Полный текст (11 765 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.
стр. 7631
﴿واليوم الآخر﴾ الذي لا بد من إيجاده ومجازاة الخلائق فيه بإعمالهم، فمن كان كذلك حمله رجاؤه على كل خير، ومنعه من كل شر، فإنه يوم التغابن، لأن الحياة فيه دائمة، والكسر فيه لا يجبر.
ولما عبر بالمضارع المقتضي لدوام التجدد اللازم منه دوام الاتصاف الناشئ عن المراقبة لأنه في جبلته، أنتج ان يقال: فأسى رسول الله ﷺ في كل شيء تصديقاً لما في جبلته من الرجاء، فعطف عليه، أو على «كان» المقتضيه للرسوخ قوله: ﴿وذكر الله﴾ الذي له صفات الكمال، وقيده بقوله: ﴿كثيراً﴾ تحقيقاً لما ذكر من معنى الرجاء الذي به الفلاح، وأن المراد منه الدائم في حالي السراء والضراء.
ولما أخبر عما حصل في هذه الوقعة من الشدائد الناشئة عن الرعب لعامة الناس، وخص من بينهم المنافقين بما ختمه بالملامة في ترك التآسي بمن أعطاء الله قيادهم، وأعلاه عليهم في الثبات والذكر، وختم هذا الختم بما يثمر الرسوخ في الدين، ذكر حال الراسخين في أوصاف الكمال المتأسين بالداعي، المقتفين للهادي، فقال عاطفاً على ﴿هنالك ابتلي المؤمنون﴾ : ﴿ولما رأى المؤمنون﴾ أي الكاملون في الإيمان ﴿الأحزاب﴾ الذين
стр. 7632
أدهشت رؤيتهم القلوب ﴿قالوا﴾ أي مع ما حصل لهم من الزلزال وتعاظم الأحوال: ﴿هذا﴾ أي الذي نراه من الهول ﴿ما وعدنا﴾ من تصديق دعوانا الإيمان بالبلاء والامتحان ﴿الله﴾ الذي له الأمر كله ﴿ورسوله﴾ المبلغ عنه في نحو قوله:
﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ [البقرة: ٢١٤] ﴿أحسب الناس أن يتركوا﴾ [العنكبوت: ٢] ﴿أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ [التوبة: ١٦] وأمثال ذلك، فسموا المس بالبأساء والضراء، والابتلاء بالزلزال والأعداء، وعداً لعلمهم بما لهم عليه عند الله، ولا سيما في يوم الجزاء، وما يعقبه من النصر، عند اشتداد الأمر.
ولما كان هذا معناه التصديق، أزالوا عنه احتمال أن يكون أمراً اتفاقياً، وصرحوا به على وجه يفهم الدعاء بالنصر الموعود به في قولهم عطفاً على هذا: ﴿وصدق﴾ مطلقاً لا بالنسبة إلى مفعول معين ﴿الله﴾ الذي له صفات الكمال ﴿ورسوله﴾ الذي كماله من كماله، أي ظهر صدقهما في عالم الشهادة في كل ما وعدا به من السراء والضراء مما رأيناه. وهما صادقان فيما غاب عنا مما وعدا به من نصر وغيره، وإظهار الاسمين للتعظيم والتيمن بذكرهما.
ولما كان هذا قولاً يمكن أن يكون لسانياً فقط كقول المنافقين،
стр. 7633
أكده لظن المنافقين ذلك، فقال سبحانه شاهداً لهم: ﴿وما زادهم﴾ أي ما رأوه من أمرهم المرعب ﴿إلا إيماناً﴾ أي بالله ورسوله بقلوبهم، وأبلغ سبحانه في وصفهم بالإسلام، فعبر بصيغة التفعيل فقال: ﴿وتسليماً﴾ أي لهما بجميع جوارحهم في جميع القضاء والقدر، وقد تقدم في قوله تعالى في سورة الفرقان ﴿ويجعل لك قصوراً﴾ [الفرقان: ١٠] ما هو من شرح هذا. ولما كان كل من آمن بائعاً نفسه وماله لله، لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وكان بعض الراسخين في الإيمان لم يعط الإيمان حقه في القتال في نفسه وماله كما فعل أبو بكر ﵁، أما في ماله فبالخروج عنه كله، وأما في نفسه فيما يقحمها من الأهوال، حتى كان النبي ﷺ يقول له في بعض المواطن: «الزم مكانك وأمتعنا بنفسك» ، «ويقول له ولعمر ﵄ أنهما من الدين بمنزلة السمع والبصر» وكان أبو بكر ﵁ في ليلة الغار يذكر الطلب فيتأخر، والرصد فيتقدم، وما عن الجوانب فيصير إليها، ومنهم من وفى هذه الغزوة وما قبلها فأراد الله التنويه بذكرهم والثناء عليهم توفية لما يفضل به في حقهم، وترغيباً لغيرهم فأظهر ولم يضمر لئلا يتقيد بالمذكورين سابقاً فيخص
стр. 7634
هذه الغزوة فقال: ﴿من المؤمنين﴾ أي الكمل ﴿رجال﴾ أي في غاية العظمة عندنا، ثم وصفهم بقوله: ﴿صدقوا﴾ .
ولما كان العهد عند ذوي الهمم العلية، والأخلاق الزكية، لشدة ذكرهم له ومحافظتهم على الوفاء به، وتصوره لهم حتى كأنه رجل عظيم قائم تجاههم، يتقاضاهم الصدق، عدى الفعل إليه فقال: ﴿ما عاهدوا الله﴾ المحيط علماً وقدرة وجلالاً وعظمة ﴿عليه﴾ أي من بيع أنفسهم وأموالهم له بدخولهم في هذا الدين الذي بنى على ذلك فوفوا به أتم وفاء، وفي هذا إشارة إلى أبي لبابة بن المنذر ﵁، وكان من أكابر المؤمنين الراسخين في صفة الإيمان حيث زل في إشارته إلى بني قريظة بأن المراد بهم الذبح، كما تقدم في الأنفال في قوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم﴾ [الأنفال: ٢٧] فذهب من حينه وربط نفسه تصديقاً لصدقه في سارية من سواري المسجد حتى تاب الله عليه وحله رسول الله ﷺ بيده الشريفة.
ولما ذكر الصادقين، وكان ربما فهم أن الصدق لا يكون إلا بالقتل، قسمهم قسمين مشيراً إلى خلاف ذلك بقوله: ﴿فمنهم من قضى﴾ أي أعطى ﴿نحبه﴾ أي نذره في معاهدته، أنه ينصر رسول الله ﷺ ويموت دونه، وفرغ من
стр. 7635
ذلك وخرج من عهدته بأن قتل شهيداً، فلم يبق عليه نذر كحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وسعد بن الربيع وأنس بن النضر الذي غاب عن غزوة بدر فقال: غبت عن أول قتال قاتل فيه النبي ﷺ ، لئن أشهدني الله قتالاً ليرين الله ما أصنع، فلما انهزم من انهزم في غزوة أحد قال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ومما صنع هؤلاء - يعني المنهزمين من المسلمين. وقاتل حتى قتل بعد بضع وثمانين جراحة من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وروى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: «نرى هذه الآيات نزلت في أنس بن النضر ﴿من المؤمنين رجال﴾ » - انتهى، وغير هؤلاء ممن قتل قبل هذا في غزوة أحد وغيرها، وسعد بن معاذ ممن جرح في هذه الغزوة وحكم في بني قريظة بالقتل والسبي، ولم يرع لهم حلفهم لقومه، ولا أطاع قومه في الإشارة عليه باستبقائهم كما استبقى عبد الله بن أبي المنافق بني قينقاع ولا أخذته بهم رأفة غضباً لله ولرسوله ﵁، وممن لم يقتل في عهد النبي ﷺ طلحة بن عبيد الله أحد العشرة
стр. 7636
رضي الله عنهم ثبت في أحد وفعل ما لم يفعله غيره، لزم النبي ﷺ فلم يفارقه، وذب عنه ووقاه بيده حتى شلت إصبعه النبي ﷺ أنه ممن قضى نحبه، فالمراد بالنحب هنا العهد الذي هو كالنذر المفضي إلى الموت، وأصل النحب الاجتهاد في العمل، ومن هنا استعمل في النذر لأنه الحامل على ذلك ﴿ومنهم﴾ أي الصادقين ﴿من ينتظر﴾ قضاء النحب إما بالنصرة، أو الموت على الشهادة، أو مطلق المتابعة الكاملة.
ولما كان المنافقون ينكرون أن يكون أحد صادقاً فيما يظهر من الإيمان، أكد قوله تعريضاً بهم: ﴿وما بدلوا تبديلاً﴾ أي وما أوقعوا شيئاً من تبديل بفترة أو توان، فهذا تصريح بمدح أهل الصدق، وتلويح بذم أهل النفاق عكس ما تقدم، روى البخاري عن زيد بن ثابت ﵁ قال: لما نسخنا الصحف بالمصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت كثيراً أسمع النبي ﷺ يقرأها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري ﵁ الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين ﴿من المؤمنين رجال صدقوا
стр. 7637
ما عاهدوا الله عليه﴾ . وقوله: «نسخنا الصحف» التي كانت عند حفصة ﵂ بعد موت عمر ﵁ «في المصاحف» التي أمر بها عثمان ﵁، وقوله: «لم أجدها» أي مكتوبة بدليل حفظه لها، وهذا يدل على أنه لما نسخ المصاحف في عهد عثمان ﵁ لم يقتنعوا بالصحف. بل ضموا إليها ما هو مفرق عند الناس مما كتب بأمر رسول الله ﷺ وبحضرته كما فعلوا حين جمعوا الصحف على عهد أبي بكر ﵃ أجمعين.
ولما كان كأنه قيل: قد فهم من سياق هذه القصة أن القصد الإقبال عليه سبحانه، وقطع جميع العلائق من غيره، لأنه قادر على كل شيء، فهو يكفي من أقبل عليه كل مهم وإن كان في غاية العجز عنه، تارة بسبب ظاهر وتارة بغيره فما له لم يحكم بالاتفاق على كلمة السلام، لتحصل الراحة من هذا العناء كله، فأجيب بأن هذا لتظهر صفة العز والعظمة والعدل وغيرها ظهوراً تاماً إلى غير ذلك من حكم ينكشف عنها الحجاب، وترفع لتجليها غاية التجلي ستور الأسباب، فقال تعالى معلقاً بقوله: ﴿جاءتكم جنود﴾ : ﴿ليجزي الله﴾ أي الذي يريد إظهار جميع صفاته يوم البعث للخاص والعام ظهوراً تاماً ﴿الصادقين﴾ في ادعاء أنهم آمنوا به ﴿بصدقهم﴾ فيعلي أمرهم في
стр. 7638
الدنيا وينعمهم في الأخرى، فالصدق سبب وإن كان فضلاً منه لأنه الموفق له ﴿ويعذب المنافقين﴾ في الدارين بكذبهم في دعواهم الإيمان المقتضي لبيع النفس والمال ﴿إن شاء﴾ يعذبهم على النفاق ﴿أو يتوب عليهم﴾ أي بما يرون من صدقه سبحانه في إعزاز أوليائه وإذلال أعدائه بقدرته التامة حيث كانوا قاطعين بخلاف ذلك.
ولما كانت توبة المنافقين مستعبدة لما يرون من صلابتهم في الخداع وخبث سرائرهم، قال معللاً ذلك كله على وجه التأكيد: ﴿إن الله﴾ أي بما له من الجلال والجمال ﴿كان﴾ أزلاً وأبداً ﴿غفوراً رحيماً﴾ يستر الذنب وينعم على صاحبه بالكرامة، أما في الإثابة لكل فالرحمة عامة، وأما في تعذيب المنافق فيخص الصادقين، لأن عذاب أعدائهم من أعظم نعيمهم، وفي حكمه بالعدل عموم الرحمة أيضاً، فهو لا يعذب أحداً فوق ما يستحق.
стр. 7639
ولما ذكرهم سبحانه نعمته بما أرسل على أعدائهم من جنوده، وبين أحوال المنافقين والصادقين وما له في ذلك من الأسرار، وختم بهاتين الصفتين، قال مذكراً بأثرهما فيما خرقه من العادة بصرف الأعداء على كثرتهم وقوتهم على حالة لا يرضاها لنفسه عاقل، عاطفاً على قوله في أول السورة والقصة ﴿فأرسلنا﴾ : ﴿ورد الله﴾ أي بما له من
стр. 7640
صفات الكمال ﴿الذين كفروا﴾ أي ستروا ما دلت عليه شموس عقولهم من أدلة الوحدانية وحقية الرسالة، وهم من تحزب من العرب وغيرهم على رسول الله ﷺ إلى بلادهم عن المدينة ومضايقة المؤمنين، حال كونهم ﴿بغيظهم﴾ الذي أوجب لهم التحزب ثم الذي أوجب لهم التفرق من غير طائل حال كونهم ﴿لم ينالوا خيراً﴾ لا من الدين ولا من الدنيا، بل خذلهم بكل اعتبار.
ولما كان الرد قد يكون بسبب من عدوهم، بين أن الأمر ليس كذلك فقال: ﴿وكفى الله﴾ أي العظيم بقوته وعزته عباده، ودل على أنه ما فعل ذلك إلا لأجل أهل الإخلاص فقال: ﴿المؤمنين القتال﴾ بما ألقى في قلوبهم من الداعية للانصراف بالريح والجنود من الملائكة وغيرهم منهم نعيم بن مسعود كما تقدم.
ولما كان هذا أمراً باهراً، أتبعه ما يدل على أنه عنده يسير فقال: ﴿وكان الله﴾ أي الذي له كل صفة كمال دائماً أزلاً وأبداً ﴿قوياً﴾ لا يعجزه شيء ﴿عزيزاً﴾ يغلب كل شيء.
ولما أتم أمر الأحزاب، أتبعه حال الذين ألّبوهم، وكانوا سبباً
стр. 7641
في إيتانهم كحيي بن أخطب والذين مالأوهم على ذلك، ونقضوا ما كان لهم من عهد، فقال: ﴿وأنزل الذين ظاهروهم﴾ أي عاونوا الأحزاب، ثم بينهم بقوله مبغضاً: ﴿من أهل الكتاب﴾ وهم بنو قريظة ومن دخل معهم في حصنهم من بني النضير كحيي، وكان ذلك بعد إخراج بني قنيقاع وبني النضير ﴿من صياصيهم﴾ أي حصونهم العالمية، جمع صيصية وهي كل ما يتمنع به من قرون البقر وغيرها مما شبه بها من الحصون.
ولما كان الإنزال من محل التمنع عجباً، وكان على وجوه شتى، فلم يكن صريحاً في الإذلال، فتشوفت النفس إلى بيان حاله، بين أنه الذل فقال عاطفاً بالواو ليصلح لما قبل ولما بعد: ﴿وقذف في قلوبهم الرعب﴾ أي بعد الإنزال كما كان قذفه قبل الإنزال، فلو قدم القذف على الإنزال لما أفاد هذه الفؤائد، ولا اشتدت ملاءمة ما بعده للإنزال.
ولما ذكر ما أذلهم به، ذكر ما تأثر عنه مقسماً له فقال: ﴿فريقاً﴾ فذكره بلفظ الفرقة ونصبه ليدل بادئ بدء على أنه طوع لأيدي الفاعلين: ﴿تقتلون﴾ وهم الرجال، وكان نحو سبعمائة. ولما بدأ بما يدل على التقسيم مما منه الفرقة، وقد أعظم الأثرين الناشئين عن الرعب، أولاه الأثر الآخر ليصير الأثران المحبوبان محتوشين بما يدل على الفرقة
стр. 7642
فقال: ﴿وتأسرون فريقاً﴾ وهم الذراري والنساء، ولعله أخر الفريق هنا ليفيد التخيير في أمرهم، وقدم في الرجال لتحتم القتل فيهم.
ولما ذكر الناطق بقسميه، ذكر الصامت فقال: ﴿وأورثكم أرضهم﴾ من الحدائق وغيرها؛ ولما هم خص بقوله: ﴿وديارهم﴾ لأنه يحامي عليها ما لا يحامي على غيرها؛ ثم عم بقوله: ﴿وأموالهم﴾ مما تقدم ومن غيره من النقد والماشية والسلاح والأثاث وغيرها، فقسم ذلك رسول الله ﷺ للفارس ثلاثة أسهم: للفرس سهمان ولفارسه سهم كما للراجل ممن ليس له فرس وأخرج منها الخمس فعلى سنتها وقعت المقاسم ومضت السنة في المغازي، واصطفى رسول الله ﷺ من سباياهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة. إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، فتلبثت قليلاً، ثم أسلمت، فأراد رسول الله ﷺ : أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت: يا رسول الله! بل تتركني في ملكك فهو أخف عليّ وعليك، فتركها حتى توفي عنها في ملكه ﵂.
ولما كانت هذه غزوة طار رعبها في الآفاق، وأذلت أهل الشرك من الأميين وغيرهم على الإطلاق، ونشرت ألوية النصر فخفقت أعلامها في جميع الآفاق، وأغمدت سيف الكفر وسلت صارم الإيمان
стр. 7643
للرؤوس والأعناق، حتى قال النبي ﷺ وهو أبصر الناس بالحروب، وأنفذهم رأياً لما له من الثبات عند اشتداد الكروب: «الآن نغزوهم ولا يغزونا» ، قال تعالى: ﴿وأرضاً لم تطؤها﴾ أي تغلبوا عليها بتهيئتكم للغلبة عليها وإعطائكم القوة القريبة من فتحها، وهي أرض خيبر أولاً، ثم أرض مكة ثانياً ثم أرض فارس والروم وغيرهما مما فتحه الله بعد ذلك، وكان قد حكم به في هذه الغزوة حين أبرق تلك البرقات للنبي ﷺ في حفر الخندق، فأراه في الأولى اليمن، وفي الأخرى فارس، وفي الأخرى الروم.
ولما كان ذلك أمراً باهراً سهله بقوله: ﴿وكان الله﴾ أي أزلاً وأبداً بما له من صفات الكمال ﴿على كل شيء﴾ هذا وغيره ﴿قديراً﴾ أي شامل القدرة.
стр. 7644
ولما تقرر بهذه الوقائع - التي نصر فيها سبحانه وحده بأسباب باطنه سببها، وأمور خفية رتبها، تعجز عنها الجيوش المتخيرة المستكثرة، والملوك المتجبرة المستكبرة - ما قدم من أنه كافي من توكل عليه، وأقبل بكليته إليه، وختم بصفة القدرة العامة الدائمة، تحرر أنه قادر على
стр. 7645
كل ما يريده، وأنه لو شاء أجرى مع وليه كنوز الأرض، وأنه لا يجوز لأحد أن يراعي غيره ولا أن يرمق بوجه ما سواه، وعلم أن من أقبل إلى هذا الدين فإنما نفع نفسه والفضل لصاحب الدين عليه، ومن أعرض عنه فإنما وبال إعراضه على نفسه، ولا ضرر على الدين بإعراض هذا المعرض، كما أنه لا نفع له بإقبال ذلك المقبل، وكان قد قضى سبحانه أن من انقطع إليه حماه من الدنيا إكراماً له ورفعاً لمنزلته عن خسيسها إلى نفيس ما عنده، لأن كل أمرها إلى زوال وتلاش واضمحلال، ولا يعلق همته بذلك إلا قاصر ضال، فأخذ سبحانه يأمر أحب الخلق إليه، وأعزهم منزلة لديه، المعلوم امتثالاً للأمر بالتوكل والإعراض عن كل ما سواه سبحانه وأنه لا يختار من الدنيا غير الكفاف، والقناعة والعفاف، بتخيير ألصق الناس به تأديباً لكافة الناس، فقال على طريق الاستنتاج مما تقدم: ﴿يا أيها النبي﴾ ذاكراً صفة رفعته واتصاله به سبحانه والإعلام بأسرار القلوب، وخفايا الغيوب، المقتضية لأن يفرغ فكره لما يتلقاه من المعارف، ولا يعلق عن شيء من ذلك بشيء من أذى: ﴿قل لأزواجك﴾ أي نسائك: ﴿إن كنتن﴾ أي كوناً راسخاً ﴿تردن﴾ أي اختياراً عليّ ﴿الحياة﴾
стр. 7646
ووصفها بما يزهد فيها ذوي الهمم ويذكر من له عقل بالآخرة فقال: ﴿الدنيا﴾ أي ما فيها من السعة والرفاهية والنعمة ﴿وزينتها﴾ أي المنافية لما أمرني به ربي من الإعراض عنه واحتقاره من أمرها لأنها أبغض خلقه إليه، لأنها قاطعة عنه ﴿فتعالين﴾ أصله أن الأمر يكون أعلى من المأمور، فيدعوه أن يرفع نفسه إليه ثم كثر حتى صار معناه: أقبل، وهو هنا كناية عن الإخبار والإراداة بعلاقة أن المخبر يدنو إلى من يخبره ﴿أمتعكن﴾ أي بما أحسن به إليكن ﴿وأسرحكن﴾ أي من حباله عصمتي ﴿سراحاً جميلاً *﴾ أي ليس فيه مضارة، ولا نوع حقد ولا مقاهرة ﴿وإن كنتن﴾ بما لكن من الجبلة ﴿تردن الله﴾ أي الآمر بالإعراض عن الدنيا للإعلاء إلى ما له من رتب الكمال ﴿ورسوله﴾ المؤتمر بما أمره به من الانسلاخ عنها المبلغ للعباد جميع ما أرسله به من أمر الدنيا والدين لا يدع منه شيئاً، لما له عليكن وعلى سائر الناس من الحق بما يبلغهم عن الله ﴿والدار الآخرة﴾ التي هي الحيوان بما لها من البقاء، والعلو والارتقاء.
ولما كان ما كل من أظهر شيئاً كان عالي الرتبة فيه، قال مؤكداً تنبيهاً على أن ما يقوله مما يقطع به وينبغي تأكيده دفعاً لظن من يغلب عليه حال البشر فيظن فيه الظنون من أهل النفاق وغيرهم، أو يعمل عمل من يظن ذلك أو يستبعد وقوعه في الدنيا أو الآخرة: ﴿فإن الله﴾
стр. 7647
أي بما له من جميع صفات الكمال ﴿أعد﴾ في الدنيا والآخرة ﴿للمحسنات منكن﴾ أي اللاتي يفعلن ذلك وهن في مقام المشاهدة وهو يعلم المحسن من غيره ﴿أجراً عظيماً *﴾ أي تحتقر له الدنيا وكل ما فيها من زينة ونعمة.
ولما أتى سبحانه بهذه العبارة الحكيمة الصالحة مع البيان للتبعيض ترهيباً في ترغيب، أحسن كلهن وحققن بما تخلقن به أن من للبيان، فإن النبي ﷺ عرض عليهن ﵅ ذلك، وبدأ بعائشة ﵂ رأس المحسنات إذ ذاك ﵂ وعن أبيها وقال لها: «إني قائل لك أمراً فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أوبويك» ، فلما تلاها عليها قالت منكرة لتوقفها في الخبر: أفي هذا أستأمر أبوي، فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، ثم عرض ذلك على جميع أزواجه فاقتدين كلهن بعائشة ﵅ فكانت لهن إماماً فنالت إلى أجرها مثل أجورهن - روى ذلك البخاري وغيره عن عائشة ﵂، وسبب ذلك أنه ﷺ وجد على نسائه ﵅ فآلى منهن شهراً، فلما انقضى الشهر نزل
стр. 7648
إليهن من غرفة كان اعتزل فيها وقد أنزل الله عليه الآيات. فخيرهن فاخترنه ﵅، وسبب ذلك أن منهن من سأل التوسع في النفقة، وقد كان النبي ﷺ لا يحب التوسع في الدنيا، روى الشيخان ﵄ عن عائشة ﵂ قالت: ما شبع آل محمد ﷺ ، من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله ﷺ ، وروى الحديث البيهقي ولفظه: قالت: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام متوالية ولو شئنا لشبعنا، ولكنه كان يؤثر على نفسه، وروى الطبراني في الأوسط عنها أيضاً ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من سأل عني أو سره أن ينظر إلي فلينظر إليّ أشعث شاحب لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة، رفع له علم فشمر إليه، اليوم المضمار وغداً السباق، والغاية الجنة أو النار» .
ولما كان الله سبحانه قد أمضى حكمته في هذه الدار في أنه لا يقبل قول إلا ببيان، قال سبحانه متهدداً على ما قد أعاذهن الله منه، فالمراد منه بيان أنه رفع مقاديرهن، ولذلك ذكر الأفعال المسندة إليهن اعتباراً
стр. 7649
بلفظ «من» والتنبيه على غلط من جعل صحبه الأشراف دافعة للعقاب على الإسراف، ومعلمة بأنها إنما تكون سبباً للإضعاف: ﴿يا نساء النبي﴾ أي المختارات له لما بينه وبين الله مما يظهر شرفه ﴿من يأتِ﴾ قراءة يعقوب على ما نقله البغوي بالمثناة الفوقانية على معنى من دون لفظها وهي قراءة شاذة نقلها الأهوازي في كتاب الشواذ عن ابن مسلم عنه: وقرأ الجماعة بالتحتانية على اللفظ وكذا «يقنت» ﴿منكن بفاحشة﴾ أي من قول أو فعل كالنشوز وسوء الخلق باختيار الحياة الدنيا وزينتها على الله ورسوله أو غير ذلك ﴿مبينة﴾ أي واضحة ظاهرة في نفسها تكاد تنادي بذلك من سوء خلق ونشوز أو غير ذلك ﴿يضاعف لها العذاب﴾ أي بسبب ذلك، ولما هول الأمر بالمفاعلة في قراءة نافع المفهمة لأكثر من اثنين كما مضى في البقرة، سهله بقوله: ﴿ضعفين﴾ أي بالنسبة إلى ما لغيرها لأن مقدارها لا يعشره مقدار غيرها كما جعل حد الحر ضعفي ما للعبد، وكما جعل أجرهن مرتين.
واشتد العتاب فيما بين الأحباب، وعلى قدر علو المقام يكون الملام،
стр. 7650
وبقدر النعمة تكون النقمة، وكل من بناء يضاعف للمجهول من باب المفاعلة أو التفعيل لأبي جعفر والبصريين أو للفاعل بالنون عند ابن وكثير وابن عامر يدل على عظمته سبحانه، والبناء للمجهول يدل على العناية بالتهويل بالعذاب بجعله عمدة الكلام وصاحب الجملة بإسناد الفعل إليه، وذلك كله إشارة إلى أن الأمور الكبار صغيرة عنده سبحانه لأنه لا يضره شيء ولا ينفعه، ولا يوجب شيء من الأشياء له حدوث شيء لم يكن، ولذلك قال: ﴿وكان ذلك﴾ أي مع كونه عظيماً عندكم ﴿على الله يسيراً *﴾ فهذا ناظر إلى مقام الجلال والكبرياء والعظمة.
ولما قدم درء المفاسد الذي هو من باب التخلي، أتبعه جلب المصالح الذي هو من طراز التحلي فقال: ﴿ومن يقنت﴾ أي يخلص الطاعة، وتقدم توجيه قراءة يعقوب بالفوقانية على ما حكاه البغوي والأهوازي في الشواذ عن ابن مسلم ﴿منكن لله﴾ الذي هو أهل لئلا يلتفت إلى غيره لأنه لا أعظم منه بإدامة الطاعة فلا يخرج عن مراقبته أصلاً ﴿ورسوله﴾ فلا تغاضبه ولا تطلب منه شيئاً،
стр. 7651
ولا تختار عيشاً غير عيشه، فإنه يجب على كل أحد تصفية فكره، وتهدئه باله وسره، ليتمكن غاية التمكن من إنقاذ أوامرنا والقيام بما أرسلناه بسببه من رحمة العباد، بإنقاذهم مما هم فيه من الأنكاد.
ولما كان ذلك قد يفهم الاقتصار على عمل القلب قال: ﴿وتعمل﴾ قرأها حمزة والكسائي بالتحتانية رداً على لفظ «من» حثاً لهن على منازل الرجال، وقراءة الجماعة بالفوقانية على معناها على الأصل مشيرة إلى الرفق بهن في عمل الجوارح والرضى بالمستطاع كما قال عليه أفضل الصلاة والسلام:
«إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» وأما عمل القلب فلا رضى فيه بدون الغاية، فلذا كان «يقنت» مذكراً لا على شذوذ ﴿صالحاً﴾ أي في جميع ما أمر به سبحانه أو نهى عنه ﴿نؤتها﴾ أي بما لنا من العظمة على قراءة الجماعة بالنون، وقراءة حمزة والكسائي بالتحتانية على أن الضمير لله ﴿أجرها مرتين﴾ أي بالنسبة إلى أجر غيرها من نساء بقية الناس ﴿وأعتدنا﴾ أي هيأنا بما لنا من العظمة وأحضرنا ﴿لها﴾ بسبب قناعتها مع النبي ﷺ المريد للتخلي من الدنيا التي يبغضها الله مع ما في ذلك
стр. 7652
من توفير الحظ في الآخرة ﴿رزقاً كريماً *﴾ أي في الدنيا والآخرة، فلا شيء أكرم منه لأن ما في الدنيا منه يوفق لصرفه على وجه يكون فيه أعظم الثواب، ولا يخشى من أجله نوع عتاب فضلاً عن عقاب، وما في الآخرة منه لا يوصف ولا يحد، ولا نكد فيه بوجه أصلاً ولا كد.
стр. 7653
ولما كان لكل حق حقيقة، ولكل قول صادق بيان، قال مؤذناً بفضلهن: ﴿يا نساء النبي﴾ أي الذي أنتن من أعلم الناس بما بينه وبين الله من الإنباء بدقائق الأمور وخفايا الأسرار وما له من الزلفى لديه ﴿لستن كأحد من النساء﴾ قال البغوي: ولم يقل: كواحدة، لأن الأحد عام يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث - انتهى، فالمعنى كجماعات من جماعات النساء إذا تقصيت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد فيهن جماعة تساويكن في الفضل لما خصكن الله به من قربة بقرب رسول الله ﷺ ، ونزول الوحي الذي بينه وبين الله في بيوتكن.
ولما كان المعنى: بل أنتن أعلى النساء، ذكر شرط ذلك فقال:
стр. 7654
﴿إن اتقيتن﴾ أي جعلتن بينكن وبين غضب الله وغضب رسوله وقاية، ثم سبب عن هذا النفي قوله: ﴿فلا تخضعن﴾ أي إذا تكلمتن بحضرة أجنبي ﴿بالقول﴾ أي بأن يكون لينا عذباً رخماً، والخضوع التطامن والتواضع واللين والدعوة إلى السواء؛ ثم سبب عن الخضوع: قوله: ﴿فيطمع﴾ أي في الخيانة ﴿الذي في قلبه مرض﴾ أي فساد وريبة والتعبير بالطمع للدلالة على أن أمنيته لا سبب لها في الحقيقة، لأن اللين في كلام النساء خلق لهن لا تكلف فيه، فأريد من نساء النبي ﷺ التكلف للإتيان بضده.
ولما نهاهن عن الاسترسال مع سجية النساء في رخامة الصوت، أمرهن بضده فقال: ﴿وقلن قولاً معروفاً﴾ أي يعرف أنه بعيد عن محل الطمع.
ولما تقدم إليهن في القول وقدمه لعمومه، أتبعه الفعل فقال: ﴿وقرن﴾ أي اسكنّ وامكثن دائماَ ﴿في بيوتكن﴾ فمن كسر القاف وهم غير المدنيين وعاصم جعل الماضي قرر بفتح العين، ومن فتحه فهو عنده قرر بكسرها، وهما لغتان.
ولما أمرهن بالقرار، نهاهن عن ضده مبشعاً له، فقال: ﴿ولا تبرجن﴾
стр. 7655
أي تظاهرن من البيوت بغير حاجة محوجة، فهو من وادي أمر النبي ﷺ لهن بعد حجة الوداع بلزوم ظهور الحصر ﴿تبرج الجاهلية الأولى﴾ أي المتقدمة على الإسلام وعلى ما قبل الأمر بالحجاب، بالخروج من بيت والدخول في آخر، والأولى لا تقتضي أخرى كما ذكره البغوي، وعن ابن عباس ﵄ أنها ما بين نوح وإدريس ﵉، تبرج فيها نساء السهول - وكن صباحاً وفي رجالهن دمامة - لرجال الجبال وكانوا صباحاً وفي نسائهن دمامة، فكثر الفساد، وعلى هذا فلها ثانية.
ولما أمرهن بلزوم البيوت للتخلية عن الشوائب، أرشدهن إلى التحلية بالرغائب، فقال: ﴿وأقمن الصلاة﴾ أي فرضاً ونفلاً، صلة لما بينكن وبين الخالق لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴿وآتين الزكاة﴾ إحساناً إلى الخلائق، وفي هذا بشارة بالفتوح وتوسيع الدنيا عليهن، فإن العيش وقت نزولها كان ضيقاً عن القوت فضلاً عن الزكاة.
ولما أمرهن بخصوص ما تقدم لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية، ومن اعتنى بهما حق الاعتناء جرتاه إلى ما وراءهما، عم وجمع في قوله: ﴿وأطعن الله﴾ أي ذاكرات ما له من صفات الكمال ﴿ورسوله﴾
стр. 7656
في جميع ما يأمران به فإنه لم يرسل إلا للأمر والنهي تخليصاً للخلائق من أسر الهوى.
ولما كانت هذه الآيات قد نهت عن الرذائل فكانت عنها أشرف الفضائل قال مبيناً أن ذلك إنما هو لتشريف أهل النبي ﷺ لتزيد الرغبة في ذلك مؤكداً دفعاً لوهم من يتوهم أن ذلك لهوان أو غير ذلك من نقصان وحرمان: ﴿إنما يريد الله﴾ أي وهو ذو الجلال والجمال بما أمركم به ونهاكم عنه من الإعراض عن الزينة وما تبعها، والإقبال عليه، عزوفكم عن الدنيا وكل ما تكون سبباً له ﴿ليذهب﴾ أي لأجل أن يذهب ﴿عنكم الرجس﴾ أي الأمر الذي يلزمه دائماً الاستقذار والاضطراب من مذام الأخلاق كلها ﴿أهل﴾ يا أهل ﴿البيت﴾ أي من كل من تكون من إلزام النبي ﷺ من الرجال والنساء من الأزواج والإماء والأقارب، وكلما كان الإنسان منهم أقرب وبالنبي ﷺ أخص وألزم، كان بالإرادة أحق وأجدر.
ولما استعار للمعصية الرجس، استعار للطاعة الطهر، ترغيباً لأصحاب الطباع السليمة والعقول المستقيمة، في الطاعة، وتنفيراً لهم عن المعصية فقال: ﴿ويطهركم﴾ أي يفعل في طهركم بالصيانة عن جميع القاذورات
стр. 7657
الحسية والمعنوية فعل المبالغ فيه، وزاد ذلك عظماً بالمصدر فقال: ﴿تطهيراً﴾ .
ولما ذكر ذلك إلى أن ختم بالتطهير، أتبعه التذكير بما أنعم سبحانه به مما أثره التطهير من التأهيل لمشاهدة ما يتكرر من تردد الملائكة بنزول الوحي الذي هو السبب في كل طهر ظاهر وباطن، فقال مخصصاً من السياق لأجلهن ﵅، منبهاً لهن على أن بيوتهن مهابط الوحي ومعادن الأسرار: ﴿واذكرن﴾ أي في أنفسكن ذكراً دائماً، واذكرنه لغيركن على جهة الوعظ والتعليم.
ولما كانت العناية بالمتلو، بينها بإسناد الفعل إليه لبيان أنه عمدة الجملة فقال بانياً للمفعول: ﴿ما يتلى﴾ أي يتابع ويوالي ذكره والتخلق به، وأشار لهن إلى ما خصهن منه من الشرف فقال: ﴿في بيوتكن﴾ أي بواسطة النبي ﷺ الذي خيركن ﴿من آيات الله﴾ الذي لا أعظم منه.
ولما كان المراد بذلك القرآن، عطف عليه ما هو أعم منه، فقال مبيناً لشدة الاهتمام به بإدخاله في جملة المتلو اعتماداً على أن العامل فيه معروف لأن التلاوة لا يقال في غير الكتاب: ﴿والحكمة﴾
стр. 7658
أي ويبث وينشر من العلم المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم، ولا تنسين شيئاً من ذلك.
ولما كان السياق للإعراض عن الدنيا، وكانت الحكمة منفرة عنها، أشار بختام الآية إلى أنها مع كونها محصلة لفوز الأخرى جالبة لخير الدنيا، فقال مؤكداً ردعاً لمن يشك في أن الرفعة يوصل إليها بضدها ونحو ذلك مما تضمنه الخبر من جليل العبر: ﴿إن الله﴾ أي والذي له جميع العظمة ﴿كان﴾ أي لم يزل ﴿لطيفاً﴾ أي يوصل إلى المقاصد بوسائل الأضداد ﴿خبيراً﴾ أي يدق علمه عن إدراك الأفكار، فهو يجعل الإعراض عن الدنيا جالباً لها على أجمل الطرائق وأكمل الخلائق وإن رغمت أنوف جميع الخلائق، ويعلم من يصلح لبيت النبي ﷺ ومن لا يصلح، وما يصلح الناس دنيا وديناً وما لا يصلحهم، والطرق الموصلة إلى كل ما قضاه وقدره وإن كانت على غير ما يألفه الناس «من انقطع إلى الله كفاه كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب» رواه الطبراني في الصغير وابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن عمران بن حصين ﵁ «من توكل على الله كفاه، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها» - رواه صاحب الفردوس وأبو الشيخ ابن حيان في كتاب الثواب عن عمران ﵁ أيضاً، ولقد صدق الله سبحانه وعده في لطفه وحقق بره في خبره بأن فتح
стр. 7659
على نبيه ﷺ بعد ذلك خيبر، فأفاض بها ما شاء من رزقه الواسع، ثم لما توفي نبيه ﷺ ليحيمه من زهرة الحياة الدنيا فتح الفتوحات الكبار من بلاد فارس والروم ومصر وما بقي من اليمن، فعم الفتح جميع الأقطار: الشرق والغرب والجنوب والشمال، ومكن أصحاب نبيه ﷺ من كنوز جميع تلك البلاد وذخائر أولئك الملوك حتى صار الصحابة رضوان الله عليهم يكيلون المال كيلاً، وزاد الأمر حتى دون عمر الدواوين وفرض للناس عامة أرزاقهم حتى للرضعاء، وكان أولاً لا يفرض للمولود حتى يفطم، فكانوا يستعجلون بالفطام فنادى مناديه: لا تعجلوا أولادكم بالفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وفاوت بين الناس في العطاء بحسب القرب من النبي ﷺ والبعد منه وبحسب السابقة في الإسلام والهجرة ونزّل الناس منازلهم بحيث أرضى جميع الناس حتى قدم عليه خالد بن عرفطة فسأله عما وراءه فقال: تركتهم يسألون الله لك أن يزيد في عمرك من أعمارهم، فقال عمر ﵁: إنما هو حقهم وأنا أسعد بأدائه إليهم، لو كان من مال الخطاب ما أعطيتموه، ولكن قد علمت أن فيه فضلاً، فلو أنه إذا خرج عطاء أحدهم ابتاع منه
стр. 7660
غنماً، فجعلها بسوادكم، فإذا خرج عطاؤه ثانية ابتاع الرأس والرأسين فجعله فيها، فإن بقي أحد من ولده كان لهم شيء قد اعتقدوه، فإني لا أدري ما يكون بعدي، وإني لأعم بنصيحتي كل من طوقني الله أمره، فإن رسول الله ﷺ قال:
«من مات غاشاً لرعيته لم يرح ريح الجنة» ، فكان فرضه لأزواج النبي ﷺ اثني عشر ألفاً لكل واحدة وهي نحو ألف دينار في كل سنة، وأعطى عائشة ﵂ خمسة وعشرين ألفاً لحب رسول الله ﷺ إياها، فأبت أن تأخذ إلا ما يأخذه صواحباتها، وروى عن برزة بنت رافع قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر ﵁ إلى زينب بنت جحش ﵂ بالذي لها فلما أدخل إليها قالت: غفر الله لعمر! غيري من أخواتي أقوى على قسم هذا مني، قالوا: هذا كله لك يا أم المؤمنين، قالت: سبحان الله! واستترت منه بثوب، ثم قالت: صبوه واطرحوا عليه ثوباً، ثم قالت لي: ادخلي يديك واقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلان من ذوي رحمها وأيتام لها، فقسمته حتى بقيت منه بقية تحت الثوب، قالت برزة بنت رافع: فقلت: غفر الله له يا أم المؤمنين، والله لقد كان لنا في هذا المال حق، قالت: فلكم ما تحت الثوب،
стр. 7661
فوجدنا تحته خمسمائة وثمانين درهماً، ثم رفعت يدها إلى السماء فقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت - ذكر ذلك البلاذري في كتاب فتوح البلاد.
ولما حث سبحانه على المكارم والأخلاق الزاكية، وختم بالتذكير بالآيات والحكمة، أتبعه ما لمن تلبس من أهل البيت بما يدعو إليه ذلك من صفات الكمال، ولكنه ذكره على وجه يعم غيرهم من ذكر وأنثى مشاكلة لعموم الدعوة وشمول الرسالة، فقال جواباً لقول النساء: يا رسول الله! ذكر الله الرجال ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر به، إنا نخاف أن لا يقبل منا طاعة، بادئاً الوصف الأول الأعم الأشهر من أوصاف أهل هذا الدين مؤكداً لأجل كثرة المنافقين المكذبين بمضمون هذا الخبر وغيرهم من المصارحين: ﴿إن المسلمين﴾ ولما كان اختلاف النوع موجباً للعطف، قال معلماً بالتشريك في الحكم: ﴿والمسلمات﴾ .
ولما كان الإسلام مع كونه أكمل الأوصاف وأعلاها يمكن أن يكون بالظاهر فقط، أتبعه المحقق له وهو إسلام الباطن بالتصديق التام بغاية الإذعان، فقال عاطفاً له ولما بعده من الأوصاف التي يمكن اجتماعها بالواو للدلالة على تمكين الجامعين لهذه الأوصاف من كل وصف منها: ﴿والمؤمنين والمؤمنات﴾ ولما كان المؤمن المسلم قد لا يكون في أعماله مخلصاً قال: ﴿والقانتين﴾ أي المخلصين في إيمانهم
стр. 7662
وإسلامهم ﴿والقانتات﴾ ولما كان القنوت كما يطلق على الإخلاص المقتضي للمداولة قد يطلق على مطلق الطاعة قال: ﴿والصادقين﴾ في ذلك كله ﴿والصادقات﴾ أي في إخلاصهم في الطاعة، وذلك يقتضي الدوام.
ولما كان الصدق - وهو إخلاص القول والعمل عن شوب يلحقه أو شيء يدنسه - قد لا يكون دائماً، قال مسيراً إلى أن ما لا يكون دائماً لا يكون صدقاً في الواقع: ﴿والصابرين والصابرات﴾ ولما كان الصبر قد يكون سجية، دل على صرفه إلى الله بقوله: ﴿والخاشعين والخاشعات﴾ ولما كان الخشوع - وهو الخضوع والإخبات والسكون - لا يصح مع توفير المال فإنه سيكون إليه، قال معلماً أنه إذ ذاك لا يكون على حقيقته: ﴿والمتصدقين﴾ أي المنفقين أموالهم في رضى الله بغاية الجهد من نفوسهم بما أشار إليه إظهار التاء فرضاً وتطوعاً سراً وعلانية بما أرشد إليه الإظهار أيضاً تصديقاً لخشوعهم ﴿والمتصدقات﴾ .
ولما كان بذل المال قد لا يكون مع الإيثار، أتبعه ما يعين عليه فقال: ﴿والصائمين﴾ أي تطوعاً للإيثار بالقوت وغير ذلك ﴿والصائمات﴾ ولما كان الصوم يكسر شهوة الفرج وقد يثيرها، قال: ﴿والحافظين فروجهم﴾ أي عما لا يحل لهم بالصوم وما أثاره الصوم ﴿والحافظات﴾ ولما كان حفظ الفروج وسائر الأعمال لا تكاد توجد
стр. 7663
إلا بالذكر. وهو الذي فيه المراقبة الموصلة إلى المحاضرة المحققة للمشاهدة المحيية بالفناء قال: ﴿والذاكرين الله﴾ أي مع استحضار ما له من الكمال بصفات الجلال والجمال ﴿كثيراً﴾ بالقلب واللسان في كل حالة ﴿والذاكرات﴾ ومن علامات الإكثار من الذكر اللهج به عند الاستيقاظ من النوم.
ولما كان المطيع وإن جاوز الحد في الاجتهاد مقتصراً عن بلوغ ما يحق له، أشار إلى ذلك سبحانه بقوله مكرراً الاسم الأعظم إشارة إلى ذلك وإلى صغر الذنوب إذا نسبت إلى عفوه: ﴿أعد الله﴾ أي الذي لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره مع أنه لا يتعاظمه شيء ﴿لهم مغفرة﴾ أي لهفواتهم وما أتوه من سيئاتهم بحيث يمحو عينه وأثره، فلا عتاب ولا عقاب، ولا ذكر له سبب من الأسباب.
ولما ذكر الفضل بالتجاوز، أتبعه التفضل بالكرم والرحمة فقال: ﴿وأجراً عظيماً *﴾ وإعداد الأجر يدل على أن المراد بهذه الأوصاف اجتماعها لأن مظهر الإسلام نفاقاً كافر، وتارك شيء من الأوصاف متصف بضده وحينئذ يكون مخلاً بالباقي وأن المراد بالعطف التمكن والرسوخ في كل وصف منها زيادة على التمكن الذي أفاده التعبير بالوصف دون الفعل، وحينئذ تعدم الكبائر فيتأتى تكفير الصغائر، فتأتي المغفرة والأجر، وأما آية التحريم فلم تعطف لئلا يظن أنهن
стр. 7664
أنواع كل نوع يتفرد بوصف، وإفادة الرسوخ هنا في الأوصاف من سياق الامتنان والمدح بكونهن خيراً.
стр. 7665
ولما كان الله سبحانه قد قدم قوله: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ - الآية، فعلم قطعاً أنه تسبب عنها ما تقديره: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة لأن يكون له ولي غير النبي ﷺ ، فطوى ذلك للعلم به، واستدل على مضمون الآية وما قبلها بقصة الأحزاب، وأتبعها نتيجة ذلك مما ذكر تأديب الأزواج له ﷺ وتهذبيهن لأجله وتطهير أهل بيته وتكريمهم حتى ختم سبحانه بالصفات العشر التي بدأها بالإسلام الذي ليس معه شيء من الإباء، وختمها بأن ذكر الله يكون ملء القلب والفم وهو داعٍ إلى مثل ذلك لأنه سبب الإسلام، عطف على مسبب آية الولاية ما يقتضيه كثرة الذكر من قوله: ﴿وما كان﴾ .
ولما كان الإيمان قد يدعى كذباً لخفاء به، قال: ﴿لمؤمن﴾ أي من عبد الله بن جحش وزيد وغيرهما ﴿ولا مؤمنة﴾ أي من زينب وغيرها، فعلق الأمر بالإيمان إعلاماً بأن من اعترض غير مؤمن وإن أظهر الإيمان بلسانه ﴿إذا قضى الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا ينبغي
стр. 7666
لعاقل التوقف في أمره ﴿ورسوله﴾ الذي لا يعرف قضاؤه إلا به ﴿أمراً﴾ أي أيّ أمر كان.
ولما كان المراد كل مؤمن، والعبارة صالحة له، وكان النفي عن المجموع كله نفياً عما قل عنه من باب الأولى، قال: ﴿أن تكون﴾ أي كوناً راسخاً على قراءة الجماعة بالفوقانية، وفي غاية الرسوخ على قراءة الكوفيين بالتحتانية ﴿لهم﴾ أي خاصة ﴿الخيرة﴾ مصدر من تخير كالطيرة من تطير على غير قياس ﴿من أمرهم﴾ أي الخاص بهم باستخارة لله ولا بغيرها ليفعلوا خلاف ذلك القضاء، فإن المراد بالاستخارة ظن ما اختاره الله، وإخبار النبي ﷺ قطعي الدلالة على ما اختاره الله تعالى، وفي هذا عتاب لزينب ﵂ على تعليق الإجابة للنبي ﷺ عند ما خطبها لنفسه الشريفة على الاستخارة، وعلى كراهتها عند ما خطبها لزيد مولاه، ولكنها لما قدمت بعد نزول الآية خيرته ﷺ في تزويجها من زيد ﵄ على خيرتها، عوضها الله أن صيرها لنبيه ﷺ ومعه في الجنة في أعلى الدرجات، فالخيرة للنبي ﷺ لأنه لا ينطق عن الهوى، فمن فعل غير ذلك فقد قضى النبي ﷺ ،
стр. 7667
ومن عصاه عصى الله لأنه لا ينطق إلا عنه ﴿ومن يعص الله﴾ أي الذي لا أمر لأحد معه ﴿ورسوله﴾ أي الذي معصيته معصيته لكونه بينه وبين الخلق في بيان ما أرسل به إليهم ﴿فقد ضل﴾ وأكده المصدر فقال: ﴿ضلالاً﴾ وزاده بقوله: ﴿مبيناً﴾ أي لا خفاء به، فالواجب على كل أحد أن يكون معه ﷺ في كل ما يختاره وإن كان فيه أعظم المشقات عليه تخلفاً بقول الشاعر حيث قال:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
وأهنتني فأهنت نفسي عامداً ... ما من يهون عليك ممن يكرم
ولما كان قد أخبره سبحانه - كما رواه البغوي وغيره عن سفيان بن عيينة عن علي ابن جدعان عن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - أن زينب ﵂ ستكون من أزواجه وأن زيداً سيطلقها، وأخفى في نفسه ذلك تكرماً وخشية من قاله الناس أنه يريد نكاح زوجة ابنه، وكان في إظهار ذلك أعلام من أعلام النبوة، وكان مبنى أمر الرسالة على إبلاغ الناس ما أعلم الله به أحبوه
стр. 7668
أو كرهوه، وأن لا يراعي غيره، ولا يلتفت إلى سواه وإن كان في ذلك خوف ذهاب النفس، فإنه كافٍ من أراد بعزته، ومتقن من أراد بحكمته، كما أخذ الله الميثاق به من النبيين كلهم ومن محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ﷺ فكان من المعلوم أن التقدير: اذكر ما أخذنا منك ومن النبيين من الميثاق على إبلاغ كل شيء أخبرناكم به ولم ننهكم من إفشائه وما أخذنا على الخلق في كل من طاعتك ومعصيتك، عطف عليه قوله: ﴿وإذ تقول﴾ وذلك لأن الأكمل يعاتب على بعض الكمالات لعلو درجته عنها وتحليه بأكمل منها من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين» ، وبين شرفه بقوله: ﴿للذي أنعم الله﴾ أي الملك الذي له كل كمال ﴿عليه﴾ أي بالإسلام وتولى نبيه ﷺ إياه بعد الإيجاد والتربية، وبين منزلته من النبي ﷺ بقوله: ﴿وأنعمت عليه﴾ أي بالعتق والتبني حين استشارك في فراق زوجه الذي أخبرك الله أنه يفارقها وتصير زوجتك: ﴿أمسك عليك زوجك﴾ أي زينب ﴿واتق الله﴾ أي الذي له جميع العظمة في جميع أمرك لا سيما ما يتعلق بحقوقها ولا تغبنها بقولك: إنها تترفع عليّ - ونحو ذلك ﴿وتخفي﴾ أي والحال أنك تخفي، أي تقول له مخفياً ﴿في نفسك﴾ أي مما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك عن
стр. 7669
طلاق زيد ﴿ما الله مبديه﴾ أي بحمل زيد على تطليقها وإن أمرته أنت بإمساكها وتزويجك بها وأمرك بالدخول عليها، وهو دليل على أنه ما أخفى غير ما أعلمه الله تعالى من أنها ستصير زوجته عن طلاق زيد لأن الله تعالى ما أبدى غير ذلك ولو أخفى غيره لأبداه سبحانه لأنه لا يبدل القول لديه، روى البخارى عن أنس بن مالك ﵁ أن هذه الآيات نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة ﵄.
ولما ذكر إخفاءه ذلك، ذكر علته فقال عاطفاً على «تخفي» : ﴿وتخشى الناس﴾ أي من أن تخبر بما أخبرك الله به فيصوبوا إليك مرجمات الظنون لا سيما اليهود والمنافقون ﴿والله﴾ أي والحال أن الذي لا شيء أعظم منه ﴿أحق أن تخشاه﴾ أي وحده ولا تجمع خشية الناس مع خشيته في أن تؤخر شيئاً أخبرك به لشيء يشق عليك حتى يفرق لك فيه أمر، قالت عائشة ﵂: لو كتم النبي ﷺ شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية.
ولما علم من هذا أنه سبحانه أخبره بأن زيداً سيطلقها وأنها ستصير زوجاً له من طلاق زيد إياها، سبب عنه قوله عاطفاً عليه: ﴿فلما قضى زيد منها وطراً﴾ أي حاجة من زواجها والدخول بها،
стр. 7670
وذلك بانقضاء عدتها منه لأنه به يعرف أنه لا حاجة له فيها، وأنه قد تقاصرت عنها همته، وطابت عنها نفسها، وإلا لراجعها ﴿زوجناكها﴾ ولم نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها، تشريفاً لك ولها، بما لنا من العظمة التي خرقنا بها عوائد الخلق حتى أذعن لذلك كل من علم به، وسرت به جميع النفوس، ولم يقدر منافق ولا غيره على الخوض في ذلك ببنت شفة مما يوهنه ويؤثر فيه، روى مسلم في صحيحه عن أنس ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب ﵂ قال رسول الله ﷺ لزيد: اذهب فاذكرها علي، فانطلق زيد ﵁ حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن انظر إليها أن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت: يا زينب! إن رسول الله ﷺ يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن قال: ولقد رأيتنا أن رسول الله ﷺ أطعمنا الخبز واللحم حتى امتد النهار فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون فذكره، سيأتي. وقال البغوي:
следующие страницы →