Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.
стр. 6826
أي في كيل أو وزن أو غيرهما نقصاً يكون كالسبخة لا فائدة فيه. ثم أتبع ذلك بما هو أعم منه فقال: ﴿ولا تعثوا﴾ أي تتصرفوا ﴿في الأرض﴾ عن غير تأمل حال كونكم ﴿مفسدين*﴾ أي في المال أو غيره، قاصدين بذلك الإفساد - كما تقدم بيانه في سورة هود ﵇.
ولما وعظهم فابلغ في وعظهم بما ختمه بالنهي عن الفساد، خوفهم من سطوات الله تعالى ما أحل بمن هو أعظم منهم فقال: ﴿واتقوا الذي خلقكم﴾ أي فإعدامكم أهون شيء عليه، وأشار إلى ضعفهم وقوة من كان قبلهم بقوله: ﴿والجبلة﴾ أي الجماعة والأمة ﴿الأولين*﴾ الذين كانوا على خلقة وطبيعة عظيمة كأنها الجبال قوة وصلابة لا سيما قوم هود ﵇ الذين هم عرب مثلكم، وقد بلغت بهم الشدة في أبدانهم، والصلابة في جميع أركانهم، إلى أن قالوا ﴿من أشد منا قوة﴾ [فصلت: ١٥] وقد بلغكم ما أنزل بهم سبحانه من بأسه، لأن العرب أعلم الناس بأخبارهم.
ولما كان الحاصل ما مضى الإعلام بالرسالة، والتحذير من المخالفة،
стр. 6827
لأنها تؤدي إلى الضلالة إلى أن ختم ذلك بالإشارة بالتعبير بالجبلة إلى أن عذابه تعالى عظيم، لا يستعصي عليه صغير ولا كبير، أجابوه بالقدح في الرسالة أولاً، وباستصغار الوعيد ثانياً، بأن ﴿قالوا إنما أنت من المسحرين*﴾ أي الذين كرر سحرهم مرة بعد أخرى حتى اختبلوا، فصار كلامهم على غير نظام، أو من المعللين بالطعام والشراب كما مضى في صالح ﵇، أي فأنت بعيد من الصلاحية للرسالة: ثم أشاروا إلى عدم صلاحية البشر مطلقاً لها ولو كانوا أعقل الناس وأبعدهم عن الآفة بقولهم، عاطفين بالواو إشارة إلى عراقته فيما وصفوه به من جهة السحر والسحر، وأنه لا فرق بينه وبينهم: ﴿وما أنت إلا بشر مثلنا﴾ أي فلا وجه لتخصيصك عنا بذلك، والدليل على أن عطف ذلك أبلغ من إتباعه من غير عطف جزمهم بظن كذبه في قولهم؛ ﴿وإن﴾ أي وإنّا ﴿نظنك لمن الكاذبين*﴾ أي العريقين في الكذب - هذا مذهب البصريين في أن ﴿إن﴾ مخففة من الثقيلة، والذي يقتضيه السياق ترجح مذهب الكوفيين هنا في أن ﴿إن﴾ نافية، فإنهم أرادوا بإثبات الواو في ﴿وما﴾ المبالغة في نفي إرساله بتعداد ما ينافيه، فيكون مرادهم أنه ليس لنا ظن يتوجه إلى غير الكذب، وهو أبلغ من إثبات الظن به، ويؤيده
стр. 6828
تسبيبهم عنه سؤاله استهزاء به وتعجيزاً له إنزال العذاب بخلاف ما تقدم عن قوم صالح ﵇، فقالوا: ﴿فأسقط علينا كسفاً﴾ بإسكان السين على قراءة الجماعة وفتحها في رواية حفص، وكلاهما جمع كسفة، أي قطعاً ﴿من السماء﴾ أي السحاب، أو الحقيقة، وهذا الطلب لتصميمهم على التكذيب، ولو كان فيهم أدنى ميل إلى التصديق لما أخطروه ببالهم فضلاً عن طلبه ولا سيما كونه على وجه التهكم، ولذلك قالوا: ﴿إن كنت﴾ أي كوناً هو لك كالجبلة ﴿من الصادقين*﴾ أي العريقين في الصدق، المشهورين فيما بين أهله، لنصدقك فيما لزم من أمرك لنا باتخاذ الوقاية من العذاب من التهديد بالعذاب، وما أحسن نظره إلى تهديده لهم بما لله عليهم من القدرة في خلقهم وخلق من كانوا أشد منهم قوة وإهلاكهم بأنواع العذاب لما عصوه بتكذيب رسله.
ولما كان عذاب العاصي يتوقف على العلم المحيط بأعماله، والقدرة على نكاله، استأنف تعالى الحكاية عنه في تنبيهه لهم على ذلك بقوله: ﴿قال﴾ مشيراً إلى أنه لا شيء من ذلك إلا إلى من أرسله، وهو
стр. 6829
متصف بكلا الوصفين، وأما هو فإنه وإن كان عالماً فهو قاصر العلم فهو غير قادر: ﴿ربي أعلم﴾ أي مني ﴿بما تعملون*﴾ لأنه محيط العلم فهو شامل القدرة، فهو يعلم استحقاقكم للعذاب، ومقدار ما تستحقون منه ووقت إنزاله، فإن شاء عذبكم، وأما أنا فليس عليّ إلا البلاغ وأنا مأمور به، فلم أخوفكم من نفسي ولا ادعيت قدرة على عذابكم، فطلبكم ذلك مني ظلم منكم مضموم إلى ظلمكم بالتكذيب.
ولما كان محط كلامهم كله على تكذيبهم له من غير قدح في قدرة الخالق، سبب العذاب عن تكذيبهم فقال: ﴿فكذبوه﴾ أي استمروا على تكذيبه ﴿فأخذهم﴾ أي أخذ ملاك ﴿عذاب يوم الظلة﴾ وهي سحابة على نحو ما طلبوا من قطع السماء، أتتهم بعد حر شديد نالهم حتى من الأسراب في داخل الأرض أشد مما نالهم من خارجها ليعلم أن لا فاعل إلا الله، وأنه يتصرف كيف شاء على مقتضى العادة وغير مقتضاها فوجدوا من تلك الظلة نسيماً بارداً، وروحاً طيباً، فاجتمعوا تحتها استرواحاً إليها واستظلالاً بها، فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا بنحو مما اقترحوا وأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فنفذت فيهم سهام القدرة.
ولم يجدوا من دونها وقاية ولا سترة من غير أن تدعو حاجة إلى سقوط شيء من جرم السماء، ولا بما دونها من العماء.
стр. 6830
ولما كان الحال موجباً للسؤال عن يوم الظلة، قال تعالى مهوّلاً لأمره ومعظماً لقدره: ﴿إنه كان﴾ فأكد ب «إن» وعظم ب «كان» ﴿عذاب يوم عظيم*﴾ وزاده عظماً بنسبته إلى اليوم فصار له من الهول، ببديع هذا القول، ما تجب له القلوب وتعظم الكروب.
стр. 6831
ولما كان لتوالي الإخبار بإهلاك هذه القرون، وإبادة من ذكر من تلك الأمم، من الرعب ما لا يبلغ وصفه، ولا يمكن لغيره سبحانه شرحه، قال تعالى مشيراً إليه تحذيراً من مثله: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم من الإنجاء المطرد لكل رسول ومن أطاعه، والأخذ المطرد لمن عصاه في كل عصر بكل قطر، بحث لا يشذ من الفريقين إنسان قاص ولا دان ﴿لآية﴾ أي لدلالة واضحة عظيمة على صدق الرسل وأن يكونوا جديرين بتصديق العباد لهم في جميع ما قالوا من البشائر والنذائر بأن الله تعالى يهلك من عصاه، وينجي من والاه، لأنه الفاعل المختار، لا مانع له، ولا سيما أنت وأنت أعظمهم منزلة، وأكرمهم رتبة، ولا سيما وقد أتيت قومك بما لا يكون معه شك لو لم يكن لهم بك معرفة قبل ذلك، فكيف وهم عارفون بأنك كنت قبل الرسالة أصدقهم
стр. 6832
لهجة، وأعظمهم أمانة، وأغزرهم عقلاً، وأوضحهم نبلاً، وأعلاهم همة، وأبعدهم عن كل دنس - وإن قل - ساحة؛ ثم عجب من توقفهم في الإيمان مع ما عرفوا من صدق نبيهم وطهارة أخلاقه، ووفور شفقته عليهم، ولم يخافوا من مثل ما تحقفوه من إهلاك هذه الأمم فقال: ﴿وما كان أكثرهم﴾ أي أكثر قومك كما كان من قبلهم مع رؤية هذه الآيات، وإحلال المثلات حتى لكأنهم تواصوا بذلك ﴿مؤمنين*﴾ أي عريقين في الإيمان، بل ما يؤمنون إلا وهو مشركون.
ولما كان هذا كله تأسية للداعي ﷺ ، وتهديداً لمن تمادى على تكذيبه، وترجية لمن رجع عن ذنوبه، أشار إلى ذلك بقوله: ﴿وإن ربك﴾ أي المحسن إليك بكل ما يعلي شأنك، ويوضح برهانك ﴿لهو العزيز﴾ فلا يعجزه أحد، ولا ينسب في إمهال عاص إلى إهمال ولا عجز ﴿الرحيم*﴾ فلا يأخذ إلا بعد تجاوز الحد، واليأس عن الرد، مع البيان الشافي، في الإبلاغ الوافي، والتلطف الكافي، وكرر الختام بهذا الكلام في هذه السورة ثماني مرات فلعل من أسراره الإشارة إلى سبق الرحمة للغضب، لأن من السورة - المفتتحة بالكتاب القيم والعبد الكامل بالإضافة إلى الملك الأعظم اللذين هما رحمة الخالق للخلائق، وذكر فيها مع تقديمها في الترهيب أهل الرحمة من أهل الكهف
стр. 6833
الذين قالوا ﴿هب لنا من لدنك رحمة﴾ وموسى والخضر ﵉ اللذين آتى كلا منهما من لدنه رحمة، وذا القرنين الذي آتاه من كل شيء سبباً فأتبع سبباً وقال ﴿هذا رحمة من ربي﴾ - إلى سورة الرحمة بإنزال الفرقان على عبده المضاف إليه للإنذار المؤذن بصفة العزة - ثماني سور، فكل منهما ثامنة الأخرى، وافتتحت السورة الوالية للفرقان تفصيلاً لما في أول الكهف بقوله: ﴿لعلك باخع نفسك﴾ وبذكر ما على الأرض من زينة ﴿ألم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم﴾ كل ذلك تذكيراً بما في تلك من الكتاب الجامع بالرحمة، وتحذيراً مما في القرآن من الإنذار الفارق بالعزة، فلما كان ذلك كررت صفتا العز التي أذنت بها الفرقان، والرحمة التي صرحت بها الكهف ثماني مرات بحسب ذلك العدد، تذكيراً بهذا المعنى البديع، وترغيباً وترهيباً وتذكيراً بأبواب الرحمة الثمانية مع ما لختم القصص بذلك من الروعة في النفس، والهيبة في القلب، والأنس البالغ للروح، وقدمت هنا صفة العزة الناظرة للإنذار بالفرقان على طريق النشر المشوش مع ما اقتضى ذلك من الحال هنا وجعلت القصص سبعاً تحذيراً من أبواب النقمة السبعة - إلى غير ذلك من الأسرار التي لا تسعها الأفكار.
ولما كانت آثار هذه القصص آيات مرئيات، والإخبار بها آيات
стр. 6834
مسموعات، وكان في اطراد إهلاك العاصي وإنجاء الطائع في كل منهما، على تباعد الأعصار، وتناهي الأقطار، واختلاف الديار، أعظم دليل على صدق الرسل، وتقرير الرسالات لتوافقهم في الدعوة إلى الله، وتواردهم على التوحيد، والعدل مع العزوف عن الدنيا التي هي شر محض، والإقبال على الآخرة التي هي خير صرف، والتحلي بما أطبق العباد على أنه معالي الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والتخلي عن جميع الدنايا، والتنزه عن كل نقص، عطف على قوله أول السورة ﴿وما يأتيهم من ذكر﴾ - الآية الإخبار برسالة محمد ﷺ ، إشارة إلى ما في الإخبار عن آثار هذه القصص بالآيات المسموعات من عظيم الدلالات على رسالته ﷺ بما فيها من الإعجاز من جهة التركيب والترتيب وغير ذلك من عجيب الأساليب الذي لم تؤته أمة من الأمم السالفات، ومن جهة أن الآتي بتلك القصص الغريبة، والأنباء البديعة العجيبة، أمي لم يخالط عالماً مع شدة ملاءمة القرآن لخصوص ما في قصة شعيب ﵇ من العدل في الكيل والوزن الذي هو مدار القرآن، ومن أنه الظلة الجامعة للخير، والفسطاط الدافع لكل ضير، فقال رداً للمقطع على المطلع: ﴿وإنه﴾ أي الذكر
стр. 6835
الذي أتاهم بهذه الأخبار وهم عنه معرضون وله تاركون ﴿لتنزيل رب العالمين*﴾ أي الذي رباهم بشمول علمه، وعظيم قدرته، بما يعجز عن أقل شيء منه غيره لكونه أتاهم بالحق منها على لسان من لم يخالط عالماً قط، ومع أنه سبحانه غذاهم بنعمته، ودبرهم بحكمته، فاقتضت حكمته أن يكون هذا الذكر جامعاً لكونه ختاماً، وأن يكون معجزاً لكونه تماماً، ونزله على حسب التدريج شيئاً فشيئاً. مكرراً فيه ذكر القصص سابقاً في كل سورة منها ما يناسب المقصود من تلك السورة، معبراً عما يسوقه منها بما يلائم الغرض من ذلك السياق مع مراعاة الواقع، ومطابقة الكائن.
ولما كان الحال مقتضياً لأن يقال: من أتى بهذا المقال، عن ذي الجلال؟ قال: ﴿نزل به﴾ أي نجوماً على سبيل التدريج من الأفق الأعلى الذي هو محل البركات، وعبر عن جبرائيل ﵇ بقوله: ﴿الروح﴾ دلالة على أنه مادة خير، وأن الأرواح تجيء بما ينزله من الهدى، وقال: ﴿الأمين*﴾ إشارة إلى كونه معصوماً من كل دنس، فلا يمكن منه خيانة ﴿على قلبك﴾ أي يا محمداً الذي هو أشرف القلوب وأعلاها، وأضبطها وأوعاها، فلا زيغ فيه ولا عوج،
стр. 6836
حتى صار خلقاً له، وفي إسقاط الواسطة إشارة إلى أنه - لشدة إلقائه السمع وإحضاره الحس - يصير في تمكنه منه بحيث يحفظه فلا ينسى، ويفهمه حق فهمه فلا يخفى، فدخوله إلى القلب في غاية السهولة حتى كأنه وصل إليه بغير واسطة السمع عكس ما يأتي عن المجرمين، وهكذا كل من وعى شيئاً غاية الوعي حفظه كل الحفظ، انظر إلى قوله تعالى ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علماً﴾ [طه: ١١٤] ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ [القيامة: ١٦] .
ولما كان السياق في هذه السورة للتحذير، قال معللاً للجملة التي قبله: ﴿لتكون من المنذرين*﴾ أي المخوفين المحذرين لمن أعرض عن الإيمان، وفعل ما نهى عنه من العصيان.
ولما كان القصد من السورة التسلية عن عدم إيمانهم بأنه لسفول شأنهم، لا لخلل في بيانه، ولا لنقص في شأنه، قال تعالى موضحاً لتمكنه من قبله: ﴿بلسان عربي﴾ . ولما كان في العربي ما هو حوشي لفظاً أو تركيباً، مشكل على كثير من العرب، قال: ﴿مبين*﴾ أي بين في نفسه كاشف لما يراد منه غير تارك لبساً عند من تدبره
стр. 6837
حق تدبره على ما يتعارفه العرب في مخاطباتها، من سائر لغاتها، بحقائقها ومجازاتها على اتساع إراداتها، وتباعد مراميها في محاوراتها، وحسن مقاصدها في كناياتها واستعاراتها، ومن يحيط بذلك حق الإحاطة غير العليم الحكيم الخبير البصير، وإنما كانت عربيته وإبانته موضحة لسبقه قلبه، لأن من تكلم بلغته - فكيف بالبين منها - تسبق المعاني الألفاظ إلى قلبه، فلو كان أعجمياً لكان نازلاً على السمع، لأنه يسمع أجراس حروف لا يفهم معانيها؛ قال الكشاف: وقد يكون الرجل عارفاً بعدة لغات، فإذا كلم بلغته التي لقنها أولاً ونشأ عليها وتطبع بها لم يكن قلبه إلا إلى المعاني، ولا يكاد يفطن للألفاظ، وإن كلم بغيرها وإن كان ماهراً فيها كان نظره أولاً في ألفاظها ثم في معانيها - انتهى. ففيه تقريع عظيم لمن يعرف لسان العرب ولا يؤمن به.
ولما كان الاستكثار من الأدلة مما يسكن النفوس، وتطمئن به
стр. 6838
القلوب، قال تعالى: ﴿وإنه﴾ أي هذا القرآن أصوله وكثير من قصصه وأمهات فروعه ﴿لفي زبر﴾ أي كتب ﴿الأولين*﴾ المضبوطة الظاهرة في كونها أتت من السماء إلى أهلها الذين سكنت النفوس إلى أنه أتتهم رسل، وشرعت لهم شرائع نزلت عليهم بها كتب من غير أن يخالط هذا الذي جاء به أحداً منهم أو من غيرهم في علم ما، وكان ذلك دليلاً قاطعاً على أنه ما أتاه به إلا الله تعالى.
ولما كان التقدير: ألم يكن لهم أمارة على صدق ذلك أن يطلبوا تلك الزبر فينظروا فيذوقوا ذلك منها ليضلوا إلى حق اليقين؟ عطف عليه قوله: ﴿أولم يكن لهم﴾ .
ولما كان هذا الأسلوب الاستدلال، اقتضى تقديم الخبر على الاسم في قراءة الجمهور بالتذكير والنصب، فقال بعد تقديم لما اقتضاه من الحال: ﴿آية﴾ أي علامة على النسبة إلينا؛ ثم اتبع ذلك الاسم محلولاً إلى أن والفعل لأنه أخص وأعرف وأوضح من ذكر المصدر، فقال: ﴿أن يعلمه﴾ أي هذا الذي أتى به نبينا من عندنا؛ وأنث ابن عامر الفعل ورفع ﴿آية﴾ اسماً وأخبر عنها بأن والفعل ﴿علماء بني إسرائيل*﴾ فيقروا به ولا ينكروه، ليؤمنوا به ولا يهجروه، فإن قريشاً كانوا كثيراً ما يرجعون إليهم ويعولون في
стр. 6839
الأخبار الإلهية عليهم، فإن كثيراً منهم أسلم وذكر تصديق التوارة والإنجيل والزبور وغيرها من أسفار الأنبياء ﵈ للقرآن في صفة النبي ﷺ ، وفي ذلك ما يؤيد صدقه، ويحقق أمره، وقد عربت الكتب المذكورة بعد ذلك، وأخرج منها علماء الإسلام كثيراً مما أهملوه حجة عليهم، ولا فرق في ذلك بين من أسلم منهم وبين غيرهم، فإنها حين نزول القرآن كان التبديل قد وقع فيها بإخبار الله تعالى، وعن ابن عباس ﵄ أن أهل مكة بعثوا إلى اليهود يسألونهم عن محمد ﷺ فقالوا: هذا زمانه، وإنا لنجد في التوراة صفته، فكان ذلك ملزماً لهم بإخبار الله تعالى، وكذلك كل ما استخرج من الكتب يكون حجة على أهلها.
ولما كان التقدير: لم يروا شيئاً من ذلك آية ولا آمنوا، عطف عليه أو على قوله تعالى أول سورة ﴿فقد كذبوا﴾ الآية: ﴿ولو نزلناه﴾ أي على ما هو عليه من الحكمة والإعجاز بما لنا من العظمة ﴿على بعض الأعجمين*﴾ الذين لا يعرفون شيئاً من لسان العرب من
стр. 6840
البهائم أو الآدميين، جمع أعجم، وهو من لا يفصح وفي لسانه عجمة، والأعجمي مثله بزيادة تأكيد ياء النسبة ﴿فقرأه عليهم﴾ أي ذلك الذي نزلناه عليه على ما هو عليه من الفصاحة والإعجاز مع علمهم القطعي أنه لا يعرف شيئاً من اللسان ﴿ما كانوا به مؤمنين*﴾ أي راسخين ولتمحلوا لكفرهم عذراً في تسميته سحراً أو غير ذلك من تعنتهم ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهو مشركون﴾ من فرط عنادهم، وتهيئهم للشر واستعدادهم له، بل لا يسمعونه حق السماع، ولا يعونه حق الوعي، بل سماعاً وفهماً على غير وجهه.
стр. 6841
ولما كان ذلك محل عجب، وكان ربما ظن له أن الأمر على غير حقيقته، قرر مضمونه وحققه بقوله: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا السلك العجيب - الذي هو سماع وفهم ظاهري - في صعوبة مدخله وضيق مدرجه.
ولما لم يكن السياق مقتضياً لما اقتضاه سياق الحجر من التأكيد، اكتفى بمجرد الحدوث فقال: ﴿سلكناه﴾ أي كلامنا والحق الذي أرسلنا به رسلنا بما لنا من العظمة، في قلوبهم - هكذا كان الأصل، ولكنه علق الحكم بالوصف، وعم كل زمن وكل من اتصف به فقال: ﴿في قلوب المجرمين*﴾ أي الذين طبعناهم على الإجرام، وهو القطيعة
стр. 6842
لما ينبغي وصله، كما ينظم السهم إذا رمي به، أو الرمح إذا طعن به في القلب، لا يتسع له، ولا ينشرح به، بل تراه ضيقاً حرجاً.
ولما كان هذا المعنى خفياً، بينه بقوله: ﴿لا يؤمنون به﴾ أي من أجل ما جبلوا عليه من الإجرام، وجعل على قلوبهم من الطبع والختام ﴿حتى يروا العذاب الأليم*﴾ فحينئذ يؤمنون حيث لا ينفعهم الإيمان ويطلبون الأمان حيث لا أمان.
ولما كان إتيان الشر فجاءة أشد. وكان أخذه لهم عقب رؤيتهم له من غير مهلة يحصل فيها نوع استعداد أصلاً، دل على ذلك مصوراً لحاله بقوله دالاًّ بالفاء على الأشدية والتعقيب: ﴿فيأتيهم بغتة﴾ .
ولما كان البغت الإتيان على غفلة، حقق ذلك نافياً للتجوز بقوله: ﴿وهم لا يشعرون*﴾ ودل على تطاوله في محالهم، وجوسه لخلالهم، وتردده في حلالهم، بقوله دالاًّ على ما هو أشد عليهم من المفاجأة بالإهلاك: ﴿فيقولوا﴾ أي تأسفاً واستسلاماً وتلهفاً في تلك الحالة لعلمهم بأنه لا طاقة به بوجه: ﴿هل نحن منظرون*﴾ أي مفسوح لنا في آجالنا لنسمع ونطيع.
ولما حقق أن حالهم عند الأخذ الجؤار بالذل والصفار به، تسبب عنه ما يستحقون باستعجاله من الإنكار في قوله، منبهاً على أن قدره يفوق الوصف بنون العظمة: ﴿أفبعذابنا﴾ أي وقد تبين لهم
стр. 6843
لما ينبغي وصله، كما ينظم السهم إذا رمي به، أو الرمح إذا طعن به في القلب، لا يتسع له، ولا ينشرح به، بل تراه ضيقاً حرجاً.
ولما كان هذا المعنى خفياً، بينه بقوله: ﴿لا يؤمنون به﴾ أي من أجل ما جبلوا عليه من الإجرام، وجعل على قلوبهم من الطبع والختام ﴿حتى يروا العذاب الأليم*﴾ فحينئذ يؤمنون حيث لا ينفعهم الإيمان ويطلبون الأمان حيث لا أمان.
ولما كان إتيان الشر فجاءة أشد. وكان أخذه لهم عقب رؤيتهم له من غير مهلة يحصل فيها نوع استعداد أصلاً، دل على ذلك مصوراً لحاله بقوله دالاًّ بالفاء على الأشدية والتعقيب: ﴿فيأتيهم بغتة﴾ .
ولما كان البغت الإتيان على غفلة، حقق ذلك نافياً للتجوز بقوله: ﴿وهم لا يشعرون*﴾ ودل على تطاوله في محالهم، وجوسه لخلالهم، وتردده في حلالهم، بقوله دالاًّ على ما هو أشد عليهم من المفاجأة بالإهلاك: ﴿فيقولوا﴾ أي تأسفاً واستسلاماً وتلهفاً في تلك الحالة لعلمهم بأنه لا طاقة به بوجه: ﴿هل نحن منظرون*﴾ أي مفسوح لنا في آجالنا لنسمع ونطيع.
ولما حقق أن حالهم عند الأخذ الجؤار بالذل والصفار به، تسبب عنه ما يستحقون باستعجاله من الإنكار في قوله، منبهاً على أن قدره يفوق الوصف بنون العظمة: ﴿أفبعذابنا﴾ أي وقد تبين لهم
стр. 6844
كيف كان أخذه للأمم الماضية، والقرون الخالية، والأقوام العاتية! ﴿يستعجلون*﴾ أي بقولهم: أمطر علينا حجارة من السماء، أسقط السماء علينا كسفاً، ائت بالله والملائكة قبيلاً، كما قال هؤلاء الذين قصصنا أمرهم، وتلونا ذكرهم ﴿فأسقط علينا كسفاً من السماء﴾ ونحو ذلك.
ولما تصورت حالة مآبهم، في أخذهم بعذابهم، وكان استعجالهم به يتضمن الاستخفاف والتكذيب والوثوق بأنهم ممتعون، وتعلق آمالهم بأن تمتيعهم بطول زمانه، وكان من يؤذونه يتمنى لو عجل لهم، سبب عن ذلك سبحانه سؤال داعيهم مسلياً ومؤسياً ومعزياً فقال: ﴿أفرأيت﴾ أي هب أن الأمر كما يعتقدون من طول عيشهم في النعيم فأخبرني ﴿إن متعناهم﴾ أي في الدنيا برغد العيش وصافي الحياة.
ولما كانت حياة الكافر في غاية الضيق والنكد وإن كان في أصفى رغد، عبر بما يدل على القحط بصيغة القلة وإن كان السياق يدل على أنها للكثرة فقال: ﴿سنين ثم جاءهم﴾ أي بعد تلك السنين المتطاولة، والدهور المتواصلة ﴿ما كانوا يوعدون*﴾ أي مما طال إنذارك إياهم به وتحذيرك لهم منه على غاية التقريب لهم والتمكين في إسماعهم، أخبرني ﴿ما﴾ أي أيّ شيء ﴿أغنى عنهم﴾ أي فيما أخذهم من العذاب ﴿ما كانوا﴾ أي كوناً هو في غاية المكنة وطول الزمان ﴿يمتعون*﴾
стр. 6845
تمتيعاً هو في غاية السهولة عندنا، وصوره بصورة الكائن تنديماً عليه، والمعنى أنه ما أغنى عنهم شيئاً لأن عاقبته الهلاك، وزادهم بعداً من الله وعذابه بزيادة الآثام الموجبة لشديد الانتقام.
ولما كان التقدير: لم يغن عنهم شيئاً لأنهم ما أخذوا إلا بعد إنذار المنذرين، لمشافهتك إياهم به، وسماعهم لمثل ذلك عمن مضى قبلهم من الرسل، عطف عليه قوله: ﴿وما أهلكنا﴾ أي بعظمتنا، واعلم بالاستغراق بقوله: ﴿من قرية﴾ أي من القرى السالفة، بعذاب الاستئصال ﴿إلا لها منذرون*﴾ رسولهم ومن تبعه من أمته ومن سمعوا من الرسل بأخبارهم مع أممهم من قبل، وأعراها من الواو لأن الحال لم يقتض التأكيد كما في الحجر، لأن المنذرين مشاهدون. وإذا تأملت آيات الموضعين ظهر لك ذلك؛ ثم علل الإنذار بقوله: ﴿ذكرى﴾ أي تنبيهاً عظيماً على ما فيه من النجاة، وتذكيراً بأشياء يعرفونها بما أدت إليه فطر عقولهم، وقادت إليه بصائر قلوبهم، وجعل المنذرين نفس الذكرى كما قال تعالى ﴿قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً﴾ [الطلاق: ١٠] وذلك إشارة إلى إمعانهم في التذكير حتى صاروا إياه.
ولما كان التقدير: فما أهلكنا قرية منها إلا بالحق، عطف عليه قوله: ﴿وما كنا﴾ أو الواو للحال من نون ﴿أهلكنا﴾ ﴿ظالمين*﴾ أي في إهلاك شيء منها لأنهم كفروا نعمتنا، وعبدوا غيرنا، بعد الإعذار إليهم، ومتابعة الحجج، ومواصلة الوعيد.
ولما أخبر سبحانه أن غاية إنزال هذا القرآن كونه ﷺ من المنذرين، وأتبع ذلك ما لاءمه حتى ختم بإهلاك من كذب المنذرين، عطف على قوله: ﴿نزل به الروح﴾ قوله إعلاماً بأن العناية شديدة في هذا السياق بالقرآن لتقرير أنه من عند الله ونفى اللبس عنه بقوله: ﴿وما تنزلت به﴾ أي القرآن ﴿الشياطين*﴾ أي ليكون سحراً أو كهانة أو شعراً أو أضغاث أحلام كما يقولون.
стр. 6846
ولما كان لا يلزم من عدم التلبس بالفعل عدم الصلاحية له قال: ﴿وما ينبغي لهم﴾ أي ما يصح وما يتصور منهم النزول بشيء منه لأنه خير كله وبركة، وهم مادة الشر والهلكة، فبينهما تمام التباين، وأنت سكينة ونور، وهم زلزلة وثبور، فلا إقبال لهم عليك، ولا سبيل بوجه إليك.
ولما كان عدم الانتفاء لا يلزم منهم عدم القدرة قال: ﴿وما يستطيعون*﴾ أي النزول به وإن اشتدت معالجتهم على تقدير أن يكون لهم قابلية لذلك؛ ثم علل هذا بقوله: ﴿إنهم عن السمع﴾ أي
стр. 6847
الكامل الحق، من الملأ الأعلى ﴿لمعزولون*﴾ أي بما حفظت به السماء من الشهب وبما باينوا به الملائكة في الحقيقة لأنهم خير صرف، ونور خالص، وهؤلاء شر بحت وظلمة محضة، فلا يسمعون إلا خطفاً، فيصير - بما يسبق إلى أفهامهم، ويتصور من باب الخيال في أوهامهم - خلطاً لا حقيقة لأكثره، فلا وثوق بأغلبه، ولا يبعد أن يكون ذلك عاماً حتى يشمل السماع من المؤمنين لما شاركوا به الملائكة من النور والخير، انظر ما ورد في آية الكرسي من أنها لا تقرأ في بيت فيقربه شيطان، وفي رواية: إلا خرج منه الشيطان، وورد نحوه في الآيتين من آخر سورة البقرة، وكذا ما كان من أشكال ذلك، وأعظم منه قوله ﵊ لعمر ﵁: «إنه يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك» وترك تعليل الانبغاء لظهوره.
ولما كان تقديره أنهم إلى الطواغيت الباطلة يدعون، والقرآن داع إلى الله الحق المبين، سبب عنه قوله: ﴿فلا تدع﴾ وخاطب نبيه ﵊ وهو أكرم الخلق لديه، وأعزهم عليه، ليكون لطفاً لغيره فيما يأتيه من الإنذار، فيكون الوعيد أزجر له، ويكون هو له أقبل ﴿مع الله﴾ أي الحائز لكل كمال الداعي إليه هذا القرآن الذي
стр. 6848
نزل به عليك الروح الأمين، لما بينك وبينهما من تمام النسبة بالنورانية والخير ﴿إلهاً﴾ وتقدم في آخر الفرقان حكمة الإتيان بقوله: ﴿آخر فتكون﴾ أي فيتسبب عن ذلك أن تكون ﴿من المعذبين*﴾ من القادر على ما يريد بأيسر أمر وأسهله، وهذا الكلام لكل من سمع القرآن في الحث على تدبره معناه، ومقصده ومغزاه، ليعلم أنه في غاية المباينة للشياطين وضلالهم، والملاءمة للمقربين وأحوالهم، لعله خاطب به المعصوم، زيادة في الحث على اتباع الهدى، وتجنب الردى، وليعطف عليه قوله: ﴿وأنذر﴾ أي بهذا القرآن ﴿عشيرتك﴾ أي قبيلتك ﴿الأقربين*﴾ أي الأدنين في النسب، ولا تحاب أحداً، فإن المقصود الأعظم به النذارة لكف الخلائق عما يثمر الهلاك من اتباع الشياطين الذين اجتالوهم عن دينهم بعد أن كانوا حنفاء كلهم، وإنذار الأقربين يفهم الإنذار لغيرهم من باب الأولى، ويكسر من أنفة الأبعد للمواجهة بما يكره، لأنه سلك به مسلك الأقرب، ولقد قام ﷺ بهذه الآية حق القيام؛ روى البخاري
«عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر يا بني عدي لبطون - قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل
стр. 6849
إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيََّ؟ قالوا: نعم! ما جربنا عليك إلا صدقاً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ » وفي رواية أنه ﷺ قال: «يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يابني عبد مناف! لا أغني عنكم من الله شيئاً! يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد! سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئاً» وروى القصة أبو يعلى عن الزبير بن العوام ﵁ أن قريشاً جاءته فحذرهم وأنذرهم، فسألوه آيات سليمان في الريح وداود في الجبال وموسى في البحر وعيسى في إحياء الموت، وأن يسير الجبال، ويفجر الأنهار، ويجعل الصخر ذهباً، فأوحى الله إليه وهم عنده، فلما سُرِّيَ عنه أخبرهم أنه أعطي ما سألوه، ولكنه أن أراهم فكفروا عوجلوا. فاختار صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 6850
الصبر عليهم ليدخلهم الله باب الرحمة.
ولما كانت النذارة إنما هي للمتولين، أمر بضدها لأضدادهم فقال: ﴿واخفض جناحك﴾ أي لن غاية اللين، وذلك لأن الطائر إذا أراد أن يرتفع رفع جناحيه، فإذا أراد أن ينحط كسرهما وخفضهما، فجعل ذلك مثلاً في التواضع ﴿لمن اتبعك﴾ ولعله احترز بالتعبير بصيغة الافتعال عن مثل أبي طالب ممن لم يؤمن أو آمن ظاهراً وكان منافقاً أو ضعيفاً بالإيمان فاسقاً؛ وحقق المراد بقوله: ﴿من المؤمنين*﴾ أي الذين صار الإيمان لهم صفة راسخة سواء كانوا من الأقربين أو الأبعدين.
ولما أفهم ذلك أن هذا الحكم عام في جميع أحوالهم، فصل بقوله: ﴿فإن عصوك﴾ أي هم فغيرهم من باب الأولى ﴿فقل﴾ أي تاركاً لما كنت تعاملهم به حال الإيمان من اللين: ﴿إني بريء﴾ أي منفصل غاية الانفصال ﴿مما تعملون*﴾ أي من العصيان الذي أنذر منه القرآن، وخص المؤمنين إعلاء لمقامهم، بالزيادة في إكرامهم، ليؤذن ذلك المزلزل بالعلم بحاله فيحثه ذلك على اللحاق بهم.
ولما أعلمت هذه الآية بمنابذة من عصى كائناً من كان ولو كان ممن ظهر منه الرسوخ في الإيمان، لما يرى منه من عظيم الإذعان، أتبعه قوله: ﴿وتوكل﴾ أي في عصمتك ونجاتك والإقبال
стр. 6851
بالمنذرين إلى الطاعة، وقراءة أهل المدينة والشام بالفاء السببية أدل على ذلك ﴿على العزيز﴾ أي القادر على الدفع عنكم والانتقام منهم ﴿الرحيم*﴾ أي المرجو لإكرام الجميع برفع المخالفة والشحناء، والإسعاد بالاستعمال فيما يرضيه؛ ثم أتبع الأمر بالتوكل الوصف بما يقتضي الكفاية في كل ما ينوب من دفع الضر وجلب النفع، وذلك هو العلم المحيط المقتضي لجميع أوصاف الكمال، فقال: ﴿الذي يراك﴾ أي بصراً وعلماً ﴿حين تقوم*﴾ من نومك من فرشك تاركاً لحبك، لأجل رضا ربك ﴿و﴾ يرى ﴿تقلبك﴾ في الصلاة ساجداً وقائماً ﴿في الساجدين*﴾ أي المصلين من أتباعك المؤمنين، لكم دوي بالقرآن كدوي النحل، وتضرع من خوف الله، ودعاء وزفرات تصاعد وبكاء، أي فهو جدير لإقبالكم عليه، وخضوعكم بين يديه، بأن يحبوكم بكل ما يسركم.
стр. 6852
ولما كانت هذه الأحوال مشتملة على الأقوال، وكان قد قدم الرؤية المتضمنة للعلم، علل ذلك بالتصريح به مقروناً بالسمع فقال: ﴿إنه هو﴾ أي وحده ﴿السميع﴾ أي لجميع أقوالكم ﴿العليم*﴾ أي بجميع ما تسرونه وتعلنونه من أعمالكم، وقد تقدم غير مرة أن شمول العلم
стр. 6853
يستلزم تمام القدرة، فصار كأنه قال: إنه السميع العليم البصير القدير، تثبيتاً للمتوكل عليه.
ولما بين سبحانه أن القرآن مناف لأقوال الشياطين، وبين أن حال النبي ﷺ وحال أتباعه منافية لأحوالهم وأحوال من يأتونه من الكهان بما ذكره سبحانه من فعله ﷺ وفعل أشياعه ﵃ من الإقبال على الله، والإعراض عما سواه، فعلم أن بينهم وبينهم بوناً بعيداً، وفرقاً كبيراً شديداً، وأن حال النبي ﷺ موافق لحال الروح الأمين، النازل عليه بالذكر الحكيم، تشوفت النفس إلى معرفة أحوال إخوان الشياطين، مقال محركاً لمن يريد ذلك، متمماً لدفع اللبس عن كون القرآن من عند الله، وفرق بين الآيات المتكلفة بذلك تطرية لذكرها وتنبيهاً على تأكيد أمرها: ﴿هل أنبئكم﴾ أي أخبركم خبراً جليلاً نافعاً في الدين، عظيم الجدوى في الفرقان بين أولياء الرحمن وإخوان الشيطان ﴿على من تنزل﴾ وتردد ﴿الشياطين*﴾ حين تسترق السمع على ضرب من الخفاء بما آذن به حذف التاء، ودخل حرف الجر على الاسم المتضمن للاستفهام،
стр. 6854
لأن معنى التضمن أنه كان أصله: أمن، فحذفت منه الهمزة حذفاً مستمراً كما فعل في «هل» لأن أصله «أهل» كما قال:
سائل فوارس يربوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم
فالاستفهام مقدر قبل الجار - أفاده الزمخشري.
ولما كان كأنه قيل: نعم أنبئنا! قال: ﴿تنزل﴾ على سبيل التدريج والتردد ﴿على كل أفاك﴾ أي صراف - على جهة الكثرة والمبالغة - للأمور عن وجوهها بالكذب والبهتان، والخداع والعدوان، من جملة الكهان وأخذان الجان ﴿أثيم*﴾ فعال الآثام بغاية جهده، وهؤلاء الأثمة ﴿يلقون السمع﴾ إلى الشياطين، ويصغون إليهم غاية الإصغاء، لما بينهما من التعاشق بجامع إلقاء الكذب من غير اكتراث ولا تحاش، أو يلقي الشياطين ما يسمعونه مما يسترقون استماعه من الملائكة إلى أوليائهم، فهم بما سمعوا منهم يحدثون، وبما زينت لهم نفوسهم يخلطون ﴿وأكثرهم﴾ أي الفريقين ﴿كاذبون*﴾ فيما ينقلونه عما يسمعونه من الإخبار بما حصل فيما وصل إليهم من التخليط، وما زادوه من الافتراء والتخبيط انهماكاً في شهوة علم المغيبات، الموقع
стр. 6855
في الإفك والضلالات؛ قال الرازي في اللوامع ما معناه أنه حيثما كان استقامة في حال الخيال - أي القوة المتخيلة - كانت منزلة الملائكة، وحيثما كان اعوجاج في حال الخيال كان منزل الشياطين، فمن ناسب الروحانيين من الملائكة كان مهبطهم عليه، وظهورهم له، وتأثيرهم فيه، وتمثلهم به، حتى إذا ظهروا عليه تكلم بكلامهم وتكلموا بلسانه، ورأى بأبصارهم وأبصروا بعينيه، فهم ملائكة يمشون على الأرض مطمئنين
﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة﴾ [فصلت: ٣٠] ومن ناسب الشياطين من الأبالسة كان مهبطهم عليه، وظهورهم له، وتأثيرهم فيه، وتمثلهم به، حتى إذا ظهروا عليه تكلم بكلامهم وتكلموا بلسانه، ورأى بأبصارهم وابصروا بعينيه، هم شياطين الإنس يمشون في الأرض مفسدين - انتهى.
ولما بطل - بإبعاده عن دركات الشياطين، وإصعاده إلى درجات الروحانيين، من الملائكة المقربين، الآتين عن رب العالمين - كونه سحراً، وكونه أضغاثاً ومفترى، نفى سبحانه كونه شعراً بقوله: ﴿والشعراء يتبعهم﴾ أي بغاية الجهد، في قراءة غير نافع بالتشديد، لاستحسان مقالهم وفعالهم، فيتعلمون منهم وينقلون عنهم ﴿الغاوون*﴾ أي الضالون المائلون عن السنن الأقوم إلى الزنى والفحش وكل فساد يجر إلى الهلاك، وهم كما ترى بعيدون من أتباع محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 6856
ورضي عنهم الساجدين الباكين الزاهدين.
ولما قرر حال أتباعهم، فعلم منه أنهم هم أغوى منهم، لتهتكهم في شهوة اللقلقة باللسان، حتى حسن لهم الزور والبهتان، دل على ذلك بقوله: ﴿ألم تر أنهم﴾ أي الشعراء. ومثل حالهم بقوله: ﴿في كل واد﴾ أي من أودية القول من المدح والهجو والنسيب والرثاء الحماسة والمجون وغير ذلك ﴿يهيمون*﴾ أي يسيرون سير الهائم حائرين وعن طريق الحق جائرين، كيفما جرهم القول انجروا من القدح في الأنساب، والتشبيب بالحرم، والهجو. ومدح من لا يستحق المدح ونحو ذلك، ولهذا قال: ﴿وأنهم يقولون ما لا يفعلون*﴾ أي لأنهم لم يقصدوه. وإنما ألجأهم إليه الفن الذي سلكوه فأكثر أقوالهم لا حقائق لها، انظر إلى مقامات الحريري وما اصطنع فيها من الحكايات، وابتدع بها من الأمور المعجبات. التي لا حقائق لها، وقد جعلها أهل الاتحاد أصلاً لبدعتهم الكافرة، وقاعدة لصفقتهم الخاسرة، فما أظهر حالهم، وأوضح ضلالهم! وهذا بخلاف القرآن فإنه معان جليلة محققة، في ألفاظ متينة جميلة منسقة، وأساليب معجزة مفحمة، ونظوم معجبة محكمة،
стр. 6857
لا كلفة في شيء منها، فلا رغبة لذي طبع سليم عنها، فأنتج ذلك أنه لا يتبعهم على أمرهم إلا غاو مثلهم، ولا يزهد في هذا القرآن إلا من طبعه جاف، وقلبه مظلم مدلهم.
ولما كان من الشعر - كما قال النبي ﷺ حكمة، وكان - كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها - بمنزلة الكلام منه حسن ومنه قبيح، وكان من الشعراء من يمدح الإسلام والمسلمين، ويهجو الشرك والمشركين، ويزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة، ويحث على مكارم الأخلاق، وينفر عن مساوئها، وكان الفيصل بين قبيلي حسنة وقبيحة كثرة ذكر الله، قال تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ أي بالله ورسوله ﴿وعملوا﴾ أي تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي التي شرعها الله ورسوله لهم ﴿وذكروا الله﴾ مستحضرين ما له من الكمال ﴿كثيراً﴾ لم يشغلهم الشعر عن الذكر، بل بنوا شعرهم على أمر الدين والانتصار للشرع، فصار لذلك كله ذكر الله، ويكفي مثالاً لذلك قصيدة عزيت لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وجوابها لابن الزبعرى، وكان إذ ذاك على شركه، وذلك في أول سرية كانت في الإسلام. وهي سرية عبيدة بن الحارث بم المطلب بن عبد مناف رضي الله تعالى عنه،
стр. 6858
فإن قصيدة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ليس فيها بيت إلا وفيه ذكر الله إما صريحاً وإما بذكر رسول الله ﷺ أو شيء من دينه، وما ليس فيه شيء من ذلك فهو ىيل إليه لبنائه عليه، وأما نقيضها فلا شيء في ذلك فيها؛ قال ابن إسحاق: قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه في غزوة عبيدة بن الحارث.
أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث ... أرقت وأمر في العشيرة حادث
ترى من لؤيّ فرقة لا يصدها ... عن الكفر تذكير ولا بعث باعث
رسول أتاهم صادق فتكذبوا ... عليه وقالوا لست فينا بماكث
إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا ... وهروا هرير المحجرات اللواهث
فكم قد متتنا فيهم بقرابة ... وترك التقى شيء لهم غير كارث
فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم ... فما طيباب الحل مثل الخبائث
وإن يركبوا طغيانهم وضلالهم ... فليس عذاب الله عنهم بلابث
ونحن أناس من ذؤابة غالب ... لنا العز منها في الفروع الأثائث
فأولى برب الراقصات عشية ... حراجيج تخذي في السريح الرثائث
كأدم ظباء حول مكة عكف ... يردن حياض البئر ذاب النبائث
لئن لم يفيقوا عاجلاً عن ضلالهم ... ولست إذا آليت قولاً بحانث
стр. 6859
لتبتدرنهم غارة ذات مصدق ... تحرّم أطهار النساء الطوامث
تغادر قتلى تعصب الطير حولهم ... ولا ترأف الكفار رأف ابن حارث
فأبلغ بني سهم لديك رسالة ... وكل كفور يبتغي الشر باحث
فإن تشعثوا عرضي على سوء رأيكم ... فإني من إعراضكم غير شاعث
فأجابه ابن الزبعرى فقال:
أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث ... بكيت بعين دمعها غير لابث
ومن عجب الأيام والدهر كله ... له عجب من سابقات وحادث
لجيش أتانا ذي عرام يقوده ... عبيدة يدعى في الهياج ابن حارث
لنترك أصناماً بمكة عكفاً ... مواريث موروث كريم لوارث
فلما لقيناهم بسمر ردينة ... وجرد عتاق في العجاج لواهث
وبيض كأن الملح فوق متونها ... بأيدي كماة كالليوث العوائث
نقيم بها إعصاراً ما كان مائلاً ... ونشفي الذخول عاجلاً غير لابث
فكفوا على خوف شديد وهيبة ... وأعجبهم أمر لهم أمر رائث
стр. 6860
ولو أنهم لم يفعلوا ناح نسوة ... أيامي لهم من بين نسء وطامث
وقد غودرت قتلى يخبر عنهم ... حفيّ بهم أو غافل غير باحث
فأبلغ ابابكر لديك رسالة ... فما أنت عن أعراض فهر بماكث
ولما تجب مني يمين غليظة ... تجدد حرباً حلفه غير حانث
وروى البغوي بسنده من طريق عبد الرزاق من حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال للنبي ﷺ : إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل، فقال النبي ﷺ : «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده! لكأنما ترمونهم به نضح النبل» وقد كان ابن عباس ﵄ ينشد الشعر ويستنشده في المسجد، وروى الإمام أحمد حديث كعب هذا، وروى النسائي برجال احتج بهم مسلم عن أنس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» قال البغوي: وروي أنه - أي ابن عباس ﵄ دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي
стр. 6861
فاستنشهده القصيدة التي قالها:
أمن آل نعمى أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجر
وهي قريب من تسعين بيتاً، فلما فرغها أعادها ابن عباس وكان حفظها بمرة واحدة، ويكفي الشاعر في التفصي عن ذم هذه الآية له أن لا يغلب عليه الشعر فيشغله عن الذكر حتى يكون من الغاوين، وليس من شرطه أن لا يكون في شعره هزل أصلاً، فقد كان حسان رضي الله تعالى عنه ينشد النبي ﷺ مثل قوله في قصيدة طويلة مدحه ﷺ فيها:
كأن سيبئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
إذا ما الأشربات ذكرن يوماً ... فهن لطيب الراح الفداء
نوليها الملامة إن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء
ونشربها فتتركنا ملوكاً ... وأسداً ما ينهنهنا اللقاء
стр. 6862
وقد كان تحريم الخمر سنة ثلاث من الهجرة أو سنة أربع، وهذه القصيدة قالها حسان رضي الله تعالى عنه في الفتح سنة ثمان أو في عمرة القضاء سنة سبع، فهي مما يقول الشاعر ما لا يفعل.
ولما عرف سبحانه بحال المستثنين في الذكر الذي هو أساس كل أمر، أتبعه ما حملهم على الشعر من الظلم الذي رجاهم النصر فقال: ﴿وانتصروا﴾ أي كلفوا أنفسهم أسباب النصر بشعرهم فيمن آذاهم ﴿من بعد ما ظلموا﴾ أي وقع ظلم الظالم لهم بهجو ونحوه.
ولما أباح سبحانه الانتصار من الظالم، وكان البادىء - إذا اقتصر المجيب على جوابه - أظلم، كان - إذا تجاوز - جديراً بأن يعتدي فيندم، حذر الله الاثنين مؤكداً للوعيد بالسين في قوله الذي كان السلف الصالح يتواعظون به لأنك لا تجد أهيب منه، ولا أهول ولا أوجع لقلوب المتأملين، ولا أصدع لأكباد المتدبرين: ﴿وسيعلم﴾ وبالتعميم في قوله: ﴿الذين ظلموا﴾ أي كلهم من كانوا، وبالتهويل بالإبهام في قوله: ﴿أي منقلب﴾ أي في الدنيا والاخرة ﴿ينقلبون*﴾ وقد انعطف آخرها - كما ترى بوصف الكتاب المبين
стр. 6863
بما وصف به الجلالة والعظم بأنه من عند الله متنزلاً به خير مليكته، على أشرف خليقته، مزيلاً لكل لبس، منفياً عنه كل باطل، وبالختام بالوعيد على الظلم - على أولها في تعظيم الكتاب المبين، وتسلية النبي الكريم، ﷺ ووعيد الكافرين الذين هم أظلم الظالمين، واتصل بعدها في وصف القرآن المبين، وبشرى المؤمنين ووعيد الكافرين، فسبحان من أنزله على النبي الأمي الأمين، هدى للعالمين، وآية بينة بإعجازه للخلائق أجمعين، باقية إلى يوم الدين.
стр. 6864
مقصودها وصف هذا الكتاب بالكفاية لهداية الخلق أجمعين، بالفصل بين الصراط المستقيم، وطريق الحائرين، والجمع لأصول الدين، لإحاطة علم منزله بالخفي والمبينن وبشارة المؤمنين، ونذارة الكافرين، بيوم احتماع الأولين والآخرين، وكل ذلك يرجع إلى العلم المستلزم للحكمة، فالمقصود الأعظممنها إظهار العلم والحكمة كما كان مقصود التي قبلها إظهار البطش والنقمة، وأدل ما فيها على هذا المقصود ما للنمل من حسن التدبير، وسداد المذاهب في العيش، ولا سيما ما ذكر عنها سبحانه من صحة القصد في السياسة، وحسن التعبير عن ذلك القصد، وبلاغة التأدية) بسم الله (الذي كمل علمه فبهرت حكمته) الرحمن (الذي عم بالهداية بأوضح البيان) الرحيم (الذي منّ بجنان النعيم.
على من ألزمه الصراط المستقيم)
стр. 6865
﴿طس﴾ يشير إلى طهارة الطور وذي طوى منه وطيب طيبه، وسعد بيت المقدس الذي بناه سليمان ﵊ التي انتشر منها الناهي عن الظلم، وإلى أنه لما طهر سبحانه بني إسرائيل، وطيبهم بالابتلاء فصبروا، خلصهم من فرعون وجنوده بمسموع موسى ﵊ للوحي المخالف لشعر الشعراء، وإفك الآثمين وزلته من الطور،
следующие страницы →