← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

أي أيها المحسن إليّ ﴿انصرني على القوم﴾ أي الذين فيهم من القوة ما لا طاقة لي بهم معه ﴿المفسدين*﴾ بإتيان ما تعلم من القبائح. ولما كان التقدير: فاستجبنا له فأرسلنا رسلنا بشرى لعمه إبراهيم ﵊، ولإهلاك قوم لوط ﵊، تحقيقاً لانتقامنا من المجرمين، وإنعامنا على الصالحين، ولابتلائنا لمن نريد من عبادنا حيث جعلنا النذارة مقارنة للبشارة، عطف عليه قوله: ﴿ولما جاءت﴾ وأسقط «أن» لأنه لم يتصل المقول بأول المجيء بل كان قبله السلام والإضافة؛ وعظم الرسل بقولهك ﴿رسلنا﴾ أي من الملائكة تعظيماً لهم في أنفسهم ولما جاؤوا به ﴿إبراهيم بالبشرى﴾ أي بإسحاق ولداً له، ويعقوب ولداً لإسحاق عليهما الصلاة والسلام. ولما كان المقام للابتلاء والامتحان، أجمل البشرى، وفصل النذري، فقال: ﴿قالوا﴾ أي الرسل عليهم الصلاة والسلام لإبراهيم ﵊ بعد أن بشروه وتوجهوا نحو سدوم، جواباً لسؤاله عن خطبهم، تحقيقاً لأن أهل السيئات مأخوذون، وأكدوا لعلمهم أن الخليل ﵊ يود أن يهديهم الله على يد ابن أخيه ولا يهلكهم، فقالوا: ﴿إنا مهلكو﴾ وأضافوا تحقيقاً لأن الأمر قد حق وفرغ منه فقالوا: ﴿أهل هذه القرية﴾ ثم عللوا ذلك بقولهم: ﴿إن أهلها﴾ مظهرين غير مضمرين إفهاماً لأن المراد أهلها الأضلاء في ذلك، إخراجاً للوط ﵇: ﴿كانوا ظالمين*﴾ أي عريقين في هذا الوصف، فلا حيلة في رجوعهم عنه. ولما كان السامع بحيث يتشوف إلى معرفة ما كان بعد ذلك، كان كأنه قيل: لم يقنع الخليل ﵇ لخطر المقام بهذا التلويح، بل ﴿قال﴾ مؤكداً تنبيهاً على جلالة ابن أخيه، وإعلاماً بشدة اهتمامه به، وأنه ليس ممن يستحق الهلاك، ليعلم ما يقولون في حقه، لأن الحال جد، فهو جدير بالاختصار: ﴿إن﴾ وأفهم بقوله: ﴿فيها لوطاً﴾ دون، منهم، أنه نزيل تدرجاً إلى التصريح بالسؤال فيه، وسؤالاً في الدفع عنهم بكونه فيهم، لأنه بعيد عما عللوا به الإهلاك من الظلم، ﴿قالوا﴾ أي الرسل لإبراهيم ﵊: ﴿نحن أعلم﴾ أي منك ﴿بمن فيها﴾ أي من لوط وغيره. ولما كان كلامهم محتملاً للأنجاء والإرداء، صرحوا بقولهم على سبيل التأكيد، لأن إنجاءه من بينهم جدير بالاستبعاد: ﴿لننجينه﴾ أي إنجاءاً عظيماً ﴿وأهله﴾ ولما أفهم هذا امرأته استثنوها ليكون ذلك أنص على إنجاء غيرها من جميع أهله فقالوا: ﴿إلا امرأته﴾ فكأنه قيل: فما حالها؟ فقيل: ﴿كانت﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿من الغابرين*﴾ أي الباقين في الأرض المدمرة والجماعة الفجرة، ليعم وجهها معهم الغبرة.

стр. 7212

ولما لم يبق بعد هذا إلا خبر الرسل مع لوط ﵊، قال عاطفاً على ما تقديره: ثم فارقوه ومضوا إلى المدينة التي فيها لوط ﵇، مفهماً بالعدول عن الفاء إلى الواو أن بين المكانين بعداً: ﴿ولما﴾ وأثبت ما صورته صورة الحرف المصدري لما اقتضاه مقصود السورة، وأكثر سياقاتها بين التسليك في مقام الامتحان والاجتهاد في النهي عن المنكر، ولذا ذكر هنا في قصة إبراهيم ﵇ القتل والإحراق، وأتبعت بشراء بإهلاك القرية الظالمة، فقال: ﴿أن جاءت رسلنا﴾ أي المعظمون بنا ﴿لوطاً﴾ بيانا لأنه ﴿سيء﴾ أي حصلت له المساءة ﴿بهم﴾ أول أوقات مجيئهم إليه وحين قدومهم عليه، فاجأته المساءة من غير ريب لما رأى من حسن أشكالهم، وخاف من تعرض قومه لهم، وهو يظن أنهم من الناس، وذلك أن أن في مثل هذا صلة وإن كان أصلها المصدر لتؤكد وجود الفعلين مرتباً وجود أحدهما على الآخر في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما

стр. 7213

فإنها وجدا في جزء واحد من الزمان، قال ابن هشام في المغني ما معناه أن علة ذلك أن الزائد يؤكد معنى ما جيء به لتأكيده، ولما تقيد وقوع الفعل الثاني عقيب الأول وترتبه عليه فالحرف الزائد يؤكد ذلك. ﴿وضاق بهم﴾ أي بأعمال الحيلة في الدفع عنهم ﴿ذرعاً﴾ أي ذرعة طاقتهم كما بين وأشبع القول فيه في سورة هود ﵇، والأصل في ذلك أن من طالت ذراعه نال ما لا يناله قصيرها، فضرب مثلاً في العجز والقدرة، وذلك أنهم أتوه في صورة مردان ملاح جداً، وقد علم أمر أهل القرية في مثل ذلك ولم يعلم أنهم رسل الله. ولما كان التقدير: فقالوا له: يا لوط! إنا رسل ربك، فخفض عليك من هذا الضيق الذي نراه بك فإنا ما أرسلنا إلا لإهلاكهم، عطف عليه قوله: ﴿وقالوا﴾ أي لما رأوا ما لقي في أمرهم: ﴿لا تخف﴾ أي من أن يصلوا إلينا أو من أن تهلك أنت أو أحد من أهل طاعتك ولا تحزن أي على أحد ممن نهلكه فإنه ليس في أحد منهم خير يؤسف عليهم بسببه؛ ثم عللوا ذلك بقولهم مبالغين في التأكيد للإغناء به عن جمل طوال، إشارة إلى أن الوقت أرق فهو لا يحتمل التطويل: ﴿إنا منجوك﴾ أي مبالغون في إنجائك ﴿وأهلك﴾ أي ومهلكوا أهل هذه القرية، فلا يقع ضميرك أنهم يصلون

стр. 7214

إلينا، وقالوا: ﴿إلا امرأتك﴾ تنصيصاً على كل فرد منهم سواها؛ ثم دلوا على هلاكها بقولهم جواباً لمن كأنه قال: ما لها؟ فقيل: ﴿كانت من الغابرين*﴾ أي كأن هذا الحكم في أصل خلقتها. ولما أفهمت العبارة كما مضى إهلاكهم، صرحوا به فقالوا معينين لنوعه، معللين لما أخبروه به، مؤكدين إعلاماً بأن الأمر قد فرغ منه قطعاً لأن يشفع فيهم، جرياً على عادة الأنبياء في الشفقة على أممهم: ﴿إنا منزلون﴾ أي لا محالة ﴿على أهل هذه القرية رجزاً﴾ أي عذاباً يكون فيه اضطراب شديد يضطرب منه من أصابه كائناً من كان ﴿من السماء﴾ فهو عظيم وقعه، شديد صدعه ﴿بما كانوا﴾ أي كوناً راسخاً ﴿يفسقون*﴾ أي يخرجون في كل وقت من دائرة العقل والحياء. ولما كان التقدير: ففعلت رسلنا ما وعدوه به من إنجائه وإهلاك جميع قراهم، فتركناها، كأن لم يسكن بها أحد قط، عطف عليه قوله مؤكداً إشارة إلى فضيلة المخاطبين بهذه القصة من العرب وغيرهم، وأنه ليس بينهم وبين الهدى إلا تفكرهم في أمرهم مع

стр. 7215

الإنخلاع من الهوى: ﴿ولقد تركنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿منها﴾ أي من تلك القرية ﴿آية﴾ علامة على قدرتنا على كل ما نريد ﴿بينة﴾ وهو الماء الأسود المنتن الذي غمر قراهم كلها بعد الخسف بها وهو مباين لجميع مياه الأرض لكونه ماء السخط لمن باينوا بفعلهم الخلق مع اشتهار كونه على الخسف. ولما كان سبحانه قد حجب عن الأبصار كثيراً من الناس قال: ﴿لقوم يعقلون*﴾ فعد من لم يستبصر به عير عاقل ولا شاعر بأنها آية ولا فيه أهلية القيام بما يريد. ولما كان السياق لإثبات يوم الدين وإهلاك المفسدين، ولمن طال ابتلاؤه من الصالحين ولم يجد له ناصراً من قومه، إما لغربته عنهم، وإما لقلة عشيرته لتسميتهم وعدم أتباعه، وكان شعيب ﵇ ممن استضعفه قومه واستقلوا عشيرته لتسميتهم لهم رهطاً، والرهط ما دون العشرة أو من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر، فكان ﵇ كذلك في هذا العداد، عقب قصة لوط بقصته ﵊ فقال: ﴿وإلى﴾ أي ولقد أرسلنا إلى

стр. 7216

﴿مدين أخاهم﴾ أي من النسب والبلد ﴿شعيباً﴾ . ولما كان مقصود السورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير فترة، عبر بالفاء فقال: ﴿فقال﴾ أي فتسبب عن إرساله وتعقبه أن قال: ﴿يا قوم اعبدوا الله﴾ أي الملك الأعلى وحده، ولا تشركوا به شيئاً، فإن العبادة التي فيها شرك عدم، لأن الله تعالى أغنى الشركاء فهو لا يقبل إلا ما كان له خالصاً. ولما كان السياق لإقامة الأدلة على البعث الذي هو من مقاصد السورة قال: ﴿وارجوا اليوم الآخر﴾ أي حسن الجزاء فيه لتفعلوا ما يليق بذلك ﴿ولا تعثوا في الأرض﴾ حال كونكم ﴿مفسدين*﴾ أي متعمدين الفساد. ولما تسبب عن هذا النصح وتعقبه تكذيبهم فتسبب عنه وتعقبه إهلاكهم، تحقيقاً لأن أهل السيئات لا يسبقون قال: ﴿فكذبوه فأخذتهم﴾ أي لذلك أخذ قهر وغلبة ﴿الرجفة﴾ أي الصيحة التي زلزلت بهم فأهلكتهم ﴿فأصبحوا في دارهم﴾ أي محالهم التي كانت دائرة بهم وكانوا يدورون فيها ﴿جاثمين*﴾ أي واقعين على صدورهم، لازمين مكاناً واحداً، لا يقدرون على حركة أصلاً، لأنه لا أرواح لهم. ولما كان من المقاصد العظيمة الدلالة على اتباع بعض هذه الأمم بعضاً في الخير والشر على نسق، والجري بهم في إهلاك المكذبين

стр. 7217

وإنجاء المصدقين طبقاً عن طبق، وكان إهلاك عاد وثمود - لما اشتهروا به من قوة الأبدان، ومتانة الأركان - في غاية الغرابة، وكان معنى ختام قصة مدين: فأهلكناهم، عطف عليه على ذلك المعنى قوله: ﴿وعاداً﴾ أي وأهلكنا أيضاً عاداً ﴿وثموداْ﴾ مع ما كانوا فيه من العتو، والتكبر والعلو ﴿وقد تبين لكم﴾ أي ظهر بنفسه غاية الظهور أيها العرب أمرهم ﴿من مساكنهم﴾ أي ما وصف من هلاكهم وما كانوا فيه من شدة الأجسام، وسعة الأحلام، وعلو الاهتمام، وثقوب الأذهان، وعظيم الشأن، عند مروركم بتلك المساكن، ونظركم إليها في ضربكم في التجارة إلى الشام، فصرفوا أفكارهم في الإقبال على الاستمتاع بالعرض الفاني من هذه الدنيا، فأملوا بعيداً، وبنوا شديداً، ولم يغن عنهم شيء من ذلك شيئاً من أمر الله ﴿وزين لهم﴾ في غاية التزيين ﴿الشيطان﴾ أي بعيد من الرحمة، المحترق باللعنة، بقوة احتياله، ومحبوب ضلاله ومحاله ﴿أعمالهم﴾ أي الفاسدة، فأقبلوا بكليتهم عليها مع العدو المبين، وأعرضوا عن الهداة الناصحين. ولما تسبب عن هذا التزيين منعهم لعماهم عن الصراط المستقيم قال: ﴿فصدهم عن السبيل﴾ أي منعهم عن سلوك الطريق الذي لا طريق إلا هو، لكونه يوصل إلى النجاة، وغيره يوصل إلى الهلاك،

стр. 7218

فهو عدم بل العدم خير منه. ولما كان ذلك ربما ظن أنه لفرط غباوتهم قال: ﴿وكانوا﴾ أي فعل بهم الشيطان ما فعل من الإغواء والحال أنهم كانوا كوناً هم فيه في غاية التمكن ﴿مستبصرين*﴾ أي معدودين بين الناس من البصراء العقلاء جداً لما فاقوهم به مما يعلمون من ظاهر الحياة الدنيا، ولم يسبقونا، بل أوقعناهم بعملهم السيئات فيما أردنا من أنواع الهلكات، فاحذروا مثل مصارعهم فإنكم لا تشابهونهم في القوة، ولا تقاربونهم في العقول.

стр. 7219

ولما كان لفرعون ومن ذكر معه من العتو بمكان لا يخفى، لما أتوا من القوة بالأموال والرجال قال: ﴿وقارون﴾ أي أهلكناه وقومه لأن وقوعه في أسباب الهلاك أعجب، لكونه من بني إسرائيل، ولأنه ابتلى بالمال والعلم، فكان ذلك سبب إعجابه، فتكبر على موسى وهاورن ﵉ فكان ذلك سبب هلاكه ﴿وفرعون وهامان﴾ وزيره الذي أوقد له على الطين، فلا هو نجا ولا كان رأساً في الكفر، بل باع سعادته بكونه ذنباً لغيره. ولما كان هلاكهم مع رؤية الآيات أعجب، فكان جديراً بالإنكار، إشارة إلى أن رؤية الآيات جديرة بأن يلزم عنها الإيمان قال:

стр. 7220

﴿ولقد جاءهم موسى بالبينات﴾ أي التي لم تدع لبساً فتسببوا عما يقتضيه من الاستبصار الاستكبار ﴿فاستكبروا﴾ أي طلبوا أن يكونوا أكبر من كل كبير بأن كانت أفعالهم أفعال من يطلب ذلك ﴿في الأرض﴾ بعد مجيء موسى ﵊ إليهم أكثر مما كانوا قبله. ولما كان من يتكبر - وهو عالم بأنه مأخوذ - أشد لوماً ممن يجهل ذلك قال: ﴿وما كانوا﴾ أي الذين ذكروا هذا كلهم، كوناً ما ﴿سابقين*﴾ أي فائتين ما نريدهم، بأن يخرجوا من قبضتنا، بل هم في القبضة كما ذكرنا أول السورة وهم عالمون بذلك ﴿فكلاً﴾ أي فتسبب عن تكذيبهم وعصيانهم أن كلاًّ منهم ﴿أخذنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿بذنبه﴾ أخذ عقوبة ليعلم أنه لا أحد يعجزنا ﴿فمنهم من أرسلنا عليه﴾ إرسال عذاب يا له من عذاب! ﴿حاصباً﴾ أي ريحاً ترمى لقوة عصفها وشدة قصفها بالحجارة كعاد وقوم لوط ﴿ومنهم من أخذته﴾ أخذ هلاك وغضب وعذاب، وعدل عن أسلوب العظمة لئلا يوهم الإسناد في هذه إليه صوتاً ليوقع في مصيبة التشبيه ﴿الصيحة﴾ التي تظهر شدتها الريح الحاملة لها الموافقة

стр. 7221

لقصدها فترجف لعظمتها الأرض كمدين وثمود ﴿ومنهم من﴾ وأعاد أسلوب العظمة الماضي لسلامة من الإيهام المذكور في الصيحة وللتنبيه على أنه لا يقدر عليه غير الله سبحانه ففيه من الدلالة على عظمته ما يقصر عنه الوصف فقال: ﴿خسفنا به الأرض﴾ بأن غيبناه فيها كقارون وجماعته ﴿ومنهم من أغرقنا﴾ بالغمر في الماء كقوم نوح وفرعون وجنوده، وعذاب قوم لوط صالحٌ للعد في الإغراق والعد في الخسف، فتارة نهلك بريح تقذف بالحجارة من السماء كقوم لوط، أو من الأرض كعاد، وأخرى بريح تقرع بالصرخة الأسماع فتزلزل القلوب والبقاع، ومرة نبيد بالغمس في الكثيف وكرة بالغمر في اللطيف - فلله درّ الناظرين في هذه الأوامر النافذة، والمتفكرين في هذه الأقضية الماضية، ليعلموا حقيقة قوله ﴿وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء﴾ - الآية. ولما كان ذلك ربما جر لأهل التعنت شيئاً مما اعتادوه في عنادهم قال: ﴿وما كان الله﴾ أي الذي لا شيء من الجلال والكمال إلا هو وله ﴿ليظلمهم﴾ أي مريداً ليعاملهم معاملة الظالم الذي يعاقب من لا جرم له، أو من أجرم ولم يتقدم إليه بالنهي عن إجرامه ليكف

стр. 7222

فيسلم، أو يتمادى فيهلك لأنه لا نفع يصل إليه سبحانه من إهلاكهم، ولا ضرر يلحقه عز شأنه من إبقائهم ﴿ولكن كانوا﴾ أي هم لا غيرهم ﴿أنفسهم﴾ لا غيرها ﴿يظلمون*﴾ بارتكابهم ما أخبرناهم غير مرة أنه يغضبنا وأنا نأخذ من يفعله، فلم يقبلوا النصح مع عجزهم، ولا خافوا العقوبة على ضعفهم، وأما ما عبدوه ورجوا نصره لهم وأملوه فأضعف منهم، ولكون شيء منه لم يغن عن أحد منم شيئاً فلم تختل سنة الله في أوليائه وأعدائه في قرن من القرون ولا عصر من العصور، بل جرت على أقوم نظام، واتقن إحكام، وصل بذلك قوله تعالى على وجه الاستنساج: ﴿مثل الذين﴾ . ولما كان دعاء غير الله مخالفاً لقويم العقل، وصريح النقل، وسليم الفطرة وصحيح الفكرة فكان ذلك يحتاج إلى تدرب إلى الجلافة، وتطبع في الكثافة، قال: ﴿اتخذوا﴾ أي تكلفوا أن أخذوا. ولما كانت الرتب تحت رتبته سبحانه لا تحصى، وكل الرتب دون رتبته، قال منبهاً على ذلك بالجار: ﴿من دون الله﴾ أي الذي لا كفوء له، فرضوا بالدون، عوضاً عمن لا تكفيه الأوهام والظنون ﴿أولياء﴾

стр. 7223

ينصرونهم بزعمهم من معبودات وغيرها، في الضعف والوهي ﴿كمثل العنكبوت﴾ الدابة المعروفة ذات الأرجل الكثيرة الطوال؛ ثم استأنف ذكر وجه الشبه وعبر عنها بالتأنيث وإن كانت تقال بالتذكير تعظيماً لضعفها، لأن المقام لضعف ما تبنيه فقال: ﴿اتخذت بيتاً﴾ أي تكلفت أخذه في صنعتها له ليقيها الردى، ويحميها البلا، كما تكلف هؤلاء اصطناع أربابهم لينفعوهم، ويحفظوهم بزعمهم ويرفعوهم، فكان ذلك البيت مع تكلفها في أمره، وتعبها الشديد في شأنه، في غاية الوهن. ولما كان حالها في صنعها حال من ينكر وهنه، قال مؤكداً: ﴿وإن﴾ وواوه للحال من ضمير - ﴿اتخذت﴾ أي والحال أنه أوهن - هكذا كان الأصل، ولكنه أظهر للتعميم فقال: ﴿أوهن البيوت﴾ أي أضعفها ﴿لبيت العنكبوت﴾ التي عانت في حوكه ما عانت وقاست في نسجه ما قاست، لأنه لا يكنّ من حر، ولا يصون من برد، ولا يحصن عن طالب، كذلك ما اتخذ هؤلاء من هذه الأوثان، وهذا الدين الذي لا أصل له فهو أوهن

стр. 7224

الأديان وأهونها ﴿لو كانوا يعلمون*﴾ أي لو كان لهم نوع ما من العلم لانتفعوا به فعلموا أن هذا مثلهم، فأبعدوا عن اعتقاد ما هذا مثله.

стр. 7225

ولما انتفى نفعهم بعلمهم، صح نفيه، فكانوا وإياها على حد سواء، ليس لفريق منهما شيء مما نوى، فيا لها من صفقة خاسرة، وتجارة كاسدة بائرة. ولما كان ضرب المثل للشيء لا يصح إلا من العالم بذلك الشيء، وكان النصير على شيء لا يمكن أن يتوجه إلى معارضته إلا أن يعلمه ويعلم مقدار قدرته، وعدة جنوده، وصل بذلك أن هذا شأنه سبحانه وأن شركاءهم في غاية البعد عن ذلك، فكيف يعلقون بنصرهم آمالهم، وزاد ذلك ذاك حسناً تعقيبه لنفي العلم عنهم، فقال إشارة إلى جهلهم في إنكارهم أن يقدر أحد على إهلاك آلهتهم التي هي أو هي الأشياء: ﴿إن الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿يعلم﴾ بما له من تلك الصفات ﴿ما﴾ أي الذي ﴿يدعون﴾ أي الذين ضرب لهم المثل، أو أنتم - في قراءة الفوقانية التفاتاً إلى أسلوب الخطاب إيذاناً بالغضب ﴿من دونه﴾ إشارة إلى سفول رتبتهم، وأكد العموم بقوله: ﴿من شيء﴾ أي سواء كان نجماً أو صنماً أو ملكاً أو جنيناً أو غيره، وهم لا يعلمونه ولا يعلمون شيئاً مما يتوصلون إليه، فكيف يشفعون عنده أو ينصرون

стр. 7226

منه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وهو العزيز﴾ أي عن أن يعلمه شركاؤهم أو يحيط به أحداً علماً، أو يمتنع عليه شيء يريده؛ وجوزوا أن تكون ما نفية، أي شيء يعتد به. ولما كان ذلك ربما أفهم أنه لا يعلم أصلاً قال: ﴿الحكيم*﴾ أي البالغ العلم، الواضع كل شيء يريده في أكمل مواضعه، فأبطن نفسه بكبريائه وجلاله حتى لا باطن سواه، وأظهرها بأفعاله وما كشف من جماله حتى لا ظاهر في الحقيقة غيره، وهو يغلب من شاء بعزته، ويمهله إن شاء بحكمته، فلا يغتر أحد بإمهاله فيظن أنه لإهماله. ولما فرغ من مثلهم ومما تتوقف صحته عليه، كان كأنه قيل على وجه التعظيم لهذا المثل: هذا مثلهم فعطف عليه قوله إشارة إلى أمثال القرآن كلها تعظيماً لها وتنبيهاً على جليل قدرها وعليّ شأنها: ﴿وتلك الأمثال﴾ أي العالية عن أن تنال بنوع احتيال؛ ثم استأنف قوله: ﴿نضربها﴾ بما لنا من العظمة، بياناً ﴿للناس﴾ تصويراً للمعاني المعقولات بصور المحسوسات، لعلها تقرب من عقولهم فينتفعوا بها، وهكذا حال التشبيهات كلها في طرق للأفهام إلى المعاني المحتجبة في الأستار، تبرزها وتكشف عنها وتصورها.

стр. 7227

ولما كانوا يتهكمون بما رأوه من الأمثال مذكوراً به الذباب والبعوض ونحوهما قال مجملاً لهم: ﴿وما يعقلها﴾ أي حق عقلها فينتفع بها ﴿إلا العالمون*﴾ أي الذين هيئوا للعلم وجعل طبعاً بما بث في قلوبهم من أنواره، وأشرق في صدورهم من أسراره، فهم يضعون الأشياء مواضعها؛ روى الحارث بن أبي أسامة عن جابر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه» قال البغوي: والمثل كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول. ولما قدم أنه لا معجز له سبحانه، ولا ناصر لمن أخذ، وصحح ذلك بالمشاهدة في القرون البائدة، وقربه إلى الأذهان بالمثل المستولي على غاية البيان، وختم ذلك أنه حجب فهمه عن أكثر خلقه، دل على ذلك كله بقوله مظهراً لقوته وسائر صفات كماله، بعد ما حقق أن أولياءهم في أنزل مراتب الضعف ﴿خلق الله﴾ أي الذي لا يداني في عظمة ولا جلال، ولا جمال ولا كمال ﴿السماوات والأرض بالحق﴾ أي الأمر الذي يطابقه الواقع، أو بسبب إظهار أن الواقع يطابق إخباره، أو بسبب إثبات الحق وإبطال الباطل، فلا تجد أحداً يفهم عنه

стр. 7228

حق الفهم مع تساويهم في الإنسانية إلا وهو من أهل السكينة، والإخبات والطمأنينة، ولا يعجزه أحد يريد أخذه، ولا يفلح أحد عصى أنبياءه، فبانت عزته، وظهرت حكمته، فطابق الواقع ما أخبر به، وأيضاً فالأمثال إنما تكون بالمحسوسات، وهي إما سماوية أو أرضية، فإيجاد هذه الموجودات إنما هو لأجل العلم بالله تعالى. ولما كان المراد بالعالم قد يخفي، بينه بقوله مشيراً بالتأكيد إلى أن حالهم في عدم الانتفاع بالنظر فيها حال من ينكر أن يكون فيها دلالة: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم من تأملهم لمطابقة الواقع لإخباره سبحانه، فلا يخبر بشيء إلا كان الواقع منهما أو مما فيهما يطابقه سواء بسواء ﴿لآية﴾ أي دلالة مسعدة ﴿للمؤمنين*﴾ أي الذين هم العالمون في الحقيقة، حداهم علمهم بما في الكونين من المنافع المترتبة على النظام المعروف مع ما في خلقهما أنفسهما مع كبر الأجرام وبديع الإحكام، على الإيمان بجميع ما أخبر به حتى لم يكن عندهم نوع شك، وصار لهم صفة لا تنفك. ولما أفاد هذا الخبر كله القرآن الذي لا حق أحقّ منه، ودل على أن فهم أمثاله يحتاج إلى مزيد علم، وأن مفتاح العلم به سبحانه رسوخ الإيمان، خاطب رأس أهل الإيمان لأنه أعظم الفاهمين له ليقتدي به الأتباع فقال:

стр. 7229

﴿اتل ما﴾ أي تابع قراءته؛ ودل على شرفه لا ختصاصه به بقوله: ﴿أوحي إليك﴾ إذ الوحي الإلقاء سراً ﴿من الكتاب﴾ أي الجامع لكل خير، فإنه المفيد للإيمان، مع أنه أحق الحق الذي خلقت السماوات والأرض لأجله، والإكثار في تلاوته يزيد بصيرة في أمره، ويفتح كنوز الدقائق من علمه، وهو أكرم من أن ينيل قارئه فائده وأجلّ من أن يعطي قياد فوائده ويرفع الحجاب عن جواهره وفرائده في أول مرة، بل كلما ردده القارىء بالتدبر حباه بكنز من أسراره، ومهما زاد زاده من لوامع أنواره، إلى أن يقطع بأن عجائبه لا تعد، وغرائبه لا تحد. ولما أرشد إلى مفتاح العلم، دل قانون العمل الذي لايصح إلا بالقرآن، وهو ما يجمع الهم، فيحضر القلب، فينشرح الصدر، فينبعث الفكر في رياض علومه، فقال: ﴿وأقم الصلاة﴾ أي التي هي أحق العبادات، ثم علل ذلك بقوله دالاً بالتأكيد على فخامة أمرها، وأنه مما يخفى على غالب الناس: ﴿إن الصلاة تنهى﴾ أي توجد النهي وتجدده للمواظب على إقامتها بجميع حدودها ﴿عن الفحشاء﴾ أي الخصال ألتي بلغ قبحها ﴿والمنكر﴾ أي الذي فيه نوع قبح وإن دق، وأقل ما فيها من النهي النهي عن تركها الذي هو كفر، ومن انتهى

стр. 7230

عن ذلك انشرح صدره، واتسع فكره، فعلم من أسرار القرآن ما لا يعلمه غير ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾ [البقرة: ٢٨٢] . ولما كان الناهي في الحقيقة إنما هو ذكر الله، أتبع ذلك الحث على روح الصلاة والمقصد الأعظم منها، وهو المراقبة لمن يصلي له حتى كأنه يراه ليكون بذلك في أعظم الذكر بقوله: ﴿ولذكر الله﴾ أي ولأن ذكر المستحق لكل صفة كمال ﴿أكبر﴾ أي من كل شيء، فمن استحضر ذلك بقلبه هان عنده كل شيء سواه «إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه» أو يكون المراد أن من واظب على الصلاة ذكر الله، ومن ذكره أوشك أن يرق قلبه، ومن رق قلبه استنار لبه، فأوشك أن ينهاه هذا الذكر المثمر لهذه الثمرة عن المعصية، فكان ذكر الذاكر له سبحانه أكبر نهياً له عن المنكر من نهي الصلاة له، وكان ذكره له سبحانه كبيراً، كما قال تعالى ﴿فاذكروني أذكركم﴾ وإذا كان هذا شأن ذكر العبد لمولاه، فما ظنك بذكر مولاه له كلما أقبل عليه بصلاة فإنه جدير بأن يرفعه إلى حد لا يوصف، ويلبسه من أنواره ملابس لا تحصر.

стр. 7231

ولما كان ذلك يحتاج إلى علاج لمعوج الطباع ومنحرف المزاج، وتمرن على شاق الكلف، ورياضة لجماح النفوس، وكان ﷺ قد نزه عن ذلك كله بما جبل عليه من أصل الفطرة، ثم بما غسل به قلبه من ماء الحكمة، وغير ذلك من جليل النعمة، عدل إلى خطاب الأتباع يحثهم على المجاهدة فقال: ﴿والله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿يعلم﴾ أي في كل وقت ﴿ما تصنعون*﴾ من الخير والشر، معبراً بلفظ الصنعة الدال على ملازمة العمل تنبيهاً على أن إقامة ما ذكر تحتاج إلى تمرن عليه وتدرب، حتى يصير طبعاً صحيحاً، ومقصوداً صريحاً. ولما انتهى الكلام إلى روح الدين وسر اليقين مما لا يعلمه حق علمه إلا العلماء بالكتب السماوية والأخبار الإلهية، وكان العالم يقدر على إيراد الشكوك وترويج الشبه، فربما أضل بالشبهة الواحدة النيام من الناس، بما له عندهم من القبول، وبما للنفوس من النزوع إلى الأباطيل، وبما للشيطان في ذلك من التزيين، وكان الجدال يورث الإحن، ويفتح أبواب المحن، فيحمل على الضلال، قال تعالى عاطفاً على ﴿اتل﴾ مخاطباً لمن ختم الآية بخطابهم تنزيهاً لمقامه ﷺ عن المواجهة بمثل ذلك تنبيهاً على أنه لا يصوب همته الشريفة إلى مثل ذلك، لأنه ليس

стр. 7232

في طبعه المجادلة، والمماراة والمغالبة: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب﴾ أي اليهود والنصارى ظناً منكم أن الجدال ينفع الدين، أو يزيد في اليقين، أو يرد أحداً عن ضلال مبين ﴿إلا بالتي﴾ أي بالمجادلة التي ﴿هي أحسن﴾ أي بتلاوة الوحي الذي أمرنا راس العابدين بإدامة تلاوته فقط، وهذا كما تقدم عند قوله تعالى في سبحان ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾ [الإسراء: ٥٣] . ولما كان كل من جادل منهم في القرآن ظالماً، كان من الواضح أن المراد بمن استثنى في قوله تعالى: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾ أي تجاوزوا في الظلم بنفي صحة القرآن وإنكار إعجازه مثلاً وأن يكون على أساليب الكتب المتقدمة، أو مصدقاً لشيء منها، أو بقولهم ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الأنعام: ٩١] ونحو هذا من افترائهم، فإن هؤلاء يباح جدالهم ولو أدى إلى جلادهم بالسيف، فإن الدين يعلو ولا يعلى عليه. ولما نهى عن موجب الخلاف، أمر بالاستعطاف، فقال: ﴿وقولوا آمنا﴾ أي أوقعنا الإيمان ﴿بالذي أنزل إلينا﴾ أي من هذا الكتاب المعجز ﴿وأنزل إليكم﴾ من كتبكم، يعني في أن أصله حق وإن كان قد نسخ منه ما نسخ، وما حدثوكم به من شيء ليس عندكم

стр. 7233

ما يصدقه ولا ما يكذبه فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإن هذا أدعى إلى الإنصاف، وأنفى للخلاف. ولما لم يكن هذا جامعاً للفريقين، أتبعه بما يجمعهما فقال: ﴿وإلهنا وإلهكم﴾ ولما كان من المعلوم قطعاً أن المراد به الله، لأن المسلمين لا يعبدون غيره، وكان جميع الفرق مقرين بالإلهية ولو بنوع إقرار لم تدع حاجة إلى أن يقول ﴿إله﴾ كما في بقية الآيات فقال: ﴿واحد﴾ إلى لا إله لنا غيره وإن ادعى بعضكم عزيراً والمسيح ﴿ونحن له﴾ خاصة ﴿مسلمون*﴾ أي خاضعون منقادون أتم انقياد فيما يأمرنا به بعد الأصول من الفروع سواء كانت موافقة لفروعكم كالتوجه بالصلاة إلى بيت المقدس، أو ناسخة كالتوجه إلى الكعبة، ولا نتخذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله لنأخذ ما يشرعونه لنا مخالفاً لكتابه وسنة نبيه ﷺ ، فنكون حينئذ قد خضعنا لهم وتكبرنا عليه فأوقعنا الإسلام في غير موضعه ظلماً.

стр. 7234

ولما كان التقدير تعليلاً للأمر بهذا القول: إنا أنزلنا كتبهم إلى رسلهم، عطف عليه قوله مخاطباً للرأس تخصيصاً له لئلا يتطرق لمتعنت طعن

стр. 7235

عموم أو اتهام في المنزل عليه: ﴿وكذلك﴾ أي ومثل ذلك الإنزال الذي أنزلناه إلى أنبيائهم ﴿أنزلنا إليك الكتاب﴾ أي هذا القرآن الذي هو الكتاب في الحقيقة، لا كتاب غيره في علو كماله، في نظمه ومقاله، مصدقاً لما بين يديه: ﴿فالذين﴾ أي فتسبب عن إنزالنا له على هذا المنهاج أن الذين ﴿آتيناهم﴾ أي إيتاءاً يليق بعظمتنا، فصاروا يعرفون الحق من الباطل ﴿الكتاب﴾ أي من قبل ﴿يؤمنون به﴾ أي بهذا الكتاب حقيقة كعبد الله بن سلام ومخيريق ﵄، أو مجازاً بالمعرفة به مع الكفر كحيي بن أخطب وخلق كثير منهم ﴿ومن هؤلاء﴾ أي العرب ﴿من يؤمن به﴾ أس كذلك في الحقيقة والمجاز في المعرفة بالباطن بأنه حق لما أقامه من البرهان على ذلك بعجزهم عن معارضته مع الكفر به، وأدل دليل على ما أردته من الحقيقة والمجاز قوله: ﴿وما يجحد﴾ أي ينكر من الفريقين بعد المعرفة، قال البغوي: قال قتادة: الجحود إنما يكون بعد المعرفة. ﴿بآياتنا﴾ التي حازت أقصى غايات العظمة حتى استحقت الإضافة إلينا ﴿إلا الكافرون*﴾ أي العريقون في ستر المعارف بعد ظهورها طمعاً في إطفاء نورها.

стр. 7236

ولما أشار إلى أن المنكر لأصل الوحي متوغل في الكفر، دل على ذلك بحال المنزل إليه ﷺ فقال مسلياً له: ﴿وما﴾ أي أنزلناه إليك والحال أنك ما ﴿كنت تتلوا﴾ أي تقرأ مواصلاً مواظباً في وقت ما. ولما كان المراد نفي التلاوة عن كثير الزمن الماضي وقليله، أدخل الجار فقال ﴿من قبله﴾ أي هذا الكتاب الذي أنزلناه إليك؛ وأكد استغراق الكتب فقال: ﴿من كتاب﴾ أصلاً ﴿ولا تخطه﴾ أي تجدد وتلازم خطه؛ وصور الخط وأكده بقوله: ﴿بيمينك﴾ أي التي هي أقوى الجارحتين، وعبر بذلك إشارة إلى أنه لا تحدث الريبة في أمره لعاقل إلا بالمواظبة لمثل ذلك مواظبة قوية ينشأ عنها ملكة، فكيف إذا لم يحصل أصل الفعل، ولذلك قال: ﴿إذاً﴾ أي إذ لو كان شيء من هذه المواظبة في التلاوة أو الخط التي يحصل بها الدربة المورثة للملكة ﴿لارتاب﴾ أي لساغ أن تكلف أنفسهم لدخول في الريب أي الشك ﴿المبطلون*﴾ أي هؤلاء الذين ينكرون الوحي إليك من أهل الكتاب ومن العرب، ويقولون: هو سجع وكهانة وشعر وأساطير الأولين، العريقون في وصف الإبطال، أي الدخول

стр. 7237

في الباطل، فكانوا يجدون مطعناً، فتقول العرب: لعله أخذه من كتب الأقدمين، ويقول الكتابيون: المبشر به عندنا أمي. ولكنه لم يكن شيء من قراءة ولا خط كما هو معروف من حالك فضلاً عن المواظبة لشيء منهما، فلا ريبة في صدقك في نسبته إلى الله تعالى، وإذا انتفت الريبة من أصلها صح نفي ما عندهم منها، لأنه لما لم يكن لهم في الواقع شبهة، عدت ريبتهم عدماً، وسموا مبطلين على تقدير هذه الشبهة، لقيام بقية المعجزات القاطعة بالرسالة، القاضية بالصدق، كما قضت بصدق أنبيائهم مع أنهم يكتبون ويقرؤون، وكتبهم لم تنزل للإعجاز، فصح أنهم يلزمهم الاتصاف بالإبطال بالارتياب على كل تقدير من تقديري الكتابة والقرءة وعدمهما، لأن العمدة على المعجزات. ولما كان التقدير: ولكنهم لا ريبة لهم أصلاً ولا شبهة، لقولهم: إنه باطل، قال: ﴿بل هو﴾ أي القرآن الذي جئت به وارتابوا فيه فكانوا مبطلين لذلك على كل تقدير ﴿آيات﴾ أي دلالات ﴿بينات﴾ أي واضحات جداً في الدلالة على صدقك ﴿في صدور الذين﴾ ولما كان المقصود المبالغة في تعظيم العلم، بني للمفعول، أظهر ما كان أصله الإضمار فقال: ﴿أوتوا العلم﴾ دلالة على أنه العلم الكامل النافع، فلا يقدر أحد على تحريف شيء منه لبيان الحق لديهم، وفي ذلك إشارة إلى أن خفاءه عن غيرهم لا أثر له، ولما كان المراد بالعلم النافع، قال

стр. 7238

إشارة إلى أنه في صدور غيرهم عرياً عن النفع: ﴿وما يجحد﴾ وكان الأصل: به، ولكنه أشار إلى عظمته فقال: ﴿بآياتنا﴾ أي ينكرها بعد المعرفة على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا والبيان الذي لا يجحده أحد ﴿إلا الظالمون*﴾ أي الراسخون في الظلم الذي لا ينتفعون بنورهم في وضع كل شيء في محله، بل هم في وضع الأشياء في غير محلها كالماشي في الظلام الذي تأثر عن وصفهم أولاً بالكفر الذي هو تغطية أنوار العقول. ولما كان التقدير: فجحدوها بما لهم من الرسوخ في الظلم أصلاً ورأساً، ولم يعدوها آيات فضلاً عن كونها بينات، عطف عليه قوله: ﴿وقالوا﴾ موهمين مكراً وإظهار النصفة بالاكتفاء بأدنى ما يدل على الصدق: ﴿لولا﴾ أي هلا ﴿أنزل عليه﴾ أي على أي وجه كان من وجوه الإنزال ﴿آية﴾ أي واحدة تكون بحيث تدل قطعاً على صدق الآتي بها ﴿من ربه﴾ أي الذي يدعي إحسانه إليه كما أنزل على الأنبياء قبله من نحو ناقة صالح عصا موسى ونحوهما، لنستدل به على صدق مقاله، وصحة ما يدعيه من حاله هذا على قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وأبي بكر بالإفراد، وجمع غيرهم دلالة على أن فريقاً آخر قالوا: إن مثل هذا المهم العظيم لا يثبت إلا بآيات متعددة، وأوهموا

стр. 7239

مكابرة وعناداً أن ذلك لم يقع، وإن وقع ما يسمى آية. ولما كان هذا إنكاراً للشمس بعد شروقها، ومكابرة فيما تحدى به من المعجزات بعد حقوقها، أشار إليه بقوله: ﴿قل﴾ أي لهم إرخاء للعنان حتى كأنك ما أتيتهم بشيء: ﴿إنما الآيات عند الله﴾ أي الذي له الأمر كله فلا يقدر على إنزال شيء منها غيره، فإنما الإله هو لا سواه ﴿وإنما أنا نذير﴾ أقوم لكم بما حملني وكلفني من النذارة، دالاً عليه بما أعطيت من الآيات، ونواقض المطردات وليس لي أن أقترح عليه الآيات، على أن المقصود من الآية الدلالة على الصدق، وهي كلها في حكم آية واحدة في ذلك، ولم يذكر البشارة لأنه ليس أسلوبها ﴿مبين*﴾ أي أوضح ما آتى به من ذلك بعد أن أوضح صحة كوني نذيراً، فليس إليّ إنزال الآيات ولا طلبها اقتراحاً على الله، فهو قصر قلب فيهما، خوطب به من لزمه ادعاء أن إنزال الآيات إليه ﷺ وأن أمره الإتيان بما يريد أو يطلب منه.

стр. 7240

ولما أفرحهم بما كأنه تسليم لمدعاهم، وكان من البين أن لسان الحال يقول: ألم يكفهم ما جئتهم به من الآيات المرئيات والمسموعات، وعجزوا عن الإتيان بشيء منها، عطف على ذلك قوله منكراً على جهلهم

стр. 7241

وعنادهم: ﴿أولم يكفهم﴾ أي إن كانوا طالبين للحق غير متعنتين آية بينة مغنية عن كل آية ﴿أنا أنزلنا﴾ بعظمتنا ﴿عليك الكتاب﴾ أي الجامع لسعادة الدارين بحيث صار خلقاً لك غالباً على حركاتك وسكناتك ﴿يتلى عليهم﴾ أي يتجدد متابعة قراءته عليهم شيئاً بعد شيء في كل مكان وكل زمان من كل تالٍ مصدقاً لما في الكتب القديمة من نعتك وغيره من الآيات الدالة على صدقك، يتحدّون بكل شيء نزل منه مع تحديهم بما قبله من آياته صباح مساء، يصفعون بذلك مدى الدهر في أقفائهم ويدفعون، فكلما أرادوا التقدم ردوا عجزاً إلى ورائهم، فأعظم به آية باقية، إذ كل آية سواه منقضية ماضية، وقال الشيخ أبو العباس المرسي: خشع بعض الصحابة ﵃ من سماع اليهود بقراءة التوراة فعتبوا إذ تخشعوا من غير القرآن، وهم إنما تخشعوا من التوراة وفي كلام الله فما ظنك بمن أعرض عن كتاب الله وتخشع بالملاهي والغناء. ولما كان هذا أعظم من كل آية يقترحونها ولو توالى عليهم إتيانها كل يوم لدوام هذا على مر الأيام والشهور، حتى تفنى

стр. 7242

الأزمان والدهور، أشار تعالى إلى هذا العظمة، مع ما فيها من النعمة، بقوله مؤكداً على جهلهم فيما لزم من كلامهم الأول من إنكار أن يكون في القرآن آيه تدلهم على الصدق: ﴿إن في ذلك﴾ أي إنزال الكتاب على هذا الوجه البعيد المنال البديع المثال ﴿لرحمة﴾ لهم لصقله صدأ القلوب في كل لحظة، وتطهيره خبث النفوس في كل لمحة ﴿وذكرى﴾ أي عظيمة مستمراً تذكرها. ولما عم بالقول، خص من حيث النفع فقال: ﴿لقوم يؤمنون*﴾ أي يمكن أن يتجدد لهم إيمان، ليس من همهم التعنت، قال الحرالي في كتاب له في أصول الدين: ولما كان القرآن لسان إحاطة لم يف بالقيام به خلق من خلق الله، لأنه ببناء على كليه أمر الله حتى أن السورة الواحدة منه لما كان موقع الخطاب بها من مدد بنائه على إحاطة أمر الله لا يستطيعها أحد من الخلق، وإذا كان الأقل من كلام العالم لا يستطيعه من دون رتبته، فعجز الخلق عن كلام الله أحق وأولى، ثم كل ناظر فيه - من أيّ وجه نظره - أدرك بمقتضى علوه على رتبته وجهاً من العجز فيه، إن كان فصيحاً بليغاً فمن جهة البلاغة، ومعناها بلوغ الكلام في مطابقة أنبائه ويسمى الفصاحة، وحسن نظم

стр. 7243

حروف كلماته ويسمى الجزالة، وكمال انتظام كلماته وآياته، ويسمى حسن النظم - إلى أنهى غاياته وأتم نهاياته، وإن كان عالماً بأخبار الأولين فبصحة مقتضاها فيه، وإن كان حكيماً فبالإعلام الأتم بوجه تقاضي المترتبات، وبالجملة فما يكون لأحد أصل من عقل وحظ من علم - أي علم كان - إلا ويجد له موقعاً في القرآن، يفي له بحظ بيان علو مرتبة أنبائه على نهاية مدركة منه بمقدار لا يرتاب في وقوعه فوق طور الخلق، فكان آية باقية دائمة لم يتفاوت في تلقيه أول سامع له من آخر سامع في وجه سماعه، فكل نبي فقدت آيته بفقده أو بفقد وقت ظهورها على يديه، وآية محمد ﷺ باقية ببقاء الله، فجهات ظهور إعجازه تأتي على حظوظ أصناف الخلق من وجوه الإدراك، لا يتعين لظهور الإعجاز فيه جهة، ولا يفقد ناظر فيه حظاً يتطرق بمقدار إدراكه منه إلى يقين وجه إعجازه، وذلك لما كان محيطاً بكل تفصيل وكل إجمال، ولم يفرط فيه من شيء، وكان تفصيلاً لكل شيء ولإحاطته بإثبات كل رتبة من رتب حكمة الله تعالى لم يقدر أحد من الخلق في التوقف عن الإيمان به من الجن والإنس والأحمر والأسود وجميع خلق الله، من يعرفه الناس منهم ومن لا يعرفونهم ممن أحاط بهم علم العالمين بإعلام الله، ومن

стр. 7244

حكم إحاطة كتابة كان ممكناً من عالية كل آية جاء بها نبي قبله ممن شاهد ذلك منه حاضروه، ونقله نقل التواتر والاستفاضة حملة العلم خلفاً عن سلف؛ ثم رتب قياساً على إثبات النبوة فقال: إن محمداً ﷺ ذو آية هذا القرآن المشهود، وهذا القرآن المشهود معجز كل ذي إدراك، وبشرى من كل جهة من جهات معانيه وبلاغته، فذو آية هذا القرآن نبي، فمحمد ﷺ نبي، أما أن محمداً ﷺ ذو آيته فبالتجربة السمعية المتيقنة المسماة بالتواتر، وأما أن هذا القرآن معجز فيما يجده كل ناظر في معناه المشتمل على تمام الحكمة فيما هو كائن ونبأ ما كان من قبل وخبر ما يكون بعد المتيقن بوقوع أوائله وقوع جملته وصحة خبره، وبذلك يتضح أن ذا آيته نبي، ثم بما تضمنه من شهادته لذي آيته وتصريحه بذلك لمحمد ﷺ ، فصح أن محمداً ﷺ ذو ايته، وإنه نبي ﷺ ، والمستعمل في ذلك أن محمداً ﷺ تحدى بهذا القرآن العرب الفصحاء واللد البلغاء، فلما لجؤوا للحرب وضح أنهم فروا لذلك المكان ما وجدوه في أنفسهم من العجز، وإذا عجز أولئك فمن بعدهم أحق بالعجز، فلما شمل العجز الكل من الخلق،

стр. 7245

وجب العلم بأن هذا القرآن حق، والمتحدي به نبي جاء بالصدق، وحاصله: لو لم تعجز العرب لم تحارب ثقل الحرب وخفة المعارضة لو استاطاعوها، ولم يعارضوا وحاربوا فقد عجزوا، فثبت بذلك أنه نبي ﷺ انتهى. ولما كان من المعلوم أنهم يقولون: نحن لا نصدق أن هذا الكتاب من عند الله فضلاً عن أن نكتفي به، قال: ﴿قل﴾ أي جواباً لما قد يقولونه من نحو هذا: ﴿كفى بالله﴾ أي الحائز لجميع العظمة وسائر الكمالات، الذي شهد لي بالرسالة في كتابة الذي أثبت أنه كلامه عجز الخلق عن معارضته. ولما كانت العناية في هذه السورة بذكر الناس، وتفصيل أحوالهم، ابتدأ بقوله: ﴿بيني وبينكم﴾ قبل قوله: ﴿شهيداً﴾ بخلاف الرعد والأنعام، ثم وصف الشهيد أو علل كفايته بقوله: ﴿يعلم ما في السماوات﴾ أي كلها. ولما لم يكن للارض غير هذه التي يشاهدونها ذكر في إتيان الوحي والقرآن منها، أفرد فقال: ﴿والأرض﴾ أي لا يخفى عليه شيء من ذلك فهو عليم بما ينسبونه إليّ من التقول عليه وبما أنسبه أنا إليه

стр. 7246

من هذا القرآن الذي شهد لي به عجزكم عنه فهو شاهد لي، والله في الحقيقة هو الشاهد لي، بما فيه من الثناء عليّ، والشهادة لي بالصدق، لأنه قد ثبت بالعجز عنه أنه كلامه وسيتحقق بالعقل إبطال المبطل منا. ولما كان التقدير: وأنتم تعلمون أنه قد شهد لي بأني على الحق، وأن كل ما خالف ما جئت به فهو باطل، فالذين آمنوا بالحق وكفروا بالباطل فأولئك هم الفائزون، عطف عليه قوله: ﴿والذين آمنوا بالباطل﴾ أي الذي لا يجوز الإيمان به من كل معبود سوى الله ﴿وكفروا بالله﴾ الذي يجب الإيمان به والشكر له، لأنه له الكمال كله وكل ما سواه هالك ليس له من ذاته إلا العدم ﴿أولئك﴾ البعداء البغضاء ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿الخاسرون*﴾ أي العريقون في الخسارة، فإنهم خسروا أنفسهم أبداً. ولما كان قولهم مرة واحدة «لولا أنزل عليه آية» عجباً، أتى بعد إخباره بخسارتهم بأعجب منه، وهو استمرار استعجالهم بما لا قدرة لهم على شيء منه من عذاب الله فقال: ﴿ويستعجلونك﴾ أي يطلبون تعجيلك في كل وقت ﴿بالعذاب﴾ ويجعلون تأخره عنهم شبهة لهم فيما يزعمون من التكذيب ﴿ولولا أجل مسمى﴾ قد ضرب لوقت عذابهم لا تقدم فيه ولا تأخر ﴿لجاءهم العذاب﴾ وقت استعجالهم، لأن القدرة تامة والعلم محيط.

стр. 7247

ولما أفهم هذا أنه لا بد من إتيانه، صرح به في قوله مؤكداً رداً على استهزائهم المتضمن للإنكار: ﴿وليأتينهم﴾ ثم هوّله بقوله: ﴿بغتة﴾ وأكد معناها بقوله: ﴿وهم لا يشعرون*﴾ بل هم في غاية الغفلة عنه والاشتغال بما ينسيه، ثم زاد في التعجب من جهلهم بقوله مبدلاً: ﴿يستعجلونك بالعذاب﴾ أي يطلبون منك إيقاعه بهم ناجزاً ولو كان في غير وقته الأليق به، فلو علموا ما هم سائرون إليه لتمنوا أنهم لم يخلقوا فضلاً عن أن يستعجلوا، ولأعملوا جميع جهدهم في الخلاص منه. ولما كان دخولهم النار لا بد منه لإحاطة القدرة بهم، قال مؤكداً لإنكارهم الآخرة بإثبات أخص منها: ﴿وإن جهنم﴾ التي هي من عذاب الآخرة ﴿لمحيطة﴾ أي بما هي مهيأة له، لأنه لا يفوتها شيء منه، لأن الذي أعدها عليم قدير، وقال: ﴿بالكافرين*﴾ موضع «بهم» تنبيهاً على ما استحقوا به عذابها، وتعميماً لكل من اتصف به. ولما كان هذا كله دليلاً على إنكارهم قال: ﴿يوم﴾ أي يعلمون ذلك اليوم ﴿يغشاهم العذاب﴾ أي يلحقهم ويلصق بهم ما لا يدع لهم شيئاً يستعذبونه، ولا أمراً يستلذونه ونبه على عدم استغراق

стр. 7248

جهة الفوق مع استعلائه عليهم بإثبات الجار فقال: ﴿من فوقهم﴾ ولما أفهم ذلك الإحاطة بما هو أدنى من جهة الفوق، صرح به فقال: ﴿ومن تحت أرجلهم﴾ فعلم بذلك إحاطته بجميع الجواتب، وصرح بالرجل تحقيقاً للآدمي ﴿ويقول﴾ أي الله في قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي بالتحتانية جرياً على الأسلوب الماضي، أو نحن بعظمتنا في قراءة الباقين ترويعاً بالالتفات إلى مظهر العظمة: ﴿ذوقوا﴾ ما سببه لكم ﴿ما كنتم﴾ بغاية الرغبة ﴿تعملون*﴾ أي في ذلك اليوم تعملون ذلك حق اليقين بعد علمكم له عين اليقين بسبب تكذيبكم بعلم اليقين.

стр. 7249

ولما أبلغ في الإنذار، وحذر من الأمور الكبار، ولم يهمل الإشارة إلى الصغار، وكانت هذه الآيات في المتعنتين من الكفار، وكان قد كرر أن هذه المواعظ إنما هي للمؤمنين، قال مخاطباً لهم معرضاً عن سواهم إذا كانت أسماعهم لبليغ هذه المواعظ قد أصغت، وقلوبهم لجليل هذه الإنذارات قد استيقظت، التفاتاً على قراءة الجمهور إلى

стр. 7250

التلذيذ في المناجاة بالإفراد والإبعاد من مداخل التعنت: ﴿يا عبادي﴾ فشرفهم بالإضافة، ولكنه لما أشار بأداة البعد إلى أن فيهم من لم يرسخ، حقق ذلك بقوله: ﴿الذين آمنوا﴾ أي وإن كان الإيمان باللسان مع أدنى شعبة من القلب. ولما كان نزول هذه السورة بمكة، وكانوا بها مستخفين بالعبادة خوفاً من الكفار، وكانت الهجرة الأهل والأوطان شديدة، قال مؤكداً تنبيهاً على أن حال من ترك الهجرة حال من يظن أن الأرض ضيقة: ﴿إن أرضي واسعة﴾ أي في الذات والرزق وكل ما تريدون من الرفق، فإن لم تتمكنوا بسبب هؤلاء المعاندين الذين يفتنونكم في دينكم ويمنعونكم من الإخلاص إلي في أرضكم والاجتهاد في عبادتي حتى يصير الإيمان لكم وصفاً، فهاجروا إلى أرض تتمكنون فيها من ذلك. ولما كانت الإقامة بها قبل الفتح مؤدية إلى الفتنة، وكان المفتون ربما طاوع بلسانه، وكان ذلك وإن كان القلب مطمئناً بالإيمان في صورة الشرك قال: ﴿فإياي﴾ أي خاصة بالهجرة إلى أرض تأمنون فيها اعبدوا وتنبهوا ﴿فاعبدون*﴾ بسبب ما دبرت لكم من المصالح من توسيع الأرض وغيره، عبادة لا شرك فيها، لا باللسان ولا بغيره ولا استخفافاً بها ولا مراعاة لمخلوق في معصيته، ولا شيء يجر إليها بالهرب ممن يمنعكم من ذلك إلى من يعينكم عليه.
следующие страницы →