← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

في الإعلان لغط واختلاط أصوات يكون سبباً للخفاء. ولما كان ثبات علة الناس في الغالب مقيداً بالكتاب، قال تقريباً لأفهامهم: ﴿وما من غائبة﴾ أي من هنة من الهنات في غاية الغيبوبة ﴿في السماء والأرض﴾ أي في أي موضع كان منهما، وأفردهما دلالة على إرادة الجنس الشامل لكل فرد ﴿إلا في كتاب﴾ كتبه قبل إيجادها لأنه لا يكون شيء إلا بعلمه وتقديره ﴿مبين*﴾ لا يخفى شيء فيه على من تعرف ذلك منه كيفما كان؛ ثم دل على ذلك بقوله: ﴿إن هذا القرآن﴾ أي الآتي به هذا النبي الأمي الذي لم يعرف قبله علماً ولا خالط عالماً ﴿يقص﴾ أي يتابع الإخبار ويتلو شيئاً فشيئاً على سبيل القطع الذي لا تردد فيه، من غير زيادة ولا نقص ﴿على بني إسرائيل﴾ أي الذي أخبارهم مضبوطة في كتبهم لا يعرف بعضها إلا قليل من حذاق أخبارهم ﴿أكثر الذي هم﴾ أي خاصة لكونه من خاص أخبارهم التي لا علم لغيرهم بها ﴿فيه يختلفون*﴾ أي من أمر الدين وإن بالغوا في كتمه، كقصة الزاني المحصن في إخفائهم أن حده الرجم، وقصة عزير والمسيح، وإخراج النبي ﷺ ذلك من توارتهم، فصح بتحقيقه على لسان من لم يلم بعلم قط أنه من عند الله، وصح أن الله تعالى يعلم كل شيء إذ لا خصوصية لهذا دون غيره بالنسبة إلى علمه سبحانه.

стр. 6967

ولما بان بهذا دليل علمه، أتبعه دليل فضله وحلمه، فقال: ﴿وإنه﴾ أي القرآن ﴿لهدى﴾ أي موصل إلى المقصود لمن وفق ﴿ورحمة﴾ أي نعمة وإكرام ﴿للمؤمنين*﴾ أي الذين طبعتهم على الإيمان، فهو صفة لهم راسخة كما أنه للكافرين وقر في أذانهم وعمى في قلوبهم. ولما ذكر دليل فضله، أتبعه دليل عدله، فقال مستأنفاً لجواب من ظن أن فضله دائم العموم على الفريقين: ﴿إن﴾ وقال: ﴿ربك﴾ أي المحسن إليك بجمعه لكل بين العلم والبلاغة والدين والبراعة والدنيا والعفة والشجاعة تسلية للنبي ﷺ ﴿يقضي بينهم﴾ أي بين جميع المخلفين ﴿بحكمه﴾ أي الذي هو أعدل حكم وأتقنه وأنفذه وأحسنه مع كفرهم به واستهزائهم برسله، لا بحكم غيره ولا بنائب يستنيبه ﴿وهو﴾ أي والحال أنه هو ﴿العزيز﴾ فلا يرد له أمر ﴿العليم*﴾ فلا يخفى عليه سر ولا جهر، فلما ثبت له العلم والحكمة، والعظمة والقدرة، تسبب عن ذلك قوله: ﴿فتوكل على الله﴾ أي الذي له جميع العظمة بما ثبت علمه وقدرته التي أثبت بها أنك أعظم عباده الذين اصطفى في استهزاء الأعداء وغيره من مصادمتهم ومسالمتهم لتدع الأمور كلها إليه، وتستريح من تحمل المشاق، وثوقاً بنصره، وما أحسن قول قيس بن الخطيم وهو جاهلي:

стр. 6968

متى ما تقد بالباطل الحق يأبه ... وأن تقد الأطوار بالحق تنقد ثم علل ذلك حثاً على التحري في الأعمال، وفطماً لأهل الإبطال، عن تمني المحال، فقال: ﴿إنك على الحق المبين*﴾ أي البين في نفسه الموضح لغيره، فحقك لا يبطل ووضوحه لا يخفى، ونكوصهم ليس عن خلل في دعائك لهم، وإنما الخلل في مداركهم، فثق بالله في تدبير أمرك فيهم؛ ثم علل هذا الذي أرشد السياق إلى تقديره، أو استأنف لمن يسأل متعجباً عن وقوفهم عن الحق الواضح بقوله: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ أي لا توجد سمعاً للذين هم كالموتى في عدم الانتفاع بمشاعرهم التي هي في غاية الصحة، وهم إذا سمعوا الآيات أعرضوا عنها. ولما كان تشبيههم بالموتى مؤيساً، قال مرجياً: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء﴾ أي لا تجدد ذلك لهم، فشبههم بما في أصل خلقهم مما جبلوا عليه من الشكاسة وسوء الطبع بالصم. ولما كانوا قد ضموا إلى ذلك الإعراض والنفرة فصاروا كالأصم المدبر، وكان الأصم إذا أقبل ربما بمساعدة بصره وفهمه، قال: ﴿إذا ولوا مدبرين*﴾ فرجاه في إيجاد الإسماع إذا حصلت لهم حالة من الله تقبل بقلوبهم. ولما شبههم بالصم في كونهم لا يسمعون إلا مع الإقبال، مثلهم

стр. 6969

بالعمى في أنهم لا يهتدون في غير عوج أصلاً إلا براعٍ لا تشغله عنهم فترة ولا ملال، فقال: ﴿وما أنت بهادي﴾ أي بموجد الهداية على الدوام في قلوب ﴿العمي﴾ أي في أبصارهم وبصائرهم مزيلاً لهم وناقلاً ومبعداً ﴿عن ضلالتهم﴾ عن الطريق بحيث تحفظهم عن أن يزالوا عنها أصلاً، فإن هذا لا يقدر عليه إلا الحي القيوم، والسياق كما ترى يشعر بتنزيل كفرهم في ثلاث رتب: عليا ككفر أبي جهل، ووسطى كعتبة بن ربيعة، ودنيا كأبي طالب وبعض المنافقين، وسيأتي في سورة الروم لهذا مزيد بيان. ولما كان ربما أوقف عن دعائهم، رجاه في انقيادهم وارعوائهم بقوله: ﴿إن﴾ أي ما ﴿تسمع﴾ أي سماع انتفاع على وجه الكمال، في كل حال ﴿إلا من يؤمن﴾ أي من علمناه أنه يصدق ﴿بآياتنا﴾ بأن جعلنا فيه قابلية السمع. ثم سبب عنه قوله دليلاً على إيمانه: ﴿فهم مسلمون*﴾ أي في غاية الطواعية لك في المنشط والمكره، لا خيرة لهم ولا إرادة في شيء من الأشياء.

стр. 6970

ولما فرغ من عظيم زجرهم بتسليته ﷺ في أمرهم وختم بالإسلام، عطف عليه ذكر ما يوعدون مما تقدم استعجالهم له استهزاء

стр. 6971

به، وبدأ منه بالدابة التي تميز المسلم من غيره، فقال محققاً بأداة التحقيق: ﴿وإذا وقع القول﴾ أي حان حين وقوع الوعيد الذي هو معنى القول، وكأنه لعظمه لا قول غيره ﴿عليهم﴾ بعضه بالإتيان حقيقة وبعضه بالقرب جداً ﴿أخرجنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿لهم﴾ من أشراط الساعة ﴿دآبة﴾ وأيّ دابة في هولها وعظمها خلقاً وخلقاً ﴿من الأرض﴾ أي أرض مكة التي هي أم الأرض، لأنه لم يبق بعد إرسال أكمل الخلق بأعلى الكتب إلا كشف الغطاء. ولما كان التعبير بالدابة يفهم أنها كالحيوانات العجم لا كلام لها قال: ﴿تكلمهم﴾ أي بكلام يفهمونه، روى البغوي من طريق مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄: قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريباً» ومن طريق ابن خزيمة عن أبي شريحة الغفاري ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: «يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج خروجاً بأقصى اليمن فيفشو ذكرها بالبادية، ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة، ثم تمكن زماناً طويلاً، ثم تخرج خرجة أخرى قريباً من مكة فيفشو ذكرها بالبادية ويدخل ذكرها القرية، ثم بينما

стр. 6972

الناس يوماً في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها على الله يعني المسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد تدنو وتدنو - كذا قال عمرو - يعني ابن محمد العبقري أحد رواة الحديث - ما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط ذلك، فارفض الناس عنها وثبت لها عصابة عرفوا أنهم لن يعجزوا الله فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب، فمرت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية، ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب، ولا يعجزها هارب، حتى أن الرجل ليقوم فيتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان! الآن تصلي، فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه، فيتجاور الناس في ديارهم، ويصطحبون في أسفارهم، ويشتركون في الأموال، يعرف الكافر من المؤمن، فيقال للمؤمن: يا مؤمن، ويقال للكافر: يا كافر» ؛ ومن طريق الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تخرج الدابة ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان ﵉، فتجلو وجه المؤمن بالعصا، وتخطم أنف الكافر بالخاتم، حتى أن أهل الخوان

стр. 6973

ليجتمعون فيقول هذا: يا مؤمن، وهذا: يا كافر» . ثم علل سبحانه إخراجه لها بقوله: ﴿أن الناس﴾ أي بما هم ناس لم يصلوا إلى أول أسنان الإيمان، وهو سن ﴿الذين آمنوا﴾ بل هم نائسون مترددون مذبذبون تارة، وتارة ﴿كانوا﴾ أي كوناً هو لهم كالجبلة ﴿بآياتنا﴾ أي المرئيات التي كتبناها بعظمتنا في ذوات العالم، والمسموعات المتلوات، التي أتيناهم بها على ألسنة أكمل الخلق: الأنبياء والرسل، حتى ختمناهم بإمامهم الذي هو أكمل العالمين، قطعاً لحجاجهم، ورداً عن لجاجهم، ولذا عممنا برسالته وأوجبنا على جميع العقل أتباعه ﴿لا يوقنون*﴾ من اليقين، وهو إتقان العلم بنفي الشبه، بل هم فيها مزلزلون، فلم يبق بعده ﷺ إلا كشف الغطاء عما ليس من جنس البشر بما لا تثبت له عقولهم. ولما كان من فعل الدابة التمييز بين المؤمن والكافر بما لا يستطيعون دفعه، تلاه بتمييز كل فريق منهما عن صاحبه يجمعهم يوم القيامة في ناحية، وسوقهم من غير اختلاط بالفريق الآخر، فقال عاطفاً على العامل في «وإذا وقع القول» : ﴿ويوم نحشر﴾ أي نجمع - بما لنا من العظمة - على وجه الإكراه؛ قال أبو حيان: الحشر: الجمع

стр. 6974

على عنف ﴿من كل أمة فوجاً﴾ أي جماعة كثيرة ﴿ممن يكذب﴾ أي يوقع التكذيب للهداة على الاستمرار، مستهيناً ﴿بآياتنا﴾ أي المرئية بعدم الاعتبار بها، والمسموعة بردها والطعن فيه على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا؛ وأشار إلى كثرتهم بقوله متسبباً عن العامل في الظرف من نحو: يكونون في ذل عظيم: ﴿فهم يوزعون*﴾ أي يكف بأدنى إشارة منه أولهم على - آخرهم، وأطرافهم على أوساطهم، ليتلاحقوا، ولا يشذ منهم أحد، ولا يزالون كذلك ﴿حتى إذا جاءوا﴾ أي المكان الذي أراده الله لتبكيتهم ﴿قال﴾ لهم ملك الملوك غير مظهر لهم الجزم بما يعلمه من أحوالهم، في عنادهم وضلالهم، بل سائلاً لهم إظهاراً للعدل بإلزامهم بما يقرون به من أنفسهم، وفيه إنكار وتوبيخ وتبكيت وتقريع: ﴿أكذبتم﴾ أي أيها الجاهلون ﴿بآياتي﴾ على ما لها من العظم في أنفسها، وبإتيانها إليكم على أيدي أشرف عبادي ﴿و﴾ الحال أنكم ﴿لم تحيطوا بها علماً﴾ أي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى الإحاطة بها في معانيها وما أظهرت لأجله حتى تعلموا ما تستحقه ويليق بها بدليل لا مرية فيه ﴿أمّاذا كنتم﴾ أي في تلك الأزمان بما هو لكم كالجبلات ﴿تعملون*﴾ فيها هل صدقتم بها أو كذبتم بعد الإحاطة بعلمها؟ أخبروني عن ذلك كله! ما دهاكم حيث لم تشتغلوا بهذا العمل المهم؟ فإن هذا - وعزتي - مقام العدل

стр. 6975

والتحرير، ولا يترك فيه قطمير ولا نقير، ولا ظلم فيه على أحد في جليل ولا حقير، ولا قليل ولا كثير، والسؤال على هذا الوجه منبه على الاضطرار إلى التصديق أو الاعتراف بالإبطال، لأنهم إن قالوا: كذبنا، فإن قالوا مع عدم الإحاطة كان في غاية الوضوح في الإبطال، وإن قالوا مع الإحاطة كان أكذب الكذب.

стр. 6976

ولما كان التقدير بما أرشد إليه السياق: فأجابوا بما تبين به أنهم ظالمون، عطف عليه قوله: ﴿ووقع القول﴾ أي مضمون الوعيد الذي هو القول حقاً، مستعلياً ﴿عليهم بما ظلموا﴾ أي بسبب ما وقع منهم من الظلم من صريح التكذيب وما نشأ عنه من الضلال، في الأقوال والأفعال ﴿فهم لا ينطقون*﴾ أي بسبب ما شغلهم من وقوع العذاب المتوعد به مما أحاط بقواهم، فهد أركانهم، وما انكشف لهم من أنه لا ينجيهم شيء. ولما ذكر الحشر، استدل عليه بحشرهم كل ليلة إلى المبيت، والختم على مشاعرهم، وبعثهم من المنام، وإظهار الظلام الذي هو كالموت بعد النور، وبعث النور بعد إفنائه بالظلام، فقال: ﴿ألم يروا﴾ مما يدلهم على قدرتنا على بعثهم بعد الموت وعلى كل ما أخبرناهم به ﴿أنا جعلنا﴾ أي بعظمتنا التي لا يصل أحد إلى مماثلة شيء منها

стр. 6977

الدالة على تفردنا وفعلنا بالاختيار ﴿الليل﴾ أي مظلماً ﴿ليسكنوا فيه﴾ عن الانتشار ﴿والنهار مبصراً﴾ أي بإبصار من يلابسه، لينتشروا فيه في معايشهم بعد أن كانوا ماتوا الموتة الصغرى، وكم من شخص منهم بات سوياً لا قلبة به فمات، ولو شئنا لجعلنا الكل كذلك لم يقم منهم أحد، وعدل عن ﴿ليبصروا فيه﴾ تنبيهاً على كمال كونه سبباً للإبصار، وعلى أنه ليس المقصود كالسكون، بل وسيلة المقصود الذي هو جلب المنافع، فالآية من الاحتباك: ذكر السكون أولاً دليل على الانتشار ثانياً، وذكر الإبصار ثانياً دليل على الإظلام أولاً، ثم عظم هذه الآية حثاً على تأمل ما فيها من القدرة الهادية إلى سواء السبيل فقال: ﴿إن في ذلك﴾ أي الحشر والنشر الأصغرين مع آيتي الليل والنهار ﴿لآيات﴾ أي متعددة، بينة على التوحيد والبعث الآخر والنبوة، لأن من قلب الملوين لمنافع الناس الدنيوية، أرسل الرسل لمنافعهم في الدراين. ولما كان من مباني السورة تخصيص الهداية بالمؤمنين، خصهم بالآيات لاختصاصهم بالانتفاع بها وأن كان الكل مشتركين في كونها دلالة لهم، فقال: ﴿لقوم يؤمنون*﴾ أي قضيت بأن إيمانهم لا يزال يتجدد، فهم كل يوم في علو وارتفاع.

стр. 6978

ولما ذكر هذا الحشر الخاص، والدليل على مطلق الحشر والنشر، ذكر الحشر العام، لئلا يظن أنه إنما يحشر الكافر، فقال مشيراً إلى عمومهم بالموت كما عمهم بالنوم، وعمومهم بالإحياء كما عمهم بالإيقاظ: ﴿ويوم ينفخ﴾ أي بأيسر أمر ﴿في الصور﴾ أي القرن الذي جعل صوته لإماتة الكل. ولما كان ما ينشأ عنه من فزعهم مع كونه محققاً مقطوعاً به كأنه وجد ومضى، يكون في آن واحد، أشار إلى ذلك وسرعة كونه بالتعبير بالماضي فقال: ﴿ففزع﴾ أي صعق بسسب هذا النفخ ﴿من في السماوات﴾ . ولما كان الأمر مهولاً، كان الإطناب أولى، فقال: ﴿ومن في الأرض﴾ أي كلهم ﴿إلا من شاء الله﴾ أي المحيط علماً وقدرة وعزة وعظمة، أن لا يفزع؛ ثم أشار إلى النفخ لإحياء الكل بقوله: ﴿وكل﴾ أي من فزع ومن لم يفزع ﴿أتوه﴾ أي

стр. 6979

بعد ذلك للحساب بنفخة أخرى يقيمهم بها، دليلاً على تمام القدرة في كونه أقامهم بما به أنامهم ﴿داخرين*﴾ أي صاغرين منكسرين؛ واستغنى عن التصريح به بما يعلم بالبديهة من أنه لا يمكن إتيانهم في حال فزعهم الذي هو كناية عن بطلان إحساسهم، هذا معنى ما قاله كثير من المفسرين والذي يناسب سياق الآيات الماضية - من كون الكلام في يوم القيامة الذي هو ظرف لما بين البعث ودخول الفريقين إلى داريهما - أن يكون هذا النفخ بعد البعث وبمجرد صعق هو كالغشي كما أن حشر الأفواج كذلك، ويؤيده التعبير بالفزع، ويكون الإتيان بعده بنفخة أخرى تكون بها الإقامة، فهاتان النفختان حينئذ هما المراد من قوله ﷺ : «يصعق الناس يوم القيامة» - الحديث، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى لفظاً ومعنى، ويحل ما فيه من إشكال في آخر سورة الزمر. ولما ذكر دخورهم، تلاه بدخور ما هو أعظم منهم خلقاً، وأهول أمراً، فقال: عاطفاً على ناصب الظرف مما تقديره: كانت أمور محلولة، معبراً بالمضارع لأن ذلك وإن شارك الفزع في

стр. 6980

التحقق قد فارقه في الحدوث والتجدد شيئاً فشيئاً: ﴿وترى الجبال﴾ أي عند القيام من القبور، والخطاب إما للنبي ﷺ ليدل ذلك - لكونه ﷺ أنفذ الناس بصراً وأنورهم بصيرة - على عظم الأمر، وإما لكل أحد لأن الكل صاروا بعد قيامهم أهلاً للخطاب بعد غيبتهم في التراب ﴿تحسبها جامدة﴾ أي قائمة ثابته في مكانها لا تتحرك، لأن كل كبير متباعد الأقطار لا يدرك مشيته إلا تخرصاً ﴿وهي تمر﴾ أي تسير حتى تكون كالعهن المنفوش فينسفها الله فتقع حيث شاء كأنها الهباء المنثور، فتستوي الأرض كلها بحيث لا يكون فيها عوج، وأشار إلى أن سيرها خفي وإن كان حثيثاً بقوله: ﴿مر السحاب﴾ أي مراً سريعاً لا يدرك على ما هو عليه لأنه إذا طبق الجو لا يدرك سيره مع أنه لا شك فيه وإن لم تنكشف الشمس بلا لبس، وكذا كل كبير الجرم أو كثير العد يقصر عن الإحاطة به لبعد ما بين أطرافه بكثرته البصر، يكون سائراً، والناظر الحاذق يظنه واقفاً. ولما كان ذلك أمراً هائلاً، أشار إلى عظمته بقوله، مؤكداً

стр. 6981

لمضمون الجملة المتقدمة: ﴿صنع الله﴾ أي صنع الذي له الأمر كله ذلك الذي أخبر أنه كائن في ذلك اليوم صنعاً، ونحو هذا المصدر إذا جاء عقب كلام جاء كالشاهد بصحته، والمنادي على سداده، والصارخ بعلو مقداره، وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا هكذا، ثم زاد في التعظيم بقوله دالاً على تمام الإحكام في ذلك الصنع: ﴿الذي أتقن كل شيء﴾ . ولما ثبت هذا على هذا الوجه المتقن، والنظام الأمكن، أنتج قطعاً قوله: ﴿إنه﴾ أي الذي أحكم هذه الأمور كلها ﴿خبير بما يفعلون*﴾ أي لأن الإتقان نتيجة القدرة، وهي نتيجة العلم، فمن لم يكن شامل العلم لم يكن تام القدرة، وعبر بالفعل الذي هو أعم من أن يكون بعلم أو لا، لأنه في سياق البيان لعماهم، ونفي العلم عنهم، وقرىء بالخطاب المؤذن بالقرب المرجي للرضا، المرهب من الإبعاد، المقرون بالسخط، وبالغيبة المؤذنة بالإعراض الموقع في الخيبة، وما أبدع ما لاءم ذلك ولاحمه ما بعده على تقدير الجواب لسؤال من كأنه قال: ماذا يكون حال أهل الحشر مع الدخور عند الناقد البصير؟ فقال: من إتقانه للأشياء أنه رتب الجزاء أحسن ترتيب ﴿من جاء بالحسنة﴾ أي الكاملة وهي الإيمان ﴿فله﴾ وهو من جملة إحكامه للأشياء ﴿خير﴾ أي أفضل ﴿منها﴾ مضاعفاً، أقل ما يكون عشرة أضعاف إلى ما لا يعلمه إلا الله، وأكرمت وجوههم عن النار، وهؤلاء أهل القرب

стр. 6982

الذين سبقت لهم الحسنى ﴿وهم من فزع يومئذ﴾ أي إذا وقعت هذه الأحوال، العظيمة الأهوال ﴿آمنون*﴾ أي حتى لا يحزنهم الفزع الأكبر، فانظر إلى بلاغة هذا الكلام، وحسن نظمه وترتيبه، وأخذ بعضه بحجزة بعض، كأنما أفزع إفزاعاً واحداً، ولأمر ما أعجز القوي، وأخرس الشقاشق والادعاء ﴿ومن جاء بالسيئة﴾ أي التي لا سيئة مثلها، وهي الشرك لقوله: ﴿فكبت﴾ أي بأيسر أمر ﴿وجوههم في النار﴾ مع أنه ورد في الصحيح أن مواضع السجود - التي أشرفها الوجوه - لا سبيل للنار عليها، والوجه أشرف ما في الإنسان، فإذا هان كان ما سواه أولى بالهوان، والمكبوب عليه منكوس. ولما كانوا قد نكسوا أعمالهم وعكسوها بعبادة غير الله، فوضعوا الشيء في غير موضعه، فعظموا ما حقه التحقير، واستهانوا أمر العلي الكبير. وكان الوجه محل ظهور الحياء والانكسار، لظهور الحجة، وكانوا قد حدقوا الأعين جلادة وجفاء عند العناد، وأظهروا في الوجوه التجهم والعبوس والارتداد، بدع قوله بناء على ما تقديره بما دل عليه الاحتباك: وهم من فزع يومئذ خائفون، وليس لهم إلا مثل سيئتهم: ﴿هل﴾ أي مقولاً لهم: هل ﴿تجزون﴾ أي بغمس الوجوه

стр. 6983

في النار؛ وبني للمفعول لأن المرغب المرهب الجزاء، لا كونه من معين، وإشارة إلى أنه يكون بأيسر أمر، لأن من المعلوم أن المجازي هو الله لا غيره ﴿إلا ما كنتم﴾ أي بما هو لكم كالجبلة ﴿تعملون*﴾ أي تكررون عمله وأنتم تزعمون أنه مبني على قواعد العلم بحيث يشهد كل من رآه أنه مماثل لأعمالكم سواء بسواء، وهو شامل أيضاً لأهل القسم الأول، والآية من الاحتباك: ذكر الخيرية والأمن أولاً دليلاً على حذف المثل والخوف ثانياً، والكب في النار ثانياً دليلاً على الإكرام عنه أولاً. ولما أتم الدين بذكر الأصول الثلاثة: المبدأ والمعاد والنبوة، ومقدمات القيامة وأحوالها، وبعض صفتها وما يكون من أهوالها، وذلك كمال ما يتعلق بأصول الدين على وجوه مرغبة أتم ترغيب، مرهبة أعظم ترهيب، أوجب هذا الترغيب والترهيب لكل سامع أن يقول: فما الذي نعمل ومن نعبد؟ فأجابه المخاطب بهذا الوحي. المأمور بإبلاغ هذه الجوامع، الداعي لمن سمعه، الهادي لم اتبعه، بأنه لا يرضى له ما رضي لنفسه، وهو ما أمره به ربه، فقال: ﴿إنما أمرت﴾ أي بأمر من لا يرد له أمر، ولا يعد أن يكون بدلاً من قوله ﴿الحمد لله وسلام على عباده الذين اصصفى﴾ فيكون محله نصباً بقل،

стр. 6984

وعظم المأمور به بإحلاله محل العمدة فقال: ﴿أن أعبد﴾ أي بجميع ما أمركم به ﴿رب﴾ أي موجب ومدبر وملك؛ وعين المراد وشخصه وقربة تشريفاً وتكريماً بقوله: ﴿هذه البلدة﴾ أي مكة التي تخرج الدابة منها فيفزع كل من يراها، ثم تؤمن أهل السعادة، أخصه بذلك لا أعبد شيئاً مما عدلتموه به سبحانه وادعيتم أنهم شركاء، وهم من جملة ما خلق؛ ثم وصف المعبود الذي أمر بعبادة أحد غيره بما يقتضيه وصف الربوبية، وتعين البلدة التي أشار إليها بأداة القرب لحضورها في الأذهان لعظمتها وشدة الإلف بها وإرادتها بالأرض التي تخرج الدابة منها، فصارت لذلك بحيث إذا أطلقت البلدة انصرفت إليها وعرف أنها مكة، فقال: ﴿الذي حرمها﴾ تذكيراً لهم بنعمته سبحانه عليهم وتربيته لهم بأن أسكنهم خير بلاده، وجعلهم بذلك مهابة في قلوب عباده، بما ألقى في القلوب من أنها حرم، لا يسفك بها دم، ولا يظلم أحد، ولا يباح بها صيد، ولا يعضد شجرها، وخصها بذلك من بين سائر بلاده والناس يتخطفون من حولهم وهم آمنون لا ينالهم شيء من فزعهم وهولهم.

стр. 6985

ولما كانت إضافتها إليه إنما هي لمحض التشريف، قال احتراساً عما لعله يتوهم: ﴿وله كل شيء﴾ أي من غيرها مما أشركتموه به وغيره خلقاً وملكاً وملكاً، وليس هو كالملوك الذين ليس لهم إلا ما حموه على غيرهم. ولما كانوا ربما قالوا: ونحن نعبده بعبادة من نرجوه يقربنا إليه زلفى، عين الدين الذي تكون به العبادة فقال: ﴿وأمرت﴾ أي مع الأمر بالعبادة له وحده، وعظم المفعول المأمور به بجعله عمدة الكلام بوضعه موضع الفاعل فقال: ﴿أن أكون﴾ أي كوناً هو في غاية الرسوخ ﴿من المسلمين*﴾ أي المنقادين لجميع ما يأمر به كتابه أتم انقياد، ثابتاً على ذلك غاية الثبات.

стр. 6986

ولما بين ما أمر به في نفسه، أتبعه ما تعم فائدته غيره فقال: ﴿وأن أتلو القرآن﴾ أي أواظب على تلاوته وتلوه - أي اتباعه - عبادة لربي، وإبلاغاً للناس ما أرسلت به إليهم مما لا يلم به ريب في أنه من عنده، ولأكون مستحضراً لأوامره فأعمل بها، ولنواهيه فأجتنبها، وليرجع الناس إيه ويعولوا في كل أمر عليه. لأنه جامع لكل علم. ولما تسبب عن ذلك أن من انقاد له نجى نفسه، ومن

стр. 6987

استعصى عليه أهلكها، قال له ربه سبحانه مسلياً ومؤسياً ومرغباً ومرهباً: ﴿فمن اهتدى﴾ أي باتباع هذا القرآن الداعي إلى الجنان ﴿فإنما يهتدي لنفسه﴾ لأنه يحييها بحوزة الثواب، ونجاته من العقاب، فإنما أنا من المبشرين، أبشره أنه من الناجين ﴿ومن ضل﴾ أي عن الطريق التي نهج وبينها من غير ميل ولا عوج ﴿فقل﴾ له كما تقول لغيره: ﴿إنما أنا من المنذرين*﴾ أي المخوفين له عواقب صنعه، وإنما فسره ورده فلم أومر به الآن ﴿وقل﴾ أي إنذاراً لهم وترغيباً وترجية وترهيباً: ﴿الحمد﴾ أي الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿لله﴾ أي الذي له العظمة كلها سواء اهتدى الكل وضل الكل، أو انقسموا إلى مهتد وضال، لأنه لا يخرج شيء عن مراده. ولما كانت نتيجة ذلك القدرة على كل شيء قال: ﴿سيريكم﴾ أي في الدنيا والآخرة بوعد محقق لا شك في وقوعه ﴿آياته﴾ أي الرادة لكم عما أنتم فيه يوم يحل لي هذه البلدة الذي حرمها بما أشار إليه جعلي من المنذرين وغير ذلك ما يظهر من وقائعه ويشتهر من أيامه التي صرح أو لوح بها القرآن، فيأتيكم تأويله فترونه عياناً، وهو معنى ﴿فتعرفونها﴾ أي بتذكركم ما أتوعدكم الآن به وأصفه لكم

стр. 6988

منها، لا تشكون في شيء من ذلك أنه على ما وصفته ولا ترتابون، فتظهر لكم عظمة القرآن، وإبانة آيات الكتاب الذي هو الفرقان، وترون ذلك حق اليقين ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ [ص: ٨٨] ، ﴿يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق﴾ [الأعراف: ٥٣] ، ﴿هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون﴾ [يس: ٥٢] . ولما كان قد نفس لهم بالسين في الآجال، وكان التقدير تسلية له ﷺ : وما ربك بتاركهم على هذا الحال من العناد لأن ربك قادر على ما يريد، عطف عليه قوله: ﴿وما ربك﴾ أي المحسن إليك بجميع ما أقامك فيه من هذه الأمور العظيمة والأحوال الجليلة الجسيمة ﴿بغافل عما تعملون*﴾ أي من مخالفة أوامره، ومفارقة زواجره، ويجوز أن تكون الجملة حالاً من فاعل ﴿يرى﴾ أي ربكم غير غافل، ومن قرأ بالخطاب كان المعنى: عما تعمل انت وأتباعك من الطاعة. وهو من المعصية، فيجازي كلاًّ منكم بما يستحق فيعلي أمرك، ويشد إزرك، ويوهن أيدهم، ويضعف كيدهم، بما له من الحكمة، والعلم ونفوذ الكلمة، فلا يظن ظان أن تركه للمعالجة بعقابهم لغفلة عن شيء من أعمالهم، إنما ذلك لأنه حد لهم حداهم بالغوه لا محالة لأنه لا يبدل القول لديه، فقد رجع آخرها كما ترى بإبانة الكتاب وتفخيم القرآن وتقسيم الناس فيه إلى مهتد وضال إلى أولها، وعانق ختامها ابتداءها بحكمة منزلها، وعلم مجملها ومفصلها، إلى غير ذلك

стр. 6989

مما يظهر عند تدبرها وتأملها - والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب. نجز الجزء المبارك من مناسبات البقاعي بحمد الله وعونه ويتلوه القصص إن شاء الله تعالى - اللهم اغفر لنا ذنوبنا وتجاوز عن سيئاتنا.

стр. 6990

مقصودها التواضع لله، المستلزم لرد الأمر كله إليه، الناشىء عن الإيمان بالآخرة، الناشىء عن الإيمان بنبوة محمد ﷺ ، الثابتة بإعجاز القرآن، المظهر للخفايا على لسان من لم يتعلم علماً قط من أحد من الخلق، المنتج لعلو المتصف به، وذلك هو المأخوذ من تسميتها بالقصص الذي حكم لأجله شعيب بعلو الكليم ﵉ على من ناواه، وقمعه لمن عاداه، فكان المآل وفق ما قال) بسم الله (الذي اختص بالكبرياء والعظمة، فألبس خدامه من ملابي هيبته) الرحمن (الذي عم بنعمة البيان، حتى أهل الكفران الرحيم الذي

стр. 6991

خص بنعمة ما بعد البعث أهل الإيمان. لما ختم تلك بالوعد المؤكد بأنه يظهر آياته فتعرف، وأنه ليس بغافل عن شيء، تهديداً للظالم، وتثبيتاً للعالم، وكان من الأول ما يوحيه في هذه من الأساليب المعجزة من خفايا علوم أهل الكتاب، فلا يقدرون على رده، ومن الثاني ما صنع بفرعون وآله، قال أول هذه:

стр. 6992

﴿طسم*﴾ مشيراً بالطاء المليحة بالطهر والطيب إلى خلاص بني إسرائيل بعد طول ابتلائهم المطهر لهم عظيم، وبالسين الرامزة إلى السمو والسنا والسيادة إلى أن ذلك يكون بمسموع من الوحي في ذي طوى من طور سيناء قديم، وبالميم المهيئة للملك والنعمة إلى قضاء من الملك الأعلى بذلك كله تام عميم. ولما كانت هذه إشارات عالية، وما بعدها لزوم نظوم لأوضح الدلالات حاوية، قال مشيراً إلى عظمتها: ﴿تلك﴾ أي الآيات العالمية الشأن ﴿آيات الكتاب﴾ أي المنزل على قلبك، الجامع لجميع المصالح الدنيوية والأخروية ﴿المبين*﴾ أي الفاصل الكاشف الموضح المظهر، لأنه من عندنا من غير شك، ولكل ما يحتاج إليه من ذلك وغيره، عند من يجعله من شأنه ويتلقاه بقبول، ويلقي إليه السمع وهو شهيد؛ ثم أقام الدليل على إبانته. وأنه يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم يختلفون، بما أورد هنا في قصة موسى عليه الصلاة والسلام

стр. 6993

من الدقائق التي قل من يعلمها من حذاقهم، على وجه معلم بما انتقم به من فرعون وآله، ومن لحق بهم كقارون، وأنعم به على موسى ﵊ وأتباعه، ولذلك بسط فيها أمور القصة ما لم يبسط في غيرها فقال: ﴿نتلوا﴾ أي نقص قصاً متتابعاً متوالياً بعضه في أثر بعض ﴿عليك﴾ بواسطة جبريل ﵊. ولما كان المراد إنما هو قص ما هو من الأخبار العظيمة بياناً للآيات بعلم الجليات والخفيات، والمحاسبة والمجازاة، لا جميع الأخبار، قال: ﴿من نبأ موسى وفرعون﴾ أي بعض خبرهما العظيم متلبساً هذا النبأ وكائناً ﴿بالحق﴾ أي الذي يطابقه الواقع، فإنا ما أخبرنا فيه بمستقبل إلا طابقه الكائن عند وقوعه، ونبه على أن هذا البيان كما سبق إنما ينفع أولى الإذعان بقوله: ﴿لقوم يؤمنون*﴾ أي يجددون الإيمان في كل وقت عند كل حادثة لثبات إيمانهم، فعلم أن المقصود منها هنا الاستدلال على نبوة محمد ﷺ الأمي بالاطلاع علىلمغيبات، والتهديد بعلمه المحيط، وقدرته الشاملة، وأنه ما شاء كان ولا مدفع لقضائه، ولا ينفع حذر من قدرة، فصح أنها دليل على قوله تعالى آخر تلك ﴿سيريكم آياته فتعرفونها﴾ الآية، ولذلك لخصت رؤوس أخبار القصة، فذكرت فيها أمهات الأمور الخفية ودقائق أعمال

стр. 6994

من ذكر فيها من موسى ﵊ وأمه وفرعون وغيرهم إلى ما تراه من الحكم التي لا يطلع عليها إلا عالم بالتعلم أو بالوحي، ومعلوم لكل مخاطب بذلك انتفاء الأول عن المنزل عليه هذا الذكرُ ﷺ ، فانحصر الأمر في الثاني، يوضح لك هذا المرام مع هذه الآية الأولى التي ذكرتها قوله تعالى في آخر القصة ﴿وما كنت بجانب الغربي﴾ ﴿وما كنت بجانب الطور﴾ واتباع القصة بقوله تعالى: ﴿ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون﴾ فالمراد بهذا السياق منها كما ترى غير ما تقدم من سياقاتها كما مضى، فلا تكرير في شيء من ذلك - والله الهادي. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمن قوله سبحانه ﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها﴾ - إلى آخر السورة من التخويف والترهيب والإنذار والتهديد لما انجرّ معه الإشعار بأنه ﵊ سيملك مكة البلدة ويفتحها الله تعالى عليه، ويذل عتاة قريش ومتمرديهم، ويعز أتباع رسول الله ﷺ ومن استضعفته قريش من المؤمنين، اتبع سبحانه ذلك بما قصه على نبيه من تطهير ما أشار إليه من قصة بني إسرائيل وابتداء امتحانهم بفرعون، واستيلائه عليهم، وفتكه بهم إلى

стр. 6995

أن أعزهم الله وأظهرهم على عدوهم، وأورثهم أرضهم وديارهم، ولهذا أشار تعالى في كلا القصتين بقوله في الأولى ﴿سيريكم آياته فتعرفونها﴾ وفي الثانية بقوله: ﴿وترى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾ ثم قص ابتداء أمر فرعون وحذره واستعصامه بقتل ذكور الأولاد ثم لم يغن ذلك عنه من قدر الله شيئاً، ففي حاله عبرة لمن وفق للاعتبار، ودليل على أنه سبحانه المتفرد بملكه، يؤتي ملكه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، لا يزعه وازع، ولا يمنعه عما يشاء مانع، ﴿قل الله مالك الملك﴾ وقد أصح قوله تعالى ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾ - الآية بما أشار إليه مجمل ما أوضحنا اتصاله من خاتمة النمل وفاتحة القصص، ونحن نزيده بياناً بذكر لمع من تفسير ما قصد التحامه فنقول: إن قوله تعالى معلماً لنبيه ﷺ وآمراً ﴿إنما أمرت أن أعبد﴾ إلى قوله: ﴿سيريكم آياته﴾ لا خفاء بما تضمن ذلك من التهديد، وشديد الوعيد، ثم في قوله: ﴿رب هذه البلدة﴾ إشارة إلى أنه ﵊ سيفتحها ويملكها، لأنه بلد ربه وملكه، وهو عبده ورسوله، وقد اختصه برسالته، وله كل شيء، فالعباد والبلاد ملكه، ففي هذا من الإشارة مثل ما في قوله تعالى:

стр. 6996

﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد﴾ وقوله تعالى: ﴿وأن أتلو القرآن﴾ أي ليسمعوه فيتذكروا ويتذكر من سبقت له السعادة، ويلحظ سنة الله في العباد والبلاد، ويسمع ما جرى لمن عاند وعنى وكذب واستكبر، فكيف وقصه الله وأخذه ولم يغن عنه حذره، وأورث مستضعف عباده أرضه ودياره، ومكن لهم في الأرض وأعز رسله وأتباعهم ﴿نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون﴾ أي يصدقون ويعتبرون ويستدلون ويستوضحون، وقوله: ﴿سيريكم آياته﴾ يشير إلى ما حل بهم يوم بدر، وبعد ذلك إلى يوم فتح مكة، وإذعان من لم يكن يظن انقياده، وإهلاك من طال تمرده وعناده، وانقياد العرب بجملتها بعد فتح مكة ودخول الناس في الدين أفواجاً، وعزة أقوام وذلة آخرين، بحاكم ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ إلى أن فتح الله على الصحابة رضوان الله عليهم ما وعدهم به نبيهم ﷺ ، فكان كما وعد، فلما تضمنت هذه الآية ما أشير إليه، أعقب بما هو في قوة أن لو قيل: ليس عتوكم بأعظم من عتو فرعون وآله، ولا حال مستضعفي المؤمنين بمكة ممن قصدتم فتنته في دينه بدون حال بني إسرائيل حين كان فرعون يمتحنهم بذبح أبنائهم. فهلا تأملتم عاقبة الفريقين، وسلكتم أنهج الطريقين؟ ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف

стр. 6997

كان عاقبة الذين من قبلهم﴾ - إلى قوله: ﴿فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون﴾ فلو تأملتم ذلك لعلمتم أن العاقبة للتقوى، فقال سبحانه بعد افتتاح السورة إن فرعون علا في الأرض، ثم ذكر من خبره ما فيه عبرة، وذكر سبحانه آياته الباهرة في أمر موسى ﵇ وحفظه ورعايته وأخذ أم عدوه إياه ﴿عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً﴾ فلم يزل يذبح الأبناء خيفة من مولود يهتك ملكه حتى إذا كان ذلك المولود تولي بنفسه تربيته وحفظه وخدمته ليعلم لمن التدبير والإمضاء، وكيف نفوذ سابق الحكم والقضاء، فهلا سألت قريش وسمعت وفكرت واعتبرت ﴿أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى﴾ ثم أتبع سبحانه ذلك بخروج موسى ﵇ من أرضه فخرج منها خائفاً يترقب، وما ناله ﵇ في ذلك الخروج من عظيم السعادة، وفي ذلك منبهة لرسول الله ﷺ على خروجه من مكة وتعزية له وإعلام بأنه تعالى سيعيده إلى بلده ويفتحه عليه، وبهذا المستشعر من هنا صرح آخر السورة في قوله تعالى: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ وهذا كاف فيما قصد - انتهى. ولما كان كأنه قيل: ما هذا المقصوص من هذا النبأ؟ قال: ﴿إن فرعون﴾ ملك مصر الذي ادعى الإلهية ﴿علا﴾ أي بادعائه الإلهية وتجبره على عباد الله وقهره لهم ﴿في الأرض﴾ أي لأنا جمعنا عليه الجنود فكانوا معه إلباً واحداً فأنفذنا بذلك كلمته،

стр. 6998

وهي وأن كان المراد بها أرض مصر ففي إطلاقها ما يدل على تعظيمها وأنها كجميع الأرض في اشتمالها على ما قل أن يشتمل عليه غيرها. ولما كان التقدير بما دل عليه العاطف: فكفر تلك النعمة، عطف عليه قوله: ﴿وجعل﴾ بما جعلنا له من نفوذ الكلمة ﴿أهلها﴾ أي الأرض المرادة ﴿شيعاً﴾ أي فرقاً يتبع كل فرقة شيئاً وتنصره، والكل تحت قهره وطوع أمره، قد صاروا معه كالشياع، وهو دق الحطب، فرق بينهم لئلا يتمالؤوا عليه، فلا يصل إلى ما يريده منهم، فافترقت كلمتهم فلم يحم بعضهم لبعض فتخاذلوا فسفل أمرهم، فالآية من الاحتباك، ذكر العلو أولاً دليلاً على السفول ثانياً، والافتراق ثانياً دليلاً على الاجتماع أولاً، جعلهم كذلك حال كونه ﴿يستضعف﴾ أي يطلب ويوجد أن يضعف، أو هو استئناف ﴿طائفة منهم﴾ وهم بنو إسرائيل الذين كانت حياة جميع أهل مصر على يدي واحد منهم، وهو يوسف ﵇. وفعل معهم من الخير ما لم يفعله والد مع ولده، ومع ذلك كافؤوه في أولاده وإخوته بأن استعبدوهم، ثم ما كفاهم ذلك حتى ساموهم على يدي هذا العنيد سوء العذاب فيا بأبي الغرباء بينهم قديماً وحديثاً، ثم بين سبحانه الاستضعاف بقوله:

стр. 6999

﴿يذبح﴾ أي تذبيحاً كثيراً ﴿أبناءهم﴾ أي عند الولادة، وكل بذلك أناساً ينظرون كلما ولدت امرأة ذكراً ذبحوه خوفاً على ملكه زعم من مولود منهم ﴿ويستحيي نساءهم﴾ أي يريد حياة الإناث فلا يذبحهن. ولما كان هذا أمراً متناهياً في الشناعة، ليس مأموراً به من جهة شرع ما، ولا له فائدة أصلاً، لأن القدر - على تقدير صدق من أخبره - لا يرده الحذر، قال تعالى مبيناً لقبحه، شارحاً لما أفهمه ذلك من حاله: ﴿إنه كان﴾ أي كوناً راسخاً ﴿من المفسدين*﴾ أي الذين لهم عراقة في هذا الوصف، فلا يدع أن يقع منه هذا الجزئي المندرج تحت ما هو قائم به من الأمر الكلي. ولما كان التقدير كما أرشد إليه السياق لمن يسأل عن سبب فعله هذا العجيب: يريد بذلك زعم دوام ملكه بأن لا يسلبه إياه واحد منهم أخبره بعض علمائه أنه يغلبه عليه ويستنقذ شعبه من العبودية، عطف عليه قوله يحكي تلك الحال الماضية: ﴿ونريد﴾ أو هي حالية، أي يستضعفهم والحال أنا نريد في المستقبل أن نقويهم. أي يريد دوام استضعافهم حال إرادتنا ضده من أنا نقطع ذلك بإرادة ﴿أن نمن﴾ أي نعطي بقدرتنا وعلمنا ما يكون جديراً بأن نمتن به

стр. 7000

﴿على الذين استضعفوا﴾ أي حصل استضعافهم وهان هذا الفعل الشنيع ولم يراقب فيهم مولاهم ﴿في الأرض﴾ أي أرض مصر فذلوا وأهينوا، ونريهم في أنفسهم وأعدائهم وفق ما يحبون وفوق ما يأملون ﴿ونجعلهم أئمة﴾ أي مقدمين في الدين والدنيا، علماء يدعون إلى الجنة عكس ما يأتي من عاقبة آل فرعون، وذلك مع تصييرنا لهم أيضاً بحيث يصلح كل واحد منهم لأن يقصد للملك بعد كونهم مستعبدين في غاية البعد عنه ﴿ونجعلهم﴾ بقوتنا وعظمتنا ﴿الوارثين*﴾ أي لملك مصر لا ينازعهم فيه أحد من القبط، ولكل بلد أمرناهم بقصدها، وهذا إيذان بإهلاك الجميع.

стр. 7001

ولما بشر بتمليكهم في سياق دال على مكنتهم، صرح بها فقال: ﴿ونمكن﴾ أي نوقع التمكين ﴿لهم في الأرض﴾ أي كلها لا سيما أرض مصر والشام، بإهلاك أعدائهم وتأييدهم بكليم الله، ثم بالأنبياء من بعده عليهم الصلاة والسلام بحيث نسلطهم بسببهم على من سواهم بما نؤيدهم به من الملائكة ونظهر لهم من الخوارق. ولما ذكر التمكين، ذكر أنه مع مغالبة الجبابرة إعلاماً بأنه أضخم تمكين فقال عاطفاً على نحو: ونريد أن نأخذ الذين علوا في الأرض وهم فرعون وهامان وجنودهما: ﴿ونري﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿فرعون﴾ أي الذي كان هذا الاستضعاف منه ﴿وهامان﴾

стр. 7002

وزيره ﴿وجنودهما﴾ الذين كانا يتوصلان بهم إلى ما يريدانه من الفساد ﴿منهم﴾ أي المستضعفين ﴿ما كانوا﴾ أي بجد عظيم منهم كأنه غريزة ﴿يحذرون*﴾ أي يجددون حذره في كل حين على الاستمرار بغاية الجد والنشاط من ذهاب ملكهم بمولود منهم وما يتبع ذلك، قال البغوي: والحذر: التوقي من الضرر. والآية من الاحتباك: ذكر الاستضعاف أولاً دليلاً على القوة ثانياً، وإراءة المحذور ثانياً دليلاً على إرادة المحبوب أولاً، وسر ذلك أنه ذكر المسلي والمرجي ترغيباً في الصبر وانتظام الفرج. ولما كان التقدير: فكان ما أردناه، وطاح ما أراد غيرنا، فأولدنا من بني إسرائيل الولد الذي كان يحذره فرعون على ملكه، وكان يذبح أبناء بني إسرائيل لأجله، وقضينا بأن يسمى موسى، بسبب أنه يوجد بين ماء وشجر، ونربيه في بيت الذي يحذره ويحتاط لأجله، عطف على هذا المعلوم التقدير أول نعمة منّ بها على الذين استضعفوا فقال: ﴿وأوحينا﴾ أي أوصلنا بعظمتنا بطريق خفي، الله أعلم به هل هو ملك أو غيره، إذ لا بدع في تكليم الملائكة الولي من غير نبوة ﴿إلى أم موسى﴾ أي الذي أمضينا في قضائنا أنه يسمى بهذا الاسم، وأن يكون هلاك فرعون

стр. 7003

وزوال ملكه على يده، بعد أن ولدته وخافت أن يذبحه الذباحون ﴿أن أرضعيه﴾ ما كنت آمنة عليه، وحقق لها طلبهم لذبحه بقوله: ﴿فإذا خفت عليه﴾ أي منهم أن يصيح فيسمع فيذبح ﴿فألقيه﴾ أي بعد أن تضعيه في شيء يحفظه من الماء ﴿في اليم﴾ أي النيل، واتركي رضاعه، وعرفه وسماه يماً - واليم: البحر - لعظمته على غيره من الأنهار بكبره وكونه من الجنة، وما يحصل به من المنافع، وعدل عن لفظ البحر إلى اليم لأن القصد فيه أظهر من السعة؛ قال الرازي في اللوامع: وهذا إشارة إلى الثقة بالله، والثقة سواد عين التوكل، ونقطة دائرة التفويض، وسويداء قلب التسليم، ولها درجات: الأولى درجة الأياس، وهو أياس العبد من مقاواة الأحكام، ليقعد عن منازعة الإقسام، فيتخلص من صحة الإقدام؛ والثانية درجة الأمن، وهو أمن العبد من فوت المقدور، وانتقاص المسطور، فيظفر بروح الرضى وإلا فبعين اليقين، وإلا فبطلب الصبر؛ والثالثة معاينة أولية الحق ﷻ ، ليتخلص من محن المقصود، وتكاليف الحمايات، والتعريج على مدارج الوسائل. ﴿ولا تخافي﴾ أي لا يتجدد لك خوف أصلاً من أن يغرق أو يموت من ترك الرضاع وإن طال المدى أو يوصل إلى أذاه ﴿ولا تحزني﴾ أي ولا يوجد لك حزن لوقوع فراقه.

стр. 7004

ولما كان الخوف عما يلحق المتوقع، والحزن عما يلحق الواقع، علل نهيه عن الأمرين، بقوله في جملة اسمية دالة على الثبات والدوام، مؤكدة لاستبعاد مضمونها: ﴿إنا رادوه إليك﴾ فأزال مقتضى الخوف والحزن؛ ثم زادها بشرى لا تقوم لها بشرى بقوله: ﴿وجاعلوه من المرسلين*﴾ أي الذين هم خلاصة المخلوقين، والآية من الاحتباك، ذكر الإرضاع أولاً دليلاً على تركه ثانياَ، والخوف ثانياً دليلاً على الأمن أولاً، وسره أنه ذكر المحبوب لها تقوية لقلبها وتسكيناً لرعبها. ولما كان الوحي إليها بهذا سبباً لإلقائه في البحر. وإلقاؤه سبباً لالتقاطه، قال: ﴿فالتقطه﴾ أي فأرضعته فلما خافت عليه صنعت له صندوقاً وقيرته لئلا يدخل إليه الماء وأحكمته وأودعته فيه وألقته في بحر النيل، وكأن بيتها كان فوق بيت فرعون، فساقه الماء إلى قرب بيت فرعون، فتعوق بشجر هناك، فتلكف جماعة فرعون التقاطه، قال البغوي: والالتقاط وجود الشيء من غير طلب. ﴿آل فرعون﴾ بأن أخذوا الصندوق، فلما فتحوه وجدوا موسى ﵇ فأحبوه لما ألقى الله تعالى عليهم ممن محبته فاتخذوه ولداً وسموه موسى، لأنهم وجدوه

стр. 7005

في ماء وشجر، ومو بلسانهم: الماء، وسا: الشجر. ولما كانت عاقبة أمره إهلاكهم، وكان العاقل لا سيما المتحذلق، لا ينبغي له أن يقدم على شيء حتى يعلم عاقبته فكيف إذا كان يدعي أنه إله، عبر سبحانه بلام العاقبة التي معناها التعليل، تهكماً بفرعون - كما مضى بيان مثله غير مرة - في قوله: ﴿ليكون لهم عدواً﴾ أي بطول خوفهم منه بمخالفته لهم في دينهم وحملهم على الحق ﴿وحزناً﴾ أي بزوال ملكهم، لأنه يظهر فيهم الآيات التي يهلك الله بها من يشاء منهم، ثم يهلك جميع أبكارهم فيخلص جميع بني إسرائيل منهم، ثم يظفر بهم كلهم. فيهلكهم الله بالغرق على يده إهلاك نفس واحدة، فيعم الحزن والنواح أهل ذلك الإقليم كله، فهذه اللام للعلة استعيرت لما أنتجته العلة التي قصدوها - وهي التبني وقرة العين - من الهلاك، كما استعير الأسد للشجاع فأطلق عليه، فقيل: زيد أسد. لأن فعله كان فعله، والمعنى على طريق التهكم أنهم ما أخذوه إلا لهذا الغرض، لأنا نحاشيهم من الإقدام على ما يعلمون آخر أمره. ولما كان لا يفعل هذا الفعل إلا أحمق مهتور أو مغفل مخذول لا يكاد يصيب على ذلك بالأمرين فقال: ﴿إن فرعون وهامان وجنودهما﴾
следующие страницы →