← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

ولما كان الصديق قد لا يكون أهلاً لأن يشفع، قالوا تأسفاً على أقل ما يمكن: ﴿ولا صديق﴾ أي يصدق في ودنا ليفعل ما ينفعنا. ولما كان أصدق الصداقة ما كان من القريب قال: ﴿حميم*﴾ أي قريب، وأصله المصافي الذي يحرقه ما يحرقك، لأنا قاطعنا بذلك كل من له أمر في هذا اليوم؛ وأفرد تعميماً للنفي وإشارة إلى قلته في حد ذاته أو عدمه.

стр. 6792

ولما وقعوا في هذا الهلاك، وانتفى عنهم الخلاص، تسبب عنه تمنيهم المحال فقالوا: ﴿فلو أن لنا كرة﴾ أي رجعة إلى الدنيا ﴿فنكون من المؤمنين*﴾ أي الذين صار الإيمان لهم وصفاً لازماً، فأزلفت لهم الجنة. ولما كان في هذه القصة أعظم زاجر عن الشرك، وآمر بالإيمان، نبه على ذلك بقوله: ﴿إن في ذلك﴾ أي هذا الأمر العظيم الذي قصصته ن قول إبراهيم ﵇ في إقامة البرهان على إبطال الأوثان، ونصب الدليل على أنه لا حق إلا الملك الجليل الديان، وترغيبه وترهيبه وإرشاده إلى التزود في أيام المهلة ﴿لآية﴾ أي عظيمة على بطلان الباطل وحقوق الحق ﴿وما﴾ أي والحال أنه ما ﴿كان أكثرهم﴾ أي الذين شهدوا منه هذا الأمر العظيم والذين سمعوه عنه ﴿مؤمنين*﴾ أي بحيث صار الإيمان صفة لهم ثابتة، وفي ذلك أعظم تسلية للنبي ﷺ بأعظم آبائه عليهم الصلاة والسلام ﴿وإن ربك﴾ أي المحسن إليك بإرسالك وهداية الأمة بك ﴿لهو العزيز﴾ أي القادر على إيقاع النقمة بكل من خالفه حين يخالفه ﴿الرحيم*﴾ أي الفاعل فعل الراحم في إمهاله العصاة مع إدرار النعم، ودفع النقم، وإرسال الرسل، ونصب الشرائع، لبيان ما يرضاه ليتبع، وما يسخطه ليتجنب،

стр. 6793

فلا يهلك إلا بعد إقامة الحجة بإيضاح المحجة. ولما أتم سبحانه قصة الأب الأعظم الأقرب، أتبعها - دلالة على وصفي العزة والرحمة - قصة الأب الثاني، مقدماً لها على غيرها، لما له من القدم في الزمان، إعلاماً بأن البلاء قديم، ولأنها أدل على صفتي الرحمة والنقمة التي هي أثر العزة بطول الإملاء لهم على طول مدتهم، ثم تعميم النقمة مع كونهم جميع أهل الأرض فقال: ﴿كذبت﴾ بإثبات التاء اختياراً للتأنيث - وأن كان تذكير القوم أشهر - للتنبيه على أن فعلهم أخس الأفعال، أو إلى أنهم مع عتوهم وكثرتهم كانوا عليه سبحانه أهون شيء وأضعفه بحيث جعلهم هباء منثوراً وكذا من بعدهم ﴿قوم نوح﴾ وهو أهل الأرض كلهم من الآدميين قبل اختلاف الأمم بتفرق اللغات ﴿المرسلين*﴾ أي بتكذيبهم نوحاً ﵇، لأنه أقام الدليل على نبوته بالمعجزة، ومن كذب بمعجزة واحدة فقد كذب بجميع المعجزات لتساوي أقدامها في الدلالة على صدق الرسول، وقد سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى عن ذلك فقال: من كذب واحداً من الرسل فقد كذب الكل لأن الآخر جاء بما جاء به الأول - حكاه عنه البغوي. ولقصد التسلية عبر بالتكذيب في كل قصة ﴿إذ﴾ أي حين ﴿قال لهم﴾ لم يتأنوا بطلب دليل، ولا ابتغاء وجه جميل؛ وأشار إلى نسبه فيهم بقوله: ﴿أخوهم﴾ زيادة في تسلية هذا النبي الكريم

стр. 6794

﴿نوح﴾ وأشار إلى حسن أدبه، واستجلابهم برفقه ولينه، بقوله: ﴿ألا تتقون*﴾ أي تكون لكم تقوى، وهي خوف يحملكم على أن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية بطاعته بالتوحيد وترك الالتفات إلى غيره؛ ثم علل أهليته للأمر عليهم بقوله: ﴿إني لكم﴾ أي مع كوني أخاكم يسوءني ما يسوءكم ويسرني ما يسركم ﴿رسول﴾ أي من عند خالقكم، فلا مندوحة لي عند إبلاغ ما أمرت به ﴿أمين*﴾ أي لا غش عندي كما تعلمون ذلك مني على طول خبرتكم بي، ولا خيانة في شيء من الأمانة، فلذلك لا بد لي من إبلاغ جميع الرسالة.

стр. 6795

ولما عرض عليهم التقوى بالرفق، وعلل ذلك بما ثبت به أمرها، تسبب عنه الجزم بالأمر فقال: ﴿فاتقوا الله﴾ أي أوجدوا الخو والحذر والتحرز من الذي اختص بالجلال والجمال، مبادرين إلى ذلك بتوحيده لتحرزوا أصل السعادة فتكونوا من أهل الجنة ﴿وأطيعون*﴾ أي في كل ما آمركم لتحرزوا رتبة الكمال في ذلك، فلا يمسكم عذاب. ولما أثبت أمانته، نفى تهمته فقال: ﴿وما أسألكم عليه﴾ أي على هذا الحال الذي أتيتكم به؛ وأشار إلى الإعراق في النفي بقوله: ﴿من أجر﴾ أي ليظن ظان أني جعلت الدعاء سبباً له؛ ثم

стр. 6796

أكد هذا النفي بقوله: ﴿إن﴾ أي ما ﴿أجري﴾ أي في دعائي لكم ﴿إلا على رب العالمين*﴾ أي الذي دبر جميع الخلائق ورباهم. ولما انتفت التهمة، تسبب عن انتفائها أيضاً ما قدمه، فأعاده إعلاماً بالاهتمام بذلك زيادة في الشفقة عليهم وتأكيداً له في قلوبهم تنبيهاً على أن الأمر في غاية العظمة لما يعلم من قلوبهم من شدة الجلافة فقال: ﴿فاتقوا الله﴾ أي الذي حاز جميع صفات العظمة ﴿وأطيعون﴾ . ولما قام الدليل على نصحه وأمانته، أجابوا بما ينظر إلى محض الدنيا كما أجاب من قال من أشراف العرب ﴿ما لهذا الرسول﴾ الآيات، وقال: لو طردت هؤلاء الضعفاء لرجونا أن نتبعك حتى نزل في ذلك ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾ [الأنعام: ٥٢] ونحوها من الآيات، بأن ﴿قالوا﴾ أي قومه، منكرين لاتباعه استناداً إلى داء الكبر الذي ينشأ منه بطر الحق وغمط الناس - أي احتقارهم: ﴿أنؤمن لك﴾ أي لأجل قولك هذا وما أثبته أوصافك ﴿و﴾ الحال أنه قد ﴿اتبعك الأرذلون*﴾ أي المؤخرون في الحال والمآل، والأحوال والأفعال، فيكون إيماننا بك سبباً لاستوائنا معهم، فلو طردتهم لم يكن لنا عذر في التخلف عنك، ولا مانع من اتباعك، فكان ما متعوا به من العرض الفاني مانعاً لهم عن السعادة الباقية، وأما الضعفاء فانكسار قلوبهم وخلوّها عن شاغل موجبٌ لإقبالها على الخير

стр. 6797

وقبولها له، لأن الله تعالى عند المنكسرة قلوبهم، وهكذا قالت قريش في أصحاب النبي ﷺ ، وما زالت أتباع الرسل كذلك حتى صارت من سماتهم وأماراتهم كما قال هرقل في سؤاله عن أتباع النبي ﷺ ، فكان مثال المستكبرين مثال شخص كان آخر دونه بدرجة، فأصبح فوقه بدرجة، فأنف من أن يرتقي إلى درجته لئلا يساويه، ورضي لنفسه أن يكون دونه، فما اسخف عقله! وما أكثر جهله! فلا شيء أبين من هذا في أن التقدم في الأمور الدنيوية داء لا دواء له إلا إماتة النفس بالتبرؤ منه والبعد عنه. ولما كانت الجواهر متساوية في أنها مخلوقات الله، وإنما تتشرف بآثارها، فالآدمي إنما يشرف أو يرذل بحاله من قاله وفعاله، أشار إلى أنه يعتبر ما هم عليه الآن من الأحوال الرفيعة، والأوصاف البديعة، فلذلك ﴿قال﴾ نافياً لعلمه بما قالوه في صورة استفهام إنكاري: ﴿وما﴾ أي وأيّ شيء ﴿علمي بما كانوا يعملون*﴾ أي قبل أن يتبعوني، أي وما لي وللبحث عن ذلك، إنما لي ظاهرهم الآن وهو

стр. 6798

خير ظاهر، فهم الأشرفون وإن كانوا أفقر الناس وأخسّهم نسباً، فإن الغني غني الدين، والنسب نسب التقوى؛ ثم أكد أنه لا يبحث عن بواطنهم بقوله: ﴿إن﴾ أي ما ﴿حسابهم﴾ أي في الماضي والآتي ﴿إلا على ربي﴾ المحسن إليّ باتباعهم لي ليكون لي مثل أجرهم، المخفف عني أن يكلفني بحاسبهم وتعرف بواطنهم، لأنه المختص بضبط جميع الأعمال والحساب عليها ﴿لو تشعرون*﴾ أي لو كان لكم نوع شعور لعلمتم ذلك فلم تقولوا ما قلتم مما هو دائر على أمور الدنيا فقط، ولا نظر له إلى يوم الحساب. ولما أفهم قوله رد ما أفهمه قولهم من طردهم، صرح به في قوله: ﴿وما﴾ أي ولست ﴿أنا بطارد المؤمنين*﴾ أي الذين صار الإيمان لهم وصفاً راسخاً فلم يرتدوا عنه للطمع في إيمانكم ولا لغيره من اتباع شهواتكم؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إن﴾ أي ما ﴿أنا إلا نذير﴾ أي محذر، لا وكيل مناقش على البواطن، ولا متعنت على الاتباع ﴿مبين*﴾ أوضح ما أرسلت به فلا أدع فيه لبساً. ولما أياسهم مما أرادوا من طرد أتباعه لما أوهموا من اتباعه لو طردهم خداعاً، أقبلوا على التهديد، فاستأنف سبحانه الإخبار عن ذلك بقوله: ﴿قالوا لئن لم تنته﴾ ثم سموه باسمه جفاء وقلة أدب فقالوا:

стр. 6799

﴿يا نوح لتكونن من المرجومين*﴾ أي المقتولين، ولا ينفعك أتباعك هؤلاء الضعفاء.

стр. 6800

ولما أيس منهم بما سمع من المبالغة بالتأكيد في قولهم، ورأى بما يصدقه من فعلهم، قال تعالى مخبراً عنه جواباً لسؤال من يريد تعرف حاله بعد ذلك: ﴿قال﴾ شاكياً إلى الله تعالى ما هو أعلم به منه توطئة للدعاء عليهم وإلهاباً إليه وتهييجاً، معرضاً عن تهديدهم له صبراً واحتساباً، لأنه من لازم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واكتفاء عنه بسببه: ﴿رب﴾ أي أيها المحسن إليّ. ولما كان الحال مقتضياً لأن يصدقوه لما له في نفسه من الأمانة، وبهم من القرابة، ولما أقام على ما دعاهم إليه من الأدلة مع ما له في نفسه من الوضوح، أكد الإخبار بتكذيبهم، إعلاماً بوجوده، وبإنه تحققه منهم من غير شك فقال: ﴿إن قومي كذبون*﴾ أي فلا نية لهم في اتباعي ﴿فافتح﴾ أي احكم ﴿بيني وبينهم فتحاً﴾ أي حكماً يكون لي فيه فرج، وبه من الضيق مخرج، فأهلك المبطلين وأنجز حتفهم ﴿ونجني ومن معي﴾ أي في الدين ﴿من المؤمنين*﴾ مما تعذب به الكافرين.

стр. 6801

ولما كان في إهلاكهم وإنجائه من بديع الصنع ما يجل عن الوصف، أبرزه في مظهر العظمة فقال: ﴿فأنجيناه ومن معه﴾ أي ممن لا يخالفه في الدين على ضعفهم وقتلهم ﴿في الفلك﴾ ولما كانت سلامة المملوء جداً أغرب قال: ﴿المشحون*﴾ أي المملوء بمن حمل فيه من الناس والطير وسائر الحيوان وما حمل من زادهم وما يصلحهم. ولما كان إغراقهم كلهم من الغرائب عظمه بأداة البعد - ومظهر العظمة فقال: ﴿ثم أغرقنا بعد﴾ أي بعد حمله الذي هو سبب إنجائه ﴿الباقين*﴾ أي من بقي على الأرض ولم يركب معه في السفينة على قوتهم وكثرتهم، وكان ذلك علينا يسيراً. ولما كان ذلك أمراً باهراً، عظمه بقوله: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم من الدعاء والإمهال ثم الإنجاء والإهلاك ﴿لآية﴾ أي عظيمة لمن شاهد ذلك أو سمع به، على أنا ننتقم ممن عصانا، وننجي من أطاعنا، وأنه لا أمر لأحد معنا فيهديه إلى الإيمان، ويحمله على الاستسلام والإذعان ﴿وما﴾ أي والحال أنه ما ﴿كان أكثرهم﴾ أي أكثر العالمين بذلك ﴿مؤمنين*﴾ وقد ينبغي لهم إذ فاتهم الإيمان لمحض الدليل أن يبادروا إليه ويركبوا معه حين رأوا أوائل العذاب أو بعد أن ألجمهم الغرق ﴿وإن ربك﴾ المحسن إليك بإرسالك، وتكثير أتباعك،

стр. 6802

وتعظيم أشياعك ﴿لهو العزيز﴾ أي القادر بعزته على كل من قسرهم على الطاعة، وإهلاكهم في أول أوقات المعصية ﴿الرحيم*﴾ أي الذي يخص من يشاء من عباده بخالص وداده، ويرسل إلى الضالين عن محجة العقل القويمة الرسل لبيان ما يجب وما يكره، فلا يهلك إلا بعد البيان الشافي، والإبلاغ الوافي. ولما كان كأنه قيل: إن هذا لأمر هائل، في مثله موعظة، فما فعل من جاء بعدهم؟ هل اتعظ؟ أجيب بقوله دلالة على الوصفين معاً: ﴿كذبت عاد﴾ أي تلك القبيلة التي مكن الله لها في الأرض بعد قوم نوح ﴿المرسلين*﴾ بالإعراض عن معجزة هود ﵊؛ ثم سلى هذا النبي الكريم ﷺ بقوله: ﴿إذ﴾ أي حين ﴿قال لهم أخوهم هود﴾ لم يتوقفوا في تكذيبه ولم يتأخروا عن وقت دعائه لتأمل ولا غيره، وقد عرفوا صدق إخائه، وعظيم نصحه ووفائه ﴿ألا﴾ بصيغة العرض تأدباً معهم وتلطفاً بهم ولينالهم ﴿تتقون*﴾ أي تكون منكم تقوى لربكم الذي خلقكم فتعبدوه وحده ولا تشركوا به ما لا يضر ولا ينفع؛ ثم علل بقوله: ﴿إني لكم رسول﴾ أي فهو الذي حملني على أن أقول لكم ذلك ﴿أمين﴾ أي لا أكتم عنكم شيئاً مما أمرت به ولا أخالف شيئاً منه ﴿فاتقوا﴾ أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم: اتقوا ﴿الله﴾ الذي هو أعظم من كل شيء ﴿وأطيعون*﴾ أي في

стр. 6803

كل ما آمركم به من دوام تعظيمه ﴿وما﴾ أي أنا رسول داع والحال أني ما ﴿أسئلكم عليه﴾ أي الدعاء ﴿من أجر﴾ فتتهموني به ﴿إن﴾ أي ما ﴿أجري إلا على رب العالمين*﴾ . ولما فرغ من الدعاء إلى الأصل، وهو الإيمان بالرسول والمرسل، أتبعه إنكار بعض ما هم عليه مما أوجبه الكفر، وأوجب الاشتغال به الثبات على الغي، واعظاً لهم بما كان لمن قبلهم من الهلاك، مقدمة على زيادة التأكيد في التقوى والطاعة لأن حالهم حال الناسي لذلك الطوفان، الذي أهلك الحيوان، وهدم البنيان فقال: ﴿أتبنون بكل ريع﴾ أي مكان مرتفع؛ قال أبو حيان: وقال أبو عبيدة: الريع الطريق. وقال مجاهد: الفج بين الجبلين، وقيل: السبيل سلك أم لم يسلك. وأصله في اللغة الزيادة ﴿آية﴾ أي علامة على شدتكم لأنه لو كان لهداية أو نحوها لكفى بعض الأرياع دون كلها. ولما كان إقامة الدليل على قوتهم بمثل ذلك قليل الجدوى عند التأمل، قال: ﴿تعبثون*﴾ والعاقل ينبغي له أن يصون أوقاته النفيسة

стр. 6804

عن العبث الذي لا يكون سبب نجاته، وكيف يليق ذلك بمن الموت من ورائه. ولما كان من يموت لا ينبغي له إنكار الموت بفعل ولا قول قال: ﴿وتتخذون مصانع﴾ أي أشياء بأخذ الماء، أو قصوراً مشيدة وحصوناً تصنعونها، هي في إحكامها بحيث تأكل الدهر قوة وثباتاً، فلا يبنيها إلا من حاله حال الراجي للخلود، ولذلك قال: ﴿لعلكم تخلدون*﴾ وهو معنى ما في البخاري عن ابن عباس ﵄ من تفسيرها بكأنكم.

стр. 6805

ولما بين أن عملهم عمل من لا يخاف الموت، أتبعه ما يدل على أنهم لا يظنون الجزاء فقال: ﴿وإذا بطشتم﴾ أي بأحد، أخذتموه أخذ سطوة في عقوبة ﴿بطشتم جبارين*﴾ أي غير مبالين بشيء من قتل أو غيره؛ قال البغوي: والجبار الذي يضرب ويقتل على الغضب. ولما خوفهم لهذا الإنكار عقاب الجبار، تسبب عنه أن قال: ﴿فاتقوا الله﴾ أي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام ﴿وأطيعون*﴾ . ولما كان ادكار الإحسان موجباً للإذعان، قال مرغباً في الزيادة ومرهباً من الحرمان: ﴿واتقوا الذي أمدكم﴾ أي جعل لكم مدداً،

стр. 6806

وهو إتباع الشيء بما يقويه على الانتظام ﴿بما تعلمون*﴾ أي ليس فيه نوع خفاء حتى تعذروا في الغفلة عن تقييده بالشكر. ولما أجمل، فصل ليكون أكمل، فقال: ﴿أمدكم بأنعام﴾ أي تعينكم على الأعمال وتأكلون منها وتبيعون. ولما قدم ما يقيم الأود، أتبعه قوله: ﴿وبنين*﴾ أي يعينونكم على ما تريدون عند العجز. ثم أتبعه ما يحصل كمال العيش فقال: ﴿وجنات﴾ أي بساتين ملتفة الأشجار بحيث تستر داخلها، وأشار إلى دوام الريّ بقوله: ﴿وعيون*﴾ . ولما كانوا في إعراضهم كأنهم يقولون: ما الذي تبقيه منه؟ قال: ﴿إني أخاف عليكم﴾ أي لأنكم قومي يسوءني ما يسوءكم - إن تماديتم على المعصية ﴿عذاب يوم عظيم*﴾ وتعظيم اليوم أبلغ من تعظيم العذاب ﴿قالوا﴾ راضين بما عندهم من داء الإعجاب، الموقع في كل ما عاب، ﴿سواء علينا أوعظت﴾ أي خوفت وحذرت وكنت علامة زمانك في ذلك بأن تقول منه ما لم يقدر أحد على مثله، دل على ذلك قوله: ﴿أم لم تكن من الواعظين*﴾ أي متأهلاً لشيء من رتبة الراسخين في الوعظ، معدوداً في عدادهم، مذكوراً فيما بينهم، فهو أبلغ من «أم لم تعظ» أو «تكن واعظاً، والوعظ - كما قال البغوي: كلام

стр. 6807

يلين القلب بذكر الوعد والوعيد. والمعنى أن الأمر مستوٍ في الحالتين في أنا لا نطيعك في شيء؛ ثم عللوا ذلك بقولهم: ﴿إن﴾ أي ما ﴿هذا﴾ أي الذي جئتنا به ﴿إلا خلق﴾ بفتح الخاء وإسكان اللام في قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي ﴿الأولين*﴾ أي كذبهم، أو ما هذا الذي نحن فيه إلا عادة الأولين في حياة ناس وموت آخرين، وعافية قوم وبلاء آخرين، وعليه تدل قراءة الباقين بضم الخاء واللام ﴿وما نحن بمعذبين*﴾ لأنا أهل قوة وشجاعة ونجدة وبراعة. ولما تضمن هذا التكذيب، سبب عنه قوله: ﴿فكذبوه﴾ ثم سبب عنه قوله: ﴿فأهلكناهم﴾ أي بالريح بما لنا من العظمة التي لا تذكر عندها عظمتهم، والقوة التي بها كانت قوتهم ﴿إن في ذلك﴾ أي الإهلاك في كل قرن للعاصين والإنجاء للطائعين ﴿لآية﴾ أي عظيمة لمن بعدهم على أنه سبحانه فاعل ذلك وحده بسبب أنه يحق الحق ويبطل الباطل، وأنه مع أوليائه ومن كان معه لا يذل وعلى أعدائه ومن كان عليه لا يعز ﴿وما كان أكثرهم﴾ أي أكثر من كان بعدهم ﴿مؤمنين*﴾ فلا تحزن أنت على من أعرض عن الإيمان ﴿وإن ربك﴾ أي المحسن إليك بإرسالك وغيره من النعم ﴿لهو العزيز﴾ في انتقامه ﴿الرحيم*﴾ في إنعامه وإكرامه وإحسانه، مع عصيانه وكفرانه، وإرسال المنذرين

стр. 6808

وتأييدهم بالآيات المعجزة لبيان الطريق الأقوم، والمنهج الأسلم، فلا يهلك إلا بعد الإعذار بأبلغ الإنذار؛ ثم دل على ذلك لمن قد ينسى إذ كان الإنسان مجبولاً على النسيان بقوله: ﴿كذبت ثمود﴾ وهو أهل الحجر ﴿المرسلين*﴾ وأشار إلى زيادة التسلية بمفاجأتهم بالتكذيب من غير تأمل ولا توقف بقوله: ﴿إذ﴾ أي حين ﴿قال لهم أخوهم﴾ أي الذي يعرفون صدقه وأمانته، وشفقته وصيانته ﴿صالح﴾ وأشار إلى تلطفه بهم بقوله على سبيل العرض ﴿ألا تتقون*﴾ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إني لكم رسول﴾ أي من الله، فلذلك عرضت عليكم هذا لأني مأمور بذلك، وإلا لم أعرضه عليكم ﴿أمين*﴾ لا شيء من الخيانة عندي، بل أنصح لكم في إبلاغ جميع ما أرسلت به إليكم من خالقكم، الذي لا أحد أرحم بكم منه.

стр. 6809

ولما قدم ذكر الرسالة فصار له عذر في المواجهة بالأمر، سبب عنه قوله ﴿فاتقوا الله﴾ أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق. ولما ذكر الأمانة قال: ﴿وأطيعون*﴾ . ولما أثبت ما يوجب الإقبال عليه، نفى ما يستلزم عادة الإدبار عنه فقال: ﴿وما﴾ أي إني لكم كذا والحال أني ما ﴿أسئلكم عليه﴾ وأعرق في النفي بقوله: ﴿من أجر﴾ ثم زاد في تأكيد هذا

стр. 6810

النفي بقوله: ﴿إن﴾ أي ما ﴿أجري﴾ على أحد ﴿إلا على رب العالمين*﴾ أي المحسن إليهم أجمعين، منه أطلب أن يعطيني كما أعطاهم. ولما ثبتت الأمانة، وانتفى موجب الخيانة، شرع ينكر عليهم أكل خيره وعبادة غيره، فقال مخوفاً لهم من سطواته، ومرغباً في المزيد من خيراته. منكراً عليهم إخلادهم إلى شهوة البطن، واستنادهم إلى الرفاهية والرضى بالفاني: ﴿أتتركون﴾ أي من ايدي النوائب التي لا يقدر عليها إلا الله ﴿في ما هاهنا﴾ أي في بلادكم هذه من النعم حال كونكم ﴿آمنين*﴾ أي أنتم تبارزون الملك القهار بالعظائم. ولما كان للتفسير بعد الإجمال شأن. بين ما أجمل بقوله مذكراً لهم بنعمة الله ليشكروها: ﴿في جنات﴾ أي بساتين تستر الداخل فيها وتخفيه لكثرة أشجارها ﴿وعيون*﴾ تسقيها مع ما لها من البهجة وغير ذلك من المنافع ﴿وزروع﴾ وأشار إلى عظم النخيل ولا سيما ما كان عندهم بتخصيصها بالذكر بعد دخولها في الجنات بقوله: ﴿ونخل طلعها﴾ أي ما يطلع منها من الثمر؛ قال الزمخشري: كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو، والقنو اسم للخارج من الجذع كما هو بعرجونه وشماريخه. ﴿هضيم*﴾ أي جواد كريم من قولهم: يد هضوم - إذا كانت تجود بما لديها، وتفسيره بذلك يجمع أقوال العلماء، وإليه يرجع ما قال أبو عبد الله

стр. 6811

القزاز معناه أنه قد هضم - أي ضغط - بعضه بعضاً لتراكمه، فإنه لا يكون كذلك إلا وهو كثير متقارب النضد، لا فرج بينه، ولطيف لين هش طيب الرائحة، من الهضم بالتحريك، وهو خمس البطن ولطف الكشح؛ والهاضم وهو ما فيه رخاوة، والهضم: البخور، والمهضومة: طيب يخلط بالمسك واللبان؛ قال الرازي في اللوامع: أو يانع نضيج لين رخو ومتهشم متفتت إذا مس، أو يهضم الطعام، وكل هذا يرجع إلى لطافته. ولما ذكر اللطيف من أحوالهم، أتبعه الكثيف من أفعالهم، فقال عطفاً على ﴿أتتركون﴾ أو مبيناً لحال الفاعل في ﴿آمنين﴾ : ﴿وتنحتون﴾ أي والحال أنكم تنحتون إظهاراً للقدرة ﴿من الجبال بيوتاً فارهين*﴾ أي مظهرين النشاط والقوة، تعظيماً بذلك وبطراً، لا لحاجتكم إلى شيء من ذلك ﴿فاتقوا﴾ أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم: اتقوا ﴿الله﴾ الذي له جميع العظمة بأن تجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية باتباع أوامره؛ واجتناب زواجره ﴿وأطيعون*﴾ أي في كل ما آمركم به وأنهاكم عنه. فإني لا آمركم إلا بما يصلحكم فيكون سبباً لحفظ ما أنتم فيه وتزدادون ﴿ولا تطيعوا﴾ .

стр. 6812

ولما كان لانقياد للآمر إنما هو بواسطة ما ظهر من أمره قال: ﴿أمر المسرفين*﴾ اي المتجاوزين للحدود الذي صار لهم ذلك خلقاً: ثم وصفهم بما بين إسرافهم، وهو ارتكاب الفساد الخالص المصمت الذي لا صلاح معه فقال: ﴿الذين يفسدون في الأرض﴾ أي يعملون ما يؤدي إلى الفساد لكونه غير محكم باستناده إلى الله. ولما كان ربما ادعى في بعض الفساد أن فيه صلاحاً، نفى ذلك بقوله: ﴿ولا يصلحون*﴾ أي لأنهم أسسوا أمرهم على الشرط فصاروا بحيث لا يصلح لهم عمل وإن تراءى غير ذلك، أو أن المعنى أن المسرف من كان عريقاً في الإسراف بجمع هذين الأمرين. ولما دعا إلى الله تعالى بما لا خلل فيه، فعلموا أنهم عاجزون عن الطعن في شيء منه، عدلوا إلى التخييل على عقول الضعفاء بأن ﴿قالوا إنما أنت من المسحرين*﴾ أي الذين بولغ في سحرهم مرة بعد مرة مع كونهم آدميين ذمي سحور، وهي الرئات، فأثر فيك السحر حتى غلب عليك؛ ونقل البغوي عن ابن عباس ﵄ أن معناه: من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب، يقال: سحره أي علله بالطعام والشراب. ويؤيده تفسيره بقولهم إشارة إلى أنه لا يصلح للرسالة:

стр. 6813

﴿ما أنت إلا بشر مثلنا﴾ أي فما وجه خصوصيتك عنا بالرسالة، وهل يكون الرسول من البشر، وإتباعهم الوصف الوصف من غير عطف عليه يدل على أنهم غير جازمين بتكذيبه. فالوصفان عندهم بمنزلة شيء واحد كما إذا قيل: الزمان حلو حامض، أي مر، ويؤيد كونهم في رتبة الشك لم يتجاوزوها إلى الجزم أو الظن بالتكذيب قولهم: ﴿فأت بآية﴾ أي علامة تدلنا على صدقك ﴿إن كنت﴾ أي كوناً هو غاية الرسوخ ﴿من الصادقين*﴾ أي العريقين في الصدق بخلاف ما يأتي قريباً في قصة شعيب ﵇.

стр. 6814

ولما أسرع الله تعالى في إجابته حين دعا أن يعطيهم ما اقترحوا، أشار إلى ذلك بقوله: ﴿قال﴾ أي جواباً لاقتراحهم: تعالوا نظروا ما آتيكم به آية على صدقي، فأتوا فأخرج الله له من الصخرة ناقة عشراء كما اقترحوا، فقال مشيراً إليها بأداة القرب إشارة إلى سهولة إخراجها وسرعته: ﴿هذه ناقة﴾ أي أخرجها ربي من الصخرة كما اقترحتم؛ ثم أشار إلى أن في هذه الآية آية أخرى بكونها تشرب ماء البئر كله في يوم وردها وتكف عنه في اليوم الثاني لأجلهم، بقوله: ﴿لها شرب﴾ أي نصيب من الماء في يوم معلوم ﴿ولكم شرب يوم﴾ أي نصيب

стр. 6815

من الماء في يوم ﴿معلوم*﴾ لازحام بينكم وبينها في شيء من ذلك. ولما أرشد السياق إرشاداً بَيِّناً إلى أن المعنى: فخذوا شربكم واتركوا لها شربها، عطف عليه قوله: ﴿ولا تمسوها بسوء﴾ أي كائناً ما كان وإن قل، لأن ما كان من عند الله يجب إكرامه، ورعايته واحترامه؛ ثم خوفهم بما يتسبب عن عصيانهم فقال: ﴿فيأخذكم﴾ أي يهلككم ﴿عذاب يوم عظيم*﴾ بسبب ما حل فيه من العذاب، فهو أبلغ من وصف العذاب بالعظم، وأشار إلى سرعة عصيانهم بفاء التعقيب في قوله: ﴿فعقروها﴾ أي قتلوها بضرب ساقها بالسيف. ولما تسبب عن عقرها حلول مخايل العذاب، أخبر عن ندمهم على قتلها من حيث إنه يفضي إلى الهلاك، لا من حيث إنه معصية لله ورسوله. فقال: ﴿فأصبحوا نادمين*﴾ أي على عقرها لتحقق العذاب؛ وأشار إلى أن ذلك الندم لا على وجه التوبة أو أنه عند رؤية البأس فلم ينفع، أو أن ذلك كناية عن أن حالهم صار حال النادم، لا أنه وجد منهم ندم على شيء ما، فإنه نقل عنهم أنه أتاهم العذاب

стр. 6816

العذاب وهو يحاولون أن يقتلوا صالحاً ﵇، بقوله: ﴿فأخذهم العذاب﴾ أي المتوعد به. ولما كان في الناقة وفي حلول المخايل كما تقدم أعظم دليل على صدق الرسول الداعي إلى الله قال: ﴿إن في ذلك لآية﴾ أي دلالة عظيمة على صحة ما أمروا به عن الله، ﴿وما﴾ أي والحال أنه مع ذلك ما ﴿كان أكثرهم مؤمنين*﴾ . ولما كان ربما توهم أنه سبحانه غير متصف بالعزة لعدم قسرهم على الإيمان، أو بالرحمة لإهلاكهم، قال: ﴿وإن ربك لهو العزيز﴾ أي فلا يخرج شيء من قبضته وإرادته، وهو الذي أراد لهم الكفر ﴿الرحيم*﴾ في كونه لم يهلك أحداً حتى أرسل إليهم رسولاً فبين لهم ما يرضاه سبحانه وما يسخطه، وأبلغ في إنذارهم حتى أقام الحجة بذلك، ثم هو سبحانه يضل من يشاء لما تعلم من طبعه على ما يقتضي الشقاوة، ويوفق من علم منه الخير لما يرضيه، فيتسبب عن ذلك سعادته، وفي تكريره سبحانه هذه الآية آخر كل قصة على وجه التأكيد وإتباعها ما دلت عليه من كفر من أتى بعد أصحابها. من غير اتعاظ بحالهم، ولا نكوب عن مثل ضلالهم، خوفاً من نظير نكالهم، أعظم تسلية لهذا النبي الكريم، وتخويف لكل عليم حليم، واستعطاف لكل ذي قلب سيلم، ولذلك

стр. 6817

قال واصلاً بالقصة: ﴿كذبت﴾ أي دأب من تقدم كأنهم تواصوا به ﴿قوم لوط المرسلين*﴾ لأن من كذب رسولاً - كما مضى - فقد كذب الكل، لتساوي المعجزات في الدلالة على الصدق. وقد صرحت هذه الآية بكفرهم بالتكذيب. وبين إسراعهم في الضلال بقوله: ﴿إذ﴾ أي حين ﴿قال لهم أخوهم﴾ أي في السكنى في البلد لا في النسب لأنه ابن أخي إبراهيم ﵇، وهما من بلاد الشرق من بلاد بابل - وكأنه عبر بالأخوة لاختياره لمجاورتهم، ومناسبتهم بمصاهرتهم، وإقامته بينهم في مدينتهم مدة مديدة، وسنين عديدة، وإتيانه بالأولاد من نسائهم، مع موافقته لهم في أنه قروي، ثم بينه بقوله: ﴿لوط ألا تتقون*﴾ أي تخافون الله فتجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية. ولما كان مضمون هذا الدعاء لهم والإنكار عليهم في عدم التقوى علل ذلك بقوله: ﴿إني لكم﴾ أي خاصة ﴿رسول أمين*﴾ أي لا شيء من غش ولا خيانة عندي، ولذلك سبب عنه قوله: ﴿فاتقوا الله﴾ أي لقدرته على إهلاك من يريد وتعاليه في عظمته ﴿وأطيعون*﴾ أي لأن طاعتي سبب نجاتكم، لأني لا آمركم إلا بما يرتضيه. ولا أنهاكم إلا عما يغضبه.

стр. 6818

ولما أثبت الداعي إلى طاعته، نفى الناهي عنها فقال: ﴿وما أسئلكم عليه﴾ أي الدعاء إلى الله ﴿من أجر﴾ أي فتتهموني بسببه؛ ونفى سؤاله لغيرهم من الخلائق بتخصيصه بالخالق فقال: ﴿إن﴾ أي ما ﴿أجري إلا على رب العالمين*﴾ أي المحسن إليهم بإيجادهم ثم تربيتهم. فلما وجدوا المقتضى لاتباعه وانتفى المانع، أنكر عليهم ما يوجب عذابهم من إيثارهم شهوة الفرج المخرج لهم إلى ما صاروا به سبة في الخلق فقال موبخاً مقرعاً بياناً لتفاحش فعلهم وعظمه: ﴿أتأتون﴾ أي إتيان المعصية ﴿الذكران﴾ ولعلهم كانوا يفعلون بالذكور من غير الآدميين توغلاً في الشر وتجاهراً بالتهتك لقوله: ﴿من العالمين*﴾ أي كلهم، أو يكون المعنى: من بين الخلائق، أي أنكم اختصصتم بإتيان الذكران، لم يفعل هذا الفعل غيركم من الناكحين من الخلق ﴿وتذرون﴾ أي تتركون لهذا الغرض ﴿ما خلق لكم﴾ أي النكاح ﴿ربكم﴾ المحسن إليكم ﴿من أزواجكم﴾ أي وهن الإناث، على أن «من» للبيان، ويجوز أن تكون مبعضة، ويكون المخلوق كذلك هو القبل. ولما كانوا كأنهم قالوا: نحن لم نترك أزواجنا، حملاً لقوله على

стр. 6819

الترك أصلاً ورأساً وإن كانوا قد فهموا أن مراده تركهن حال الفعل في الذكور، قال مضرباً عن مقالهم هذا المعلوم تقديره لما أرادوه به، حيدة عن الحق، وتمادياً في الفجور: ﴿بل أنتم قوم عادون*﴾ أي تركتم الأزواج بتعدي الفعل بهن وتجاوزه إلى الفعل بالذكران، وليس ذلك ببدع من أمركم، فإن العدوان - الذي هو مجاوزة الحد في الشر - وصف لكم أنتم عريقون فيه، فلذلك لا تقفون عند حد حده الله تعالى. فلما اتضح الحق، وعرف المراد، وكان غريباً عندهم، وتشوف السامع إلى جوابهم، استؤنف الإخبار عنه، فقيل إعلاماً بانقطاعهم وأنهم عارفون أنه لا وجه لهم في ذلك أصلاً لعدولهم إلى الفحش: ﴿قالوا﴾ مقسمين: ﴿لئن لم تنته﴾ وسموه باسمه جفاء وغلظة فقالوا: ﴿يا لوط﴾ عن مثل إنكارك هذا علينا. ولما كان لما له من العظمة بالنبوة والأفعال الشريفة التي توجب إجلاله وإنكار كل من يسمعهم أن يخرج مثله، زادوا في التأكيد فقالوا: ﴿لتكونن من المخرجين﴾ أي ممن أخرجناه من بلدنا على وجه فظيع تصير مشهوراً به بينهم. إشارة إلى أنه غريب عندهم، وأن عادتهم المستمرة نفي من اعترض عليهم، وكان قصدهم بذلك أن يكونوا هم

стр. 6820

المتولين لإخراجه إهانة له للاستراحة منه، فكان إخراجه، لكن إخراج إكرام للاستراحة منهم والنجاة من عذابهم بتولي الملائكة الكرام ﴿قال﴾ أي جواباً لهم: ﴿إني﴾ مؤكداً لمضمون ما يأتي به ﴿لعملكم﴾ ولم يقل: قال بل زاد في التأكيد بقوله: ﴿من القالين*﴾ أي المشهورين ببغض هذا العمل الفاحش، العريقين في هذا الوصف، المذكورين بين الناس بمنابذة من يفعله، لا يردني عن إنكاره تهديدكم لي بإخراج ولا غيره، والقلاء: بغض شديد كأنه يقلي الفؤاد. ولما بادأهم بمثل هذا الذي من شأنه الإفضاء إلى الشر، أقبل على من يفعل ذلك لأجله، وهو القادر على كل شيء العالم بكل شيء، فقال: ﴿رب نجني وأهلي مما﴾ أي من الجزاء الذي يلحقهم لما ﴿يعملون*﴾ . ولما قبل دعاءه، أشار إلى ذلك بقوله: ﴿فنجيناه وأهله﴾ مما عذبناهم به بإخراجنا له من بلدهم حين ستخفافهم له، ولم يؤخره عنهم إلى حين خروجه إلا لأجله، وعين سبحانه المراد مبيناً أن أهله كثير بقوله: ﴿أجمعين*﴾ أي أهل بيته والمتبعين له على دينه ﴿إلا عجوزاً﴾ وهي امرأته، كائنة ﴿في﴾ حكم ﴿الغابرين*﴾ أي الماكثين الذي تلحقهم الغبرة بما يكون من الداهية فإننا لن ننجها لقضائنا بذلك في الأزل، لكونها لم تتابعه في الدين، وكان هواها مع قومها.

стр. 6821

ولما ذكر نجاته المفهمة لهلاكهم، صرح به على وجه هوله بأداة التراخي لما علم غير مرة أنه كان عقب خروجه، لم يتخلل بينهما مهلة فقال: ﴿ثم دمرنا﴾ أي أهلكنا هلاكاً بغتة صلباً أصمّ في غاية النكد، وما أحسن التعبير عنهم بلفظ ﴿الآخرين*﴾ لإفهام تأخرهم من كل وجه. ولما كان معنى ﴿دمرنا﴾ : حكمنا بتدميرهم، عطف عليه قوله: ﴿وأمطرنا﴾ ودل على العذاب بتعديته ب «على» فقال: ﴿عليهم مطراً﴾ أي وأي مطر، ولذلك سبب عنه قوله: ﴿فساء مطر المنذرين*﴾ أي ما أسوأ مطر الذين خوفهم لوط ﵇ بما أشار إليه إنكاره وتعبيره بالتقوى والعدوان. ولما كان في جري المكذبين والمصدقين على نظام واحد من الهلاك والنجاة أعظم عبرة وأكبر موعظة، أشار إلى ذلك بقوله: ﴿إن في ذلك لآية﴾ أي دلالة عظيمة على صدق الرسل في جميع ترغيبهم وترهيبهم وتبشيرهم وتحذيرهم. ولما كان من أتى بعد هذه الأمم كقريش ومن تقدمهم قد علموا أخبارهم، وضموا إلى بعض الأخبار نظر الديار، والتوسم في الآثار

стр. 6822

قال معجباً من حالهم في ضلالهم: ﴿وما﴾ أي والحال أنه ما ﴿كان أكثرهم مؤمنين*﴾ . ولما كان في ذلك إشارة إلى الإنذار بمثل ما حل بهم من الدمار، أتبعه التصريح بالتخويف والإطماع فقال: ﴿وإن ربك لهو﴾ أي وحده ﴿العزيز﴾ أي في بطشه بأعدائه ﴿الرحيم*﴾ في لطفه بأوليائه، ورفقه بأعدائه بإرسال الرسل، وبيان كل مشكل؛ ثم وصل بذلك دليله، فقال مذكراً الفعل لشدة كفرهم بدليل ما يأتي من إثبات الواو في ﴿وما أنت إلا بشر مثلنا﴾ : ﴿كذب أصحاب لئيكة﴾ أي الغيضة ذات الأرض الجيدة التي تبتلع الماء فتنبت الشجر الكثير الملتف ﴿المرسلين*﴾ لتكذيبهم شعيباً ﵇ فيما أتى به من المعجزة السماوية في خرق العادة وعجز المتحدّين بها عن مقاومتها - لبقية المعجزات الآتي بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿إذ قال لهم﴾ . ولما كانوا أهل بدو وكان هو ﵇ قروياً، قال: ﴿شعيب﴾ ولم يقل: أخوهم، إشارة إلى أنه لم يرسل نبياً إلا من أهل القرى، تشريفاً لهم لأن البركة والحكمة في الاجتماع، ولذلك نهى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 6823

عن التعرب بعد الهجرة، وقال: «من يرد الله به خيراً ينقله من البادية إلى الحاضرة» ﴿ألا تتقون*﴾ أي تكونون من أهل التقوى، وهو مخافة من الله . ولما كان كأنه قيل: ما لك ولهذا؟ قال: ﴿إني﴾ وأشار إلى تبشيرهم إن أطاعوه بقوله: ﴿لكم رسول﴾ أي من الله، فهو أمرني أن أقول لكم ذلك ﴿أمين*﴾ أي لا غش عندي ولا خداع ولا خيانه، فلذلك أبلغ جميع ما أرسلت به، ولذلك سبب عنه قوله: ﴿فاتقوا الله﴾ أي المستحق لجميع العظمة، وهوالمحسن إليكم بهذه الغيضة وغيرها ﴿وأطيعون*﴾ أي لما ثبت من نصحي. ولا قدم ما هو المقصود بالذات. عطف على خبر ﴿إن﴾ قوله: ﴿وما أسئلكم عليه من أجر﴾ نفياً لما ينفر عنه؛ ثم زاد في البراءة مما يوكس من الطمع في أحد من الخلق فقال: ﴿إن﴾ أي ما ﴿أجري إلا على رب العالمين*﴾ أي المحسن إلى الخلائق كلهم، فأنا لا أرجو أبداً أحداً يحتاج إلى الإحسان إليه، وإنما أعلق أملي بالمحسن الذي لا يحتاج إلى أحد، وكل أحد سائل من رفده، وآخذ من عنده ولقد اتضح أن الرسل متطابقون في الدعوة في الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص في العبادة، مع النصح والعفة، والأمانة والخشية والمحسبة.

стр. 6824

ولما كان كأنه قيل: ما الذي تنعى فيه؟ قال: مبيناً أن داءهم

стр. 6825

حب المال، المفضي لهم إلى سوء الحال، ﴿أوفوا الكيل﴾ أي أتموه إتماماً لا شبهة فيه إذا كلتم كما توفونه إذا اكتلتم لأنفسكم. ولما أمرهم بالإيفاء نهاهم عن النقص على وجه أعم فقال: ﴿ولا تكونوا﴾ أي كوناً هو كالجبلة، ولعله إشارة إلى ما يعرض من نحو ذلك من الخواطر أو الهيئات التي يغلب الإنسان فيها الطبع ثم يرجع عنها رجوعاً يمحوها، ولذلك قال: ﴿من المخسرين*﴾ أي الذين يخسرون - أي ينقصون - أنفسهم أديانها بإخسار الناس دنياهم بنقص الكيل أو غيره من أنواع النقص من كل ما يوجب الغبن، فتكونوا مشهورين بذلك بين من يفعله. ولما أمر بوفاء الكيل، أتبعه بمثل ذلك في الوزن، ولم يجمعهما لما للتفريق من التعريف بمزيد الاهتمام فقال: ﴿وزنوا﴾ أي لأنفسكم وغيركم ﴿بالقسطاس﴾ أي الميزان الأقوم؛ وأكد معناه بقوله: ﴿المستقيم*﴾ . ولما أمر بالوفاء في الوزن، أتبعه نهياً عن تركه عاماً كما فعل في الكيل ليكون آكد فقال: ﴿ولا تبخسوا﴾ أي تنقصوا ﴿الناس أشياءهم﴾

стр. 6826

أي في كيل أو وزن أو غيرهما نقصاً يكون كالسبخة لا فائدة فيه. ثم أتبع ذلك بما هو أعم منه فقال: ﴿ولا تعثوا﴾ أي تتصرفوا ﴿في الأرض﴾ عن غير تأمل حال كونكم ﴿مفسدين*﴾ أي في المال أو غيره، قاصدين بذلك الإفساد - كما تقدم بيانه في سورة هود ﵇. ولما وعظهم فابلغ في وعظهم بما ختمه بالنهي عن الفساد، خوفهم من سطوات الله تعالى ما أحل بمن هو أعظم منهم فقال: ﴿واتقوا الذي خلقكم﴾ أي فإعدامكم أهون شيء عليه، وأشار إلى ضعفهم وقوة من كان قبلهم بقوله: ﴿والجبلة﴾ أي الجماعة والأمة ﴿الأولين*﴾ الذين كانوا على خلقة وطبيعة عظيمة كأنها الجبال قوة وصلابة لا سيما قوم هود ﵇ الذين هم عرب مثلكم، وقد بلغت بهم الشدة في أبدانهم، والصلابة في جميع أركانهم، إلى أن قالوا ﴿من أشد منا قوة﴾ [فصلت: ١٥] وقد بلغكم ما أنزل بهم سبحانه من بأسه، لأن العرب أعلم الناس بأخبارهم. ولما كان الحاصل ما مضى الإعلام بالرسالة، والتحذير من المخالفة،

стр. 6827

لأنها تؤدي إلى الضلالة إلى أن ختم ذلك بالإشارة بالتعبير بالجبلة إلى أن عذابه تعالى عظيم، لا يستعصي عليه صغير ولا كبير، أجابوه بالقدح في الرسالة أولاً، وباستصغار الوعيد ثانياً، بأن ﴿قالوا إنما أنت من المسحرين*﴾ أي الذين كرر سحرهم مرة بعد أخرى حتى اختبلوا، فصار كلامهم على غير نظام، أو من المعللين بالطعام والشراب كما مضى في صالح ﵇، أي فأنت بعيد من الصلاحية للرسالة: ثم أشاروا إلى عدم صلاحية البشر مطلقاً لها ولو كانوا أعقل الناس وأبعدهم عن الآفة بقولهم، عاطفين بالواو إشارة إلى عراقته فيما وصفوه به من جهة السحر والسحر، وأنه لا فرق بينه وبينهم: ﴿وما أنت إلا بشر مثلنا﴾ أي فلا وجه لتخصيصك عنا بذلك، والدليل على أن عطف ذلك أبلغ من إتباعه من غير عطف جزمهم بظن كذبه في قولهم؛ ﴿وإن﴾ أي وإنّا ﴿نظنك لمن الكاذبين*﴾ أي العريقين في الكذب - هذا مذهب البصريين في أن ﴿إن﴾ مخففة من الثقيلة، والذي يقتضيه السياق ترجح مذهب الكوفيين هنا في أن ﴿إن﴾ نافية، فإنهم أرادوا بإثبات الواو في ﴿وما﴾ المبالغة في نفي إرساله بتعداد ما ينافيه، فيكون مرادهم أنه ليس لنا ظن يتوجه إلى غير الكذب، وهو أبلغ من إثبات الظن به، ويؤيده

стр. 6828

تسبيبهم عنه سؤاله استهزاء به وتعجيزاً له إنزال العذاب بخلاف ما تقدم عن قوم صالح ﵇، فقالوا: ﴿فأسقط علينا كسفاً﴾ بإسكان السين على قراءة الجماعة وفتحها في رواية حفص، وكلاهما جمع كسفة، أي قطعاً ﴿من السماء﴾ أي السحاب، أو الحقيقة، وهذا الطلب لتصميمهم على التكذيب، ولو كان فيهم أدنى ميل إلى التصديق لما أخطروه ببالهم فضلاً عن طلبه ولا سيما كونه على وجه التهكم، ولذلك قالوا: ﴿إن كنت﴾ أي كوناً هو لك كالجبلة ﴿من الصادقين*﴾ أي العريقين في الصدق، المشهورين فيما بين أهله، لنصدقك فيما لزم من أمرك لنا باتخاذ الوقاية من العذاب من التهديد بالعذاب، وما أحسن نظره إلى تهديده لهم بما لله عليهم من القدرة في خلقهم وخلق من كانوا أشد منهم قوة وإهلاكهم بأنواع العذاب لما عصوه بتكذيب رسله. ولما كان عذاب العاصي يتوقف على العلم المحيط بأعماله، والقدرة على نكاله، استأنف تعالى الحكاية عنه في تنبيهه لهم على ذلك بقوله: ﴿قال﴾ مشيراً إلى أنه لا شيء من ذلك إلا إلى من أرسله، وهو

стр. 6829

متصف بكلا الوصفين، وأما هو فإنه وإن كان عالماً فهو قاصر العلم فهو غير قادر: ﴿ربي أعلم﴾ أي مني ﴿بما تعملون*﴾ لأنه محيط العلم فهو شامل القدرة، فهو يعلم استحقاقكم للعذاب، ومقدار ما تستحقون منه ووقت إنزاله، فإن شاء عذبكم، وأما أنا فليس عليّ إلا البلاغ وأنا مأمور به، فلم أخوفكم من نفسي ولا ادعيت قدرة على عذابكم، فطلبكم ذلك مني ظلم منكم مضموم إلى ظلمكم بالتكذيب. ولما كان محط كلامهم كله على تكذيبهم له من غير قدح في قدرة الخالق، سبب العذاب عن تكذيبهم فقال: ﴿فكذبوه﴾ أي استمروا على تكذيبه ﴿فأخذهم﴾ أي أخذ ملاك ﴿عذاب يوم الظلة﴾ وهي سحابة على نحو ما طلبوا من قطع السماء، أتتهم بعد حر شديد نالهم حتى من الأسراب في داخل الأرض أشد مما نالهم من خارجها ليعلم أن لا فاعل إلا الله، وأنه يتصرف كيف شاء على مقتضى العادة وغير مقتضاها فوجدوا من تلك الظلة نسيماً بارداً، وروحاً طيباً، فاجتمعوا تحتها استرواحاً إليها واستظلالاً بها، فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا بنحو مما اقترحوا وأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فنفذت فيهم سهام القدرة. ولم يجدوا من دونها وقاية ولا سترة من غير أن تدعو حاجة إلى سقوط شيء من جرم السماء، ولا بما دونها من العماء.

стр. 6830

ولما كان الحال موجباً للسؤال عن يوم الظلة، قال تعالى مهوّلاً لأمره ومعظماً لقدره: ﴿إنه كان﴾ فأكد ب «إن» وعظم ب «كان» ﴿عذاب يوم عظيم*﴾ وزاده عظماً بنسبته إلى اليوم فصار له من الهول، ببديع هذا القول، ما تجب له القلوب وتعظم الكروب.
следующие страницы →