Полный текст (11 765 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.
стр. 7666
لعاقل التوقف في أمره ﴿ورسوله﴾ الذي لا يعرف قضاؤه إلا به ﴿أمراً﴾ أي أيّ أمر كان.
ولما كان المراد كل مؤمن، والعبارة صالحة له، وكان النفي عن المجموع كله نفياً عما قل عنه من باب الأولى، قال: ﴿أن تكون﴾ أي كوناً راسخاً على قراءة الجماعة بالفوقانية، وفي غاية الرسوخ على قراءة الكوفيين بالتحتانية ﴿لهم﴾ أي خاصة ﴿الخيرة﴾ مصدر من تخير كالطيرة من تطير على غير قياس ﴿من أمرهم﴾ أي الخاص بهم باستخارة لله ولا بغيرها ليفعلوا خلاف ذلك القضاء، فإن المراد بالاستخارة ظن ما اختاره الله، وإخبار النبي ﷺ قطعي الدلالة على ما اختاره الله تعالى، وفي هذا عتاب لزينب ﵂ على تعليق الإجابة للنبي ﷺ عند ما خطبها لنفسه الشريفة على الاستخارة، وعلى كراهتها عند ما خطبها لزيد مولاه، ولكنها لما قدمت بعد نزول الآية خيرته ﷺ في تزويجها من زيد ﵄ على خيرتها، عوضها الله أن صيرها لنبيه ﷺ ومعه في الجنة في أعلى الدرجات، فالخيرة للنبي ﷺ لأنه لا ينطق عن الهوى، فمن فعل غير ذلك فقد قضى النبي ﷺ ،
стр. 7667
ومن عصاه عصى الله لأنه لا ينطق إلا عنه ﴿ومن يعص الله﴾ أي الذي لا أمر لأحد معه ﴿ورسوله﴾ أي الذي معصيته معصيته لكونه بينه وبين الخلق في بيان ما أرسل به إليهم ﴿فقد ضل﴾ وأكده المصدر فقال: ﴿ضلالاً﴾ وزاده بقوله: ﴿مبيناً﴾ أي لا خفاء به، فالواجب على كل أحد أن يكون معه ﷺ في كل ما يختاره وإن كان فيه أعظم المشقات عليه تخلفاً بقول الشاعر حيث قال:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
وأهنتني فأهنت نفسي عامداً ... ما من يهون عليك ممن يكرم
ولما كان قد أخبره سبحانه - كما رواه البغوي وغيره عن سفيان بن عيينة عن علي ابن جدعان عن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - أن زينب ﵂ ستكون من أزواجه وأن زيداً سيطلقها، وأخفى في نفسه ذلك تكرماً وخشية من قاله الناس أنه يريد نكاح زوجة ابنه، وكان في إظهار ذلك أعلام من أعلام النبوة، وكان مبنى أمر الرسالة على إبلاغ الناس ما أعلم الله به أحبوه
стр. 7668
أو كرهوه، وأن لا يراعي غيره، ولا يلتفت إلى سواه وإن كان في ذلك خوف ذهاب النفس، فإنه كافٍ من أراد بعزته، ومتقن من أراد بحكمته، كما أخذ الله الميثاق به من النبيين كلهم ومن محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ﷺ فكان من المعلوم أن التقدير: اذكر ما أخذنا منك ومن النبيين من الميثاق على إبلاغ كل شيء أخبرناكم به ولم ننهكم من إفشائه وما أخذنا على الخلق في كل من طاعتك ومعصيتك، عطف عليه قوله: ﴿وإذ تقول﴾ وذلك لأن الأكمل يعاتب على بعض الكمالات لعلو درجته عنها وتحليه بأكمل منها من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين» ، وبين شرفه بقوله: ﴿للذي أنعم الله﴾ أي الملك الذي له كل كمال ﴿عليه﴾ أي بالإسلام وتولى نبيه ﷺ إياه بعد الإيجاد والتربية، وبين منزلته من النبي ﷺ بقوله: ﴿وأنعمت عليه﴾ أي بالعتق والتبني حين استشارك في فراق زوجه الذي أخبرك الله أنه يفارقها وتصير زوجتك: ﴿أمسك عليك زوجك﴾ أي زينب ﴿واتق الله﴾ أي الذي له جميع العظمة في جميع أمرك لا سيما ما يتعلق بحقوقها ولا تغبنها بقولك: إنها تترفع عليّ - ونحو ذلك ﴿وتخفي﴾ أي والحال أنك تخفي، أي تقول له مخفياً ﴿في نفسك﴾ أي مما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك عن
стр. 7669
طلاق زيد ﴿ما الله مبديه﴾ أي بحمل زيد على تطليقها وإن أمرته أنت بإمساكها وتزويجك بها وأمرك بالدخول عليها، وهو دليل على أنه ما أخفى غير ما أعلمه الله تعالى من أنها ستصير زوجته عن طلاق زيد لأن الله تعالى ما أبدى غير ذلك ولو أخفى غيره لأبداه سبحانه لأنه لا يبدل القول لديه، روى البخارى عن أنس بن مالك ﵁ أن هذه الآيات نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة ﵄.
ولما ذكر إخفاءه ذلك، ذكر علته فقال عاطفاً على «تخفي» : ﴿وتخشى الناس﴾ أي من أن تخبر بما أخبرك الله به فيصوبوا إليك مرجمات الظنون لا سيما اليهود والمنافقون ﴿والله﴾ أي والحال أن الذي لا شيء أعظم منه ﴿أحق أن تخشاه﴾ أي وحده ولا تجمع خشية الناس مع خشيته في أن تؤخر شيئاً أخبرك به لشيء يشق عليك حتى يفرق لك فيه أمر، قالت عائشة ﵂: لو كتم النبي ﷺ شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية.
ولما علم من هذا أنه سبحانه أخبره بأن زيداً سيطلقها وأنها ستصير زوجاً له من طلاق زيد إياها، سبب عنه قوله عاطفاً عليه: ﴿فلما قضى زيد منها وطراً﴾ أي حاجة من زواجها والدخول بها،
стр. 7670
وذلك بانقضاء عدتها منه لأنه به يعرف أنه لا حاجة له فيها، وأنه قد تقاصرت عنها همته، وطابت عنها نفسها، وإلا لراجعها ﴿زوجناكها﴾ ولم نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها، تشريفاً لك ولها، بما لنا من العظمة التي خرقنا بها عوائد الخلق حتى أذعن لذلك كل من علم به، وسرت به جميع النفوس، ولم يقدر منافق ولا غيره على الخوض في ذلك ببنت شفة مما يوهنه ويؤثر فيه، روى مسلم في صحيحه عن أنس ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب ﵂ قال رسول الله ﷺ لزيد: اذهب فاذكرها علي، فانطلق زيد ﵁ حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن انظر إليها أن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت: يا زينب! إن رسول الله ﷺ يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن قال: ولقد رأيتنا أن رسول الله ﷺ أطعمنا الخبز واللحم حتى امتد النهار فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون فذكره، سيأتي. وقال البغوي:
стр. 7671
قال الشعبي: كانت زينب ﵂ تقول للنبي ﷺ : إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن: جدي وجدك واحد، وأني أنكحينك الله في السماء، وأن السفير لجبريل ﵇.
ولما ذكر سبحانه التزويج على ما له من العظمة، ذكر علته دالاً على أن الأصل مشاركة الأمة للنبي ﷺ في الأحكام وأن لا خصوصية إلا بدليل فقال: ﴿لكي لا يكون على المؤمنين﴾ أي الذين أزالت عراقتهم في الإيمان حظوظهم ﴿حرج﴾ أي ضيق ﴿في أزواج أدعيائهم﴾ أي الذين تبنوا بهم وأجروهم في تحريم أزواجهم مجرى أزواج البنين على الحقيقة ﴿إذا قضوا منهن وطراً﴾ أي حاجة بالدخول بهن ثم الطلاق وانقضاء العدة.
ولما علم سبحانه أن ناساً يقولون في هذه الواقعة أقوالاً شتى، دل على ما قاله زين العابدين بقوله: ﴿وكان أمر الله﴾ أي من الحكم بتزوجيها وإن كرهت وتركت إظهار ما أخبرك الله به كراهية لسوء القالة واستحياء من ذلك، وكذا كل أمر يريده سبحانه ﴿مفعولاً *﴾ لأنه سبحانه له الأمر كله لا راد لأمره ولا معقب لحكمه.
стр. 7672
ولما أنتج هذا التسهيل لما كان استصعبه ﷺ والتأمين مما كان خافه، عبر عن ذلك بقوله مؤكداً رداً على من يظن خلاف ذلك: ﴿ما كان على النبي﴾ أي الذي منزلته من الله الاطلاع على ما لم يطلع عليه غيره من الخلق ﴿من حرج فيما فرض﴾ أي قدر ﴿الله﴾ بما له من صفات الكمال وأوجبه ﴿له﴾ لأنه لم يكن على المؤمنين مطلقاً حرج في ذلك، فكيف برأس المؤمنين، فصار منفياً عنه الحرج مرتين خصوصاً بعد عموم تشريفاً له وتنويهاً بشأنه.
ولما كان مما يهون الأمور الصعاب المشاركة فيها فكيف إذا كانت المشاركة من الأكابر، قال واضعاً الأسم موضع مصدره: ﴿سنة الله﴾ أي سن الملك الذي إذا سن شيئاً أتقنه بما له من العزة والحكمة فلم يقدر أحد أن يغير شيئاً منه ﴿في الذين خلوا﴾ وكأنه أراد أن يكون أنبياء بني إسرائيل ﵈ أولى مراد بهذا، تبكيتاً لملبسي أتباعهم فأدخل الجار فقال: ﴿من قبل﴾ أي من الأنبياء الأقدمين في إباحة التوسيع في النكاح لهم، وهو تكذيب لليهود الذين أنكروا ذلك، وإظهار لتلبيسهم.
ولما كان المراد بالنسبة الطريق التي قضاها وشرعها قال معلماً
стр. 7673
بأن هذا الزواج كان أمراً لا بد من وقوعه لإرادته له في الأزل فلا يعترض فيه معترض ببنت شفة يحل به ما يحل بمن اعترض على أوامر الملك، ولأجل الاهتمام بهذا الإعلام اعترض به بين الصفة الموصوف فقال: ﴿وكان أمر الله﴾ أي قضاء الملك الأعظم في ذلك وغيره من كل ما يستحق أن يأمر به ويهدي إليه ويحث عليه، وعبر عن السنة بالأمر تأكيداً لأنه لا بد منه ﴿قدراً﴾ وأكده بقوله: ﴿مقدوراً﴾ أي لا خلف فيه، ولا بد من وقوعه في حينه الذي حكم بكونه فيه، وهو مؤيد أيضاً لقول زين العابدين وكذا قوله تعالى واصفاً للذين خلوا: ﴿الذين يبلغون﴾ أي إلى أمهم ﴿رسالات الله﴾ أي الملك الأعظم سواء كانت في نكاح أو غيره شقت أو لا ﴿ويخشونه﴾ أي فيخبرون بكل ما أخبرهم به ولم يمنعهم من إفشائه، ولوّح بعد التصريح في قوله ﴿وتخشى الناس﴾ : ﴿ولا يخشون أحداً﴾ قلَّ أو جلَّ ﴿إلا الله﴾ لأنه ذو الجلال والإكرام.
ولما كان الخوف من الملك العدل إنما هو من حسابه كان التقدير: فيخافون حسابه، أتبعه قوله: ﴿وكفى بالله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال ﴿حسيباً *﴾ أي مجازياً لكل أحد بما عمل وبالغاً في حسابه الغاية القصوى، وكافياً من أراد كفايته كل من أراده بسوء.
стр. 7674
ولما أفاد هذا كله أن الدعي ليس ابناً، وكانوا قد قالوا لما تزوج زينب كما رواه الترمذي عن عائشة ﵂: تزوج حليلة ابنه، أخبر به سبحانه على وجه هو من أعلام النبوة وأعظم دلائل الرسالة فقال: ﴿ما كان﴾ أي بوجه من الوجوه مطلق كون ﴿محمد﴾ أي على كثرة نسائه وأولاده ﴿أبا أحد من رجالكم﴾ لا مجازاً بالتبني ولا حقيقة بالولادة، ليثبت بذلك أن تحرم عليه زوجة الابن، ولم يقل: من بينكم، وإن لم يكن له في ذلك الوقت وهو سنة خمس وما داناها - ابن، ذكر لعلمه سبحانه أنه سيولد له ابنه إبراهيم ﵇، ومع ما كان قبله من البنين الذين لم يبلغ أحد منهم الحلم - على جميعهم الصلاة والسلام.
ولما كان بين كونه ﷺ أباً لأحد من الرجال حقيقة وبين كونه خاتماً منافاة قال: ﴿ولكن﴾ كان في علم الله غيباً وشهادة أنه ﴿رسول الله﴾ الملك الأعظم الذي كل من سواه عبده، فبينكم وبين رسوله من جهة مطلق الرسالة أبوة وبنوة مجازية، أما من جهته فبالرأفة والرحمة والتربية والنصيحة من غير أن تحرم
стр. 7675
عليه تلك البنوة شيئاً من نسائكم وإلا لم يكن لمنصب النبوة مزية، وأما من جهتكم فبوجوب التعظيم والتوفير والطاعة وحرمة الأزواج، وأما كون الرسالة عن الله الذي لا أعظم منه فهو مقتض لأن يبلغ الناس عنه جميع ما أمره به، وقد بلغكم قوله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ ووظيفة الشريفة مقتضية لأن يكون أول مؤتمر بهذا الأمر، فهو لا يدعو أحداً من رجالكم بعد هذا ابنه.
ولما لم يكن مطلق النبوة ولا مطلق الرسالة منافياً لأبوه الرجال قال: ﴿وخاتم النبيين﴾ أي لأن رسالته عامة ونبوته معها إعجاز القرآن، فلا حاجة مع ذلك إلى استنباء ولا إرسال، فلا يولد بعده من يكون نبياً، وذلك مقتض لئلا يبلغ له ولد يولد منه مبلغ الرجال، ولو قضي أن يكون بعده نبي لما كان إلا من نسله إكراماً له لأنه أعلى النبيين رتبة وأعظم شرفاً، وليس لأحد من الأنبياء كرامة إلا وله مثلها أو أعظم منها، ولو صار أحد من ولده رجلاً لكان نبياً بعد ظهور نبوته، وقد قضى الله ألا يكون بعده نبي إكراماً له، روى أحمد وابن ماجه عن أنس وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال في ابنه إبراهيم: «لو عاش لكان صديقاً نبياً» ، وللبخاري نحوه عن
стр. 7676
البراء بن عازب ﵁، وللبخاري من حديث ابن أبي أوفى ﵁: لو قضى أن يكون بعد محمد ﷺ نبي لعاش ابنه، ولكن لا نبي بعده.
والحاصل أنه لا يأتي بعده نبي بشرع جديد مطلقاً ولا يتجدد بعده أيضاً استنباء نبي مطلقاً، فقد آل الأمر إلى أن التقدير: ما كان محمد بحيث يتجدد بعده نبوة برسالة ولا غيرها ولكنه كان - مع أنه رسول الله - ختاماً للنبوة غير أنه سيق على الوجه المعجز لما تقدم من النكت وغيرها، وهذه الآية مثبتة لكونه خاتماً على أبلغ وجه وأعظمه، وذلك أنها في سياق الإنكار لأن يكون بنيه أحد من رجالهم بنوة حقيقية أو مجازية بغير جهة الإدلاء بأنثى أو كونه رسولاً وخاتماً، صوناً لمقام النبوة أن يتجدد بعده لأحد لأنه لو كان ذلك بشر لم يكن إلا ولداً له، وإنما أوثرت إماتة أولاده ﵊ وتأثير قلبه الشريف بها إعلاء لمقامه أن يتسنمه أحد كائناً من كان، وذلك لأن فائدة إتيان النبي تتميم شيء لم يأت به من قبله، وقد حصل به ﷺ التمام فلم يبق بعد ذلك مرام «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وأما
стр. 7677
تجديد ما وهى بما أحدثه بعض الفسقة فالعلماء كافون فيه لوجود ما خص به ﷺ من هذا القرآن المعجز الذي من سمعه فكأنما سمعه من الله، لوقوع التحقق والقطع بأنه لا يقدر غيره أن يقول شيئاً منه، فمهما حصل ذهول عن ذلك قروه من يريد الله من العلماء، فيعود الاستبصار كما روي في بعض الآثار «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» وأما إتيان عيسى ﵊ بعد تجديد المهدي ﵁ لجميع ما وهن من أركان المكارم فلأجل فتنة الدجال ثم طامة ياجوج وماجوج ونحو ذلك مما لا يستقل بأعبائه غير نبي، وما أحسن ما نقل عن حسان بن ثابت ﵁ في مرثيته لإبراهيم ابن النبي ﷺ حيث قال:
مضى ابنك محمود العواقب لم يشب ... بعيب ولم يذمم بقول ولا فعل
رأى أنه إن عاش ساواك في العلا ... فآثر أن يبقى وحيداً بلا مثل
وقال الغزالي ﵀ في آخر كتابة الاقتصاد: إن الأمة فهمت من هذا اللفظ - أي لفظ هذه الآية - ومن قرائن أحواله ﷺ أنه أفهم عدم نبي بعده أبداً، وعدم رسول بعده أبداً، وأنه ليس فيه تأويل ولا تخصيص، وقال: أن من أوله بتخصيص النبيين
стр. 7678
بأولي العزم من الرسل ونحو هذا فكلامه، من أنواع الهذيان، لا يمنع الحكم بتكفيره، لأنه مكذب بهذا النص الذي أجمع الأمة على أنه غير مؤول ولا مخصوص هذا كلامه في كتاب الاقتصاد، نقلته منه بغير واسطة ولا تقليد، فإياك أن تصغي إلى من نقل عنه غير هذا، فإنه تحريف يحاشي حجة الإسلام عنه:
وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
وقد بان بهذا أن إتيان عيسى ﵊ غير قادح في هذا النص، فإنه من أمته ﷺ المقررين لشريعته، وهو قد كان نبياً قبله لم يستجد له شيء لم يكن، فلم يكن ذلك قادحاً في الختم وهو مثبت لشرف نبيناً ﷺ ، ولولا هو لما وجد، وذلك أنه لم يكن لنبي من الأنبياء شرف إلا وله ﷺ مثله أو أعلى منه، وقد كانت الأنبياء تأتي مقرره لشريعة موسى ﵊ مجددة لها، فكان المقرر لشريعة نبينا ﷺ المتبع لملته من كان ناسخاً لشريعة موسى ﵊.
ولما كان المقام في هذا البت بأنه لا يكون له ولد يصير رجلاً مقام إحاطة العلم، كان التقدير: لأنه سبحانه أحاط علماً بأنه على كثرة نسائه وتعدد أولاده لا يولد له ولد ذكر فيصير رجلاً ﴿وكان الله﴾ أي الذي له كل صفة كمال أزلاً وأبداً ﴿بكل شيء﴾
стр. 7679
من ذلك وغيره ﴿عليماً﴾ فيعلم من يليق بالختم ومن يليق بالبدء، قال الأستاذ ولي الدين الملوي في كتابه حصن النفوس في سؤال القبر: واختصاصه ﷺ بالأحمدية والمحمدية علماً وصفة برهان جلي على ختمه إذ الحمد مقرون بانقضاء الأمور مشروع عنده وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وقد بين السهيلي هذا في سورة الحواريين من كتاب الإعلام - انتهى. وقد بينت في سورة النحل أن مدار مادة الحمد على بلوغ الغاية وامتطاء النهاية.
ولما كان ما أثبته لنفسه سبحانه من إحاطة العلم مستلزماً للإحاطة بأوصاف الكمال، وكان قد وعد من توكل عليه بأن يكفيه كل مهم، ودل على ذلك بقصة الأحزاب وغيرها وأمر بطاعة نبيه ﷺ وتقدم بالوصية التامة في تعظيمه إلى أن أنهى الأمر في إجلاله، وكانت طاعة العبد لرسول الله ﷺ من كل وجه حتى يكون مسلوب الاختبار معه، فيكون بذلك مسلماً لا يحمل عليها إلا طاعة الله، وكانت طاعة الله كذلك لا يحمل عليها إلا دوام ذكره، قال بعد تأكيد زواجه ﷺ لزينب
стр. 7680
رضي الله عنها بأنه هو سبحانه زوجه إياها لأنه قضى أن لا بنوة بينه وبين أحد من رجال أمته توجب حرمة زوج الولد: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي ادعوا ذلك بألسنتهم ﴿اذكروا﴾ أي تصديقاً لدعواكم ذلك ﴿الله﴾ الذي هو أعظم من كل شيء ﴿ذكراً كثيراً﴾ أي بأن تعقدوا له سبحانه صفات الكمال وتثنوا عليه بها بألسنتكم، فلا تنسوه في حال من الأحوال ليحملكم ذلك على تعظيم رسوله ﷺ حق تعظيمه، واعتقاد كماله في كل حال، وأنه لا ينطق عن الهوى، لتحوزوا مغفرة وأجراً عظيماً، كما تقدم الوعد به.
ولما كان ثبوت النبوة بينه وبين أحد من الرجال خارماً لإحاطة العلم، وجب تنزيهه سبحانه عن ذلك فقال: ﴿وسبحوه﴾ أي عن أن يكون شيء على خلاف ما أخبر به، وعن كل صفة نقص بعد ما أثبتم له كل صفة كمال ﴿بكرة وأصيلاً *﴾ أي في أول النهار وآخره أي دائماً لأن هذين الوقتين إما للشغل الشاغل ابتداء أو انتهاء أو للراحة، فوجوب الذكر فيهما وجوب له في غيرهما من باب الأولى، قال ابن عباس ﵄: لم يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، تم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإنه تعالى لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً
стр. 7681
على عقله. وهما أيضاً مشهودان بالملائكة ودالان على الساعة: الثاني قربها بزوال الدنيا كلها، والأول على البعث بعد الموت، ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى صلاتي الصبح والعصر، لأن المواظبة عليهما - لما أشير إليه من صعوبتهما بما يعتري في وقتيهما من الشغل بالراحة وغيرها - دالة على غاية المحبة للمثول بالحضرات الربانية حاملة على المواظبة على غيرهما من الصلوات وجميع الطاعات بطريق الأولى، ويؤكد هذا الثاني تعبيره بلفظ الصلاة في تعليل ذلك بدوتم ذكره لنا سبحانه بقوله: ﴿هو الذي يصلي عليكم﴾ أي بصفة الرحمانية متحنناً، لأن المصلي منا يتعطف في الأركان ﴿وملائكته﴾ أي كلهم بالاستغفار لكم وحفظكم من كثير من المعاصي والآفات ويتردد بعضهم بينه سبحانه وبين الأنبياء بما ينزل إليهم من الذكر الحافظ من كل سوء فقد اشتركت الصلاتان في إظهار شرف المخاطبين.
ولما كان فعل الملائكة منسوباً إليه لأنه مع كونه الخالق له الآمر به قال: ﴿ليخرجكم﴾ أي بذلك ﴿من الظلمات﴾ أي الكائنة من الجهل الموجب للضلال ﴿إلى النور﴾ أي الناشىء من العلم المثمر للهدى، فيخرج بعضكم بالفعل من ظلمات المعاصي المقتضية للرين على القلب إلى نور الطاعات، فتكونوا بذلك مؤمنين ﴿وكان﴾ أي ازلاً وأبداً ﴿بالمؤمنين﴾ أي الذين صار الإيمان لهم ثابتاً
стр. 7682
خاصة ﴿رحيماً *﴾ أي بليغ الرحمة يتوفيقهم لفعل ما ترضاه الإلهية، فإنهم أهل خاصته فيحملهم على الإخلاص في الطاعات، فيرفع لهم الدرجات في روضات الجنات.
ولما كان أظهر الأوقات في تمرة هذا الوصف ما بعد الموت، قال تعالى مبيناً لرحمتهم: ﴿تحيتهم يوم يلقونه﴾ أي بالموت أو البعث ﴿سلام﴾ أي يقولون له ذلك، «أنت السلام ومنك السلام فجئنا ربنا بالسلام» كما يقوله المحرم المشبه لحال من هو في الحشر فيجابون بالسلام الذي فيه إظهار شرفهم ويأمنون معه من كل عطب ﴿وأعد﴾ أي والحال أنه أعد ﴿لهم﴾ أي بعد السلامة الدائمة ﴿أجراً كريماً *﴾ أي غدقاً دائماً لا كدر في شيء منه.
ولما وعظ المؤمنين فيه ﷺ له بما أقبل بأسماعهم وقلوبهم إليه، وختم بما يوجب لهم الفوز بما عنده سبحانه، وكان معظم ذلك له ﷺ فإنه رأس المؤمنين، أقبل بالخطاب عليه ووجهه إليه فقال منوهاً من ذكره ومشيداً من قدره بما ينتظم بقوله ﴿الذين يبلغون رسالات الله﴾ الآية وما جرها من العتاب: ﴿يا أيها النبي﴾ أي الذي مخبره بما لا يطلع عليه غيره.
стр. 7683
ولما كان الكافرون - المجاهرون منهم والمساترون - ينكرون الرسالة وما تبعها، أكد قوله في أمرها وفخمه فقال: ﴿إنا أرسلناك﴾ أي بعظمتنا بما ننبئك به إلى سائر خلقنا ﴿شاهداً﴾ أي عليهم ولهم مطلق شهادة، لأنه لا يعلم بالبواطن إلا الله، وأنت مقبول الشهادة، فأبلغهم جميع الرسالة سرهم ذلك أو ساءهم سرك فعلهم أو ساءك.
ولما كان المراد الإعلام برسوخ قدمه في كل من هذه الأوصاف، عطفها بالواو فقال: ﴿ومبشراً﴾ أي لمن شهدت لهم بخير بما يسرهم، وأشار إلى المبالغة في البشارة بالتضعيف لما لها من حسن الأثر في إقبال المدعو وللتضعيف من الدلالة على كثرة الفعل والمفعول بشارة بكثرة التابع وهو السبب لمقصود السورة، وكانت المبالغة في النذارة أزيد لأنها أبلغ في رد المخالف وهي المقصود بالذات من الرسالة لصعوبة الاجتراء عليها فقال: ﴿ونذيراً﴾ أي لمن شهدت عليهم بشر بما يسوءهم ﴿داعياً﴾ أي للفريقين ﴿إلى الله﴾ أي إلى ما يرضي الذي لا أعظم منه بالقول والفعل، وأعرى الدعاء عن المبالغة لأنه شامل للبشارة والنذارة والإخبار بالقصص والأمثال ونصب الأحكام والحدود، والمأمور به في كل ذلك الإبلاغ بقدر الحاجة بمبالغة أو غيرها
стр. 7684
فمن لم ترده عن غيه النذارة، وتقبل به إلى رشده البشارة، حمل على ذلك بالسيف.
ولما كان ذلك في غاية الصعوبة، لا يقوم به أحد إلا بمعونة من الله عظيمة، أشار إلى ذلك بقوله: ﴿بإذنه﴾ أي بتمكينه لك من الدعاء بتيسير أسبابه، وتحمل أعبائه، وللمدعو من الإقبال والإتباع إن أراد له الخير.
ولما كان الداعي إلى الله يلزمه النور لظهور الأدلة قال: ﴿وسراجاً﴾ يمد البصائر فيجلي ظلمات الجهل بالعلم المبصر لمواقع الزلل كما يمد النور الحسي نور الأبصار. ولما كان المقام مرشداً إلى إنارته، وكان من السرج ما لا يضيء، وكان للتصريح والتأكيد شأن عظيم قال: ﴿منيراً *﴾ أي ينير على من أتبعه ليسير في أعظم ضياء، ومن تخلف عنه كان في أشد ظلام، فعرف من التقييد بالنور أنه محط الشبه، وعبر به دون الشمس لأنه يقتبس منه ولا ينقص مع أنه من أسماء الشمس.
стр. 7685
ولما تقدمت هذه الأوصاف الحسنى، وكان تطبيق ثمراتها عليها في الذروة، من العلو، وكان الشاهد هو البينة، فكان كأنه قيل: فأقم الأدلة النيرة، وادع وأنذر كل من خالف أمرك، وكان المقام لخطاب المقبلين، طوى هذا المقدر لأنه للمعرضين، ودل عليه بقوله عاطفاً
стр. 7686
عليه: ﴿وبشر المؤمنين﴾ أي الذين صح لهم هذا الوصف. فإنك مبشر ﴿بأن لهم﴾ وبين عظمة هذه البشرى بقوله: ﴿من الله﴾ أي الذي له جميع صفات العظمة ﴿فضلاً كبيراً *﴾ أي من جهة النفاسة ومن جهة التضعيف من عشرة أمثال الحسنة إلى ما لا يعلمه إلا الله.
ولما أمره سبحانه بما يسر نهاه عما يضر، فقال ذاكراً ثمرة النذارة: ﴿ولا تطع الكافرين﴾ أي المشاققين ﴿والمنافقين﴾ أي لا تترك إبلاغ شيء مما أنزلته إليك من الإنزال، وغيره كراهة شيء من مقالهم أو فعالهم في أمر زينب أو غيرها، فإنك نذير لهم، وزاد على ما في أول السورة محط الفائدة في قوله مصرحاً بما اقتضاه ما قبله: ﴿ودع﴾ أي اترك على حالة حسنة بك وأمر جميل لك ﴿أذاهم﴾ فلا تراقبه في شيء، ولا تحسب له حساباً أصلاً، واصبر عليه فإنه غير ضائرك لأن الله دافع عنك لأنك داع بإذنه.
ولما كان ترك المؤذي، والإعراض عنه استسلاماً في غاية المشقة، ذكره بالدواء فقال: ﴿وتوكل على الله﴾ أي الملك الأعلى في الانتصار لك منهم وإبلاغ جميع ما يأمرك به وفي جميع أمرك لأن الله متم نورك ومظهر دينك والاكتفاء به من ثمرات إنارته لك بجعلك سراجاً، ولما كان الوكيل قد لا ينهض بجميع الأمور، قال معلماً بأن كفايته محيطه: ﴿وكفى﴾ وأكد أمر الكفاية بإيجاد الباء في الفاعل
стр. 7687
تحقيقاً لكونه فاعلاً كما مضى في آخر سورة الرعد فقال: ﴿بالله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة، وميز النسبة بالفاعل في الأصل لزيادة التأكيد في تحقيق معنى الفاعل فقال: ﴿وكيلاً *﴾ فمن اكتفى به أنار له جميع أمره.
ولما أمر سبحانه بإبلاغ أوامره من غير التفات إلى أحد غيره، وكان من المعلوم أنه لا بد في ذلك من محاولات ومنازعات، لا يقوم بها إلا من أعرض عن الخلائق، لما هو مشاهد له من عظمة الخالق، أمر سبحانه بالتوكل عليه، وأقام الدليل الشهودي بقصة الأحزاب وقريظة على كفاية لمن أخلص له، فلما تم الدليل رجع إلى بيان ما افتتح به السورة من الأحكام بعد إعادة الأمر بالتوكل، فذكر أقرب الطلاق إلى معنى المظاهرة المذكورة أول السورة بعد الأمر بالتوكل التي محط قصدها عدم قربان المظاهر عنها بعد أن كان أبطل المظاهرة. فقال ناهياً لمن هو في أدنى أسنان الإيمان بعد بشارة المؤمنين قاطعاً لهم عما كانوا يشتدون به في التحجر على المرأة المطلقة لقصد مضاجرتها أو تمام التمكن من التحكم فيه: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي ادعوا ذلك ﴿إذا نكحتم﴾ أي عاقدتم، أطلق اسم المسبب على السبب فقد صار فيه حقيقة شرعية ﴿المؤمنات﴾ أي الموصوفات بهذا الوصف الشريف المقتضي لغاية الرغبة فيهن وأتم الوصلة بينكم وبينهن.
стр. 7688
ولما كان طول مدة الحبس بالعقد من غير جماع لا يغير الحكم في العدة وإن غيرها في النسب بمجرد إمكان الوطىء، وكان الطلاق لا يكون إلا بعد النكاح وبعد حل الوطىء بالنكاح، أشار إليه بحرف التراخي فقال: ﴿ثم طلقتموهن﴾ أي بحكم التوزيع، وقيل لابن عباس: إن ابن مسعود ﵃ يقول بصحة تعليق الطلاق قبل النكاح فقال: زلة علم - وتلا هذه الآية.
ولما كان المقصود نفي المسيس في هذا النكاح لا مطلقاً، وكانت العبرة في إيجاب المهر بنفس الوطىء لا بإمكانه وإن حصلت الخلوة، أدخل الجار فقال: ﴿من قبل أن تسموهن﴾ أي تجامعوهن، أطلق المسّ على الجماع لأنه طريق له كما سمي الخمر إثماً لأنها سببه. ولما كانت العدة حقاً للرجال قال: ﴿فما لكم﴾ ولما كانت العدة واجبة، عبر بأداة الاستعلاء فقال: ﴿عليهن﴾ وأكد النفي بإثبات الجار في قوله: ﴿من عدة﴾ ودل على اعتيادهم ذلك ومبالغتهم فيه والمضاجرة به كما في الظهار بالافتعال فقال: ﴿تعتدونها﴾ أي تتكلفون عدها وتراعونه، وروي عن ابن كثير من طريق البزي شاذاً بتخفيف الدال بمعنى تتكلفون الاعتداء بها على المطلقة.
ولما كان هذا الحكم - الذي معناه الانفصال - للمؤمنات اللاتي
стр. 7689
لهن صفات تقتضي دوام العشرة وتمام الاتصال، كان ذلك للكتابيات من باب الأولى، وفائدة التقييد الإرشاد إلى أنه لا ينبغي العدول عن المؤمنات بل ولا عن الصالحات من المؤمنات. ولما كان الكلام كما أشير إليه في امرأة قريبة من المظاهر عنها، وكان ما خلا من الفرض للصداق أقرب إلى ذلك، سبب عما مضى قوله: ﴿فمتعوهن﴾ ولم يصرح بأن ذلك لغير من سمى لها لتدخل المسمى لها في الكلام على طريق الندب مع ما لها من نصف المسمى كما دخلت الأولى وجوباً ﴿وسرحوهن﴾ أي أطلقوهن ليخرجن من منازلكم ولا تعتلوا عليهن بعلة ﴿سراحاً جميلاً *﴾ بالإحسان قولاً وفعلاً من غير ضرار بوجه أصلاً ليتزوجهن من شاء.
ولما كان النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكان المراد الأعظم في هذه الآيات بيان ما شرفه الله به من ذلك، أتبع ما بين أنه لا عدة فيه من نكاح المؤمنين وما حرمه عليهم من التضييق على الزوجات المطلقات بعض ما شرفه الله تعالى به وخصه من أمر التوسعة في
стр. 7690
النكاح، وختمه بأن أزواجه لا تحل بعده، فهن كمن عدتهن ثابتة لا تنقضي أبداً، أو كمن زوجها غائب عنها وهو حي، لأنه ﷺ حي في قبره: ﴿يا أيها النبي﴾ ذاكراً سبحانه الوصف الذي هو مبدأ القرب ومقصوده ومنبع الكمال ومداره.
ولما كان الذين في قلوبهم مرض ينكرون خصائص النبي ﷺ أكد قوله: ﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾ أي نكاحهن، قال الحرالي في كتابه في أصول الفقه: تعليق الحكم بالأعيان مختص بخاص مدلولها نحو حرمت أو حللت المرأة أي نكاحها، والفرس أي ركوبه، والخمر أي شربها، ولحم الخنزير أي أكله، والبحر أي ركوبه، والثور أي الحرث به، وكذلك كل شيء يختص بخاص مدلوله، ولا يصرف عنه إلا بمشعر، ولا إجمال فيه لترجح الاختصاص - انتهى.
ولما كان المقصود من هذه السورة بيان مناقبه ﷺ وما خصه الله به مما قد يطعن فيه المنافقون من كونه أولى من كل أحد بنفسه وماله، بين أنه مع ذلك لا يرضى إلا بالأكمل، فبين أنه كان يعجل المهور، ويوفي الأجور، فقال: ﴿اللاتي آتيت﴾ أي بالإعطاء الذي هو الحقيقة، وهي به ﷺ أولى أو بالتسمية
стр. 7691
في العقد قال الكشاف: وكان التعجيل ديدن السلف وسنتهم وما لا يعرف بينهم غيره ﴿أجورهن﴾ أي مهورهن لأنها عوض عن منفعة البضع، وأصل الأجر الجزاء على العمل ﴿وما ملكت يمينك﴾ .
ولما كان حوز الإنسان لما سباه أطيب لنفسه وأعلى لقدره وأحل مما اشتراه قال: ﴿مما أفاء﴾ أي رد ﴿الله﴾ الذي له الأمر كله ﴿عليك﴾ مثل صفية بنت حيي النضرية وريحانة القرظية وجويرية بنت الحارث الخزاعية ﵅ مما كان في أيدي الكفار، أسنده إليه سبحانه إفهاماً لأنه فيء على وجهه الذي أحله الله لا خيانة فيه، وعبر بالفيء الذي معناه الرجوع إفهاماً لأن ما في يد الكافر ليس له وإنما هو لمن يستلبه منه من المؤمنين بيد القهر أو لمن يعطيه الكافر منهم عن طيب نفس، ومن هنا كان يعطي النبي ﷺ ما يطلب منه من بلاد الكفار أو نسائهم، وما أعطى أحداً شيئاً إلا وصل إليه كتميم الداري وشويل ﵄، وقيد بذلك تنبيهاً على فضله ﷺ ووقوعه من كل شيء على أفضله كما تقدمت الإشارة إليه، وإشارة إلى أنه سبق في علم الله أنه لا يصل إليه من ملك اليمين إلا ما كان هذا سبيله، ودخل فيه ما أهدى له من الكفار مثل مارية
стр. 7692
القبطية أم ولده إبراهيم ﵇، وفي ذلك أيضاً إشارة إلى ما خصه به من تحليل ما كان خطره على من كان قبله من الغنائم ﴿وبنات عمك﴾ الشقيق وغيره من باب الأولى، فإن النسب كلما بعد كان أجدر بالحل.
ولما كان قد أفرد العم لأن واحد الذكور يجمع من غيره لشرفه وقوته وكونه الأصل الذي تفرع منه هذا النوع، عرف بجميع الإناث أن المراد به الجنس لئلا يتوهم أن المراد إباحة الأخوات مجتمعات فقال: ﴿وبنات عماتك﴾ من نساء بني عبد المطلب.
ولما بدأ بالعمومة لشرفها، أتبعها قوله: ﴿وبنات خالك﴾ جارياً أيضاً في الإفراد والجمع على ذلك النحو ﴿وبنات خالاتك﴾ أي من نساء بني زهرة ويمكن أن يكون في ذلك احتباك عجيب وهو: بنات عمك وبنات أعمامك، وبنات عماتك وبنات عمتك، وبنات خالك وبنات أخوالك، وبنات خالاتك وبنات خالتك، وسره ما أشير إليه.
ولما بين شرف أزواجه من جهة النسب لما علم واشتهر أن نسبه ﷺ من جهة الرجال والنساء أشرف الأنساب بحيث لم يختلف في ذلك اثنان من العرب، بين شرفهن من جهة الإعمال فقال:
стр. 7693
﴿اللاتي هاجرن﴾ وأشار بقوله: ﴿معك﴾ إلى أن الهجرة قبل الفتح ﴿أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾ [الحديد: ١٠] ولم يرد بذلك التقييد بل التنبيه على الشرف، وإشارة إلى أنه سبق في عمله سبحانه أنه لا يقع له أن يتزوج من هي خارجة عن هذه الأوصاف، وقد ورد أن هذا على سبيل التقييد؛ روى الترمذي والحاكم وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه والطبراني والطبري وابن أبي حاتم كلهم من رواية السدي عن أبي صالح عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ قالت: خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه فعذرني ثم أنزل الله تعالى ﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾ - الآية، فلم أكن لأحل له لأني لم أهاجر. كنت من الطلقاء قال الترمذي: حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي.
ولما بين ما هو الأشرف من النكاح لكونه الأصل، وأتبعه سبحانه ما خص به شرعه ﷺ من المغنم الذي تولى سبحانه إباحته، أتبعه ما جاءت إباحته من جهة المبيح إعلاماً بأنه ليس من نوع الصدقة التي نزه عنها قدره فقال: ﴿وامرأة﴾ أي وأحللنا لك امرأة ﴿مؤمنة﴾ أي هذا الصنف حرة كانت أو رقيقة ﴿إن وهبت نفسها للنبي﴾ .
ولما ذكر وصف النبوة لأنه مدار الإكرام من الخالق والمحبة من
стр. 7694
الخلائق تشريفاً له به وتعليقاً للحكم بالوصف، لأنه لو قال «لك» كان ربما وقع في بعض الأوهام - كما قال الزجاج - أنه غير خاص به ﷺ ، كرره بياناً لمزيد شرفه في سياق رافع لما ربما يتوهم من أنه يجب عليه القبول فقال: ﴿إن أراد النبي﴾ أي الذي أعلينا قدره بما اختصصناه به من الإنباء بالأمور العظمية من عالم الغيب والشهادة ﴿أن يستنكحها﴾ أي يوجد نكاحه لها يجعلها من منكوحاته بعقد أو ملك يمين، فتصير له مجرد ذلك بلا مهر ولا ولي ولا شهود.
ولما كان ربما فهم أن غيره يشاركه في هذا المعنى، قال مبيناً لخصوصيته واصفاً لمصدر ﴿أحللنا﴾ مفخماً للأمر بهاء المبالغة ملتفتاً إلى الخطاب لأنه معين للمراد رافع للارتياب: ﴿خالصة لك﴾ وزاد المعنى بياناً بقوله: ﴿من دون المؤمنين﴾ أي من الأنبياء وغيرهم، وأطلق الوصف المفهم للرسوخ فشمل من قيد بالإحسان والإيقان، وغير ذلك من الألوان، دخل من نزل عن رتبتهم من الذين يؤمنون والذين آمنوا وسائر الناس من باب الأولى مفهوم موافقة، وقد كان الواهبات عدة ولم يكن عنده منهن شيء. روى البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 7695
وأقول: أما تستحيي المرأة أن تهب نفسها، فلما نزلت ﴿ترجى من تشاء منهن﴾ قلت: يا رسول الله، ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.
ولما كان التخصيص لا يصح ولا يتصور إلا من محيط العلم بأن هذا الأمر ما كان لغير المخصوص تام القدرة، ليمنع غيره من ذلك، علله بقوله: ﴿قد﴾ أي أخبرناك بأن هذا أمر يخصك دونهم لأنا قد ﴿علمنا ما فرضنا﴾ أي قدرنا بعظمتنا.
ولما كان ما قدره للإنسان عطاء ومنعنا لا بد له منه، عبر فيه بأداة الاستعلاء فقال: ﴿عليهم﴾ أي المؤمنين ﴿في أزواجهم﴾ أي من أنه لا تحل لهم امرأة بلفظ الهبة منها ولا بدون مهر ولا بدون ولي وشهود، وهذا عام لجميع المؤمنين المتقدمين والمتأخرين. ولما كان هذا عاماً للحرة والرقيقة قال: ﴿وما ملكت أيمانهم﴾ أي من أن أحداً غيرك لا يملك رقيقة بهبتها لنفسها منه، فيكون أحق من سيدها.
ولما فرغ من تعليل الدونية، علل التخصيص لفاً ونشراً مشوشاً بقوله: ﴿لكيلا يكون عليك حرج﴾ أي ضيق في شيء من أمر النساء حيث أحللنا لك أنواع المنكوحات وزدناك الواهبة. ولما ذكر سبحانه ما فرض في الأزواج والإماء الشامل للعدل في عشرتهن، وكان النبي ﷺ أعلى الناس فهماً وأشدهم لله خشية،
стр. 7696
وكان يعدل بينهن، ويعتذر مع ذلك من ميل القلب الذي هو خارج عن طوق البشر بقوله «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك» خفف عنه سبحانه بقوله: ﴿وكان الله﴾ أي المتصف بصفات الكمال من الحلم والأناة والقدرة وغيرها أزلاً وأبداً ﴿غفوراً رحيماً *﴾ أي بليغ الستر فهو أن شاء يترك المؤاخذة فيما له أن يؤاخذ به، ويجعل مكان المؤاخذة الإكرام العظيم متصفاً بذلك أزلاً وأبداً.
стр. 7697
ولما ذكر هاتين الصفتين، أتبعهما ما خففه عنه من أمرهن إكراماً له ﷺ مما كان من شأنه أن يتحمل فيه ويتخرج عن فعله، فقال في موضع الاستئناف، أو الحال من معنى التخفيف في الجمل السابقة: ﴿ترجي﴾ بالهمز على قراءة الجماعة أي تؤخر ﴿من تشاء منهن﴾ أي من الواهبات فلا تقبل هبتها أو من نسائك بالطلاق أو غيره مع ما يؤنسها من أن تؤويها، وبغير همز عند حمزة والكسائي وحفص من الرجاء أي تؤخرها مع أفعال يكون بها راجية لعطفك ﴿وتؤي﴾ أي تضم وتقرب بقبول الهبة أو بالإبقاء في العصمة بقسم وبغير قسم بجماع وبغير جماع تخصيصاً له بذلك عن سائر الرجال ﴿إليك من تشاء﴾
стр. 7698
وسيب نزول هذه الآية أنه لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقهن فقلن: يا نبي الله! اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت. ودعنا على حالنا، فنزلت.
ولما كانت ربما مال إلى من فارقها، بين تعالى حكمها فقال: ﴿ومن ابتغيت﴾ أي مالت نفسك إلى طلبها ﴿ممن عزلت﴾ أي أوقعت عزلها بطلاق أو رد هبة ﴿فلا جناح عليك﴾ أي في إيوائها بعد ذلك بقبول هبتها أو بردها إلى ما كانت عليه من المنزلة عندك من قيد النكاح أو القسم.
ولما كانت المفارقة من حيث هي - ولا سيما إن كان فراقها لما فهم منها من كراهية يظن بها - أنها تكره الرجعة، أخبر سبحانه أن نساءه ﷺ على غير ذلك فقال: ﴿ذلك﴾ أي الإذن لك من الله والإيواء العظيم الرتبة، لما لك من الشرف ﴿أدنى﴾ أي أقرب من الإرجاء ومن عدم التصريح بالإذن في القرآن المعجز، إلى ﴿أن تقر أعينهن﴾ أي بما حصل لهن من عشرتك الكريمة، وهو كناية عن السرور والطمأنينة ببلوغ المراد، لأن من كان كذلك كانت عينه قارة، ومن كان مهموماً كانت عينه كثيرة التقلب لما يخشاه - هذا إن كان من القرار بمعنى السكون، ويجوز أن يكون من القر الذي هو
стр. 7699
ضد الحر، لأن المسرور تكون عينه باردة، والمهموم تكون عينه حارة، فلذلك يقال للصديق: أقر الله عينك، وللعدو: أسخن الله عينك ﴿ولا يحزن﴾ أي بالفراق وغيره مما يحزن من ذلك ﴿ويرضين﴾ لعلمهن أن ذلك من الله لما للكلام من الإعجاز ﴿بما آتيتهن﴾ أي من الأجور وغيرها من نفقة وقسم وإيثار وغيرها.
ولما كان التأكيد أوقع في النفس وأنفى للبس، وكان هذا أمراً غريباً لبعده عن الطباع أكد فقال: ﴿كلهن﴾ أي ليس منهن واحدة إلا هي كذلك راغبة فيك راضية بصحبتك إن آويتها أو أرجأتها لما لك من حسن العشرة وكرم الأخلاق ومحاسن الشمائل وجميل الصحبة، وإن اخترت فراقها علمت أن هذا أمر من الله جازم، فكان ذلك أقل لحزنها فهو أقرب إلى قرار عينها بهذا الاعتبار، وزاد ذلك تأكيداً لما له من الغرابة التي لا تكاد تصدق بقوله عطفاً على نحو ﴿فالله يعلم ما في قلوبهم﴾ : ﴿والله﴾ أي بما له من الإحاطة بصفات الكمال ﴿يعلم﴾ أي علماً مستمراً لتعلق ﴿ما في قلوبكم﴾ أي أيها الخلائق كلكم، فلا بد إن علم ما في قلوب هؤلاء.
ولما رغبه سبحانه في الإحسان إليهن بإدامة الصحبة بما أخبره من
стр. 7700
ودهن ذلك، لكونه ﷺ شديد المحبة لإدخال السرور على القلوب، زاده ترغيبا بقوله: ﴿وكان الله﴾ أي أزلاً وأبداً ﴿عليماً﴾ أي بكل شيء ممن يطيعه ومن يعصيه ﴿حليماً *﴾ لا يعاجل من عصاه، يل يديم إحسانه إليه في الدنيا فيجب أن يتقي لعلمه وحلمه، فعلمه موجب للخوف منه، وحلمه مقتض للاستحياء منه، وأخذ الحليم شديد، فينبغي لعبده المحب له أن يحلم عمن يعلم تقصيره في حقه، فإنه سبحانه يأجره على ذلك بأن يحلم عنه فيما علمه منه، وأن يرفع قدره ويعلي ذكره، روى البخاري في التفسير عن معاذة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية ﴿ترجي من تشاء منهن﴾ الآية، قلت لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له: إن كان ذاك إليّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحداً.
ولما أمره بما يشق من تغير العوائد في أمر العدة، ثم بما قد يشق عليه ﷺ من تخصيصه بما ذكر خشية من طعن بعض من لم يرسخ إيمانه، وختم بما يسر أزواجه، وصل به ما يزيد سرورهن من تحريم غيرهن عليه شكراً لهن على إعراضهن عن الدنيا
стр. 7701
واختيارهن الله ورسوله فقال: ﴿لا يحل لك النساء﴾ ولما كان تعالى شديد العناية به ﷺ لوّح له في آية التحريم إلى أنه ينسخه عنه، فأثبت الجار فقال: ﴿من بعد﴾ أي من بعد من معك من هؤلاء التسع - كما قال ابن عباس ﵄ في رواية عنه، شكراً من الله لهن لكونهن لما نزلت آية التخيير اخترن الله ورسوله، فتكون الآية منسوخة بمت تقدم عليها في النظم وتأخر عنها في الإنزال من آية ﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾ وفي رواية أخرى من بعد ﴿اللاتي أحللنا لك﴾ بالصفة المتقدمة من بنات العم وما معهن، ويؤيدها ما تقدمت روايته عن أم هانئ ﵂.
ولما كان ربما فهم أن المراد الحصر في عدد التسع، لا بقيد المعينات، قال: ﴿ولا أن تبدل بهن﴾ أي هؤلاء التسع، وأعرق في النفي بقوله: ﴿من﴾ أي شيئاً من ﴿أزواج﴾ أي بأن تطلق بعض هؤلاء المعينات وتأخذ بدلها من غيرهن بعقد النكاح بحيث لا يزيد العدد على تسع، فعلم بهذا أن الممنوع منه نكاح غيرهن مع طلاق واحدة منهن أولاً، وهو يؤيد الرواية الأولى عن ابن عباس ﵄ لأن المتبدل بها لا تكون إلا معلومة العين، والجواب عن قول أم هانئ
стр. 7702
رضي الله عنها أنه فهم منها، لا رواية عن النبي ﷺ ، وأما عند موت واحدة منهن فلا حرج في نكاح واحدة بدلها.
ولما علم من هذا المنع من كل زوجة بأيّ صفة كانت، أكد معنى وحققه، وصرح به في قوله حالاً من فاعل «تبدل» : ﴿ولو أعجبك حسنهن﴾ أي النساء المغايرات لمن معك، وفي هذا إباحة النظر إلى من يراد نكاحها لأن النظرة الأولى لا تكاد تثبت ما عليه المرئي من حاق الوصف؛ ولما كان لفظ النساء شاملاً للأزواج والإماء، بين أن المراد الأزواج فقط بقوله: ﴿إلا ما ملكت يمينك﴾ أي فيحل لك منهن ما شئت، وقد ملك رسول الله ﷺ ريحانة ﵂ من سبي بني قريظة، واستمرت في ملكه مدة لا يقربها حتى أسلمت، ثم ملك بعد عام الحديبية مارية ﵂ أو ولده إبراهيم ﵇.
ولما تقدم سبحانه في هذه الآيات فأمر ونهى وحد حدوداً، حذر من التهاون بشيء منها ولو بنوع تأويل فقال: ﴿وكان الله﴾ أي الذي لا شيء أعظم منه، وهو المحيط بجميع صفات الكمال ﴿على كل شيء رقيباً﴾ أي يفعل فعل المراعي لما يتوقع منه من خلل على أقرب قرب منه بحيث لا يفوت مع رعايته فائت من أمر المرعى،
стр. 7703
ولا يكون الرقيب إلا قريباً، ولا أقرب من قرب الحق سبحانه، فلا أرعى من رقبته، وهو من أشد الأسماء وعيداً.
стр. 7704
ولما كان القرب والإحاطة لله، كان بالحقيقة لا رقيب إلا هو، والآية على كل حال منسوخة إن قلنا بالاحتمال الأول أو الثاني، فقد روى الترمذي في التفسير عن عائشة ﵂ وناهيك بها ولا سيما في هذا الباب أنها قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء، وقال: هذا حديث حسن صحيح - انتهى. ونقل ابن الجوزي عنها ﵂ أن الناسخ آية ﴿أنا أحللنا لك أزواجك﴾ وكذا عن جماعة منهم علي وابن عباس وأم سلمة ﵃، ولكن ﷺ ترك ذلك أدباً مع الله تعالى حيث عبر في المنع بصيغة الخبر والفعل المضارع، ورعاية أشار الله إليه من رعاية حقهن في اختيارهن من الدار الآخرة.
ولما قصره ﷺ عليهن، وكان قد تقدم إليهن بلزوم البيوت وترك ما كان عليه الجاهلية من التبرج، أرخى عليهن الحجاب في البيوت ومنع غيره ﷺ مما كانت العرب عليه من الدخول على النساء لما عندهم من الأمانة في ذلك، فقال
стр. 7705
مخاطباً لأدنى أسنان أهل هذا الدين لما ذكر في سبب نزولها، ولأن المؤمنين كانوا منتهين عن ذلك بغير ناه كما يدل عليه ما يأتي من قول عمر ﵁ في الحجاب: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ أي ادعوا الإيمان صدقوا دعواكم فيه بأن ﴿لا تدخلوا﴾ مع الاجتماع، فالواحد من باب الأولى.
ولما كان تشويش الفكر ربما كان شاغلاً عن شيء مما يبنئ الله به كما أشار إليه قوله ﷺ «بينت لي ليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فأنسيتها» - أو كما قال ﷺ ، عبر بصفة النبوة في قوله: ﴿بيوت النبي﴾ أي الذي يأتيه الإنباء من علام الغيوب بما فيه غاية رفعته، في حال من الأحوال أصلاً ﴿إلا﴾ في حال ﴿أن يؤذن لكم﴾ أي ممن له الإذن في بيوته ﷺ منه أو ممن يأذن له في ذلك، منتهين ﴿إلى طعام﴾ أي أكله، حال كونكم ﴿غير ناظرين إناه﴾ أي وقت ذلك الطعام وبلوغه واستواءه للأكل، فمنع بهذا من كان يتحين طعام النبي ﷺ ، لأن في ذلك تكليفاً له ﷺ بما يشق عليه جداً، فإنه ربما كان ثم من هو أحوج إلى ذلك الطعام من المتحين أو غير ذلك من الأعذار، فلا يتوجه
следующие страницы →