Полный текст (11 765 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.
стр. 7176
إلى كثرة هذا الصنف بالإسناد إلى ضمير الجمع - إلى أن الأذى في هذه الدار ضربة لازب لا بد منه، بقوله بأداة التحقيق: ﴿فإذا أوذي﴾ أي فتنة له واختباراً من أيِّ مؤذ كان ﴿في الله﴾ أي بسبب كونه في سبيل الله الذي لا يدانيه في عظمته وجميع صفاته شيء، ببلاء يسلط به عباده عليه ﴿جعل﴾ أي ذلك الذي ادعى الإيمان ﴿فتنة الناس﴾ أي له بما يصيبه من أذاهم في جسده الذي إذا مات انقطع أذاهم عنه ﴿كعذاب الله﴾ أي المحيط بكل شيء، فلا يرجى الانفكاك منه، فيصرف المعذب بعد الشماخة والكبر إلى الخضوع والذل، لأن لا كفؤ له ولا مجير عليه، فلا يطاق عذابه، لأنه على كل من الروح والجسد، لا يمكن مفارقته لهما ولا لواحد منهما بموت ولا بحياة إلا بإرادته حتى يكون عمل هذا المعذب عند عذاب الناس له الطاعة لهم في جميع ما يأمرون به ظاهراً وباطناً، فيتبين حينئذ أنه كان كاذباً في دعوى الإيمان، وقصر الرجاء على الملك الديان، وأشار إلى أن الفتنة ربما استمرت إلى الممات وطال زمنها بالتعبير بأداة الشك، وأكد لاستبعاد كل سامع أن يقع من أحد بهت في قوله: ﴿ولئن جاء نصر﴾ أي لحزب الله الثابتي الإيمان.
ولما كان الإحسان منه إنما هو محض امتنان، فلا يجب عليه لأحد
стр. 7177
شيء، عبر بما يدل على ذلك مشيراً إلى أنه يفعله لأجله ﷺ فقال: ﴿من ربك﴾ أي المحسن إليك بنصر أهل دينك، تصديقاً لوعدك لهم، وإدخالاً للسرور عليك،
ولما كانت هذه الحالة رخاء، عبر بضمير الجمع إشارة إلى نحو قول الشاعر:
وما أكثر الإخوان حين تعدهم ... ولكنهم في النائبات قليل
فقال: ﴿ليقولن﴾ أي هؤلاء الذين لم يصبروا، خداعاً للمؤمنين خوفاً ورجاءً وعبر في حالة الشدة بالإفراد لئلا يتوهم أن الجمع قيد، وجمع هنا دلالة على أنهم لا يستحيون من الكذب ولو على رؤوس الأشهاد، وأكدوا لعلمهم أن قولهم ينكر لأنهم كاذبون فقالوا: ﴿إنا كنا معكم﴾ أي لم نزايلكم بقلوبنا وإن أطعنا أولئك بآلسنتنا.
ولما كان التقدير: أليس أولياؤنا المتفرسون بأحوالهم عالمين؟ عطف عليه منكراً قوله: ﴿أو ليس الله﴾ المحيط بعلم الباطن كما هو محيط بعلم الظاهر ﴿بأعلم بما في صدور العالمين*﴾ أي كلهم، منهم فلا يخفى عليه شيء من ذلك إخلاصاً كان أو نفاقاً، بل هو أعلم من أصحاب الصدور بذلك.
ولما أنكر عدم العلم، صرح بالعلم فقال واعداً متوعداً، عاطفاً
стр. 7178
على ما أفهمه السياق من نحو: فقد علم الله جميع ما أخفوا وما أعلنوا: ﴿وليعلمن الله﴾ أي المحيط علماً وقدرة في عالم الشهادة حتى ينكشف ذلك لديكم كما هو عالم به في عالم الغيب ﴿الذين آمنوا﴾ أي وقع منهم إيمان، وليعلمن المؤمنين إيماناً صادقاً بما يواليه عليهم من المحن، وهم لا يزدادون إلا تسليماً ورضى، وأكده لما قدم من أن الناس حسبوا أنهم لا يفتنون ﴿وليعلمن﴾ الذي نافقوا وليعلمن ﴿المنافقين*﴾ بمثل ذلك من الزلازل والفتن التي يميلون معها كيفما ميّلتهم، حتى يعلم كل من له لب أنه لا إيمان لهم كما أنه لا أيمان لهم، ولا شك أنه يعامل كلاًّ من الفريقين بما يستحق على حسب ما يعلم من قلبه، والآية من الاحتباك كما مضى عند ﴿وليعلمن الله الذين صدقوا﴾ .
ولما كان السياق للفتنة والأذى في الله المحقق أمره بإذا دون «إن» وكان الكفار يفتنون من أسلم في أول الأمر، ذكر سبحانه بعض ما كانوا يقولون لهم عند الفتنة جهلاً بالله وغروراً، فقال معجباً منهم،
стр. 7179
عاطفاً على ﴿ومن الناس من يقول﴾ : ﴿وقال الذين كفروا﴾ اغتراراً منهم بالله، وجرأة على حماه المنيع ﴿للذين﴾ أي لطائفة من يقول بلسانه: آمنا بالله، وهم الذين ﴿آمنوا﴾ أي حقيقة، جهلاً منهم بما خالط قلوبهم من بشاشة الإيمان، وأنوار العرفان: ﴿اتبعوا﴾ أي كلفوا أنفسكم بأن تتبعوا ﴿سبيلنا﴾ أي طريق ديننا، وعطفوا وعدهم في مجازاتهم على ذلك بصيغة الأمر على أمرهم باتباعهم للدلالة على أنه محقق لا شك فيه فقالوا: ﴿ولنحمل خطاياكم﴾ بوعد صادق وأمر محتوم جازم، إن كان ما تقولون حقاً إنه لا بد لنا من معاد نؤاخذ فيه بالخطايا، ولو دروا لعمري ما الخبر، يوم يقولون: لا مفر، ما عرضوا أنفسهم لهذا الخطر، يوم يود كل امرىء لو افتدى بماله وبنيه، وعرسه وأخيه، وصديقه وأبيه، ويكون كلامهم - وإن كان أمراً - بمعنى الخبر لأنه وعد كذبه سبحانه لأن معناه: إن كتب عليكم إثم حملناه عنكم بوعد لا خلف فيه ﴿وما هم﴾ أي الكفار ﴿بحاملين﴾ ظاهراً ولا باطناً ﴿من خطاياكم﴾ أي المؤمنين ﴿من شيء﴾ وهم يقدرون أن لا يحملوا، أو حملاً يخفف عنهم العذاب، أي إنهم إذا عاينوا تلك الأحوال، وطاشت عقولهم في بحار هاتيك الأهوال، التي لا يقوم لها الجبال،
стр. 7180
تبرؤوا ممن قالوا له هذا المقال، فقد أخبروا بما لا يطابق الواقع، ويجوز أن يكونوا تعمدوا الكذب حال الإخبار إن كانت نيتهم أنهم لا يفون على تقدير تحقق الجزاء.
ولما علم من هذا كذبهم بكل حال سواء تعمدوا أو لا، صرح به تأكيداً لمضمون ما قبله، مؤكداً لأجل ظن من غروه صدقهم في قوله: مستأنفاً: ﴿إنهم لكاذبون*﴾ .
ولما كان كل من أسلك أحداً طريقاً كان شريكه في عمله فيها، فكان عليه مثل وزره إن كانت طريق ردى، وله مثل أجره إن كانت سبيل هدى، قال تعالى مؤكداً لإنكارهم الآخرة وكل ما فيها: ﴿وليحملن﴾ أي الكفرة ﴿أثقالهم﴾ التي حملوها أنفسهم الضعيفة بما اكتسبوا ﴿وأثقالاً﴾ أخرى لغيرهم ﴿مع أثقالهم﴾ بما تسببوا به من إضلال غيرهم، ومن تأصيل السنن الجائرة الجارية بعدهم، فمن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص أحدهم من حمل الآخرة شيئاً.
ولما كان للسؤال على طريق الازدراء والإذلال، من الرعب
стр. 7181
في القلب ما ليس للأفعال قال: ﴿وليسألن﴾ أي من كل من أمره المولى بسؤالهم ﴿يوم القيامة﴾ أي الذي هم به مكذبون، وله مستهينون والتأكيد إما لإنكارهم ذلك اليوم، أو لظن أن العالم لا يسأل عما يعلمه، ﴿عما كانوا﴾ أي بغاية الرغبة ﴿يفترون*﴾ أي يتعمدون كذبه، ويُعملون أفكارهم في ارتكابه ويواظبون عليه، والتعبير بصيغة الافتعال يدل على أنهم كانوا يعلمون صدق الرسول ﷺ ويتعمدون الكذب في وعدهم لمن غروه.
стр. 7182
ولما كان السياق للبلاء والامتحان، والصبر على الهوان، وإثبات علم الله وقدرته على إنجاء الطائع وتعذيب العاصي، ذكر من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام من طال صبره على البلاء، ولم يفتر عزمه عن نصيحة العباد على ما يعاملونه به من الأذى، تسلية لرسوله ﷺ ولتابعيه رضي الله تعالى عنهم وتثبيتاً لهم وتهديداً لقريش، فقال عاطفاً على ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم﴾ ما هو كالشرح له، وله نظر عظيم إلى ﴿ولقد وصلنا لهم القول﴾ [القصص: ٥١] وأكده دفعاً لوهم من يقول: إن القدرة على التصرف في القلوب مغنية عن الرسالة في دار التسبب: ﴿ولقد أرسلنا﴾ أي على ما لنا من العظمة المغنية عن الرسالة إجراء للأمور على ما تقتضيه هذه الدار من حكمة التسبيب
стр. 7183
﴿نوحاً﴾ أي أول رسل الله الخافقين من العباد، وهو معنى ﴿إلى قومه﴾ فإن الكفر كان قد عم أهل الأرض، وكان ﷺ أطول الأنبياء بلاء بهم، ولذلك قال مسبباً عن ذلك ومعقباً: ﴿فلبث فيهم﴾ أي بعد الرسالة يدعوهم إلى الله، وعظم الأمر بقوله: ﴿ألف﴾ فذكر رأس العدد الذي لا رأس أكبر منه، وعبر بلفظ ﴿سنة﴾ ذماً لأيام الكفر، وقال: ﴿إلا خمسين﴾ فحقق أن ذلك الزمان تسعمائة وخمسون من غير زيادة ولا نقص مع الاختصار والعذوبة، وقال: ﴿عاماً﴾ إشارة إلى أن زمان حياته ﵊ بعد إغراقهم كان رغداً واسعاً حسناً يإيمان المؤمنين وخصب الأرض.
ولما كان تكرير الدعاء مع عدم الإجابة أدل على الامتثال وعدم الملال، قال مسبباً عن لبثه فيهم ودعائه لهم ومعقباً له: ﴿فأخذهم﴾ أي كلهم بالإغراق أخذ قهر وغلبة ﴿الطوفان﴾ أي من الماء، لأن الطوفان في الأصل لكل فاش طامّ محيط غالب ممتلىء كثرة وشدة وقوة من سيل أو ظلام أو موت أو غيرها، والمراد هنا الماء ﴿وهم ظالمون*﴾ أي عريقون في هذا الوصف، وهو وضع الأشياء في غير مواضعها فعل من يمشي في أشد الظلام، بتكذيبهم رسولهم، وإصرارهم على كفرهم، وهو ملازم لدعائهم ليلاً ونهاراً لم يرجع منهم عن الضلال إلا ناس
стр. 7184
لقلتهم لا يعدون؛ ودل عليهم مسبباً عن ذلك بقوله: ﴿فأنجيناه﴾ أي نوحاً ﵇ بما لنا من العظمة التي لا يغلبها شيء ﴿وأصحاب السفينة﴾ من أولاده وأتباعه، من الغرق، وماذا يبلغ مقدار أهل سفينة واحدة في العدة والكثرة ﴿وجعلناها﴾ أي الفعلة أو السفينة أي نفسها وجنسها، بتلك العظمة ﴿آية﴾ أي علامة على قدرة الله وعلمه وإنجائه للطائع وإهلاكه للعاصي ﴿للعالمين*﴾ فإن لم يقع في الدهر حادثة أعظم منها ولا أغرب ولا أشهر في تطبيق الماء جميع الأرض، بطولها والعرض، وإغراق جميع من عليها من حيوان: إنسان وغير إنسان، وإنجاء ناس فيهم بما هيأ قبل الفعل من سبب ذلك المستمر نفعه على تكرار الأحقاب وتعاقب الأزمان، وكونها آية أما للآدميين الذين كانوا في ذلك الزمان فالأمر فيهم واضح، وأما غيرهم من الحيوان فقد عرفوا لمعرفتهم بالجزئيات المشاهدة أن ذلك الماء لا ينجى منه في دار الأسباب إلا هذه السفينة، فالهداية إلى فعلها للنجاة قبل وقوع سبب الهلاك دالة على تمام العلم وشمول القدرة، وأن من اهتدى إليه دون أهل ذلك
стр. 7185
العصر كلهم إنما اهتدى بإعلام الله دون غيره، ونصف الآية الأولى الأول من هذه القصة تسلية وتعزية دليلاً على آيتي الفتنة أول السورة، ونصفها الثاني تحذير وتوقية، وفيه دليل على الآية الثالثة، والآية الثالثة، والآية الأخرى تبشير وترجية، وفيه دليل على ما بعد.
ولما كان بلاء إبراهيم ﵊ عظيماً في قذفه في النار وإخراجه من بلاده، أتبعه به فقال: ﴿وإبراهيم﴾ أي ولقد أرسلنا إبراهيم، ويجوز أن يكون التقدير: واذكر إبراهيم أباك الأعظم لتتأسى به وتتسلى ويتعظ قومك بقصته، لكن قوله ﴿وإلى مدين﴾ يرجح الأول، ودل على مبادرته للامتثال بقوله: ﴿إذ﴾ أي حين، وهو بدل اشتمال على التقدير الثاني لاشتمال الأحيان على ما قبلها ﴿قال لقومه﴾ الذين هو منهم: ﴿اعبدوا الله﴾ أي الملك الأعظم بما يأمركم به من طاعته ﴿واتقوه﴾ أي خافوه في أن تشركوا به شيئاً فإنه يعذبكم ﴿ذلكم﴾ أي الأمر العظيم الذي هو إخلاصكم في عبادتكم له وتقواكم ﴿خير لكم﴾ أي من كل شيء ﴿إن كنتم﴾ أي بما لكم من الغرائز الصالحة ﴿تعلمون*﴾ أي إن كنتم في عداد من يتجدد
стр. 7186
له علم فأنتم تقولون: إنه خير، أي تعتقدون ذلك فتعملون به، وإن لم تعملوا ذلك فأنتم في عداد الحيوانات العجم، بل أضل، فإنها تهتدي لما ينفعها فتقبل عليه، وتسعى بجهدها إليه.
ولما أمرهم بما تقدم، ونفى العلم عمن جهل خيريته، دل عليه بقوله: ﴿إنما تعبدون﴾ ولما كان الله أعلى من كل شيء قال: ﴿من دون الله﴾ أي الذي لا شبيه له ولا نظير، ولا ثاني ولا وزير، وقال: ﴿أوثاناً﴾ إشارة إلى تفرق الهم بكثرة المعبود، والكثرة يلزمها الفرقة ولا خير في الفرقة. ومادة «وثن» بجميع تقاليبها واوية ويائية مهموزة تدور على الزيادة والكثرة، ويلزمها الفرقة من اختلاف الكلمة، فيلزمها حينئذ الرخاوة فيأتي العجز، وتراكيبها تسعة: في الواوي الثلاثة: وثن ثنو ثون، وفي اليائي ثلاثة: ثنى نثى ثين، وفي المهموز ثلاثة: أنث أثن نأث، فمن الزيادة: الوثن، قال القزاز: قال أبو منصور: الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن كل ما كان له جثة من خشب أو حجر أو فضة أو ذهب أو جوهر أو غيره ينحت فينصب فيعبد،
стр. 7187
والصنم الصورة التي بلا جثة، ومنهم من جعل الوثن صنماً - انتهى.
وقال عبد الحق: قال الهروي: قال ابن عرفة: ما كان له صورة من جص أو حجارة أو غير ذلك فهو وثن - انتهى. فقد علم من ذلك أنه لا بد فيه من صورة أو جثة، وعلى كل تقدير فهو ثان لما شابه صورته أو جثته وزائد عليه. وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة: الصنم تمثال من حجارة على صورة الإنسان، فإذا كان من خشب فهو وثن، ويتخذ أيضاً من جص، وربما صوروا في الحائط أيضاً صورة إنسان فتسمى تلك الصورة أيضاً وثناً، والنصارى يفعلون ذلك ويصورون في بيعهم صورة المسيح وصورة مريم ويسجدون لها: واستوثن المال: سمن، فزاد لحمه، واستوثن من المال: استكثر، والنحل: صارت فرقتين صغاراً وكباراً، والإبل: نشأت أولادها معها، وأوثن زيداً: أجزل عطيته، والواثن: الشيء الثابت الدائم في مكانه، فالزيادة فيه بالنسبة إلى زمانه، ويمكن أن يكون من الرخاوة، فإنه لا يثبت على
стр. 7188
هذه الصورة إلا ما لا قدرة له على حركة. ومن الفرقة: نثا الحديث - بتقديم النون - ينثوه وينثيه. يائي وواوي: أشاعه وحدث به، والشيء: فرقه وأذاعه، وأنثى: اغتاب وأنف من الشيء، ولا يؤنف منه إلا على تقدير نشره، والثوينا كالهوينا: الرقيق يفرش تحت الرغيف ليسوى ويعدل لأن يكون ظلمه، والتثاون: الاحتيال والخديعة، فإنها لا تكون إلا عن جمع فكر وتنبيه نظر، وهي أيضاً لا تكون إلا من عاجز عن الأخذ جهاراً، ومن ذلك تثاون للصيد - إذا جاءه مرة عن يمينه وأخرى عن يساره، والثني من كل شيء ما يثنى بعضه على بعض، ومن الوادي: منعطفه، واثنونى: انعطف، والثناء ككتاب: عقال البعير، وهو حبل مثنى يعقل به يد البعير فتثنى، والفناء لأنه يكثر انتيابه والتردد إليه، وأثناء الشيء: قواه وطاقاته، والاثنان: ضعف الواحد، والمؤنث ثنتان، وأصله ثنى،
стр. 7189
والاثنين والثنى كإلى: يوم في الأسبوع، وثنيته عن وجهه: رددته، فصار له رجوع بعد ذهاب، وثنيث الرجلين: صرت ثانيهما وأنت أحدهما، ولا يقال: ثنيت فلاناً، ولكن يقال: صرت له ثانياً، والمثاني: القرآن أو ثني منه مرة بعد مرة، أو الحمد، أو البقرة إلى براءة - هكذا عبر في القاموس، وفي مختصر العين: ويقال: سور أولها البقرة وآخرها براءة، وذكر في القاموس في ذلك أقوالاً أخرى، ومن أوتار العود الذي بعد الأول واحدها مثنى، ومثنى الأيادي: إعادة المعروف مرتين فأكثر، والثنية: العقبة أوطريقها أو الجبل أو الطريقة فيه - لأنها بطلوعها ونزولها أو تعاريجها كأنها ثنيت مرتين، والثنايا من الأسنان: الأربع التي في مقدم الفم: ثنتان من فوق، وثنتان من أسفل، والناقة الطاعنة في السادسة، والبعير ثنى، والفرس الداخلة في الرابعة والشاة في الثالثة كالبقرة، وكأن ذلك كله من عرض
стр. 7190
يعرض لثنيه الحيوان، والثنية: النخلة المستثناة من المساومة، والثنية والثناء، وصف بمدح أو ذم، أو خاص بالمدح، وذلك لأنه يكرر، والثين بالكسر: من يستخرج الدر من البحر، لأنه يكرر الغوص حتى يجد ويفارق مكانه لذلك ويفرق الدر من مكانه، والثين أيضاً: مثقب اللؤلؤ، لأن الثقب يفرق بين أجزائها ولأن المثقب نفسه يحرك فيكثر من حركته إذا فعل به ذلك.
ومن مهموزة؛ نأث عنه: بعد، والمنآث - بالضم، المبعد، والأثين: الأصيل، لأنه ثان لأصله، ومن الرخاوة الأنثى خلاف الذكر، والأنيت من الحديد الرخو وهو ما لم يكن ذكراً، والمؤنث: المخنث، والأنثيان: الخصيتان والأذنان، وأرض أنيثة ومئناث: سهلة، وسيف مئناث: كهام أي قليل لا يقطع - فقد تحرر أن المادة كلها دائرة على ما لا ينبغي لرتبة الإلهية من الكثرة والفرقة والرخاوة، ولذلك أتى بصيغة الحصر، وهو قصر قلب لسلب ما اعتقدوه فيها من الإلهية.
ولما أشار لهم إلى عدم صلاحيتها لتلك الرتبة العلية، والغاية الشماء السنية، بكثرتها، أشار لهم إلى قصورها أيضاً بتصويرها فقال بصيغة المضارع
стр. 7191
إشارة إلى ما يرى في كل وقت من تجدد حدوثها: ﴿وتخلقون﴾ أي تصورون بأيديكم ﴿إفكاً﴾ أي شيئاً مصروفاً عن وجهه، فإنه مصنوع وأنتم تسمونه باسم الصانع، ومربوب وأنتم تعدونه رباً، وعبد وأنتم تقيمونه معبوداً، أو تقولون في حقها إنها آلهة كذباً.
ولما كان الإنسان محتاجاً أبداً، فكان لا يزال متوجهاً إلى من ينفعه، وكان قد أشار سبحانه إلى نقص معبوداتهم بنفي الخير عنها، صرح بعجزها، وأثبت اختصاصه بالخير، لينتج اسحقاقه للعبادة دونها وأكده رداً لما كانوا يتوهمونه من نفعها وضرها فقال: ﴿إن الذين تعبدون﴾ ضلالاً وعدولاً عن الحق الواضح ﴿من دون الله﴾ المحيط بصفات الكمال، المنزه عن شوائب الاختلال الذي لا يمكن أن يملأ جميع ما تحت رتبته شيء فكيف برتبته الشماء، وحضرته العلياء ﴿لا يملكون لكم﴾ أي وأنتم تعبدونها فكيف بغيركم ﴿رزقاً﴾ أي شيئاً من الرزق الذي لا قوام لكم بدونه، فتسبب عن ذلك قوله: ﴿فابتغوا﴾ وأشار بصيغة الافتعال إلى السعي فيه، لأنه أجرى عادته سبحانه أنه في الغالب لا يؤتيه إلا بكد من المرزوق
стр. 7192
وجهد، إما في العبادة والتوكل، وإما في السعي الظاهر في تحصيله بأسبابه الدنيوية «والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» .
ولما أشار إلى ذلك، أشار إلى الإجمال في الطلب، وأن لا يعتقد أنه لا محالة في السبب، وإنما الأمر مع ذلك بيده، إن شاء أنجح وإن شاء خيب، بقوله: ﴿عند الله﴾ أي الذي له كل صفة كمال ﴿الرزق﴾ أي كله، فإنه لا شيء منه إلا وهو بيده، وقد دخل فيه كل موجود، فإن الكل خلق لذلك، فأحكمت صنعته وربط بعضه ببعض، فلو نقص منه شيء لاختل النظام، فتبطل الأحكام ﴿واعبدوه﴾ أي عبادة يقبلها، وهي ما كان خالصاً عن الشرك، فإن من يكون كذلك يستحق ذلك ويثيب العابد له، ويعاقب الزاهد فيه، فلا يشغلكم ابتغاء الرزق بالأسباب الظاهرة عن عبادته، فإنها هي الأسباب الحقيقية، فربما حرم العبد الرزق بالذنب يصيبه ﴿واشكروا﴾ أي أوقعوا الشكر ﴿له﴾ خاصة على ما أفاض عليكم من النعم؛ ثم علل ذلك بقوله: ﴿إليه﴾ أي وحده ﴿ترجعون*﴾ أي معنى في الدنيا والآخرة بأنه لا حكم في الحقيقة لأحد سواه، وحساً بالنشر والحشر بعد الموت بأيسر أمر فيثيب الطائع ويعذب العاصي في الدارين.
стр. 7193
ولما كان التقدير: فإن تصدقوا فهو حظكم في الدنيا والآخرة، عطف عليه قوله: ﴿وإن تكذبوا﴾ والذي دلنا على هذا المحذوف هذه الواو العاطفة على غير معطوف معروف ﴿فقد﴾ أي فيكفيكم في الوعظ والتهديد معرفتكم بأنه ﴿كذب أمم﴾ في الأزمان الكائنة ﴿من قبلكم﴾ كثيرة، كعاد وثمود وقوم نوح وغيرهم، فجرى الأمر فيهم على سنن واحد لم يختلف قط في نجاة والمطيع للرسول وهلاك العاصي له، ولم يضر ذلك بالرسول شيئا وما ضروا به إلا أنفسهم ﴿وما على الرسول﴾ أن يقهركم على التصديق، بل ما عليه ﴿إلا البلاغ المبين*﴾ الموضح مع - ظهوره في نفسه - للأمر بحيث لا يبقى فيه شك، بإظهار المعجزة وإقامة الأدلة على الوحدانية.
ولما كان التقدير: ألم تروا إلى مصارعهم؟ واتساق الحال في أمرهم؟ فيكفيكم ذلك زاجراً، عطف عليه للدلالة على الرجوع إليه منكراً قوله: ﴿أو لم يروا﴾ بالخطاب في قراءة حمزة والكسائي وفي رواية عن أبي بكر عن عاصم جرياً على النسق السابق، وبالغيب للباقين، إعراضاً للإيذان بالغضب ﴿كيف يبدئ الله﴾ أي الذي له كل كمال ﴿الخلق﴾ أي يجدد إبداءه في كل لحظة، وهو بالضم من أبدأ، وقرىء بالفتح من بدأ، وهما معاً بمعنى الإنشاء من العدم؛
стр. 7194
قال القزاز: أبدأت الشيء أبدئه إبداء - إذا أنشأته، والله المبدىء أي الذي بدأ الخلق، يقال: بدأهم وأبدأهم، وفي القاموس: بدأ الله الخلق: خلقهم كأبدأ. ورؤيتهم للإبداء موجودة في الحيوان للإبداء والإعادة في النبات، ولا فرق في الإعادة بين شيء وشيء فيكون قوله - ﴿ثم يعيده﴾ أي يجدد إعادته في كل لمحة - معطوفاً على ﴿يبدئ﴾ ولو لم يكن كذلك لكان عطفه عليه من حيث إن مشاهدة حال الابتداء جعلت مشاهدة لحال الإعادة من حيث إنه لا فرق، ولا حاجة حينئذ إلى تكلف عطفه على الجملة من أولها. ثم حقر أمره بالنسبة إلى عظيم قدرته، فقال ذاكراً نتيجة الأمر السابق: ﴿إن ذلك﴾ أي الإبداء والإعادة، وأكد لأجل إنكارهم ﴿على الله يسير*﴾ لأنه الجامع لكل كمال، المنزه عن كل شائبة نقص.
ولما ساق العزيزالجليل هذا الدليل، عما حاج به قومه الخليل، انتهزت الفرصة في إرشاد نبيه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام والتحية والإكرام، وذلك أنه لما استدل ﵇ على الوحدانية المستلزمة للقدرة على المعاد بإبطال إلهية معبوداتهم المستلزم لإبطال كل
стр. 7195
ما شاكلها، فحصل الاستعداد للتصريح بأمر المعاد، فصرح به، كان ذلك فخراً عظيماً، ومفصلاً بيناً جسيماً، لإقامة الحجة على قريش وسائر العرب، فانتهزت فرصته واقتحمت لجته، كما هي عادة البلغاء، ودأب الفصحاء الحكماء، لأن ذلك كله إنما سيق تسلية للنبي ﷺ ووعظاً لقومه فقيل: ﴿قل﴾ أي يا محمد لهؤلاء الذين تقيدوا بما تقلدوا من مذاهب آبائهم من غير شبهة على صحته أصلاً: قد ثبت أن هذا كلام الله لما ثبت من عجزكم عن معارضته، فثبت أن هذا الدليل كلام أبيكم إبراهيم ﵊ وأنتم مصرحون بتقليد الآباء غير متحاشين من معرته ولا أب لكم أعظم من إبراهيم ﵊، فإذا قلدتم من لا يفارقه في عبادة ما لا يضر ولا ينفع من غير شبهة أصلاً فقلدوا أباكم الأعظم في عبادة الله وحده لكونه أباكم، ولما أقام على ذلك من الأدلة التي لا مراء فيها قال: أو ﴿سيروا﴾ إن لم تقتدوا بأبيكم إبراهيم ﵇، وتتأملوا ما أقام من الدليل القاطع والبرهان الساطع ﴿في الأرض﴾ إن لم يكفكم النظر في أحوال بلادكم.
ولما كان السياق لإثبات الإلهية التي تجب المبادرة إلى تفريغ الفكر وتوجيه كل الذهن إلى الاستدلال عليها، عبر بالفاء المعقبة فقال:
стр. 7196
﴿فانظروا﴾ أي نظر اعتبار ﴿كيف بدأ﴾ أي ربكم الذي خلقكم ورزقكم ﴿الخلق﴾ من الحيوانات والنبات من الزروع والأشجار، وغيرها مما تضمنته الجبال والسهول والأوعار، وهذا يدل على أن الأول فيما هو أعم من الحيوان، فتقريرهم على الإعادة فيه حسن.
ولما كان المقصود بالذات بيان الإعادة التي هي من أجل مقاصد السورة، لإظهار ما مضى أولها من العدل يوم الفصل، وكانوا بها مكذبين، بين الاهتمام بأمرها بإبراز الاسم الأعظم بعد تكريره في هذا السياق غير مرة، وأضمره في سياق البداءة لإقرارهم له بها، إشارة إلى أنه باطن في هذه الدار، ظاهر بجميع الصفات في تلك، فقال: ﴿ثم الله﴾ أي الحائز لجميع صفات الكمال فلا يفوته شيء، المتردي بالجلال، فاخشوا سطوته، واتقوا عقوبته ونقمته ﴿ينشئ النشأة الآخرة﴾ بعد النشأة الأولى. ثم علل ذلك بقوله مؤكداً تنزيلاً لهم منزلة المنكر لإنكارهم البعث: ﴿إن الله﴾ فكرر ذكره تنبيهاً بعد التيمن به على ما ذكره وعلى أنه في كل أفعاله لا سيما هذا مطلق غير مقيد بجهة من الجهات، ولا مشروط بأمر من الأمور ﴿على كل شيء قدير*﴾ لأن نسبة الأشياء كلها إليه واحدة.
стр. 7197
ولما ثبت ذلك، أنتج لا محالة قوله: مهدداً بعد البيان الذي ليس بعده إلا العناد: ﴿يعذب﴾ بعدله ﴿من يشاء﴾ أي منكم ومن غيركم في الدنيا والآخرة، فلا يقدر أحد بشفاعة ولا غيرها على الحماية منه ﴿ويرحم﴾ بفضله ﴿من يشاء﴾ فلا يقدر أحد على أن يمسه بسوء ﴿وإليه﴾ أي وحده ﴿تقلبون*﴾ أي بعد موتكم بأيسر سعي.
ولما لم يبق للقدرة على إعادتهم مانع يدعي إلا ممانعتهم منها، أبطلها على تقدير ادعائهم لها فقال: ﴿وما أنتم﴾ أي أجمعون العرب وغيرهم ﴿بمعجزين﴾ أي بواقع إعجازهم في بعثكم وتعذيبكم ﴿في الأرض﴾ كيفما تقلبتم في ظاهرها وباطنها.
ولما كان الكلام هنا له أتم نظر إلى ما بعد البعث، وكانت الأحوال هناك خارجة عما يستقل به العقل، وكان أثر القدرة أتم وأكمل، وأهم وأشمل، وكان بعض الأرواح يكون في السماء بعد الموت قال: ﴿ولا في السماء﴾ أي لو فرض انكم وصلتم إليها بعد الموت بالحشر أو قبله، لأن الكل بعض ملكه، فكيف يعجزه من في ملكه، ويمكن أن يكون له نظر إلى قصة نمرود في بنائه الصرح الذي أراد به التوصل إلى السماء لا سيما والآيات مكتنفة بقصة إبراهيم ﵊ من قبلها ومن بعدها.
стр. 7198
ولما اخبرهم أنهم مقدور عليهم، وكان ربما بقي احتمال أن غيرهم ينصرهم، صرح بنفيه فقال: ﴿وما لكم﴾ أي أجمعين أنتم وغيركم أيها المحشورون، وأشار إلى سفول رتبة كل من سواه بقوله: ﴿من دون الله﴾ أي الذي هو أعظم من كل عظيم؛ وأكد النفي بإثبات الجار فقال: ﴿من ولي﴾ أي قريب يحميكم لأجل القرابة ﴿ولا نصير*﴾ لشيء غير ذلك لأنه لا كفوء له.
ولما كان التقدير: فالذين آمنوا بآيات ربهم ولقائه أولئك يرجون رحمتي وأولئك لهم نعيم مقيم، وكان قد أمرهم بالاستدلال، وهددهم ليرجعوا عن الضلال، بما أبقى للرجال بعض المحال، أتبعه ما قطعه، فقال عاطفاً على ذلك المقدر: ﴿والذين كفروا﴾ أي ستروا ما أظهرته لهم أنوار العقول ﴿بآيات الله﴾ أي دلائل الملك الأعظم المرئية والمسموعة التي لا أوضح منها ﴿ولقائه﴾ بالبعث بعد الموت الذي أخبر به وأقام الدليل على قدرته عليه بما لا أجلى منه ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء البعيدو الفهم المحطوطون عن رتبة الإنسان، بل رتبة مطلق الحيوان ﴿يئسوا﴾ أي تحقق يأسهم من الآن، بل من الأزل، لأنهم لم يرجوا
стр. 7199
لقاء الله يوماً؛ ولا قال أحد منهم ﴿رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ .
ولما كان أكثرهم متعنتاً، بين أن المتكلم بهذا الكلام، العالي عن متناول الأنام، هو الله المنوه باسمه في هذا النظام، بالالتفات إلى أسلوب التلكم، تنبيهاً لمفات السامعين بما ملأ الصدور وقصم الظهور فقال: ﴿من رحمتي﴾ أي من أن أفعل بهم من الإكرام بدخول الجنة وغيرها فعل الراحم؛ وكرر الإشارة تفخيماً للأمر فقال: ﴿وأولئك﴾ أي الذين ليس بعد بعدهم بعد، وتهكم بهم في التعبير بلام الملك التي يغلب استعمالهما في المحبوب فقال: ﴿لهم عذاب أليم*﴾ أي مؤلم بالغ إيلامه في الدنيا والآخرة.
стр. 7200
ولما ختم سبحانه هذه الجملة الاعتراضية بما ابتدأها به وبما ختم به ما قبلها من كلام الخليل ﵊، وزاد هذا ما ترى من التهديد الشديد، شرع في إكمال قصته ﵊ دالاً على أنه لا أحد يعجزه، ولا يقدر على نصر أحد من عذابه الأليم، مشيراً إلى أنهم سببوا عن قوله ضد ما يقتضيه إيذاناً بالعناد، والإصرار على سوء الاعتقاد، فقال: ﴿فما كان جواب قومه﴾ أي الذين يرجى قبولهم
стр. 7201
لنصحه علماً منهم بوفور شفقته وعظم أمانته ونصيحته ﴿إلا أن قالوا﴾ بأعظم فظاظة ﴿اقتلوه﴾ أي بالسيف ﴿أو حرقوه﴾ أي بالنار.
ولما استقر رأي الجميع على هذا الثاني، ولم يكن له فيهم نصير، أشار إليه سبحانه بقوله ناسقاً له على ما تقديره: فأبى المعظم القتل لأنه عذاب مألوف لمن يستحقه من المجرمين، وهو قد عمل عملة مفردة في الدهر فالذي ينبغي أن يخص العذاب عليها بعذاب لم يعهد مثله وهو الإحراق على هيئة غريبة، فرجعوا عن القتل واستقر رأيهم على الإحراق فجمعوا له حطباً إلى أن ملأ ما بين الجبال، وأضرموا فيه النار حتى أحرقت ما دنا منها بعظيم الاشتعال، وقذفوه فيها بالمنجنيق ﴿فأنجاه الله﴾ بما له من كمال العظمة إنجاء وحيّاً من غير احتياج إلى تدريج ﴿من النار﴾ أي من إحراقها وأذاها، ونفعته بأن أحرقت وثاقه.
ولما اشتملت قصته بهذا السياق على دلائل واضحات، وأمور معجزات، عظم أمرها سبحانه بقوله مؤكداً لمزيد التنويه بذكرها، وتنزيلاً في توقفهم عما دعت إليه الآيات الظاهرة من الإيمان منزلة المنكر لها: ﴿إن في ذلك﴾ أي ما ذكر من أمره وما خللت به قصته من الحكم ﴿لآيات﴾ أي براهين قاطعة في الدلالة على جميع أمر الله من تصرفه في الأعيان والمعاني، لكون النار لم تحرقه وأحرقت وثاقه وكل ما
стр. 7202
مر عليها من طائر، ومع رؤيته ذلك لم يؤمنوا ولم يقدروا على ضرره بشيء غير ذلك.
ولما كان ما للشيء إنما هو في الحقيقة ما ينفعه، وكان قد حجبها سبحانه بالشهوات والحظوظ الشاغلة عن استعمال نور العقل، قال: ﴿لقوم يؤمنون*﴾ أي يقبلون على استعمال نور العقل الذي وهبهموه الله فيصدقون بالغيب حتى صار الإيمان -بكثرة ما صقلوا مرائي قلوبهم بالنظر في أسبابه - لهم خلقاً بحيث إنهم في كل لحظة يجددون الترقي في مراتبه، والتنقل في أخبيته ومضاربه.
ولما تقدم سلبه النفع عن هذه الأوثان، أشار هنا إلى نفع يعقب من الضر ما لا نسبة له منه، فليس حينئذ بنفع، فقال تعالى: ﴿وقال﴾ أي إبراهيم ﵊ غير هائب لتهديدهم بقتل ولا غيره، مؤكداً لأجل ما أشار إليه مما ينكرونه من ضعف شركائهم وعجزها: ﴿إنما اتخذتم﴾ أي أخذتم باصطناع وتكلف، وأشار لى عظمة الخالق وعلو شأنه بقوله: ﴿من دون الله﴾ أي الذي كل شيء تحت قهره، ولا كلفة - في اعتقاد كونه رباً - باحتياج إلى مقدمة جعل وصنعة ولا غير ذلك، وقال: ﴿أوثاناً﴾ إشارة إلى تكثرها الذي هو مناف
стр. 7203
لرتبة الإلهية؛ وأشار إلى ذلك النفع بقوله: ﴿مودة﴾ أي لأجل مودة - عند من نصب سواء ترك التنوين وهم حمزة وخفص عن عاصم وروح عن يعقوب أو نوّن وهم الباقون ﴿بينكم﴾ من خفضه على الاتساع ورفع «مودة» وهم ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب كان المعنى: هي مودة البين الجامع لكم بمعنى مودتكم على وجه أبلغ، لأن المودة إذا كانت لبين جامع الناس كانت لأولئك الناس بطريق الأولى، ومن خفضه ونصبها وهم حمزة وحفص عن عاصم وروح عن يعقوب فالمعنى: لأجل المودة، ومن نصبها ونوّن وهم نافع وابن عامر وأبو جعفر وشعبة فالبين عنده ظرف ﴿في الحياة الدنيا﴾ بالاجتماع عندها والتواصل في أمرها بالتناصر والتعاضد كما يتفق ناس على مذهب فيكون ذلك سبب تصادقهم، وهذا دال على أن جمع الفسوق لأهل الدنيا هو العادة المستمرة، وأن الحب في الله والاجتماع له عزيز جداً، لما فيه من قطع علائق الدنيا وشهواتها التي زينت للناس، بما فيها من الإلباس، وعظيم البأس.
ولما أشار إلى هذا النفع الذي هو في الحقيقة ضر، ذكر ما يعقبه من الضر البالغ، فقال معبراً بأداة البعد إشارة إلى عظيم ذلك اليوم،
стр. 7204
وإلى أنه جعل لهم في الحياة أمداً يمكنهم فيه السعي للتوقي من شر ذلك اليوم: ﴿ثم يوم القيامة﴾ ساقه مساق ما لا نزاع فيه لما قام عليه من الأدلة ﴿يكفر بعضكم ببعض﴾ فينكر كل منهم محاسن أخيه، ويتبرأ منه بلعن الأتباع القادة، ولعن القادة الأتباع، وتنكرون كلكم عبادة الأوثان تارة إذا تحققتم أنها لا ضر ولا نفع لها، وتقرون بها أخرى طالبين نصرتها راجين منفعتها، وتنكر الأوثان عبادتكم وتجحد منفعتكم ﴿ويلعن بعضكم بعضاً﴾ على ما ذكر ﴿ومأواكم﴾ جميعاً أنتم والأوثان ﴿النار﴾ لتزيد في عذابكم ويزداد بغضكم لها ﴿وما لكم﴾ وأعرق في النفي فقال: ﴿من ناصرين*﴾ أصلاً يحمونكم منها، ويدخل في هذا كل من وافق أصحابه من أهل المعاصي أو البطالة على الرذائل ليعدوه حسن العشرة مهذب الأخلاق لطيف الذات، أو خوفاً من أن يصفوه بكثافة الطبع وسوء الصحبة، ولقد عم هذا لعمري أهل الزمان ليوصفوا بموافاة الإخوان ومصافاة الخلان، معرضين عن رضى الملك الديان.
ولما كان في سياق الابتلاء، وذكر من الأنبياء من طال ابتلاؤه،
стр. 7205
بين أنه لم يكن لهم من أممهم تابع يقدر على نصرهم، وأن الله سبحانه تولى كفايتهم فلم يقدر واحد على إهلاكهم، وأهلك أعدائهم، فلم يكن لهم من ناصرين فقال: ﴿فآمن له﴾ أي لأجل دعائه له مع ما رأى من الآيات ﴿لوط﴾ أي ابن أخيه هاران وحده، وهو أول من صدقه من الرجال ﴿وقال﴾ أي إبراهيم عليهما الصلاة والسلام مؤكداً لما هو جدير بالإنكار من الهجرة لصعوبتها: ﴿إني مهاجر﴾ أي خارج من أرضي وعشيرتي على وجه الهجر لهم فمنتقل ومنحاز ﴿إلى ربي﴾ أي إلى أرض ليس بها أنيس ولا عشير، ولا من ترجى نصرته، ولا من تنفع مودته، فحينئذ يتبين الرضى بالله وحده، والاعتماد عليه دون ما سواه، فهاجر من كوثى من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى الأرض المقدسة، فكانت له هجرتان، وهو أول من هاجر في الله، قال مقاتل: وكان إذ ذاك ابن خمس وسبعين سنة.
ثم علل ذلك بما يسليه عن فراق أرضه وأهل وده من ذوي رحمه وأنسابه وأولي قربه، فقال مؤكداً تسكيناً لمن عساه يتبعه وتهويناً عليه لفراق ما ألفت النفوس من أنه
стр. 7206
لا عز إلا به من العشائر والأموال والمعارف: ﴿إنه هو﴾ أي وحده ﴿العزيز﴾ أي فهو جدير بإعزاز من انقطع إليه ﴿الحكيم*﴾ فهو إذا أعز أحداً منعته حكمته من التعرض له بإذلال، بفعل أو مقال، كما صنع بي حين أراد إذلالي من كان جديراً بإعزازي من عشيرتي وأهل قربى، وبالغ في أذاي ممن كان حقيقاً بنفعي من ذوي رحمي وحبي.
ولما كان التقدير: فأعززناه كما ظن بنا إعزازاً أحكمناه حتى استمر في عقبه إلى القيامة، عطف عليه قوله: ﴿ووهبنا له﴾ أي بجليل قدرتنا شكراً على هجرته ﴿إسحاق﴾ من زوجته سارة ﵍ التي جمعت إلى العقم في شبابها اليأس بكبرها، وعطفه لهبته له بالواو دليل على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الصافات من أن الذبيح إسماعيل ﵊ لتعقيبه للهبة هناك على الهجرة بالفاء ﴿ويعقوب﴾ من ولده إسحاق عليهما الصلاة والسلام.
ولما كان السياق في هذه السورة للامتحان، وكان إبراهيم ﵊ قد ابتلي في إسماعيل ﵊ بفراقه مع أمه ﵄ ووضعهما في قضيعة من الأرض لا أنيس بها، لم يذكره تصريحاً في سياق الامتنان، وأفرد إسحاق ﵊ لأنه لم يبتل فيه بشيء من ذلك، ولأن المنة به - لكون أمه عجوزاً وعقيماً - أكبر وأعظم لأنها أعجب، وذكر إسماعيل عليه الصلاة والسلام
стр. 7207
تلويحاً في قوله: ﴿وجعلنا﴾ أي بعزتنا وحكمتنا ﴿في ذريته﴾ من ولد إسحاق وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام ﴿النبوة﴾ فلم يكن بعده نبي أجنبي عنه، ومتى صحت هذه المناسبة لزم قطعاً أن يكون الذبيح إسماعيل ﵊ فإنه أعرى ذكر هذه السورة منه، ويكون كأنه قيل: إنا بشرناه بما يسرّ به من إسحاق بعد أن أمرناه بما يضر من إسماعيل ﵉ فصبر في محنة الضراء، وشكر في محنة السراء ﴿والكتاب﴾ فلم ينزل كتاب إلا على أولاده، وأفرد ليدل - مع تناوله بالجنسية الكتب الأربعة - على أنه لا شيء يستحق أن يكتب إلا ما أنزل فيها، أو كان راجعاً إليه، ولو جمع لم يفد هذا المعنى ﴿وآتيناه أجره﴾ على هجرته ﴿في الدنيا﴾ بما خصصناه به مما لا يقدر عليه غيرنا من سعة الرزق، ورغد العيش، وكثرة الخدم، والولد في الشيخوخة، وكثرة النسل، والثناء الحسن، والمحبة من جميع الخلق، وغير ذلك.
ولما كان الكافر يعتقد - لإنكاره البعث - أنه نكد حياته بالهجرة نكداً لا تدارك له، اقتضى الحال التأكيد في قوله: ﴿وإنه في الآخرة﴾ أي التي هي الدار وموضع الاستقرار ﴿لمن الصالحين*﴾ الذين خصصناهم بالسعادة وجعلنا لهم الحسنى وزيادة.
стр. 7208
ولما كان - كما مضى - السياق للابتلاء، خص بالبسط في القص
стр. 7209
من لم يكن له ناصر من قومه، أو كان غريباً منها، ولذلك أتبع الخليل ﵊ ابن أخيه الذي أرسله الله إلى أهل سدوم: ناس لا قرابة له فيهم ولا عشيرة، فقال: ﴿ولوطاً﴾ أي أرسلناه، وأشار إلى إسراعه في الامتثال بقوله: ﴿إذ﴾ أي وأرسلناه حين ﴿قال لقومه﴾ أهل سدوم الذين سكن فيهم وصاهرهم وانقطع إليهم فصاروا قومه، حين فارق عمه إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام، منكراً ما رأى من حالهم، وقبيح فعالهم، مؤكداً له إشارة إلى أنه - مع كونه يرونه من أعرف المعارف - جدير بأن ينكر: ﴿إنكم لتأتون الفاحشة﴾ أي المجاوزة للحد في القبح، فكأنها لذلك لا فاحشة غيرها. ثم علل كونها فاحشة استئنافاً بقوله: ﴿ما سبقكم﴾ أو هي حال مبينة لعظيم جرأتهم على المنكر، أي غير مسبوقين ﴿بها﴾ وأعرق في النفي بقوله: ﴿من أحد﴾ وزاد بقوله: ﴿من العالمين*﴾ أي كلهم فضلاً عن خصوص الناس؛ ثم كرر الإنكار تأكيداً لتجاوز قبحها الذي ينكرونه فقال: ﴿أئنكم لتأتون الرجال﴾ إتيان الشهوة، وعطف عليها ما ضموه إليها من المناكر، بياناً لاستحقاق الذم من وجوه، فأوجب حالهم ظن أنهم وصلوا من الخبث إلى حد لا مطمع في الرجوع عنه مع
стр. 7210
ملازمته لدعائهم من غير ملل ولا ضجر، فقال ﴿وتقطعون السبيل*﴾ أي بأذى الجلابين والمارة.
ولما خص هذين الفسادين، عم دالاً على المجاهرة فقال: ﴿وتأتون في ناديكم﴾ أي المكان الذي تجلسون فيه للتحدث بحيث يسمع بعضكم نداء بعض من مجلس المؤانسة، وهو ناد ما دام القوم فيه، فإذا قاموا عنه لم يسم بذلك ﴿المنكر﴾ أي هذا الجنس، وهو ما تنكره الشرائع والمروءات والعقول، ولا تتحاشون عن شيء منه في المجتمع الذي يتحاشى فيه الإنسان من فعل خلاف الأولى، من غير أن يستحي بعضكم من بعض؛ ودل على عنادهم بقوله مسبباً عن هذه النصائح بالنهي عن تلك الفضائح: ﴿فما كان جواب قومه﴾ أي الذين فيهم قوة ونجدة بحيث يخشى شرهم، ويتقي أذاهم وضرهم، لما أنكر عليهم ما أنكر ﴿إلا أن قالوا﴾ عناداً وجهلاً واستهزاء: ﴿ائتنا بعذاب الله﴾ وعبروا بالاسم الأعظم زيادة في الجرأة. ولما كان الإنكار ملزوماً للوعيد بأمر ضار قالوا: ﴿إن كنت﴾ أي كوناً متمكناً ﴿من الصادقين*﴾ أي في وعيدك وإرسالك، إلهاباً وتهييجاً.
ولما كان كأنه قيل: بم أجابهم؟ قيل: ﴿قال﴾ أي لوط ﵊ معرضاً عنهم، مقبلاً بكليته على المحسن إليه: ﴿رب﴾
стр. 7211
أي أيها المحسن إليّ ﴿انصرني على القوم﴾ أي الذين فيهم من القوة ما لا طاقة لي بهم معه ﴿المفسدين*﴾ بإتيان ما تعلم من القبائح.
ولما كان التقدير: فاستجبنا له فأرسلنا رسلنا بشرى لعمه إبراهيم ﵊، ولإهلاك قوم لوط ﵊، تحقيقاً لانتقامنا من المجرمين، وإنعامنا على الصالحين، ولابتلائنا لمن نريد من عبادنا حيث جعلنا النذارة مقارنة للبشارة، عطف عليه قوله: ﴿ولما جاءت﴾ وأسقط «أن» لأنه لم يتصل المقول بأول المجيء بل كان قبله السلام والإضافة؛ وعظم الرسل بقولهك ﴿رسلنا﴾ أي من الملائكة تعظيماً لهم في أنفسهم ولما جاؤوا به ﴿إبراهيم بالبشرى﴾ أي بإسحاق ولداً له، ويعقوب ولداً لإسحاق عليهما الصلاة والسلام.
ولما كان المقام للابتلاء والامتحان، أجمل البشرى، وفصل النذري، فقال: ﴿قالوا﴾ أي الرسل عليهم الصلاة والسلام لإبراهيم ﵊ بعد أن بشروه وتوجهوا نحو سدوم، جواباً لسؤاله عن خطبهم، تحقيقاً لأن أهل السيئات مأخوذون، وأكدوا لعلمهم أن الخليل ﵊ يود أن يهديهم الله على يد ابن أخيه ولا يهلكهم، فقالوا: ﴿إنا مهلكو﴾ وأضافوا تحقيقاً لأن الأمر قد حق وفرغ منه فقالوا: ﴿أهل هذه القرية﴾ ثم عللوا ذلك بقولهم: ﴿إن أهلها﴾ مظهرين غير مضمرين إفهاماً لأن المراد أهلها الأضلاء في ذلك، إخراجاً للوط ﵇: ﴿كانوا ظالمين*﴾ أي عريقين في هذا الوصف، فلا حيلة في رجوعهم عنه.
ولما كان السامع بحيث يتشوف إلى معرفة ما كان بعد ذلك، كان كأنه قيل: لم يقنع الخليل ﵇ لخطر المقام بهذا التلويح، بل ﴿قال﴾ مؤكداً تنبيهاً على جلالة ابن أخيه، وإعلاماً بشدة اهتمامه به، وأنه ليس ممن يستحق الهلاك، ليعلم ما يقولون في حقه، لأن الحال جد، فهو جدير بالاختصار: ﴿إن﴾ وأفهم بقوله: ﴿فيها لوطاً﴾ دون، منهم، أنه نزيل تدرجاً إلى التصريح بالسؤال فيه، وسؤالاً في الدفع عنهم بكونه فيهم، لأنه بعيد عما عللوا به الإهلاك من الظلم، ﴿قالوا﴾ أي الرسل لإبراهيم ﵊: ﴿نحن أعلم﴾ أي منك ﴿بمن فيها﴾ أي من لوط وغيره.
ولما كان كلامهم محتملاً للأنجاء والإرداء، صرحوا بقولهم على سبيل التأكيد، لأن إنجاءه من بينهم جدير بالاستبعاد: ﴿لننجينه﴾ أي إنجاءاً عظيماً ﴿وأهله﴾ ولما أفهم هذا امرأته استثنوها ليكون ذلك أنص على إنجاء غيرها من جميع أهله فقالوا: ﴿إلا امرأته﴾ فكأنه قيل: فما حالها؟ فقيل: ﴿كانت﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿من الغابرين*﴾ أي الباقين في الأرض المدمرة والجماعة الفجرة، ليعم وجهها معهم الغبرة.
стр. 7212
ولما لم يبق بعد هذا إلا خبر الرسل مع لوط ﵊، قال عاطفاً على ما تقديره: ثم فارقوه ومضوا إلى المدينة التي فيها لوط ﵇، مفهماً بالعدول عن الفاء إلى الواو أن بين المكانين بعداً: ﴿ولما﴾ وأثبت ما صورته صورة الحرف المصدري لما اقتضاه مقصود السورة، وأكثر سياقاتها بين التسليك في مقام الامتحان والاجتهاد في النهي عن المنكر، ولذا ذكر هنا في قصة إبراهيم ﵇ القتل والإحراق، وأتبعت بشراء بإهلاك القرية الظالمة، فقال: ﴿أن جاءت رسلنا﴾ أي المعظمون بنا ﴿لوطاً﴾ بيانا لأنه ﴿سيء﴾ أي حصلت له المساءة ﴿بهم﴾ أول أوقات مجيئهم إليه وحين قدومهم عليه، فاجأته المساءة من غير ريب لما رأى من حسن أشكالهم، وخاف من تعرض قومه لهم، وهو يظن أنهم من الناس، وذلك أن أن في مثل هذا صلة وإن كان أصلها المصدر لتؤكد وجود الفعلين مرتباً وجود أحدهما على الآخر في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما
стр. 7213
فإنها وجدا في جزء واحد من الزمان، قال ابن هشام في المغني ما معناه أن علة ذلك أن الزائد يؤكد معنى ما جيء به لتأكيده، ولما تقيد وقوع الفعل الثاني عقيب الأول وترتبه عليه فالحرف الزائد يؤكد ذلك. ﴿وضاق بهم﴾ أي بأعمال الحيلة في الدفع عنهم ﴿ذرعاً﴾ أي ذرعة طاقتهم كما بين وأشبع القول فيه في سورة هود ﵇، والأصل في ذلك أن من طالت ذراعه نال ما لا يناله قصيرها، فضرب مثلاً في العجز والقدرة، وذلك أنهم أتوه في صورة مردان ملاح جداً، وقد علم أمر أهل القرية في مثل ذلك ولم يعلم أنهم رسل الله.
ولما كان التقدير: فقالوا له: يا لوط! إنا رسل ربك، فخفض عليك من هذا الضيق الذي نراه بك فإنا ما أرسلنا إلا لإهلاكهم، عطف عليه قوله: ﴿وقالوا﴾ أي لما رأوا ما لقي في أمرهم: ﴿لا تخف﴾ أي من أن يصلوا إلينا أو من أن تهلك أنت أو أحد من أهل طاعتك ولا تحزن أي على أحد ممن نهلكه فإنه ليس في أحد منهم خير يؤسف عليهم بسببه؛ ثم عللوا ذلك بقولهم مبالغين في التأكيد للإغناء به عن جمل طوال، إشارة إلى أن الوقت أرق فهو لا يحتمل التطويل: ﴿إنا منجوك﴾ أي مبالغون في إنجائك ﴿وأهلك﴾ أي ومهلكوا أهل هذه القرية، فلا يقع ضميرك أنهم يصلون
стр. 7214
إلينا، وقالوا: ﴿إلا امرأتك﴾ تنصيصاً على كل فرد منهم سواها؛ ثم دلوا على هلاكها بقولهم جواباً لمن كأنه قال: ما لها؟ فقيل: ﴿كانت من الغابرين*﴾ أي كأن هذا الحكم في أصل خلقتها.
ولما أفهمت العبارة كما مضى إهلاكهم، صرحوا به فقالوا معينين لنوعه، معللين لما أخبروه به، مؤكدين إعلاماً بأن الأمر قد فرغ منه قطعاً لأن يشفع فيهم، جرياً على عادة الأنبياء في الشفقة على أممهم: ﴿إنا منزلون﴾ أي لا محالة ﴿على أهل هذه القرية رجزاً﴾ أي عذاباً يكون فيه اضطراب شديد يضطرب منه من أصابه كائناً من كان ﴿من السماء﴾ فهو عظيم وقعه، شديد صدعه ﴿بما كانوا﴾ أي كوناً راسخاً ﴿يفسقون*﴾ أي يخرجون في كل وقت من دائرة العقل والحياء.
ولما كان التقدير: ففعلت رسلنا ما وعدوه به من إنجائه وإهلاك جميع قراهم، فتركناها، كأن لم يسكن بها أحد قط، عطف عليه قوله مؤكداً إشارة إلى فضيلة المخاطبين بهذه القصة من العرب وغيرهم، وأنه ليس بينهم وبين الهدى إلا تفكرهم في أمرهم مع
стр. 7215
الإنخلاع من الهوى: ﴿ولقد تركنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿منها﴾ أي من تلك القرية ﴿آية﴾ علامة على قدرتنا على كل ما نريد ﴿بينة﴾ وهو الماء الأسود المنتن الذي غمر قراهم كلها بعد الخسف بها وهو مباين لجميع مياه الأرض لكونه ماء السخط لمن باينوا بفعلهم الخلق مع اشتهار كونه على الخسف.
ولما كان سبحانه قد حجب عن الأبصار كثيراً من الناس قال: ﴿لقوم يعقلون*﴾ فعد من لم يستبصر به عير عاقل ولا شاعر بأنها آية ولا فيه أهلية القيام بما يريد.
ولما كان السياق لإثبات يوم الدين وإهلاك المفسدين، ولمن طال ابتلاؤه من الصالحين ولم يجد له ناصراً من قومه، إما لغربته عنهم، وإما لقلة عشيرته لتسميتهم وعدم أتباعه، وكان شعيب ﵇ ممن استضعفه قومه واستقلوا عشيرته لتسميتهم لهم رهطاً، والرهط ما دون العشرة أو من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر، فكان ﵇ كذلك في هذا العداد، عقب قصة لوط بقصته ﵊ فقال: ﴿وإلى﴾ أي ولقد أرسلنا إلى
следующие страницы →