقوهم عند بحر القلزم كما تقدم في الأعراف شرح ذلك عن التوراة، وتقدم سر تسييرهم في تلك الطريق ﴿فلما تراءى الجمعان﴾ أي صارا بحيث يرى كل منهما الآخر ﴿قال أصحاب موسى﴾ ضعفاً وعجزاً استصحاباً لما كانوا فيه عندهم من الذل، ولأنهم أقل منهم بكثير بحيث يقال: إن طليعة آل فرعون كانت على عدد بني إسرائيل، وذلك محق لتقليل فرعون لهم، وكأنه عبر عنهم ب «أصحاب» دون «بني إسرائيل» لأنه كان قد آمن كثير من غيرهم: ﴿إنا لمدركون*﴾ أي لأنهم قد وصلوا ولا طريق لنا وقد صرنا بين سدين من حديد وماء، العدو وراءنا والماء أمامنا ﴿قال﴾ أي موسى ﵊ وثوقاً بوعد الله، ناطقاً بمثل ما كلمه به ربه في أول القصة من قوله: ﴿كلا﴾ أي لا يدركونكم أصلاً؛ ثم علل ذلك تسكيناً لهم بقوله: ﴿إن معي ربي﴾ فكأنهم قالوا: وماذا عساه يفعل وقد وصلوا؟ قال: ﴿سيهدين*﴾ أي بوعد مؤكد عن قرب، إلى ما أفعل مما فيه خلاصكم، وتقدم في براءة سر تقديم المعية وخصوصها والتعبير باسم الرب ﴿فأوحينا﴾ أي فتسبب عن كلامه الدال على المراقبة أنا أوحينا؛ ونوه باسمه الكريم جزاء له على ثقته به سبحانه
стр. 6772
فقال: ﴿إلى موسى﴾ وفسر الوحي الذي فيه معنى القول بقوله: ﴿أن اضرب بعصاك البحر﴾ أي الذي أمامكم، وهو بحر القلزم الذي يتوصل أهل مصر منه إلى الطور وإلى مكة المشرفة وما والاها ﴿فانفلق﴾ أي فضربه فانشق بسبب ضربه لما ضربه امتثالاً لأمر الله وصار اثني عشر فرقاً على عدد أسباطهم ﴿فكان كل فرق﴾ أي جزء وقسم عظيم منه ﴿كالطود﴾ أي الجبل في إشرافه وطوله وصلابته بعدم السيلان ﴿العظيم*﴾ المتطاول في السماء الثابت لا يتزلزل، لأن الماء كان منبسطاً في أرض البحر، فلما انفرق وانكشفت فيه الطرق انضم بعضه إلى بعض فاستطال وارتفع في السماء.
ولما كان التقدير: فأدخلنا كل شعب منهم في طريق من تلك الطرق، عطف عليه: ﴿وأزلفنا﴾ أي قربنا بعظمتنا من قوم موسى ﵇؛ قال البغوي. قال أبو عبيدة: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة، أي ليلة الجمع.
ولما كان هذا الجمع في غاية العظمة وعلو الرتبة، أشار إلى ذلك بأداة البعد فقال: ﴿ثم﴾ أي هنالك، فإنها ظرف مكان للبعيد ﴿الآخرين*﴾ أي فرعون وجنوده ﴿وأنجينا موسى ومن معه﴾ وهم الذين اتبعوه من قومه وغيرهم ﴿أجمعين*﴾ أي لم نقدر على أحد
стр. 6773
منهم الهلاك.
ولما كان الإغراق بما به الإنجاء - مع كونه أمراً هائلاً - عجيباً وبعيداً عبر بأداة البعد فقال: ﴿ثم أغرقنا﴾ أي إغراقاً هو على حسب عظمتنا ﴿الآخرين*﴾ أي فرعون وقومه اجمعين، لم يفلت منهم أحد.
ولما قام عذر موسى ﵇ فيما استدفعه أول القصة من كيد فرعون بما ثبت له من العظمة والمكنة في كثرة الجند وعظيم الطاعة منهم له في سرعة الاجتماع الدالة على مكنتهم في أنفسهم، وعظمته في قلوبهم، رغبة ورهبة، وظهر مجد الله في تحقيق ما وعد به سبحانه من الحراسة، وزاد ما أقر به العيون، وشرح به الصدرو، وكان ذلك أمراً يهز القوى سماعه، ويروع الأسماع تصوره وذكره، قال منبهاً على ذلك: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم العالي الرتبة من قصة موسى وفرعون وما فيها من العظات ﴿لآية﴾ أي علامة عظيمة على ما قال الرسول موجبة للإيمان به من أن الصانع واحد فاعل بالاختبار، قادر على كل شيء، وأنه رسوله حقاً ﴿وما كان أكثرهم﴾ أي الذين شاهدوها والذي وعظوا بسماعها ﴿مؤمنين﴾ لله أي متصفين بالإيمان الثابت، أما القبط فما آمن منهم إلا السحرة ومؤمن آل فرعون وامرأة فرعون
стр. 6774
والمرأة التي دلتهم على عظام يوسف ﵇ على ما يقال، وأما بنو إسرائيل فكان كثير منهم مزلزلاً يتعنت كل قليل، ويقول ويفعل ما هو كفر، حتى تداركهم الله تعالى على يدي موسى ﵇ ومن بعده، وأول ما كان من ذلك سؤالهم إثر مجاوزة البحر أن يجعل لهم إلهاً الأصنام التي مروا عليها، وأما غيرهم ممن تأخر عنهم فحالهم معروف، وأمرهم مشاهد مكشوف ﴿وإن ربك﴾ أي المحسن إليك بإعلاء أمرك، واستنقاذ الناس من ظلام الجهل على يدك ﴿لهو العزيز﴾ أي القادر على الانتقام من كل فاجر ﴿الرحيم*﴾ أي الفاعل فعل البليغ الرحمة، فهو يمهل ويدر النعم، ويحوط من النقم، ولا يمهل، بل يرسل رسلاً، وينزل معهم ما بين به ما يرضيه وما يسخطه، فلا يهلك إلا بعد الإعذار، فلا تستوحش ممن لم يؤمن، ولا يهمنك ذلك.
стр. 6775
ولما أتم سبحانه ما أراد من قصة موسى ﵇، أتبعه دلالة على رحيميته قصة إبراهيم ﵇ لما تقدم أنه شاركه فيه مما يسلي عما وقع ذكره عنهم من التعنتات في الفرقان، ولما اختص به من مقارعة أبيه وقومه في الأوثان، وهو أعظم آباء العرب، ليكون ذلك حاملاً لهم
стр. 6776
على تقليده في التوحيد إن كانوا لا ينفكون عن التقليد، وزاجراً عن استعظام تسفيه آبائهم في عبادتها، وتعبيره سبحانه للسياق قبل وبعد، وتعبيره بقوله: ﴿واتل﴾ أي اقرأ قراءة متتابعة - مرجح للتقدير الأول في ﴿وإذ﴾ من جعله «اذكر» وتغييره في التعبير بها لسياق ما تقدم وما تأخر لتنبيه العرب على اتباعه لما لهم به من الخصوصية ﴿عليهم﴾ أي على هؤلاء المغترين بالأوثان، المنكرين لرسالة البشر ﴿نبأ إبراهيم*﴾ أي خبره العظيم في مثل ذلك ﴿إذ﴾ أي حين ﴿قال لأبيه وقومه﴾ منبهاً لهم على ضلالهم، لا مستعلماً لأنه كان عالماً بحقيقة حالهم: ﴿ما﴾ أي أي شيء، وصور لهم حالهم تنبيهاً لهم على قباحتها فعبر بالمضارع فقال: ﴿تعبدون*﴾ أي تواظبون على عبادته ﴿قالوا﴾ مبتهجين بسؤاله، مظهرين الافتخار في جوابهم بإطالة الكلام: ﴿نعبد أصناماً فنظل﴾ أي فيتسبب عن عبادتنا لها أنا نوفي حق العبادة بأن ندوم ﴿لها عاكفين*﴾ أي مطيفين بها على سبيل الموظبة متراكمين بعضنا خلف بعض حابسين أنفسنا تعظيماً
стр. 6777
لها، فجروا على منوال هؤلاء في داء التقليد الناشىء عن الجهل بنفس العبادة وبظنهم مع ذلك أنهم على طائل كبير، وأمر عظيم، ظفروا به، مع غفلة الخلق عنه - كما دل عليه خطابهم في هذا الكلام الذي كان يغني عنه كلمة واحدة، وهذا هو الذي أوجب تفسير الظلول بمطلق الدوام وإن كان معناه الدوام بقيد النهار، وكأنهم قصدوا بما يدل على النهار - الذي هو موضع الاشتغال والسهرة - الدلالة على الليل من باب الأولى، مع شيوع استعماله أيضاً مطلقاً نحو ﴿فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾ ، وزاد قوم إبراهيم ﵇ أن استمروا على ضلالهم وأبوه معهم فكانوا حطب النار، ولم يتكمن من إنقاذهم من ذلك، ولم تكن لهم حيلة إلا دعاؤهم، فهو أجدر بشديد الحزن وببخع نفسه عليهم وهو موضع التسلية.
ولما فهم عنهم هذه الرغبة، أخذ يزهدهم فيها بطريق الاستفهام الذي لا أنصف منه عن أوصاف يلجئهم السؤال إلى الاعتراف بسلبها عنهم، مع كل عاقل إذا تعقل أن لا تصح رتبة الإلهية مع فقد واحدة منها، فكيف مع فقدها كلها؟ فقال تعالى مخبراً عنه: ﴿قال﴾ معبراً عنها إنصافاً بما يعبر به عن العقلاء لتنزيلهم إياها منزلتهم:
стр. 6778
﴿هل يسمعونكم﴾ أي دعاءكم مجرد سماع؛ ثم صور لهم حالهم ليمنعوا الفكر فيه، فقال معبراً بظرف ماض وفعل مضارع تنبيهاً على استحضار جميع الزمان ليكون ذلك أبلغ في التبكيت: ﴿إذ تدعون*﴾ أي استحضروا أحوالكم معهم من أول عبادتكم لهم وإلى الآن: هل سمعوكم وقتاً ما؟ ليكون ذلك مرجياً لكم لحصول نفع منهم في وقت ما.
ولما كان الإنسان قد يعكف على الشيء - وهو غير سامع - لكن لنفعه له في نفسه أو ضره لعدوه كالنار مثلاً، وكان محط حال العابد والداعي بالقصد الأول بالذات جلب النفع، قال: ﴿أو ينفعونكم﴾ أي على العبادة كما ينفع أقل شيء تقتنونه ﴿أو يضرون*﴾ على الترك: ﴿قالوا﴾ : لا والله! ليس عندهم شيء من ذلك ﴿بل وجدنا آباءنا كذلك﴾ أي مثل فعلنا هذا العالي الشأن، ثم صوروا حالة آبائهم في نفوسهم تعظيماً لأمرهم فقالوا: ﴿يفعلون*﴾ أي فنحن نفعل كما فعلوا لأنهم حقيقون منا بأن لا نخالفهم، مع سبقهم لنا إلى الوجود، فهم أرصن منا عقولاً، وأعظم تجربة، فلولا أنهم رأوا ذلك حسناً، ما واظبوا عليه،
стр. 6779
هذا مع أنهم لو سلكوا طريقاً حسية حصل لهم منها ضرر حسي ما سلكوها قط، ولكن هذا الدين يهون على الناس فيه التقليد بالباطل قديماً وحديثاً.
ولما وصلوا إلى التقليد المخض الخالي عن أدنى نظر كما تفعل البهائم والطير في تبعها لأولها ﴿قال﴾ معرضاً عن جواب كلامهم بنقص، إشارة إلى أنه ساقط لا يرتضيه من شم رائحة الرجولية: ﴿أفرأيتم﴾ أي فتسبب عن قولكم هذا أني أقول لكم: أرأيتم، اي إن لم تكونوا رأيتموهم رؤية موجبة لتحقق أمرهم فانظروهم نظراً شافياً ﴿ما كنتم﴾ أي كوناً هو كالجبلة لكم ﴿تعبدون*﴾ مواظبين على عبادتهم ﴿أنتم﴾ .
ولما أجابوه بالتقليد، قال لهم ما معناه، رقوا تقليدكم هذا إلى أقصى غاياته، فإن التقدم والأولوية لا تكون برهاناً على الصحة، والباطل لا ينقلب حقاً بالقدم، وذلك مراده من قوله: ﴿وآباؤكم الأقدمون*﴾ أي الذين هم أقدم ما يكونون: هل لهم وصف غير ما أقررتم به
стр. 6780
من عدم السماع والنفع والضر؟ ﴿فإنهم﴾ أي فتسبب عن رؤيتكم ووصفكم لهم بما ذكرتم أني أخبركم إخباراً مؤكداً أنهم.
ولما كانت صيغة فعول للمبالغة، أغنت في العدو والصديق عن صيغة الجمع ولا سيما وهي شبيهة بالمصادر كالقبول والصهيل، فقال مخبراً عن ضمير الجمع: ﴿عدو لي﴾ أي أناصفهم بالسوء وأعاملهم في إبطالهم ومحقهم معاملة الأعداء وكل من عبدهم كما قال في الآية الأخرى ﴿لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين﴾ [الأنبياء: ٥٤] ، ﴿أف لكم ولما تعبدون من دون الله﴾ [الأنبياء: ٥٧] و ﴿تالله لأكيدن أصنامكم﴾ [الأنبياء: ٦٧] .
ولما كانوا هم مشركين، وكان في آبائهم الأقدمين من عبد الله وحده. قال: ﴿إلا رب العالمين*﴾ أي مدبر هذه الأكوان كلها - كما قال موسى ﵇ لأن ذلك أشهر الأوصاف وأظهرها، فإنه ليس بعدوي، بل هو وليّي ومعبودي؛ ثم شرع يصفه بما هم به عالمون من أنه على الضد الأقصى من كل ما عليه أصنامهم فقال: ﴿الذي﴾ ولما لم يكن أحد يدعي الخلق لم يحتج إلى ما يدل على الاختصاص فقال: ﴿خلقني﴾ أي أوجدني على هيئة التقدير والتصوير
стр. 6781
﴿فهو﴾ أي فتسبب عن تفرده بخلقي أنه هو لا غيره ﴿يهدين*﴾ أي إلى الرشاد، ولأنه لا يعلم باطن المخلوق ويقدر على كمال التصرف فيه غير خالقه، ولا يكن خالقه إلا سمعياً بصيراً ضاراً نافعاً، له الكمال كله، ولا شك أن الخلق للجسد، والهداية للروح، وبالخلق والهداية يحصل جميع المنافع، والإنسان له قالب من عالم الخلق، وقالب من عالم الأمر، وتركيب القالب مقدم كما ظهر بهذه الآية، ولقوله
﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾ [الحجر: ٢٩] وأمثال ذلك، وذكر الخلق بالماضي لأنه لا يتجدد في الدنيا، والهداية بالمضارع لتجددها وتكررها ديناً ودنيا ﴿والذي هو﴾ أي لا غيره ﴿يطعمني ويسقين﴾ ولو أراد لأعدم ما آكل وما أشرب أو أصابني بآفة لا أستطيع معها أكلاً ولا شرباً.
стр. 6782
ولما كان المرض ضرراً، نزهه عن نسبته إليه أدباً وإن كانت نسبة الكل إليه سبحانه معلومة، بقوله: ﴿وإذا مرضت﴾ باستيلاء بعض الأخلاط على بعض لما بينها من التنافر الطبيعي ﴿فهو﴾ أي وحده ﴿يشفين*﴾ بسبب تعديل المزاج بتعديل الأخلاط وقسرها على الاجتماع والاعتدال، لا طبيب ولا غيره وإن تسببت أنا في أمراض نفسي ببرد أو حر أو طعام أتناوله أو غير ذلك لأنه قادر على ما يريد.
стр. 6783
ولما كان الإنسان مطبوعاً على الاجتهاد في حفظ حياته وبقاء مهجته، نسب فعل الموت إليه إعظاماً للقدرة فقال: ﴿والذي يميتني﴾ أي حساً وإن اجتهدت في دفع الموت، ومعنى وإن اجتهدت في دفع الجهل.
ولما كان الإحياء حساً بالروح ومعنى بالهداية عظيماً، أتى بأداة التراخي لذلك ولطول المكث في البرزخ فقال: ﴿ثم يحيين﴾ للمجازاة في الآخرة كما شفاني من المرض وإن وصلت إلى حد لا أرجى فيه، ولم يأت هنا بما يدل على الحصر لأنه لا مدعي للإحياء والإماتة إلا ما ذكره سبحانه عن نمرود في سورة البقرة، وأن إبراهيم ﵇ أبهته ببيان عجزه في إظهار صورة من مكان من الأمكنة بلا شرط من روح ولا غيرها، وإذا عجز عن ذلك كان عجزه عن إيجاد صورة أبين، فكيف إذا انضم إلى ذلك إفادتها روحاً أو سلبها منها، فعدّ ادعاؤه لذلك - مع القاطع المحسوس الذي أبهته - عدماً، والله أعلم.
ولما ذكر البعث، ذكر ما يترتب عليه فقال: ﴿والذي أطمع﴾ هضماً لنفسه واطراحاً لأعماله وإشارة إلى أنه بالنسبة إلى الحضرة الأعظمية غير قادرة لها حق قدرها، فإن الطمع كما قال الحرالي في البقرة
стр. 6784
تعلق البال بالشيء من غير تقدم سبب - انتهى. فلذلك لم يعد له عملاً ﴿أن يغفر﴾ أي يمحو ويستر.
ولما كان الله سبحانه منزهاً عن الغرض، فكانت المغفرة لحظ العبد ليس غير، قال: ﴿لي﴾ وأسند الخطيئة إليه هضماً لنفسه وتواضعاً لربه فقال: ﴿خطيئتي﴾ أي تقصيري عن أن أقدره حق قدره، فإن الضعيف العاجز لا يبلغ كل ما ينبغي من خدمة العلي الكبير، وما فعله فهو بإقداره سبحانه فلا صنع له في الحقيقة أصلاً ﴿يوم الدين*﴾ أي الجزاء.
ولما أثنى على الله تعالى بما هو أهله، وختم بذكر هذا اليوم العظيم، دعا بما ينحي عن هوله، فدل صنيعه على أن تقديم الثناء على السؤال أمر مهم، وله في الإجابة أثر عظيم، فقال ملتفتاً إلى مقام المشاهدة إشارة إلى أن الأمر مهول، وأنه لا ينقذ من خطره إلا عظيم القدرة، لما طبعت عليه النفس من النقائص: ﴿رب﴾ أي أيها المحسن إليّ ﴿هب لي حكماً﴾ أي عملاً متقناً بالعلم، وأصله بناء الشيء على ما توجبه الحكمة، ولما كان الاعتماد إنما هو على محض الكرم، فإن من نوقش الحساب عذب، قال: ﴿وألحقني بالصالحين*﴾ أي الذين جعلتهم أئمة للمتقين في الدنيا والآخرة، وهم من كان قوله
стр. 6785
وفعله صافياً عن شوب فساد.
ولما كان الصالح قد لا يظهر عمله، وكان إظهار الله له مجلبة للدعاء وزيادة في الأجر، قال: ﴿واجعل لي لسان صدق﴾ أي ذكراً جميلاً، وقبولاً عاماً، وثناء حسناً، بما أظهرت مني من خصال الخير ﴿في الآخرين*﴾ أي الناس الذين يوجدون بعدي إلى يوم الدين، لأكون للمتقين إماماً، فيكون لي مثل أجورهم، فإن «من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» وقد كان ذلك إجابة من الله تعالى لدعائه، ومن أعظمه أن جعله الله شجرة مباركة فرع منها الأنبياء الذين أحيى بهم عليهم الصلاة والسلام ذكره الذي من أعظمه ما كان على لسان أعظمهم النبي الأمي ﷺ من قوله: «صل على محمد كما صليت على إبراهيم» إلى آخره.
ولما طلب سعادة الدنيا، وكانت لا نفع لها إلا باتصالها بسعادة الآخرة التي هي الجنة، وكانت الجنة لا تنال إلا بمنه، لا بشيء من ذلك، ولذلك شبه إدخالها بالإرث الذي يحصل بغير اكتساب من الوارث وهو أقوى أسباب الملك، قال: ﴿واجعلني﴾ أي مع ذلك كله
стр. 6786
بفضلك ورحمتك ﴿من ورثة جنة النعيم*﴾ .
ولما دعا لنفسه، ثنى بأحق الخلق ببره فقال: ﴿واغفر لأبي﴾ ثم علل دعاءه بقوله: ﴿إنه كان﴾ في أيام حياته ﴿من الضالين*﴾ والظاهر أن هذا كان قبل معرفته بتأبيد شقائه، ولذلك قال: ﴿ولا تخزني﴾ أي تهني بموته على ما يوجب دخوله النار ولا بغير ذلك ﴿يوم يبعثون*﴾ أي هؤلاء المنكرون للبعث، وكأن هذا الدعاء كان بحضورهم في الإنكار عليهم في عبادة الأصنام، والظاهر أن تخصيص الدعاء بأبيه لأن أمه كانت آمنت كما ورد عن. . . فقد صح أنه يقول يوم القيامة: يا رب! إنك وعدتني ألا تخزيني، أي خزي أخزى من أبي الأبعد، فيبدل الله صورة أبيه صورة ذيخ ثم يلقي به في النار - كما رواه البخاري في غير موضع عن أبي هريرة ﵁، وأن الله تعالى يقول له: «إني حرمت الجنة على الكافرين» ولو كانت أمة كافرة لسأله فيها.
стр. 6787
ولما نبه على أن المقصود هو الآخرة، صرح بالتزهيد في الدنيا بتحقير أجل ما فيها فقال: ﴿يوم لا ينفع﴾ أي أحداً ﴿مال﴾ أي
стр. 6788
يفتدي به أو يبذله لشافع أو ناصر مقاهر ﴿ولا بنون*﴾ ينتصر بهم أو يعتضد فكيف بغيرهم ﴿إلا من أتى الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق في هذا الموطن ﴿بقلب سليم*﴾ أي عن مرض غيّره عن الفطرة الأولى التي فطره الله عليها، وهي الإسلام الذي رأسه التوحيد، والاستقامة على فعل الخير، وحفظ طريق السنة كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ليس فيها من جدعاء فإن ﴿المال والبنون﴾ ينفعانه بما تصرف فيهما من خير، والاستثناء مفرغ، والظاهر أن قوله ﴿وأزلفت﴾ أي قربت بأيسر وجه حال من واو «يبعثون» ﴿الجنة للمتقين*﴾ وعرف أهل الموقف أنها لهم خاصة تعجيلاً لسرورهم وزيادة في شرفهم ﴿وبرزت﴾ أي كشفت كشفاً عظيماً سهلاً ﴿الجحيم﴾ أي النار الشديدة التأجج، وأصلها نار عظيمة في مهواة بعضها فوق بعض ﴿للغاوين*﴾ أي الضالين الهالكين بحيث عرف أهل الموقف أنها لهم ﴿وقيل لهم﴾ تبكيتاً وتنديماً وتوبيخاً، وأبهم القائل ليصلح لكل أحد، تحقيراً لهم، ولأن المنكىء نفس القول لا كونه من معين: ﴿أين ما كنتم﴾ بتسلك الأخلاق التي هي كالجبلات ﴿تعبدون*﴾ أي
стр. 6789
في الدنيا على سبيل التجديد والاستمرار. وحقر معبوداتهم بقوله: ﴿من دون﴾ أي من أدنى رتبة من رتب ﴿الله﴾ أي الملك الذي لا كفوء له، وكنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم ويقونكم شر هذا اليوم ﴿هل ينصرونكم﴾ فيمنعون عنكم ما برز لكم ﴿أو ينتصرون*﴾ أي هم بالدفع عن أنفسهم.
ولما تسبب عن هذا التبريز والقول إظهار قدرته تعالى وعجزهم بقذفهم فيها قال: ﴿فكبكبوا﴾ أي الأصنام ونحوها، قلبوا وصرعوا ورموا، قلباً عظيماً مكرراً سريعاً من كل من أمره الله بقلبهم بعد هذا السؤال، إظهاراً لعجزهم بالفعل حتى عن الجواب قبل الجواب ﴿فيها﴾ أي في مهواة الجحيم قلباً عنيفاً مضاعفاً كثيراً بعضهم في أثر بعض ﴿هم﴾ أي الأصنام وما شابهها مما عبد من الشاطين ونحوهم ﴿والغاوون*﴾ أي الذي ضلوا بهم ﴿وجنود إبليس﴾ من شياطين الإنس والجن ﴿أجمعون*﴾ .
ولما علم بهذا أنهم لم يتمكنوا من قول في جواب استفامهم توبيخاً، وكان من المعلوم أن الإنسان مطبوع على أن يقول في كل شيء ينوبه ما يثيره له إدراكه مما يرى أنه يبرد من غلته، وينفع من علته، تشوف السامع إلى معرفة قولهم بعد الكبكبة، فأشير إلى ذلك
стр. 6790
بقوله: ﴿قالوا﴾ أي العبدة ﴿وهم فيها﴾ أي الجحيم ﴿يختصمون﴾ أي مع المعبودات: ﴿تالله﴾ أي الذي له جميع الكمال ﴿إن كنا لفي ضلال مبين*﴾ أي ظاهر جداً لمن كان له قلب ﴿إذ﴾ أي حين ﴿نسويكم﴾ في الرتبة ﴿برب العالمين*﴾ أي الذين فطرهم ودبرهم حتى عبدناكم ﴿وما أضلنا﴾ أي ذلك الضلال المبين عن الطريق البين ﴿إلا المجرمون*﴾ أي العريقون في صفة الإجرام، المقتضي لقطع كل ما ينبغي أن يوصل ﴿فما﴾ أي فتسبب عن ذلك أنه ما ﴿لنا﴾ اليوم؛ وزادوا في تعميم النفي بزيادة الجارّ فقالوا: ﴿من شافعين*﴾ يكونون سبباً لإدخالنا الجنة، لأنا صرفنا ما كان يجب علينا لذي الأمر إلى من لا أمر له؛ ولعله لم يفرد الشافع لأنهم دخلوا في الشفاعة العظمى.
стр. 6791
ولما كان الصديق قد لا يكون أهلاً لأن يشفع، قالوا تأسفاً على أقل ما يمكن: ﴿ولا صديق﴾ أي يصدق في ودنا ليفعل ما ينفعنا. ولما كان أصدق الصداقة ما كان من القريب قال: ﴿حميم*﴾ أي قريب، وأصله المصافي الذي يحرقه ما يحرقك، لأنا قاطعنا بذلك كل من له أمر في هذا اليوم؛ وأفرد تعميماً للنفي وإشارة إلى قلته في حد ذاته أو عدمه.
стр. 6792
ولما وقعوا في هذا الهلاك، وانتفى عنهم الخلاص، تسبب عنه تمنيهم المحال فقالوا: ﴿فلو أن لنا كرة﴾ أي رجعة إلى الدنيا ﴿فنكون من المؤمنين*﴾ أي الذين صار الإيمان لهم وصفاً لازماً، فأزلفت لهم الجنة.
ولما كان في هذه القصة أعظم زاجر عن الشرك، وآمر بالإيمان، نبه على ذلك بقوله: ﴿إن في ذلك﴾ أي هذا الأمر العظيم الذي قصصته ن قول إبراهيم ﵇ في إقامة البرهان على إبطال الأوثان، ونصب الدليل على أنه لا حق إلا الملك الجليل الديان، وترغيبه وترهيبه وإرشاده إلى التزود في أيام المهلة ﴿لآية﴾ أي عظيمة على بطلان الباطل وحقوق الحق ﴿وما﴾ أي والحال أنه ما ﴿كان أكثرهم﴾ أي الذين شهدوا منه هذا الأمر العظيم والذين سمعوه عنه ﴿مؤمنين*﴾ أي بحيث صار الإيمان صفة لهم ثابتة، وفي ذلك أعظم تسلية للنبي ﷺ بأعظم آبائه عليهم الصلاة والسلام ﴿وإن ربك﴾ أي المحسن إليك بإرسالك وهداية الأمة بك ﴿لهو العزيز﴾ أي القادر على إيقاع النقمة بكل من خالفه حين يخالفه ﴿الرحيم*﴾ أي الفاعل فعل الراحم في إمهاله العصاة مع إدرار النعم، ودفع النقم، وإرسال الرسل، ونصب الشرائع، لبيان ما يرضاه ليتبع، وما يسخطه ليتجنب،
стр. 6793
فلا يهلك إلا بعد إقامة الحجة بإيضاح المحجة.
ولما أتم سبحانه قصة الأب الأعظم الأقرب، أتبعها - دلالة على وصفي العزة والرحمة - قصة الأب الثاني، مقدماً لها على غيرها، لما له من القدم في الزمان، إعلاماً بأن البلاء قديم، ولأنها أدل على صفتي الرحمة والنقمة التي هي أثر العزة بطول الإملاء لهم على طول مدتهم، ثم تعميم النقمة مع كونهم جميع أهل الأرض فقال: ﴿كذبت﴾ بإثبات التاء اختياراً للتأنيث - وأن كان تذكير القوم أشهر - للتنبيه على أن فعلهم أخس الأفعال، أو إلى أنهم مع عتوهم وكثرتهم كانوا عليه سبحانه أهون شيء وأضعفه بحيث جعلهم هباء منثوراً وكذا من بعدهم ﴿قوم نوح﴾ وهو أهل الأرض كلهم من الآدميين قبل اختلاف الأمم بتفرق اللغات ﴿المرسلين*﴾ أي بتكذيبهم نوحاً ﵇، لأنه أقام الدليل على نبوته بالمعجزة، ومن كذب بمعجزة واحدة فقد كذب بجميع المعجزات لتساوي أقدامها في الدلالة على صدق الرسول، وقد سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى عن ذلك فقال: من كذب واحداً من الرسل فقد كذب الكل لأن الآخر جاء بما جاء به الأول - حكاه عنه البغوي.
ولقصد التسلية عبر بالتكذيب في كل قصة ﴿إذ﴾ أي حين ﴿قال لهم﴾ لم يتأنوا بطلب دليل، ولا ابتغاء وجه جميل؛ وأشار إلى نسبه فيهم بقوله: ﴿أخوهم﴾ زيادة في تسلية هذا النبي الكريم
стр. 6794
﴿نوح﴾ وأشار إلى حسن أدبه، واستجلابهم برفقه ولينه، بقوله: ﴿ألا تتقون*﴾ أي تكون لكم تقوى، وهي خوف يحملكم على أن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية بطاعته بالتوحيد وترك الالتفات إلى غيره؛ ثم علل أهليته للأمر عليهم بقوله: ﴿إني لكم﴾ أي مع كوني أخاكم يسوءني ما يسوءكم ويسرني ما يسركم ﴿رسول﴾ أي من عند خالقكم، فلا مندوحة لي عند إبلاغ ما أمرت به ﴿أمين*﴾ أي لا غش عندي كما تعلمون ذلك مني على طول خبرتكم بي، ولا خيانة في شيء من الأمانة، فلذلك لا بد لي من إبلاغ جميع الرسالة.
стр. 6795
ولما عرض عليهم التقوى بالرفق، وعلل ذلك بما ثبت به أمرها، تسبب عنه الجزم بالأمر فقال: ﴿فاتقوا الله﴾ أي أوجدوا الخو والحذر والتحرز من الذي اختص بالجلال والجمال، مبادرين إلى ذلك بتوحيده لتحرزوا أصل السعادة فتكونوا من أهل الجنة ﴿وأطيعون*﴾ أي في كل ما آمركم لتحرزوا رتبة الكمال في ذلك، فلا يمسكم عذاب.
ولما أثبت أمانته، نفى تهمته فقال: ﴿وما أسألكم عليه﴾ أي على هذا الحال الذي أتيتكم به؛ وأشار إلى الإعراق في النفي بقوله: ﴿من أجر﴾ أي ليظن ظان أني جعلت الدعاء سبباً له؛ ثم
следующие страницы →