← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

مساكنهم أو غير مساكنهم، وأما مكرهم فكانوا على اجتهادهم في إتقانه وإحكام شأنه، قد جوزوا فيه سلامة بعض من يقصدونه بالإهلاك، فشتان بين المكرين، وهيهات هيهات لما بين الأمرين، وقد ظهر أن الآية إما احتباك أو شبيهة به: عدم الشعور دال على حذف عدم الإبطال من الثاني، وعلى حذف الشعور والإبطال الذي هو نتيجته من الأول. ولما علم من هذا الإبهام تهويل الأمر، سبب عنه سبحانه زيادة في تهويله قوله: ﴿فانظر﴾ وزاده عظمة بالإشارة بأداة الاستفهام إلى أنه أهل لأن يسأل عنه فقال: ﴿كيف كان عاقبة مكرهم﴾ فإن ذلك سنتنا في أمثالهم، ثم استأنف لزيادة التهويل قوله بياناً لما أبهم: ﴿إنا﴾ أي بما لنا من العظمة، ومن فتح فهو عنده بدل من ﴿عاقبة﴾ ﴿دمرناهم﴾ أي أهلكناهم، أي التسعة المتقاسمين، بعظمتنا التي لا مثل لها ﴿وقومهم أجمعين*﴾ لم يفلت منهم مخبر، ولا كان في ذلك تفاوت بين مقبل ومدبر، وأين يذهب أحد منهم أو من غيرهم من قبضتنا أو يفر من مملكتنا. ولما كانت يتسبب عن دمارهم زيادة الهول والعرب بالإشارة إلى

стр. 6932

ديارهم، لاستحضار أحوالهم، واستعظامهم بعظيم أعمالهم، قال: ﴿فتلك﴾ أي المبعدة بالغضب على أهلها ﴿بيوتهم﴾ أي ثمود كلهم ﴿خاوية﴾ أي خالية، متهدمة بالية، مع شدة أركانها، وإحكام بنيانها، فسبحان الفعال لما يريد، القادر على الضعيف كقدرته على الشديد. . ولم ذكر الهلاك، أتبعه سببه في قوله: ﴿بما ظلموا﴾ أي أوقعوا من الأمور في غير مواقعها فعل الماشي في الظلام، كما عبدوا من الأوثان، ما يستحق الهوان، ولا يستحق شيئاً من التعظيم بوجه، معرضين عمن لا عظيم عندهم غيره عند الإقسام، والشدائد والاهتمام، وخراب البيوت - كما قال أبو حيان - وخلوّها من أهلها حتى لا يبقى منهم أحد مما يعاقب به الظلمة. ثم زاد في التهويل بقوله: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر الباهر للعقول الذي فعل بثمود ﴿لآية﴾ أي عظيمة، ولكنها ﴿لقوم يعلمون*﴾ أي لهم علم. وأما من لا ينتفع بها نادى على نفسه بأنه في عداد البهائم. ولما كان ذلك ربما أوهم أن الهلاك عم الفريقين قال: ﴿وأنجينا﴾ بعظمتنا ﴿الذين آمنوا﴾ أو وهم الفريق الذين كانوا مع صالح ﵇ كلهم ﴿وكانوا يتقون*﴾ أي متصفين بالتقوى اتصافاً كأنهم مجبولون عليه، فيجعلون بينهم وبين ما يسخط ربهم وقايه

стр. 6933

من الأعمال الصالحة، والمتاجر الرابحة. وكذلك نفعل بكل من فعل فعلهم، قيل: كانوا أربعة آلاف، ذهب بهم صالح ﵇ إلى حضرموت، فلما دخلوها مات صالح ﵇، فسميت بذلك. ولما فرغ من قصة القريب الذي دعا قومه فإذا هم قسمان، بعد الغريب الذي لم يختلف عليه ممن دعاهم اثنان، اتبعها بغريب لم يتبعه ممن دعاهم إنسان، فقال دالاً على أنه له سبحانه الاختيار، فتارة يجري الأمور على القياس، وأخرى على خلاف الأساس، الذي تقتضيه عقول الناس، فقال: ﴿ولوطاً﴾ أي ولقد أرسلناه؛ وأشار إلى سرعة إبلاغه بقوله: ﴿إذ﴾ أي حين ﴿قال لقومه﴾ أي الذين كان سكن فيهم لما فارق عمه إبراهيم الخليل ﵇ وصاهرهم، وكانوا يأتون الأحداث، منكراً موبخاً: ﴿أتأتون﴾ ولما كان للإبهام ثم التعيين من هز النفس وترويعها ما ليس للتعيين من أول الأمر قال: ﴿الفاحشة﴾ أي الفعلة المتناهية في القبح ﴿وأنتم تبصرون*﴾ أي لكم عقول تعرفون بها المحاسن والمقابح، وربما كان بعضهم يفعله بحضرة بعض كما قال ﴿وتأتون في ناديكم المنكر﴾ [العنكبوت: ٢٩] فيكون حينئذ من البصر والبصيرة؛ ثم أتبع هذا الأنكار إنكاراً آخر لمضمون جملة مؤكدة أتم التأكيد، إشارة إلى أن فعلتهم هذه مما يعي الواصف،

стр. 6934

ولا يبلغ كنه قبحها ولا يصدق ذو عقل أن أحداً يفعلها، فقال معيناً لما أبهم: ﴿أئنكم لتأتون﴾ وقال: ﴿الرجال﴾ تنبيهاً على بعدهم عما يأتونه إليهم، ثم علله بقوله: ﴿شهوة﴾ إنزالاً لهم إلى رتبة البهائم التي ليس فيها قصد ولد ولا عفاف؛ وقال: ﴿من دون﴾ أي إتياناً مبتدئاً من غير، أو أدنى رتبة من رتبة ﴿النساء﴾ إشارة إلى أنهم أساؤوا من الطرفين في الفعل والترك. ولما كان قوله: ﴿شهوة﴾ ربما أوهم أنهم لا غنى بهم عن إتيانهم للشهوة الغالبة لكن النساء لا تكفيهم، لذلك نفى هذا بقوله: ﴿بل﴾ أي إنكم لا تأتونهم لشهوة محوجة بل ﴿أنتم قوم﴾ ولما كان مقصود السورة إظهار العلم والحكمة، وكانوا قد خالفوا ذلك إما بالفعل وإما لكونهم يفعلون من الإسراف وغيره عمل الجهلة، قال: ﴿تجهلون*﴾ أي تفعلون ذلك إظهاراً للتزين بالشهوات فعل المبالغين في الجهل الذين ليس لهم نوع علم في التجاهر بالقبائح خبثاً وتغليباً لأخلاق البهائم، مع ما رزقكم الله من العقول التي أهملتموها حتى غلبت عليها الشهوة، وأشار إلى تغاليهم في الجهل وافتخارهم به بما سببوا عن ذلك بقوله: ﴿فما كان جواب قومه﴾ أي لهذا الكلام الحسن لما لم يكن لهم حجة في دفعه بل ولا شبهة ﴿إلا أن﴾ صدقوه في نسبته لهم إلى

стр. 6935

الجهل بأن ﴿قالوا﴾ عدولاً إلى المغالبة وتمادياً في الخبث ﴿أخرجوا آل لوط﴾ فأظهر ما أضمره في الأعراف لأن الإظهار أليق بسورة العلم والحكمة وإظهار الخبء، وقالوا؛ ﴿من قريتكم﴾ مناً عليه بإسكانه عندهم؛ وعللوا ذلك بقولهم: ﴿إنهم﴾ ولعلهم عبروا بقولهم: ﴿أناس﴾ مع صحة المعنى بدونه تهكماً عليه لما فهموا من أنه أنزلهم إلى رتبة البهائم ﴿يتطهرون*﴾ أي يعدون أفعالنا نجسة ويتنزهون عنها. فلما وصلوا في الخبث إلى هذا الحد، سبب سبحانه عن قولهم وفعلهم قوله: ﴿فأنجيناه وأهله﴾ أي كلهم، أي من أن يصلوا إليه بأذى أو يلحقه شيء من عذابنا ﴿إلا امرأته﴾ فكأنه قيل: فما كان من أمرها؟ فقيل: ﴿قدرناها﴾ أي جعلناها بعظمتنا وقدرتنا في الحكم وإن كانت خرجت معه ﴿من الغابرين*﴾ أي الباقين في القرية في لحوق وجوههم والداهية الدهياء أنفسهم وديارهم حتى كانوا كأمس الدابر ﴿وأمطرنا﴾ وأشار إلى أنه إمطار عذاب بالحجارة مع تعديته بالهمزة وهو معدى بدونها فصارت كأنها لإزالة الإغاثة بالإتيان بضدها بقوله: ﴿عليهم﴾ وأشار إلى سوء الأثر لاستلزامه سوء الفعل الذي نشأ عنه وغرابته بقوله: ﴿مطراً﴾ أي وأيّ مطر؛ ولذلك سبب عنه قوله: ﴿فساء مطر المنذرين*﴾

стр. 6936

أي الذين وقع إنذارنا لهم الإنذار الذي هو الإنذار.

стр. 6937

ولما تم بهذه القصص استنتاج ما أراد سبحانه من الدليل على حكمته وعلمه ومباينته للأصنام في قدرته وحلمه، أمر نبيه صلى الله ﵇ بأن يحمده شكراً على ما علم ويقررهم بعجز أصنامهم رداً لهم عن الجهل بأوضح طريق وأقرب متناول فقال: ﴿قل﴾ ما أنتجه ما تقدم في هذه السورة، وهو ﴿الحمد﴾ أي الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿لله﴾ أي مختص بالمستجمع للأسماء الحسنى، والصفات العلى عند الإعدام كما كان عند الإيجاد ﴿وسلام﴾ أي سلامة وعافية وبقاء في هذا الحين وكل حين، كما كان قبل هذا في غابر السنين، وأشار بأنه لا وصول للعطب إليهم بأداة الاستعلاء في قوله: ﴿على﴾ وأشار إلى شرفهم بقوله: ﴿عباده﴾ بإضافتهم إليه؛ وأكد ذلك بقوله: ﴿الذين اصطفى﴾ أي في كل عصر وحين كما أن الحمد لمعبودهم أزلاً وأبداً لا بذين، وعطب وغضب على من عصى، وخالف الرسل وأبى كما ترى في أصحاب هذه الأنباء، والمعنى أن هذا الحكم المستمر بنجاة الرسل وأتباعهم، وهلاك الكافرين وأشياعهم، دليل قطعي على أن الإحاطة لله في كل أمر؛ قال أبو حيان: وكان هذا صدر خطبة لما

стр. 6938

يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة، ومما يتنبه له أنه لم يرد في قصة لوط ﵇ أكثر من نهيه لهم عن هذه الفاحشة، فلا يخلو حالهم من أمرين: إما أنهم كانوا لا يشركون بالله تعالى شيئاً، ولكنهم لما ابتكروا هذه المعضلة وجاهروا بها مصرين عليها، أخذوا بالعذاب لذلك ولكفرهم بتكذيبهم رسولهم، كما صرحت به آية الشعراء، وإما أنهم كانوا مشركين، ولكنه ﵇ لما رآهم قد سفلوا إلى رتبة البهيمية، رتب داعاءهم منها إلى رتبة الإنسانية، ثم إلى رتبة الوحدانية، ويدل على هذا التقدير الثاني قوله مشيراً إلى أن الله تعالى أهلكهم وجميع من كفر من قبلهم، ولم تغن عنهم معبوداتهم شيئاً، بقوله: ﴿الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام ﴿خير﴾ أي لعباده الذين اصطفاهم فأنجاهم ﴿أما يشركون*﴾ يا معاشر العرب من الأصنام وغيرها لعباديها ومحبيها فإنهم لا يغنون عنكم شيئاً كما لم يغنوا عمن عبدهم من هؤلاء الذين أهلكناهم شيئاً، ولا تفزعون عند شدائدهم إلا إلى الله وحده، هذا على على قراءة الخطاب للجماعة، والتقدير على قراءة الغيب للبصريين وعاصم: أما يشرك الكفار عامة قديماً وحديثاً لمن أشركوا بهم، فلم يقدروا على نفعهم عند إحلال البأس بهم، وأفعل

стр. 6939

التفضيل لإلزام الخصم والتنبيه على ظهور خطائه المفرط، وجهله المورط إلى حد لا يحتاج فيه إلى كشف لأعلى بابها. ولما كان مع هذا البيان من الأمر الواضح أن التقدير زيادة في توبيخ المشركين وتقرير المنكرين: من فعل هذه الأفعال البالغة في الحكمة المتناهية في العلم أم من سميتموه إلهاً، ولا اثر له أصلاً، عاد له بقوله: ﴿أمَّن﴾ وكان الأصل: أم هو، ولكنه عبر باسم موصول أصل وضعه لذي العلم، ووصله بما لا يصح أن يكون لغيره ليكون كالدعوى المقرونة بالدليل فقال: ﴿خلق السماوات والأرض﴾ تنبيهاً بالقدرة على بدء الخلق على القدرة على إعادته، بل من باب الأولى، دلالة على الإيمان بالآخرة تخلقاً بأخلاق المؤمنين الذين مضى أول السورة أن هذا القرآن المبين بشرى لهم. ولما كان الإنبات. من أدل الآيات، على إحياء الأموات، قال: ﴿وأنزل﴾ وزاد في تقريعهم وتبكيتهم وتوبيخهم بقوله: ﴿لكم﴾ أي لأجلكم خاصة وأنتم تكفرون به وتنسبون ما تفرد به من ذلك لغيره: ﴿من السماء ماء﴾ هو للارض كالماء الدافق للأرحام كالماء الذي ينزل آخر الدهور على القبور.

стр. 6940

في وجوده وقدرته واختياره لفعل المتباينات في الطعم واللون والريح والطبع والشكل بماء واحد في أرض واحدة واختصاصه بفعل ذلك من غير مشاركة شيء له شيء منه أصلاً، وهو آيته العظمى على أمر البعث، عدل إلى التكلم وعلى وجه العظمة فقال: ﴿فأنبتنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿به حدائق﴾ أي بساتين محدقة - أي محيطة - بها أشجارها وجدرانها، والظاهر أن المراد كل ما كان هكذا، فإنه في قوة أن يدار عليه الجدار وإن لم يكن له جدار، وعن الفراء أن البستان إن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة. ولما كان الأولى بجمع الكثرة لما لا يعقل الوصف بالمفرد قال مفيداً أنها كالشيء الواحد في ذلك الوصف: ﴿ذات بهجة﴾ أي بهاء وحسن ورونق، وبشر بها وسرور على تقارب أصولها مع اختلاف أنواعها، وتباين طعومها وأشكالها، ومقاديرها وألوانها. ولما أثبت الإنبات له، نفاه عن غيره على وجه التأكيد تنبيهاً على تأكد اختصاصه بفعله، وعلى أنه إن أسند إلى غيره فهو مجاز عن التسبب وأن الحقيقة ليست إلا له فقال: ﴿ما كان﴾ أي ما صح وما تصور بوجه من الوجوه ﴿لكم﴾ وأنتم أحياء فضلاً عن شركائكم الذين هم أموات بل موات ﴿أن تنبتوا شجرها﴾ أي شجر

стр. 6941

تلك الحدائق. ولما ثبت أنه المتفرد بالألوهية، حسن موقع الإنكار والتقرير في قوله: ﴿أإله﴾ أي كائن ﴿مع الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا مثل له. ولما كان الجواب عند كل عاقل: لا وعزته! قال معرضاً عنهم للإيذان بالغضب: ﴿بل هم﴾ أي في دعائهم معه سبحانه شريكاً ﴿قوم يعدلون*﴾ أي عن الحق الذي لا مرية فيه إلى غيره، مع العلم بالحق، فيعدلون بالله غيره. ولما فرغ من آية اشترك فيها الخافقان، ذكر ما تتفرد به الأرض، لأنها اقرب إليهم وهم بحقيقتها وما لابسوه من أحوالها أعلم منهم بالأمور السماوية، تعديداً للبراهين الدالة على تفرده بالفعل الدال على تفرده بالإلهية، فقال مبدلاً من ﴿أمَّن خلق﴾ : ﴿أمَّن﴾ أي أم فعل ذلك الذي ﴿جعل الأرض قراراً﴾ أي مستقرة في نفسها ليقر عليها غيرها، وكان القياس يقتضي أن تكون هاوية أو مضطربة كما يضطرب ما هو معلق في الهواء. ولما ذكر قرارها، أتبعه دليله في معرض الامتنان فقال:

стр. 6942

﴿وجعل خلالها﴾ أي في الأماكن المنفرجة بين جبالها ﴿أنهاراً﴾ أي جارية على حالة واحدة، فلو اضطربت الأرض أدنى اضطراب، لتغيرت مجاري المياه بلا ارتياب. ولما ذكر الدليل، ذكر سبب القرار فقال: ﴿وجعل لها رواسي﴾ أي كمراسي السفن، كانت أسباباً في ثباتها على ميزان دبره سبحانه في مواضع من أرجائها بحيث اعتدلت جميع جوانبها فامتنعت من الاضطراب. ولما أثبت القرار وسببه، وكان قد جعل سبحانه للأنهار طرقاً تتصرف فيها ولو حبسها عن الجري شيء لأوشك أن تستبحر، فيصير أكثر الأرض لا ينتفع به في سير ولا نبات، أو أن تخرق ذلك الحابس بما لها من قوة الجري وشدة النفوذ بلطافة السريان، لأن من عادة المياه التخلل بين أطباق التراب والتغلغل بما لها من اللطافة والرقة، والثقل في الأعماق ولو قليلاً قليلاً، وكان سبحانه قد سد ما بين البحرين: الرومي والفارسي، وكان ما بينهما من الأرض إنما هو يسير جداً في بعض المواضع، وكان بعض مياه الأرض عذباً، وبعضه ملحاً، مع

стр. 6943

القرب جداً من ذلك العذب، سألهم - تنبيهاً لهم على عظيم القدرة - عن الممسك لعدوان أحدهما على آخر، ولعدوان كل من خليجي الملح على ما بينهما لئلا يخرقاه فيتصلا فقال: ﴿وجعل بين البحرين حاجزاً﴾ أي يمنع أحدهما أن يصل إلى الآخر. ولما كان من المعلوم أنه الله وحده. ليس عند عاقل شك في ذلك، كرر الإنكار في قوله: ﴿أإله مع الله﴾ أي المحيط علماً وقدرة. ولما كان الجواب الحق قطعاً: لا، وكان قد أثبت لهم في الإضراب الأول علماً من حيث الحكم على المجموع، وكان كل منهم يدعي رجحان العقل، وصفاء الفكر، ورسوخ القدم في العلم بما يدعيه العرب، قال: ﴿بل أكثرهم﴾ أي الخلق الذين ينتفعون بهذه المنافع ﴿لا يعلمون*﴾ أي ليس لهم نوع من العلم، بل هم كالبهائم لإعراضهم عن هذا الدليل الواضح. ولما دلهم بآيات الآفاق، وكانت كلها من أحوال السراء، وكانت بمعرض الغفلة عن الإله، ذكرهم بما في أنفسهم مما يوجبه تغير الأحوال الدالة بمجردها على الإله، ويقتضي لكل عاقل صدق التوجه إليه،

стр. 6944

وإخلاص النية لديه، والإقبال عليه، على ذلك ركزت الطباع، وانعقد الإجماع، فلم يقع فيه نزاع، فقال: ﴿أمن يجيب المضطر﴾ أي جنس الملجأ إلى ما لا قبل له به، الصادق على القليل والكثير إذا أراد إجابته كما تشاهدون، وعبر فيه وفيما بعده بالمضارع لأنه مما يتجدد، بخلاف ما مضى من خلق السماوات وما بعده ﴿إذا دعاه﴾ أي حين ينسيكم الضر شركاءكم، ويلجئكم إلى من خلقكم ويذهل المعطل عن مذهبه ويغفله عن سوء أدبه عظيمُ إقباله على قضاء أربه. ولما كانت الإجابة ذات شقين، جلب السرور، ودفع الشرور، وكان النظر إلى الثاني أشد، خصه بادئاً به فقال: ﴿ويكشف السوء﴾ ثم أتبعه الأول على وجه أعم، فقال مشيراً إلى عظيم المنة عليهم بجعلهم مسلطين عالين على جميع من في الأرض وما في الأرض مشرفين بخلافته سبحانه، ولذلك أقبل عليهم، ﴿ويجعلكم خلفاء الأرض﴾ أي فيما يخلف بعضكم بعضاً، لا يزال يجدد ذلك بإهلاك قرن وإنشاء آخر إلى قيام الساعة. ولما كان هذا أبين، كرر الإنكار فيه مبكتاً لهم بالنسيان فقال: ﴿أإله﴾ أي كائن أو موجود ﴿مع الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له.

стр. 6945

ثم استأنف التبكيت تفظيعاً له ومواجهاً به في قراءة الجماعة لما يؤذن به كشف هذه الأزمات من القرب المقتضي للخطاب، ولذلك أكد بزيادة «ما» فقال: ﴿قليلاً ما تذكرون*﴾ أي بأن من أنجاكم من ذلك وحده حين أخلصتم له التوجه عند اشتداد الأمر هو المالك لجميع أموركم في الرخاء كما كان مالكاً له في الشدة، وأن الأصنام لا تملك شيئاً بشفاعة ولا غيرها كما لم تملك شيئاً في اعتقادكم عند الأزمات، واشتداد الكربات، في الأمور المهمات، فإن هذا قياس ظاهر، ودليل باهر، ولكن من طبع الإنسان نسيان ما كان فيه من الضير، عند مجيء الخير، ومن قرأ بالتحتانية وهم أبو عمرو وهشام وروح، فللإيذان بالغضب الأليق بالكفران، مع عظيم الإحسان. ولما ذكر آيات الأرض، وختم بالمضطر، وكان المضطر قد لا يهتدي لوجه حيلة، أتبعها آيات السماء ذاكراً ما هو من أعظم صور الاضطرار فقال: ﴿أمَّن يهديكم﴾ أي إذا سافرتم بما رسم لكم من المعالم العلوية والسفلية ﴿في ظلمات البر﴾ أي بالنجوم والجبال والرياح، وهي وإن كانت أضعفها فقد يضطر إليه حيث لا يبدو

стр. 6946

شيء من ذينك ﴿والبحر﴾ بالنجوم والرياح. ولما كانت الرياح كما كانت من أدلة السير، كان بعضها من أدلة المطر، قال: ﴿ومن يرسل الرياح﴾ أي التي هي من دلائل السير ﴿نشراً﴾ أي تنشر السحاب وتجمعها ﴿بين يدي رحمته﴾ أي التي هي المطر تسمية للمسبب باسم السبب؛ والرياح التي يهتدي بها في المقاصد أربع: الصبا، والدبور، والشمال، والجنوب، وهي أضعف الدلائل؛ قال الإمام أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري في كتاب أسماء الأشياء وصفاتها: الرياح أربع: الشمال، وهي التي تجيء عن يمينك إذا استقبلت قبلة العراق - يعني: وذلك ما بين مطالع الشمس الصيفية وبنات نعش، وهي في الصيف حارة، واسمها البارح، والجنوب تقابلها، والصبا من مطلع الشمس وهي القبول، والدبور تقابلها، ويقال الجنوب: النعامى والأرنب - انتهى. وهذه العبارة أبين العبارات في تعيين هذه الرياح، وقال الإمام أبو العباس أحمد بن أبي أحمد بن القاص

стр. 6947

الطبري الشافعي في كتابه أدلة القبلة: إن قبلة العراقيين إلى باب الكعبة كله إلى الركن الشامي الذي عند الحجر، وقال: وقد اختلف أهل العلم بهذا الشأن - أي في التعبير عن مواطن الرياح - اختلافاً متبايناً، وأقرب ذلك - على ما جربته وتعاهدته بمكة - أن الصبا تهب ما بين مطالع الشمس في الشتاء إلى مطلع سهيل، وسهيل يمان مسقطه في رأي العين على ظهر الكعبة إذا ارتفع، وقال صاحب القاموس: والصبا ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش، وقال: والقبول كصبور: ريح الصبا، لأنها تقابل الدبور، أو لأنها تقابل باب الكعبة، أو لأن النفس تقلبها. وقال الإمام أبو عبد الله القزاز: الصبا: الريح التي تهب من مطلع الشمس، والقبول: الريح التي تهب من مطلع الشمس، وذلك لأنها تستقبل الدبور، وقيل: لأنها تستقبل باب الكعبة وهي الصبا، فقد اتفقت أقولهم كما ترى على خلاف ابن القاص، وقال ابن القاص: وهي - أي الصبا - ريح معها روح وخفة، ونسيم تهب مما بين مشرق الشتاء ومطلع سهيل،

стр. 6948

ولها برد يقرص أشد من هبوبها، وتلقح الأشجار، ولا تهب إلا بليل، سلطانها إذا أظلم الليل، إلى أن يسفر النهار وتطلع الشمس، وأشد ما يكون في وقت الأسحار وما بين الفجرين، والجنوب تهب ما بين مطلع سهيل إلى مغارب الشمس في الصيف. وقال في القاموس: والجنوب: ريح تخالف الشمال، مهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، وعن ابن هشام اللخمي أن الجنوب هي الريح القبلية. وفي الجمع بين العباب والمحكم: والجنوب ريح تخالف الشمال تأتي عن يمين القبلة، وقيل: هي من الرياح ما استقبلك عن شمالك إذا وقفت في القبلة، قال ابن الأعرابي: ومهب الجنوب من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، وقال الأصمعي: إذا جاءت الجنوب جاء معها خير وتلقيح، وإذا جاءت الشمال نشفت، ويقال للمتصافيين: ريحهما جنوب، وإذا تفرقا قيل: شملت ريحهما، وعن ابن الأعرابي: الجنوب في كل موضع حارة

стр. 6949

إلا بنجد فإنها باردة؛ وقال ابن القاص: وإذا هبت فقوتها في العلو والهواء أكثر لأنها موكلة بالسحاب، وتحرك الأغصان ورؤوس الأشجار، ومع ذلك فتراها تؤلف الغيم في السماء، فتراه متراكماً مشحوناً، قال: وسمعت من يقول: ما اشتد هبوبها إلا خيف المطر، ولا هبت جنوب قط ثم يتبعها دبور إلا وقع مطر، وهي تهيج البحر وتظهر بكل ندى كامل في الأرض، وهي من ريح الجنة. والدبور - قال في القاموس: ريح تقابل الصبا، وقال القزاز: هي التي تأتي من دبر الكعبة وهي التي تقابل مطلع الشمس، وقال ابن القاص: تهب ما بين مغارب الشمس في الصيف إلى مطلع بنات نعش، وقوتها في الأرض أشد من قوتها في الهواء، وهي إذا هبت تثير الغبار. وتكسح الأرض. وترفع الذيول، وتضرب الأقدام، وأشد ما تثير الغبار إذا تنكبت، تراها كأنها تعلب بالتراب على وجه الأرض، وترى الأشجار في البوادي والرمال لها دوي من ناحية الدبور، وقد اجتمع في أصلها التراب وما يلي الجنوب عارياً مكشوفاً متحفزاً وقوتها في الأرض - والله أعلم، لأن عاداً أو عدت بالتدمير بالرياح، فحفرت الآبار واستكنت فيها، فبعث الله الدبور فدخلت الآبار وقذفتهم متدمرين حتى أهلكتهم. والشمال - قال في القاموس: الريح التي تهب من قبل الحجر، والصحيح أنه ما مهبه ما بين مطله الشمس وبنات نعش، أو من مطلع النعش إلى

стр. 6950

مسقط النسر الطائر، ولا تكاد تهب ليلاً. وقال القزاز: هي الريح التي تأتي عن شمالك إذا استقبلت مطلع الشمس، والعرب تقول: إن الجنوب قالت للشمال: إن لي عليك فضلاً، أنا أسري وأنت لا تسرين، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسرين، وقال الصغاني في مجمع البحرين: والشمال: الريح التي تهب من ناحية القطب، وعن أبي حنيفة: هي التي تهب من جهة القطب الشمالي وهي الجربياء وهي الشامية لأنها تأتيهم من شق الشام، وفي الجمع بين العباب والمحكم، والبوارح: شدة الرياح من الشمال في الصيف دون الشتاء كأنه جمع بارحة، وقيل: البوارح: الرياح الشدائد التي تحمل التراب، واحدتها بارح، والجربياء: الريح التي بين الجنوب والصبا، وقيل: هي النكباء التي تجري بين الشمال والدبور، وهي ريح تقشع السحاب، وقيل هي الشمال، وجربياؤها بردها - قاله الأصمعي، وقال الليث: هي الشمال الباردة، وقال ابن القاص: والشمال تهب ما بين مطلع بنات نعش إلى مطلع الشمس في الشتاء، وهي تقطع الغيم وتمحوها، ولذلك سميت الشمال المحوة، قال: وهذا بأرض الحجاز، وأما أرض العراق والمشرق فربما ساق الجنوب غيماً واستداره ولم يحلبه حتى تهب الشمال فتحلبه، والجنوب والشمال متماثلتان، لأنهما موكلتان بالسحاب، فالجنوب تطردها

стр. 6951

وهي مشحونة، والشمال تردها وتمحوها إذا أفرغت، قال أبو عبيدة: الشمال عند العرب للروح، والجنوب للأمطار والندى، والدبور للبلاء، وأهونه أن يكون غباراً عاصفاً يقذي العيون، والصبا لإلقاح الشجر، وكل ريح من هذه الرياح انحرفت فوقعت بين ريحين فهي نكباء، وسميت لعدولها عن مهب الأربع اللواتي وصفن قبل - انتهى. وقال المسعودي في مروج الذهب في ذكر البوادي من الناس وسبب اختيار البدو: إن شخصاً من خطباء العرب وفد على كسرى فسأله عن أشياء منها الرياح فقال: ما بين سهيل إلى طرف بياض الفجر جنوب، وما بإزائهما مما يستقبلهما من المغرب شمال، وما جاء من وراء الكعبة فهي دبور، وما جاء من قبل ذلك فهي صبا، ونقل ابن كثير في سورة النور عن ابن أبي حاتم وابن جرير عن عبيد بن عمير الليثي أنه قال: يبعث الله المثيرة فتقم الأرض قماً، ثم يبعث الله الناشئة فتنشىء السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف بينه، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح السحاب. ولما انكشف بما مضى من الآيات. ما كانوا في ظلامه من واهي الشبهات، واتضحت الأدلة، ولم تبق لأحد في شيء من ذلك علة. كرر سبحانه الإنكار في قوله: ﴿أإله مع الله﴾ أي الذي كمل علمه فشملت قدرته.

стр. 6952

ولما ذكر حالة الاضطرار، وأتبعها من صورها ما منه ظلمة البحر، وكانوا في البحر يخلصون له سبحانه ويتركون شركاءهم، نبههم على أن ذلك موجب لاعتقاد كون الإخلاص له واجباً دائماً، فأتبعه قوله على سبيل الاستعظام، معرضاً عنهم بإجماع العشرة إعراض من بلغ به الغضب: ﴿تعالى الله﴾ أي الفاعل القادر المختار الذي لا كفوء له ﴿عما يشركون﴾ ، أي فإن شيئاً منها لا يقدر على شيء من ذلك، وأين رتبة العجز من رتبة القدرة. ولما رتب سبحانه هذه الأدلة على هذا الوجه ترقياً من أعم إلى أخص، ومن أرض إلى سماء، ختمها بما يعمها وغيرها، إرشاداً إلى قياس ما غاب منها على ما شوهد، فلزم من ذلك قطعاً القدرة على الإعادة، فساقها لذلك سياق المشاهد المسلم، وعد من أنكره في عداد من لا يلتفت إليه فقال: ﴿أمن يبدأ الخلق﴾ أي كله: ما علمتم منه وما لم تعلموا، ثم بيده لأن كل شيء هالك إلا وجهه، له هذا الوصف باعترافكم يتجدد أبداً تعلقه. ولما كان من اللازم البين لهم الإقرار بالإعادة لاعترافهم بأن كل من أبدى شيئاً قادر على إعادته، لأن الإعادة أهون، قال: ﴿ثم يعيده﴾ أي بعد ما يبيده. ولما كان الإمطار والإنبات من أدل ما يكون على الإعادة، قال

стр. 6953

مشيراً إليهما على وجه عم جميع ما مضى: ﴿ومن يرزقكم من السماء﴾ أي بالمطر والحر والبرد وغيرهما مما له سبب في التكوين أو التلوين ﴿والأرض﴾ أي بالنبات والمعادن والحيوان وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله، وعر عنهما بالرزق لأن به تمام النعمة ﴿أإله مع الله﴾ أي الذي له صفات الجلال والإكرام، كائن، أو يفعل شيئاً من ذلك. ولما كانت هذه كلها براهين ساطعة، ودلائل قاطعة، وأنواراً لامعة، وحججاً باهرة، وبينات ظاهرة، وسلاطين قاهرة، على التوحيد المستلزم للقدرة على البعث وغيره من كل ممكن، أمره ﷺ إعراضاً عنهم، إيذاناً بالغضب في آخرها بأمرهم بالإتيان ببرهان واحد على صحة معتقدهم فقال: ﴿قل﴾ أي هؤلاء المدعين للعقول ﴿هاتوا برهانكم﴾ أي على نفي شيء من ذلك عن الله تعالى، أو على إثبات شيء منه لغيره، لتثبت دعوى الشركة في الخلق فتسمع دعوى الشركة في الألوهية، وليكن إتيانكم بذلك ناجزاً من غير مهلة، لأن من يدعي العقل لا يقدر على شيء إلا ببرهان حاضر ﴿إن كنتم صادقين*﴾ أي في أنكم على حق في أن مع الله غيره. وأضاف البرهان إليهم إضافة ما كأنه عنيد، لا كلام في وجوده وتحققه، وإنما المراد الإتيان به كل ذلك تهكماً بهم وتنبيهاً على أنهم أبعدوا في الضلال، وأعرقوا في

стр. 6954

المحال، حيث رضوا لأنفسهم بتدين لا يصير إليه عاقل إلا بعد تحقق القطع بصحته، ولا شبهة في أنه لا شبهة لهم على شيء منه.

стр. 6955

ولما كانت مضمونات هذه البراهين متوقفة على علم الغيب، لأنه لا يخرج الخبء باختراع الخلق وكشف الضر وإحكام التدبير إلا به، لأنه لا قدرة أصلاً لمن لا علم له ولا تمام لقدرة من لا تمام لعلمه - كما مضى بيانه في طه، وطالبهم سبحانه آخر هذه البراهين بالبرهان على الشرك، وكانوا ربما قالوا: سنأتي به، أمر أن يعلموا أنه لا برهان لهم عليه، بل البرهان قائم على خلافه، فقال: ﴿قل﴾ أي لهم أو لكل من يدعي دعواهم: ﴿لا يعلم﴾ أحد، ولكنه عبر بأداة العقلاء فقال: ﴿من﴾ لئلا يخصها متعنت بما لا يعقل، عبر بالظرف تنبيهاً على أن المظروف محجوب، وكل ظرف حاجب لمظروفه عن علم ما وراءه، فقال: ﴿في السماوات والأرض الغيب﴾ أي الكامل في الغيبة، وهو الذي لم يخرج إلى عالم الشهادة أصلاً، ولا دلت عليه أمارة، ليقدر على شيء مما تقدم في هذه الآيات من الأمور فيعلمه. ولما كان الله تعالى منزهاً عن أن يحويه مكان. جعل الاستثناء هنا منقطعاً، ومن حق المنقطع النصب كما قرأ به ابن أبي عبلة شاذاً، لكنه رفع بإجماع العشرة بدلاً على لغة بني تميم، فقيل:

стр. 6956

﴿إلا الله﴾ أي المختص بصفات الكمال كما قيل في الشعر: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس بمعنى: إن كانت اليعافير أنيساَ ففيها أنيس، بتاً للقول بخلوها من الأنيس، فيكون معنى الآية: إن كان الله جل وعلا ممن في السماوات والأرض ففيهم من يعلم الغيب، يعني إن علم أحدهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون الله منهم، ويصح كونه متصلاً، والظرفية في حقه سبحانه مجاز بالنسبة إلى علمه وإن كان فيه جمع بين الحقيقة والمجاز، وعلى هذا فيرتفع على البدل أو الصفة، والرفع أفصح من النصب، لأنه من منفي، وقد عرف بهذا سر كونه لم يقل «لا يعلم أحد الغيب إلا هو» وهو التنبيه على المظروفية والحاجة، وأن الظرف حجاب، لا يرتاب فيه مرتاب، وجعل ابن مالك متعلق الظرف خاصاً تقديره: يذكر، وجعل غيره «من» مفعولاً والغيب بدل اشتمال، والاستثناء مفرغاً، فالتقدير: لا يعلم غيب المذكورين - أي ما غاب عنهم - كلهم غيره. ولما كان الخبر - الذي لم يطلع عليه أحد من الناس - قد يخبر به الكهان، أو أحد من الجان، من أجواف الأوثان، وكانوا يسمون هذا غبياً وإن كان في الحقيقة ليس به لسماعهم له من السماء بعد ما أبرزه الله إلى عالم

стр. 6957

الشهادة للملائكة ومن يريد من عباده، وكانوا ربما تعتنوا به عن العبارة، وكانت الساعة قد ثبت أمرها، وشاع في القرآن وعلى لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأصحابهم رضي الله تعالى عنهم ذكرها، بحيث صارت بمنزلة ما لا نزاع فيه، وكان علم وقتها من الغيب المحض، قال: ﴿وما يشعرون﴾ أي أحد ممن في السماوات والأرض وإن اجتمعوا وتعاونوا ﴿أيان﴾ أي أيّ وقت ﴿يبعثون*﴾ فمن أعلم بشيء من ذلك على الحقيقة بأن صدقه، ومن تخرص ظهر كذبه. ولما كان النبي ﷺ قد بعث والكفر قد عم الأرض، وكانوا قد أكثروا في التكذيب بالساعة والقطع بالإنكار لها بعضهم صريحاً، وبعضهم لزوماً، لضلاله عن منهاج الرسل وكان الذي ينبغي للعالم الحكيم أن لا يقطع بالشيء إلا بعد إحاطة علمه به، قال متهكماً بهم كما تقول لأجهل الناس: ما أعلمك! استهزاء به مستدركاً لنفي شعورهم بها بياناً لكذبهم باضطراب قولهم: ﴿بل ادّارك﴾ أي بلغ وتناهي ﴿علمهم في الآخرة﴾ أي أمرها مطلقاً: علم وقتها ومقدار عظمتها في هو لها وغير ذلك من نعتها لقطعهم بإنكارها وتمالؤهم

стр. 6958

عليه، وتنويع العبارات فيه، وتفريع القول في أمره - هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وكذا في قراءة الباقين: ادّارك بمعنى تدارك يعني تتابع واستحكم. ولما كانوا مع تصريحهم بالقطع في إنكارها كاذبين في قطعهم، مرتبكين في جهلهم، وقد يعبرون - دليلاً على أنه لا علم من ذلك عندهم - بالشك، قال تعالى: ﴿بل هم في شك﴾ ولما كانت لشدة ظهورها لقوة أدلتها كأنها موجودة، عبر بمن، أي مبتدىء ﴿منها﴾ ولما كانوا يجزمون بنفيها تارة ويترددون أخرى، كانت حقيقة حال من ينكر الشيء تارة على سبيل القطع وأخرى وجه الشك الوصف بالجهل البالغ به قال: ﴿بل هم﴾ ولما كان الإنسان مطبوعاً على نقائص موجبة لطغيانه، ومبالغته في العلو في جميع شأنه، ولا يوهن تلك النقائص منه إلا الخوف من عرضه على ديانه، الموجب لجهله. وتماديه على قبيح فعله، فقال مقدماً للجار: ﴿منها عمون*﴾ أي ابتدأ عماهم البالغ الثابت من اضطرابهم في أمرها، فضلوا فأعماهم ضلالهم عن جميع ما ينفعهم، فصاروا لا ينتفعون بعقولهم، بل انعكس نفعها ضراً، وخيرها شراً، ونسب ما ذكر لجميع من في السماوات والأرض، لأن فعل البعض قد يسند إلى الكل لغرض، وهو هنا التنبيه على عظمة هذا الأمر، وتناهي وصفه، وأنه

стр. 6959

يجب على الكل الاعتناء به، والوقوف على حقه، والتناهي عن باطله، أو لشك البعض وسكوت الباقي لقصد تهويله، أو أن إدراك العلم من حيث التهويل بقيام الأدلة التي هي أوضح من الشمس، فهم بها في قوة من أدرك علمه بالشيء، وهو معرض عنه، فقد فوّت على نفسه من الخير ما لا يدري كنهه، ثم نزل درجة أخرى بالشك ثم أهلكها بالكلية، وأنزلها العمى عن رتبة البهائم التي لا همّ لها إلا لذة البطن والفرج، وهذا كمن يسمع باختلاف المذاهب وتضليل بعضهم لبعض فيضلل بعضهم من غير نظر في قوله فيصير خابطاً خبط عشواء، ويكون أمره على خصمه هيناً أو الشك لأجل أن أعمالهم أعمال الشاك، أو أنهم لعدم علم الوقت بعينة كأنهم في شك بل عمى، ولأن العقول والعلوم لا تستقل بإدراك شيء من أمرها، وإنما يؤخذ ذلك عن الله بواسطة رسله من الملك والبشر. ومن أخذ شيئاً من علمها عن غيرهم ضل. ولما كان التقدير لحكاية كلامهم الذي يشعر ببلوغ العلم، فقالوا مقسمين جهد أيمانهم: لا تأتينا الساعة، عطف عليه ما يدل على الشك والعمى، وكان الأصل: وقالوا، ولكنه قال: ﴿وقال الذين كفروا﴾ أي ستروا دلائل التوحيد والآخرة التي هي أكثر من أن تحصى وأوضح من الضياء، تعليقاً للحكم بالوصف، مستفهمين استفهام المستبعد المنكر: ﴿أإذا كنا تراباً وآباؤنا﴾ وكرروا الاستفهام

стр. 6960

إشارة إلى تناهي الاستبعاد والجحود، وعد ما استبعدوه محالاً، فقالوا: ﴿أئنا﴾ أي نحن وآباؤنا الذين طال العهد بهم، وتمكن البلى فيهم ﴿لمخرجون*﴾ أي من الحالة التي صرنا إليها من الموت والبلى إلى ما كنا عليه قبل ذلك من الحياة والقوة، ثم أقاموا الدليل في زعمهم على ذلك فقالوا تعليلاً لاستبعادهم: ﴿لقد وعدنا﴾ . ولما كانت العناية في هذه السورة بالإيقان بالآخرة، قدم قوله: ﴿هذا﴾ أي الإخراج من القبور كما كنا أول مرة - على قوله: ﴿نحن وآباؤنا﴾ بخلاف ما سبق في سورة المؤمنون، وقالوا: ﴿من قبل﴾ زيادة في الاستبعاد، أي أنه قد مرت الدهور على هذا الوعد، ولم يقع منه شيء، فلذلك دليل على أنه لا حقيقة له فكأنه قيل: فما المراد به؟ فقالوا: ﴿إن﴾ أي ما ﴿هذا إلا أساطير الأولين*﴾ أي ما سطروه كذباً لأمر لا نعرف مرادهم منه. ولا حقيقة لمعناه، فقد حط كلامهم هذا كما ترى على أنهم تارة في غاية الإنكار دأب المحيط العلم، وتارة يستبعدون دأب الشاك، المركب الجهل، الجدير بالتهكم كما مضى أنه معنى الإضرابات - والله الموفق.

стр. 6961

ولما لم يبق هذا الذي أقامه من دلائل القدرة على كل شيء عموماً، وعلى البعث خصوصاً، مقال، يرد عن الغي إلا التهديد بالنكال، وكان كلامهم هذه موجباً للنبي ﷺ من الغم والكرب ما لا يعلمه إلا الله تعالى، قال سبحانه ملقناً له ومرشداً لهم في صورة التهديد: ﴿قل سيروا في الأرض﴾ أي أيها المعاندون أو العمي الجاهلون. ولما كان المراد الاسترشاد للاعتقاد، والرجوع عن الغي والعناد، لكون السياق له، لا مجرد التهديد، قال ﴿فانظروا﴾ بالفاء المقتضية للإسراع، وعظم المأمور بنظره بجعله أهلاً للعناية به، والسؤال عنه، فقال: ﴿كيف كان﴾ أي كوناً هو في غاية المكنة ﴿عاقبة المجرمين*﴾ أي القاطعين لما أمر الله به أن يوصل من الصلاة التي هي الوصلة بين الله وبين عباده، والزكاة التي هي وصلة بين بعض العباد وبعض، لتكذيبهم الرسل الذين هم الهداة إلى ما لا تستقل به العقول، فكذبوا بالآخرة التي ينتج التصديق بها كل هدى، ويورث التكذيب بها كل عمى - كما تقدمت الإشارة إليه في افتتاح السورة، فإنكم إن نظرتم ديارهم، وتأملتم أخبارهم، حق التأمل، أسرع بكم ذلك إلى التصديق فنجوتم وإلا هلكتم، فلم تضروا إلا أنفسكم، وقد تقدم لهذا مزيد بيان

стр. 6962

في النحل. ولما دهم النبي ﷺ من الأسف على جلافتهم في عماهم عن السبيل، الذي هدى إليه الدليل، ما لا يعلمه إلا الله قال: ﴿ولا تحزن عليهم﴾ أي في عدم إيمانهم. ولما كانوا لا يقتصرون على التكذيب، بل يبغون للمؤمنين الغوائل، وينصبون الحبائل، قال: ﴿ولا تكن﴾ مثبتاً للنون لأنه في سياق الإخبار عن عنادهم واستهزائهم مع كفايته لمكرهم بما أعد لهم من سوء العذاب في الدارين، فلا مقتضى للتناهي في الإيجاز والإبلاغ في نفي الضيق، فيفهم إثبات النون الرسوخ، فلا يكون منهياً عما لا ينفك عنه العسر مما أشار إليه قوله تعالى ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون﴾ وإنما ينهى عن التمادي معه في الذكر بخلاف ما مضى في النحل، فإن السياق هناك للعدل في العقوبة لما وقع من المصيبة في غزوة أحد المقتضى لتعظيم التسلية بالحمل على الصبر، ونفي جميع الضيق ليكون ذلك وازعاً عن مجاوزة الحد، بل حاملاً على العفو ﴿في ضيق﴾ أي في الصدر ﴿مما يمكرون*﴾ فإن الله جاعل تدميرهم في تدبيرهم كطغاة قوم صالح.

стр. 6963

في النحل. ولما دهم النبي ﷺ من الأسف على جلافتهم في عماهم عن السبيل، الذي هدى إليه الدليل، ما لا يعلمه إلا الله قال: ﴿ولا تحزن عليهم﴾ أي في عدم إيمانهم. ولما كانوا لا يقتصرون على التكذيب، بل يبغون للمؤمنين الغوائل، وينصبون الحبائل، قال: ﴿ولا تكن﴾ مثبتاً للنون لأنه في سياق الإخبار عن عنادهم واستهزائهم مع كفايته لمكرهم بما أعد لهم من سوء العذاب في الدارين، فلا مقتضى للتناهي في الإيجاز والإبلاغ في نفي الضيق، فيفهم إثبات النون الرسوخ، فلا يكون منهياً عما لا ينفك عنه العسر مما أشار إليه قوله تعالى ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون﴾ وإنما ينهى عن التمادي معه في الذكر بخلاف ما مضى في النحل، فإن السياق هناك للعدل في العقوبة لما وقع من المصيبة في غزوة أحد المقتضى لتعظيم التسلية بالحمل على الصبر، ونفي جميع الضيق ليكون ذلك وازعاً عن مجاوزة الحد، بل حاملاً على العفو ﴿في ضيق﴾ أي في الصدر ﴿مما يمكرون*﴾ فإن الله جاعل تدميرهم في تدبيرهم كطغاة قوم صالح.

стр. 6964

ولما أشار إلى أنهم لم يبقوا في المبالغة في التكذيب بالساعة وجهاً، أشار إلى أنهم بالوعيد بالساعة وغيرها من عذاب الله أشد مبالغة، فقال: ﴿ويقولون﴾ بالمضارع المؤذن بالتجدد كل حين للاستمرار: ﴿متى هذا الوعد﴾ وسموه وعداً إظهاراً للمحبة تهكماً به، وهو العذاب والبعث والمجازاة ﴿إن كنتم﴾ أي أنت ومن تابعك، كوناً هو في غاية الرسوخ، كما تزعمون ﴿صادقين*﴾ فأجابهم على هذا الجواب الغص بجواب الواسع القادر الذي لا يعتريه ضيق، ولا تنويه عجلة، مشيراً إلى الاستعداد للدفاع أو الاستسلام لذي الجلال والإكرام، كما فعلت بلقيس ﵂، فقال مخاطباً الرأس الذي لا يقدر على هذه التؤده حق القدرة غيره: ﴿قل﴾ يا محمد ﴿عسى﴾ أي يمكن ﴿أن يكون﴾ وجدير وخليق بأن يكون ﴿ردف﴾ أي تبع ردفاً حتى صار كالرديف ولحق. ولما قصر الفعل وضمنه معنى ما يتعدى باللام لأجل الاختصاص قال: ﴿لكم﴾ أي لأجلكم خاصة ﴿بعض الذي تستعجلون*﴾ إتيانه من الوعيد، فتطلبون تعجيله قبل الوقت الذي ضربه الله له، فعلى تقدير وقوعه ماذا أعددتم لدفاعه؟ فإن العاقل من ينظر في عواقب أموره، ويبنيها على أسوأ التقادير، فيعد لما يتوهمه من البلاء ما يكون فيه

стр. 6965

الخلاص كما فعلت بلقيس ﵂ من الانقياد الموجب للأمان لما غلب على ظنها أن الإباء يوجب الهوان، لا كما فعل قوم صالح من الآبار، التي أعانت على الدمار، وغيرهم من الفراعنة. ولما كان التقدير قطعاً: فأن ربك لا يعجل على أهل المعاصي بالانتقام مع القطع بتمام قدرته، عطف عليه قوله: ﴿وإن ربك﴾ أي المحسن إليك بالحلم عن أمتك وترك المعاجلة لهم بالعذاب على المعاصي ﴿لذو فضل﴾ أي تفضل وإنعام ﴿على الناس﴾ أي كافة ﴿ولكن أكثرهم لا يشكرون*﴾ أي لا يوقعون الشكر له بما أنعم عليهم، ويزيدون في الجهل بالاستعجال. ولما كان الإمهال قد يكون من الجهل بذنوب الأعداء، قال نافياً لذلك: ﴿وإن ربك﴾ أي والحال أنه أشار بصفة الربوبية إلى إمهالهم إحساناً إليه وتشريفاً له ﴿ليعلم﴾ أي علماً لا يشبه علمكم بل هو في غاية الكشف لديه دقيقه وجليله ﴿ما تكن﴾ أي تضمر وتستر وتخفي ﴿صدورهم﴾ أي الناس كلهم فضلاً عن قومك ﴿وما يعلنون*﴾ أي يظهرون من عداوتك فلا تخشهم، وذكر هذا القسم لأن التصريح أقر للنفس والمقام للأطناب، على أنه ربما كان

стр. 6966

في الإعلان لغط واختلاط أصوات يكون سبباً للخفاء. ولما كان ثبات علة الناس في الغالب مقيداً بالكتاب، قال تقريباً لأفهامهم: ﴿وما من غائبة﴾ أي من هنة من الهنات في غاية الغيبوبة ﴿في السماء والأرض﴾ أي في أي موضع كان منهما، وأفردهما دلالة على إرادة الجنس الشامل لكل فرد ﴿إلا في كتاب﴾ كتبه قبل إيجادها لأنه لا يكون شيء إلا بعلمه وتقديره ﴿مبين*﴾ لا يخفى شيء فيه على من تعرف ذلك منه كيفما كان؛ ثم دل على ذلك بقوله: ﴿إن هذا القرآن﴾ أي الآتي به هذا النبي الأمي الذي لم يعرف قبله علماً ولا خالط عالماً ﴿يقص﴾ أي يتابع الإخبار ويتلو شيئاً فشيئاً على سبيل القطع الذي لا تردد فيه، من غير زيادة ولا نقص ﴿على بني إسرائيل﴾ أي الذي أخبارهم مضبوطة في كتبهم لا يعرف بعضها إلا قليل من حذاق أخبارهم ﴿أكثر الذي هم﴾ أي خاصة لكونه من خاص أخبارهم التي لا علم لغيرهم بها ﴿فيه يختلفون*﴾ أي من أمر الدين وإن بالغوا في كتمه، كقصة الزاني المحصن في إخفائهم أن حده الرجم، وقصة عزير والمسيح، وإخراج النبي ﷺ ذلك من توارتهم، فصح بتحقيقه على لسان من لم يلم بعلم قط أنه من عند الله، وصح أن الله تعالى يعلم كل شيء إذ لا خصوصية لهذا دون غيره بالنسبة إلى علمه سبحانه.

стр. 6967

ولما بان بهذا دليل علمه، أتبعه دليل فضله وحلمه، فقال: ﴿وإنه﴾ أي القرآن ﴿لهدى﴾ أي موصل إلى المقصود لمن وفق ﴿ورحمة﴾ أي نعمة وإكرام ﴿للمؤمنين*﴾ أي الذين طبعتهم على الإيمان، فهو صفة لهم راسخة كما أنه للكافرين وقر في أذانهم وعمى في قلوبهم. ولما ذكر دليل فضله، أتبعه دليل عدله، فقال مستأنفاً لجواب من ظن أن فضله دائم العموم على الفريقين: ﴿إن﴾ وقال: ﴿ربك﴾ أي المحسن إليك بجمعه لكل بين العلم والبلاغة والدين والبراعة والدنيا والعفة والشجاعة تسلية للنبي ﷺ ﴿يقضي بينهم﴾ أي بين جميع المخلفين ﴿بحكمه﴾ أي الذي هو أعدل حكم وأتقنه وأنفذه وأحسنه مع كفرهم به واستهزائهم برسله، لا بحكم غيره ولا بنائب يستنيبه ﴿وهو﴾ أي والحال أنه هو ﴿العزيز﴾ فلا يرد له أمر ﴿العليم*﴾ فلا يخفى عليه سر ولا جهر، فلما ثبت له العلم والحكمة، والعظمة والقدرة، تسبب عن ذلك قوله: ﴿فتوكل على الله﴾ أي الذي له جميع العظمة بما ثبت علمه وقدرته التي أثبت بها أنك أعظم عباده الذين اصطفى في استهزاء الأعداء وغيره من مصادمتهم ومسالمتهم لتدع الأمور كلها إليه، وتستريح من تحمل المشاق، وثوقاً بنصره، وما أحسن قول قيس بن الخطيم وهو جاهلي:

стр. 6968

متى ما تقد بالباطل الحق يأبه ... وأن تقد الأطوار بالحق تنقد ثم علل ذلك حثاً على التحري في الأعمال، وفطماً لأهل الإبطال، عن تمني المحال، فقال: ﴿إنك على الحق المبين*﴾ أي البين في نفسه الموضح لغيره، فحقك لا يبطل ووضوحه لا يخفى، ونكوصهم ليس عن خلل في دعائك لهم، وإنما الخلل في مداركهم، فثق بالله في تدبير أمرك فيهم؛ ثم علل هذا الذي أرشد السياق إلى تقديره، أو استأنف لمن يسأل متعجباً عن وقوفهم عن الحق الواضح بقوله: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ أي لا توجد سمعاً للذين هم كالموتى في عدم الانتفاع بمشاعرهم التي هي في غاية الصحة، وهم إذا سمعوا الآيات أعرضوا عنها. ولما كان تشبيههم بالموتى مؤيساً، قال مرجياً: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء﴾ أي لا تجدد ذلك لهم، فشبههم بما في أصل خلقهم مما جبلوا عليه من الشكاسة وسوء الطبع بالصم. ولما كانوا قد ضموا إلى ذلك الإعراض والنفرة فصاروا كالأصم المدبر، وكان الأصم إذا أقبل ربما بمساعدة بصره وفهمه، قال: ﴿إذا ولوا مدبرين*﴾ فرجاه في إيجاد الإسماع إذا حصلت لهم حالة من الله تقبل بقلوبهم. ولما شبههم بالصم في كونهم لا يسمعون إلا مع الإقبال، مثلهم

стр. 6969

بالعمى في أنهم لا يهتدون في غير عوج أصلاً إلا براعٍ لا تشغله عنهم فترة ولا ملال، فقال: ﴿وما أنت بهادي﴾ أي بموجد الهداية على الدوام في قلوب ﴿العمي﴾ أي في أبصارهم وبصائرهم مزيلاً لهم وناقلاً ومبعداً ﴿عن ضلالتهم﴾ عن الطريق بحيث تحفظهم عن أن يزالوا عنها أصلاً، فإن هذا لا يقدر عليه إلا الحي القيوم، والسياق كما ترى يشعر بتنزيل كفرهم في ثلاث رتب: عليا ككفر أبي جهل، ووسطى كعتبة بن ربيعة، ودنيا كأبي طالب وبعض المنافقين، وسيأتي في سورة الروم لهذا مزيد بيان. ولما كان ربما أوقف عن دعائهم، رجاه في انقيادهم وارعوائهم بقوله: ﴿إن﴾ أي ما ﴿تسمع﴾ أي سماع انتفاع على وجه الكمال، في كل حال ﴿إلا من يؤمن﴾ أي من علمناه أنه يصدق ﴿بآياتنا﴾ بأن جعلنا فيه قابلية السمع. ثم سبب عنه قوله دليلاً على إيمانه: ﴿فهم مسلمون*﴾ أي في غاية الطواعية لك في المنشط والمكره، لا خيرة لهم ولا إرادة في شيء من الأشياء.

стр. 6970

ولما فرغ من عظيم زجرهم بتسليته ﷺ في أمرهم وختم بالإسلام، عطف عليه ذكر ما يوعدون مما تقدم استعجالهم له استهزاء
следующие страницы →