← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

ولما عجب سبحانه من الذين كفروا في قولهم ﴿لا تأتينا الساعة﴾ المتضمن لتكذيبهم، وختم بتصديق الذين أوتوا العلم مشيراً إلى أن سبب تكذيب الكفرة الجهل الذي سببه الكبر، عجب منهم تعجيباً آخر أشد من الأول لتصريحهم بالتكذيب على وجه عجيب فقال: ﴿وقال الذين كفروا﴾ أي الذين تحققوا أمره ﷺ وأجمعوا خلافه وعتوا على العناد، لمن يرد عليهم ممن لا يعرف حقيقة حاله معجبين ومنفرين: ﴿هل ندلكم﴾ أي أيها المعتقدون أن لا حشر. ولما أخرجوا الكلام مخرج الغرائب المضحكة لم يذكروا اسمه مع أنه أشهر الأسماء، بل قالوا: ﴿على رجل﴾ أي ليس هو صبياً ولا امرأة حتى تعذوره ﴿ينبئكم﴾ أي يخبركم

стр. 7772

متى شئتم أخباراً لا أعظم منه بما حواه من العجب الخارج عما نعقله مجدداً لذلك متى شاء المستخبر له. ولما كان القصد ذكر ما يدل عندهم على استبعاد البعث، قدموا المعمول فقالوا: ﴿إذا﴾ أي إنكم إذا ﴿مزقتم﴾ أي قطعتم وفرقتم بعد موتكم من كل من شأنه أن يمزق من التراب والرياح وطول الزمان ونحو ذلك تمزيقاً عظيماً، بحيث صرتم تراباً، وذلك معنى ﴿كل ممزق﴾ أي كل تمزيق، فلم يبق شيء من أجسادكم مع شيء، بل صار الكل بحيث لا يميز بين ترابه وتراب الأرض، وذهبت به السيول كل مذهب، فصار مع اختلاطه بتراب الأرض والتباسه متباعداً بعضه عن بعض، وكسر معمول «ينبئكم» لأجل اللام فقال: ﴿إنكم لفي﴾ أي لتقومون كما كنتم قبل الموت قياماً لا شك فيه، والإخبار يه مستحق لغاية التأكيد ﴿خلق جديد *﴾ وهذا عامل إذا الظرفية. ولما نفروا عنه بهذا الإخبار المحير في الحامل له عليه، خيلوا بتقسيم القول فيه في استفهام مردد بين الاستعجام تعجيباً والإنكار، فقالوا جواباً لمن سأل عن سبب إخباره بإسقاط همزة الوصل، لعدم الإلباس

стр. 7773

هنا بخلاف ما يصحب لام التعريف فإنها لفتحها تلبس بالخبر: ﴿افترى﴾ أي تعمد ﴿على الله﴾ أي الذي لا أعظم منه ﴿كذباً﴾ بالإخبار بخلاف الواقع وهو عاقل يصح منه القصد. ولما كان يلزم من التعمد العقل، قالوا: ﴿أم به جنة﴾ أي جنون، فهو يقول الكذب، وهو ما لا حقيقة له من غير تعمد، لأنه ليس من أهل القصد، فالآية من الاحتباك: ذكر الافتراء أولاً يدل على ضده ثانياً، وذكر الجنون ثانياً يدل على ذكر ضده أولاً. ولما كان الجواب: ليس به شيء من ذلك، عطف عليه مخبراً عن بعض الذين كفروا بما يوجب ردع البعض الآخر قوله: ﴿بل الذين لا يؤمنون﴾ أي لا يجددون الإيمان لأنهم طبعوا على الكفر ﴿بالآخرة﴾ أي الفطرة الآخرة التي أدل شيء عليها الفطرة الأولى. ولما كان هذا القول مسبباً عن ضلالهم، وكان ضلالهم سبباً لعذابهم، قدم العذاب لأنه المحط وليرتدع من أراد الله إيمانه فقال: ﴿في العذاب﴾ أي في الدنيا بمحاولة إبطال ما أراد الله إتمامه، وفي الآخرة لما فيه من المعصية، وأتبعه سببه فقال: ﴿والضلال﴾ أي عما يلزم من وجوب وحدانيته وشمول قدرته بسبب أن له ما في السماوات وما في الأرض. ولما كان قولهم بعيداً من الحق لوصفهم أهدى الناس بالضلال،

стр. 7774

وكان الضلال يبعد ببعد صاحبه عن الجادة وتوغله في المهامه الوعرة الشاسعة، قال واصفاً له بوصف الضال: ﴿البعيد *﴾ فبين الوصف أنه لا يمكن الانفكاك عنه، وعلم أن من الذين كفروا قسماً لم يطبعوا على الكفر، فضلوا ضلالاً قريباً يمكن انفكاكهم عنه، وهم الذين آمنوا منهم بعد، وهو من بديع القول حيث عبر بها الظاهر الذي أفهم هذا التقسيم موضع الإضمار الذي كان حقه: بل هم في كذا. ولما كانوا قد أنكروا الساعة لقطعهم بأن من مزق كل ممزق لا يمكن إعادته، فقطعوا جهلاً بأن الله تعالى لا يقول ذلك، فنسبوا الصادق ﷺ في الإخبار بذلك إلى أحد أمرين: تعمد الكذب أو الجنون. شرع سبحانه يدل على صدقه في جميع ما أخبر به، فبدأ بإثبات قدرته على ذلك مستند إلى ضلالهم بسبب غفلتهم عن تدبر الآيات، فكان المعنى: ضلوا فلم يروا، فدل عليه منكراً عليهم مهدداً لهم مقرراً لذوي العقول من السامعين بقوله: ﴿أفلم يروا﴾ ونبه على أنهم في محل بعد عن الإبصار النافع بحرف النهاية فقال: ﴿إلى ما بين أيديهم﴾ أي أمامهم ﴿وما خلفهم﴾ وذلك إشارة إلى جميع الجوانب من كل من الخافقين

стр. 7775

وأنهما قد أحاطا بهم كغيرهم. ولما لم تدع حاجة إلى الجمع أفرد فقال: ﴿من السماء والأرض﴾ أي الذين جعلنا مطلع السورة أن لنا كل ما فيهما. ولما كان الإنكار لائقاً بمقام العظمة، فكان المعنى: إنا نفعل بهما وفيهما ما نشاء، عبر بقوله: ﴿إن نشأ﴾ بما لنا من العظمة - على قراءة الجمهور ﴿نخسف﴾ أي تغور ﴿بهم﴾ وأدغم الكسائي إلى أنه سبحانه قد يفعل ذلك في أسرع من اللمح بحيث يدرك لأكثر الناس وقد يفعله على وجه الوضوح وهو أكثر - بما أشارت إليه قراءة الإظهار للجمهور. ولما كان الخسف قد يكون لسطح أو سفينة ونحوهما، خص الأمر بقوله: ﴿الأرض﴾ أي كما فعلنا بقارون وذويه لأنه ليس نفوذ بعض أفعالنا فيها بأولى من غيره ﴿أو تسقط عليهم كسفاً﴾ بفتح السين على قراءة حفص وبإسكانه على قراءة غيره أي قاطعاً ﴿من السماء﴾ كذلك ليكون شديد الوقع لبعد الموقع المدى عن السحاب ونحوه لأن من المعلوم أنا نحن خلقناهما، ومن أوجد شيئاً قدر على هذه وهذا ما أراد منه، ومن جعل السياق

стр. 7776

للغيب - وهو حمزة والكسائي - رد الضمير على الاسم الأعظم الذي جعله مطلع السورة. ولما كان هذا أمراً ظاهراً، أنتج قوله مؤكداً لما لهم من إنكار البعث: ﴿إن في ذلك﴾ أي في قدرتنا على ما نشاء من كل منهما والتأمل في فنون تصاريفهما ﴿لآية﴾ أي علامة بينة على أنا نعامل من شئنا فيهما بالعدل بأي عذاب أردنا، ومن شئنا بالفضل بأي ثواب أردنا، وذلك دال على أنا قادرون على كل ما نشاء من الإماتة والإحياء وغيرهما، فقد خسفنا بقارون وآله وبقوم لوط وأشياعهم، وأسقطنا من السماء على أصحاب الأيكة يوم الظلة قطعاً من النار، وعلى قوم لوط حجارة، فأهلكناهم بذلك أجمعين. ولما كانت الآيات لا تنفع من طبع على العناد قال تعالى: ﴿لكل عبد﴾ أي متحقق أنه مربوب ضعيف مسخر لما يراد منه ﴿منيب *﴾ أي فيه قابلية الرجوع عما أبان له الدليل عن أنه زل فيه. ولما أشار سبحانه بهذا الكلام الذي دل فيه على نفوذ الأمر إلى أنه تارة يعدل وتارة يفضل، وكان الفضل أكثر استجلاباً لذوي الهمم العلية والأنفس الأبية، بدأ به في عبد من رؤوس المنيبين على وجه دال

стр. 7777

على البعث بكمال التصرف في الخافقين وما فيهما بأمور شوهدت لبعض عبيدة تارة بالعيان وتارة بالآذان، أما عند أهل الكتاب فواضح، وأما عند العرب فبتمكينهم من سؤالهم فقد كانوا يسألونهم عنه ﷺ وقال أبو حيان: إن بعض ذلك طفحت به أخبارهم ونطقت به أشعارهم، فقال تعالى مقسماً تنبيهاً على أن إنكارهم للبعث إنكار لما يخبر به من المعجزات، عاطفاً على ما تقديره: فلقد آتينا هذا الرجل الذي نسبتموه إلى الكذب أو الجنون منا فضلاً بهذه الأخبار المدلول عليها بمعجز القرآن فيا بعد ما بينه ما نسبتموه إليه: ﴿ولقد﴾ أي وعزتنا وما ثبت لنا من الإحاطة بصفات الكمال بالاتصاف بالحمد لقد ﴿آتينا﴾ أي أعطينا إعطاء عظيماً دالاً على نهاية المكنة بما لنا من العظمة ﴿داود﴾ . ولما كان المؤتى قد تكون واسطة لمن منه الإيتاء، بين أن الأمر ليس إلا منه فقال: ﴿منا فضلاً﴾ ودل على أن التنوين للتعظيم وأنه لا يتوقف تكوين شيء على غير إرادته بقوله، منزلاً الجبال منزلة العقلاء الذين يبادرون إلى امتثال أوامره، تنبيهاً على كمال قدرته وبديع تصرفه في الأشياء كلها جواباً لمن كأنه قال: ما ذلك الفضل؟ مبدلاً

стр. 7778

من ﴿أتينا﴾ ﴿يا﴾ أي قلنا لأشد الأرض: يا ﴿جبال أوبي﴾ أي رجعي التسبيح وقراءة الزبور وغيرهما من ذكر الله ﴿معه﴾ أي كلما سبح، فهذه آية أرضية مما هو أشد الأرض بما هو وظيفة العقلاء، ولذلك عبر فيه بالأمر دلالة على عظيم القدرة. ولما كانت الجبال أغلظ الأرض وأثقلها، وكان المعنى: دعونا الجبال للتأويب معه، فبادرت الإجابة لدعائنا، لما تقدم من أنها من جملة من أبى أن يحمل الأمانة، عطف على ذلك أخف الحيوان وألطفه، ليكون آية سماوية، على أنه يفعل في السماء ما يشاء، فإنه لو أمات الطائر في جو السماء لسقط، ولا فرق في ذلك بين عال وعال، فقال: ﴿والطير﴾ أي دعوناها أيضاً، فكانت ترجع معه الذكر فدل قرانها بالطير على ذكرها حقيقة كذكر الطير دفعاً لتوهم من يظنه رجع الصدا، وقراءة يعقوب بالرفع عطف على لفظ «جبال» وقراءة غيره عطف على موضعه، أو تكون الواو بمعنى مع أو بتقدير فعل من معنى ما مضى كسخرنا، قال وهب بن منبه: كان يقول للجبال: سبحي، وللطير: أجيبي، ثم يأخذ وهو في تلاوة الزبور بين ذلك بصوته الحسن، فلا يرى الناس منظراً أحسن من ذلك، ولا يسمعون شيئاً أطيب منه، وذلك كما كان الحصى يسبح في كف النبي ﷺ وكف أبي بكر

стр. 7779

وعمر ﵄، وكما كان الطعام يسبح في حضرته الشريفة وهو يؤكل، وكما كان الحجر يسلم عليه، وأسكفة الباب وحوائط البيت تؤمن على دعائه، وحنين الجذع مشهور، وكما كان الضب يشهد له والجمل يشكو إليه ويسجد بين يديه ونحو ذلك وكما جاء الطائر الذي يسمى الحمرة تشكو الذي أخذ بيضها، فأمره النبي ﷺ برده رحمة لها. ولما ذكر طاعة أكثف الأرض وألطف الحيوان الذي أنشأه الله منها. ذكر ما أنشأه سبحانه من ذلك الأكثف، وهو أصلب الأشياء فقال: ﴿وألنا له الحديد﴾ أي الذي ولدناه من الجبال جعلناه في يده كالشمع يعمل منه ما يريد بلا نار ولا مطرقة، ثم ذكر علة الإلانة بصيغة الأمر إشارة إلى أن عمله كان لله فقال: ﴿أن أعمل سابغات﴾ أي دروعاً طوالاً واسعة. ولما كان السرد الخرز في الأديم وإدخال الخيط في موضع الخرز شبه إدخال الحلقة في الأخرى بلحمة لا طرف لها بمواضع الخرز فقال: ﴿وقدر في السرد﴾ أي النسج بأن يكون كل حلقة مساوية لأختها مع كونها ضيقة لئلا ينفذ منها سهم ولتكن في تحتها بحيث

стр. 7780

لا يقلعها سيف ولا تثقل على الدارع فتمنعه خفة التصرف وسرعة الانتقال في الكر والفر والطعن والضرب في البرد والحر، والظاهر أنه لم يكن في حلقها مسامير لعدم الحاجة بإلانة الحديد إليها، وإلا لم يكن بينه وبين غيره فرق، ولا كان للإلانة فائدة، وقد أخبر بعض من رأى ما نسب إليه بغير مسامير، قال الزجاج: السرد في اللغة: تقدير الشيء إلى الشيء ليتأتى متسقاً بعضه في أثر بعض متتابعاً، ومنه قولهم: سرد فلان الحديث. وهذا كما ألان الله تعالى للنبي ﷺ في الخندق تلك الكدية وفي رواية: الكذانة وذلك بعد أن لم تكن المعاول تعمل فيها وبلغت غاية الجهد منهم فضربها ﷺ ضربة واحدة، وفي رواية رش عليها ماء فعادت كثيباً أهيل لا ترد فأساً وتلك الصخرة التي أخبره سلمان ﵂ أنها كسرت فؤوسهم ومعاولهم وعجزوا عنها فضربها النبي ﷺ ثلاث ضربات كسر في ضربه ثلاثاً منها وبرقت مع كل ضربة برقة كبر معها تكبيرة، وأضاءت للصحابة ﵃ ما بين

стр. 7781

لابتي المدينة بحيث كانت في النهار كأنها مصباح في جوف بيت مظلم، فسألوه عن ذلك فأخبرهم ﷺ أن إحدى الضربات أضاءت له صنعاء من أرض اليمن حتى رأى أبوابها من مكانه ذلك، وأخبره جبرائيل عيله السلام أنها ستفتح على أمته، وأضاءت له الأخرى قصور الحيرة البيض كأنها أنياب الكلاب، وأخبر أنها مفتوحة لهم، وأضاءت له الأخرى قصور الشام الحمر كأنها أنياب الكلاب، وأخبر بفتحها عليهم، فصدقه الله تعالى في جميع ما قال، وأعظم من ذلك تصليب الخشب له حتى يصير سيفاً قوي المتن جيد الحديدة، وذلك أن سيف عبد الله بن جحش ﵁ انقطع يوم أحد، فأعطاه رسول الله ﷺ عرجونا فعاد في يده سيفاً قائمة منه فقاتل به، فكان يسمى العون، ولم يزل بعد يتوارث حتى بيع من بغا التركي بمائتي دينار ذكره الكلاعي في السيرة عن الزبير بن أبي بكر والبيهقي، وقاتل عكاشة بن محصن يوم بدر فانقطع سيفه، فأتى رسول الله ﷺ فأعطاه جذلاً من حطب، فلما أخذه هزه فعاد في يده سيفاً طويل القامة شديد المتن أبيض الحديد فقاتل به حتى وفتح الله على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العون، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ وبعده حتى قتل في الردة

стр. 7782

وهو عنده، وعن الواقدي أنه انكسر سيف سلمة بن أسلم بن الحريش يوم بدر فأعطاه رسول الله ﷺ قضيباً كان في يده من عراجين ابن طاب فقال: اضرب به فإذا هو سيف جيد، فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد، وإلحامه للحديد ليس بأعجب من إلحام النبي ﷺ ليد معوذ بن عفراء لما قطعها أو جهل يوم بدر فأتى بها يحملها في يده الأخرى فبصق عليها رسول الله ﷺ وألصقها فلصقت وصحت مثل أختها كما نقله البيهقي وغيره. ولما أتم سبحانه ما يختص به من الكرامات، عطف عليها ما جمع فيه الضمير لأنه يعم غيره فقال: ﴿واعملوا﴾ أي أنت ومن أطاعك ﴿صالحاً﴾ أي بما تفضلنا به عليكم من العلم والتوفيق للطاعة، ثم علل هذا الأمر ترغيباً وترهيباً بقوله مؤكداً إشارة إلى أن إنكارهم للقدرة على البعث إنكار لغيرها من الصفات وإلى أن المتهاون في العمل في عداد من ينكر أنه يعين الله: ﴿إني بما تعملون﴾ أي كله ﴿بصير *﴾ أي مبصر وعالم بكل ظاهر له وباطن.

стр. 7783

ولما أتم سبحانه ما أراد من آيات داود ﵇ وختمها بالحديد، اتبعه ابنه سليمان ﵇ لمشاركته له في الإنابة، وبدأ من آياته بما هو من أسباب تكوينه سبحانه للحديد فقال: ﴿ولسليمان﴾ أي عوضاً من الخيل التي عقرها لله ﴿الريح﴾ أي مسخرة على قراءة شعبة، والتقدير على قراءة الجماعة: سخرناها له حال كونها ﴿غدوها شهر﴾ أي تحمله وتذهب به وبجميع عسكره بالغداة وهي من الصباح إلى نصف النهار مسيرة شهر كان يغدو من إيليا فيقبل بإصطخر ﴿ورواحها﴾ أي من الظهر إلى آخر النهار ﴿شهر﴾ أي مسيرته، فهذه آية سماوية دالة على أنه كما رفع بساط سليمان ﵇ بما حصل من جنوده وآلاتهم ثم وضعه قادر على أن يضع ما يشاء من السماء فيهلك من تقع عليه، وهذا كما سخر الله الريح للنبي ﷺ في غزوة الأحزاب فكانت تهد خيامهم وتكفأ طعامهم وتضرب وجوههم بالحجارة والتراب وهي لا تجاوز عسكرهم إلى أن هزمهم الله بها، وكما حملت شخصين من أصحابة رضي الله

стр. 7784

تعالى عنهم في غزوة تبوك فألقتهما في جبلي طي، وتحمل من أراد الله من أولياء أمته كما هو في غاية الشهرة ونهاية الكثرة، وأما أمر الإسراء والمعراج فهو من الجلالة والعظم بحيث لا يعلمه إلا الله مع أن الله تعالى صرفه في آيات السماء بحبس المطر تارة وإرساله أخرى. ولما ذكر الريح، أتبعها ما هي من أسباب تكوينه فقال: ﴿وأسلنا له﴾ أي بعظمتنا ﴿عين القطر﴾ أي النحاس أذبناه له حتى صار كأنه عين ماء، وذلك دال على أنه تعالى يفعل في الأرض ما يشاء، فلو أراد لأسالها كلها فهلك من عليها، ولو أراد لجعل بدل الإسالة الخسف والإزالة. ولما ذكر الريح والنحاس الذي لا يذاب عادة إلا بالنار، ذكر ما أغلب عناصرة النار، وهو في الخفة والإقدار على الطيران كالريح فقال: ﴿ومن﴾ أي وسخرنا له من ﴿الجن﴾ أي الذين سترناهم عن العيون من الشياطين وغيرهم ﴿من يعمل﴾ ولما كان قد أمكنه الله منهم غاية الإمكان في غيبته وحضوره قال: ﴿بين يديه﴾ ولما كان ظن ظان أن لهم استبداداً بأعمالهم نفاه بقوله: ﴿بإذن ربه﴾ أي بتمكين المحسن إليه له ولهم بما يريد فعله.

стр. 7785

ولما قرر سبحانه أن ذلك بإرادته فهو في الحقيقة بأمره، زاد ذلك تقريراً بقوله عاطفاً على ما تقديره: فمن عمل بأمرنا أثبناه جنات النعيم: ﴿ومن يزغ﴾ أي يمل، من زاغ يزيغ ويزوغ ﴿منهم﴾ مجاوزاً وعادلاً ﴿عن أمرنا﴾ أي عن الذي أمرناه به من طاعة سليمان أي أمره الذي هو من أمرنا ﴿نذقه﴾ أي بما لنا من العظمة التي أمكنا سليمان ﵇ بها مما أمكناه فيه من ذلك ﴿من عذاب السعير *﴾ أي في الدنيا مجازاً وفي الآخؤة حقيقة، وهذا كما أمكن الله نبينا ﷺ من ذلك العفريت فخنقه وهو بربطه حتى يتلعب به صبيان المدينة، ثم تركه تأدباً مع أخيه سليمان عليهما الصلاة والسلام فيما سأل الله تعالى فيه، وأما الأعمال التي تدور عليها إقامة الدين فأغناه الله فيها عن الجن بالملائكة الكرام، وسلط جمعاً من صحابته ﵃ على جماعة من مردة الجان منهم أبو هريرة ﵁ لما وكله النبي ﷺ بحفظ زكاة رمضان ومنهم أبي بن كعب ﵁ قبض على شخص منهم كان يسرق من تمره وقال: لقد علمت الجن ما فيهم من هو أشد مني ومنهم معاذ بن جبل ﵁ لما جعله النبي ﷺ على صدقة المسلمين فأتاه شيطان منهم يسرق وتصور له بصور منها صورة فيل فضبطه به فالتفّت يداه

стр. 7786

عليه وقال له: يا عدو الله، فشكا إليه الفقر وأخبره أنه من جن نصيبين وأنهم كانت لهم المدينة، فلما بعث النبي ﷺ أخرجهم منها وسأله أن يخلي عنه على أن لا يعود ومنهم بريدة ﵁، ومنهم أبو أيوب الأنصاري ﵁، ومنهم زيد بن ثابت ﵁، ومنهم عمر بن الخطاب ﵁ وعنهم أجمعين صارع الشيطان فصرعه عمر، ومنهم عمار بن ياسر ﵁ قاتل الشيطان فصرعه عمار، وأدمى أنف الشيطان بحجر، ولذلك وغيره كان يقول أبو هريرة: عمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه ﷺ ذكرها كلها البهيقي في الدلائل، وذكرت تخريج أكثرها في كتابي مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور، وأما عين القطر فهي ما تضمنه قول النبي ﷺ «أعطيت مفاتيح خزائن الأرض والملك في الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فاخترت أن أكون نبياً عبداً أجوع يوماً وأشبع يوماً» الحديث، فشمل ذلك من روضة اللؤلؤ الرطب إلى عين الذهب المصفى إلى ما دون ذلك، وروى الترمذي وقال: حسن عن أبي أمامة ﵁ عن النبي صلى الله عليه قال: «عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً، قلت: لا يارب! ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، أو قال ثلاثاً أو نحو

стр. 7787

ذلك، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» وللطبراني بإسناد حسن والبيهقي في الزهد وغيره عن ابن عباس ﵄ «أن إسرافيل ﵇ أتى النبي ﷺ بمفاتيح خزائن الأرض وقال: إن الله أمرني أن أعرض عليك أن أسير معك جبال تهامة زمرداً وياقوتاً وذهباً وفضة، فإن شئت نبياً ملكاً وإن شئت نبياً عبداً، فأومأ إليه جبرائيل ﵇ أن تواضع، فقال نبياً عبداً» رواه ابن حبان في صحيحه مختصراً من حديث أبي هريرة ﵁، وله في الصحيح أيضاً عن جابر بن عبد الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ «أوتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق على قطيفة من سندس» وفي البخاري في غزوة أحد عن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح» الأرض هذا ما يتعلق بالأرض، وقد زيد ﷺ على ذلك بأن أيده ربه سبحانه بالتصرف في خزائن السماء

стр. 7788

تارة بشق القمر، وتارة برجم النجوم، وتارة باختراق السماوات، وتارة بحبس المطر وتارة بإرساله - إلى غير ذلك مما أكرمه الله به. ولما أخبر تعالى أنه سخر له الجن، ذكر حالهم في أعمالهم، دلالة على أنه سبحانه يتصرف في السماء والأرض وما فيهما بما يشاء فقال تعالى: ﴿يعملون له﴾ أي في أي وقت شاء ﴿ما يشاء﴾ أي عمله ﴿عن محاريب﴾ أي أبنية شريفة من قصور ومساكن وغيرها هي أهل لأن يحارب عليها أو مساجد، والمحراب مقدم كل مسجد ومجلس وبيت، وكان مما عملوه له بين المقدس جدرانه بالحجارة العجيبة البديعة والرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمدة بأساطين المها الأبيض الصافي مرصعاً سقوفه وجدرانه بالذهب والفضة والدر والياقوت والمسك والعنبر وسائر الطيب، وبسط أرضه بألواح الفيروزج حتى كان أبهى بيت على وجه الأرض ﴿وتماثيل﴾ أي صوراً حساناً على تلك الأبنية فيها أسرار غريبة كما ذكروا أنهم صنعوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين في أعلاه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان ذراعين، وإذا قعد أظله النسران، ولم تكن التصاوير ممنوعة.

стр. 7789

ولما ذكر القصور وزينتها، ذكر آلات المأكل لأنها أول ما تطلب بعد الاستقرار في المسكن فقال: ﴿وجفان﴾ أي صحاف وقصاع يؤكل فيها ﴿كالجواب﴾ جمع جابية، وهي الحوض الكبير الذي يجبى إليه الماء، أي يجمع قيل: كان يجلس على الجفنة الواحدة ألف رجل. ولما ذكر الصحاف على وجه يعجب منه ويستعظم، ذكر ما يطبخ فيه طعامها فقال: ﴿وقدور راسيات﴾ أي ثابتات ثباتاً عظيماً بأن لا ينزع عن أثافيها لأنها لكبرها كالجبال. ولما ذكر المساكن وما تبعها، أتبعها الأمر بالعمل إشارة إلى أنه ﷺ ومن تبعه لا يلهيهم ذلك عن العبادة فقال: ﴿اعملوا﴾ أي وقلنا لهم: تمتعوا واعملوا، دل على مزيد قربهم بحذف أداة النداء وعلى شرفهم بالتعبير بالآل فقال: ﴿آل داود﴾ أي كل ما يقرب إلى الله ﴿شكراً﴾ أي لأجل الشكر له سبحانه، وهو تعظيمه في مقابلة نعمه ليزيدكم من فضله أو النصب على الحال أي شاكرين، أو على تقدير: اشكروا شكراً، لأن «اعملوا» فيه معنى «اشكروا» من حيث أن العمل للمنعم شكر له، ويجوز أن تنتصب باعملوا مفعولاً بهم معناه أنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً - على طريق المشاكلة ﴿وقليل﴾

стр. 7790

أي قلنا ذلك والحال أنه قليل. ولما لم يقتض الحال العظمة لأنها مبالغة في الشكر أليق، اسقط مظهرها فقال: ﴿من عبادي الشكور *﴾ أي المتوفر الدواعي بظاهره وباطنه من قلبه ولسانه وبدنه على الشكر بأن يصرف جميع ما أنعم الله عليه فيما يرضيه، وعبر بصيغة فعول إشارة إلى أن من يقع منه يطلق الشكر كثير، وأقل ذلك حال الاضطرار.

стр. 7791

ولما كان ربما استبعد موت من هو على هذه الصفة من ضخامة الملك بنفوذ الأمر وسعة الحال وكثرة الجنود، أشار إلى سهولته بقرب زمنه وسرعة إيقاعه على وجه دال على بطلان تعظيمهم للجن بالإخبار بالمغيبات بعد تنبيههم على مثل ذلك باستخدامه لهم بقوله: ﴿فلما﴾ بالفاء، ولذلك عاد إلى مظهر الجلال فقال: ﴿قضينا﴾ وحقق صفة القدرة بأداة الاستعلاء فقال: ﴿عليه﴾ أي سليمان عيله السلام ﴿الموت ما دلهم﴾ أي جنوده وكل من في ملكه من الجن والإنس وغيرهم من كل قريب وبعيد ﴿على موته﴾ لأنا جعلنا له من سعة العلم ووفور الهيبة ونفوذ الأمر ما تمكن به من إخفاء موته عنهم ﴿إلا دآبة الأرض﴾ فخمها بهذه الإضافة التي من معناها أنه لا دابة للأرض غيرها لما أفادته من العلم ولأنها لكونها تأكل من كل شيء

стр. 7792

من أجزاء الأرض من الخشب والحجر والتراب والثياب وغير ذلك أحق الدواب بهذا الاسم، ويزيد ذلك حسناً ان مصدر فعلها أرض بالفتح والإسكان فيصير من قبيل التورية ليشتد التشوف إلى تفسيرها ثم بين أنها الأرضة بقوله مستأنفاً في جواب من كأنه قال: أي دابة هي وبما دلت: ﴿تأكل منسأته﴾ أي عصاه التي مات وهو متكىء عليها قائماً في بيت من زجاج، وليس له باب، صنعته له الجن لما أعلمه الله بأن أجله قد حضر، وكان قد بقي في المسجد بقية ليخفي موته على الجن الذين كانوا يعملون في البيت المقدس حتى يتم؛ قال في القاموس في باب الهمز: نسأه: زجره وساقه وأخره ودفعه عن الحوض، والمنسأة كمكنسة مرتبة، ويترك الهمز فيهما: العصا - لأن الدابة تنسأ بها أي تساق، والبدل فيها لازم، حكاه سيبويه - انتهى. فالمعنى أن الجن كانوا يزجرون ويساقون بها، وقرأها المدنيان وأبو عمرو بالإبدال، وابن عامر من رواية ابن ذكوان والداجوني عن هشام

стр. 7793

بإسكان الهمزة، والباقون بهمزة مفتوحة ﴿فلما خر﴾ أي سقط على الأرض بعد أن قصمت الأرضة عصاه ﴿تبينت الجن﴾ أي علمت علماً بيناً لا يقدرون معه على تدبيج وتدليس، وانفضح أمرهم وظهر ظهوراً تاماً ﴿أن﴾ أي أنهم ﴿لو كانوا﴾ أي الجن ﴿يعلمون الغيب﴾ أي علمه ﴿ما لبثوا﴾ أي أقاموا حولاً مجرماً ﴿في العذاب المهين *﴾ من ذلك العمل الذي كانوا مسخرين فيه، والمراد إبطال ما كانوا يدعونه من علم الغيب على وجه الصفة، لأن المعنى أن دعواهم ذلك إما كذب أو جهل، فأحسن الأحوال لهم أن يكون جهلاً منهم، وقد تبين لهم الآن جهلهم بياناً لا يقدرون على إنكاره، ويجوز أن تكون «أن» تعليلية، ويكون التقدير: تبين حال الجن فيما يظن بهم من أنهم يعلمون الغيب، لأنهم إلى آخره، وسبب علمهم مدة كونه ميتاً قبل ذلك أنهم وضعوا الأرضة على موضع من العصا فأكلت منها يوماً وليلة، وحسبوا على ذلك النحو فوجدوا المدة سنة، وفي هذا توبيخ للعرب أنهم يصدقون من ثبت بهذا الأمر أنهم لا يعلمون الغيب في الخرافات اللاتي تأتيهم بها الكهان وغيرهم مما يفتنهم والحال أنهم يشاهدون منه كذباً كبيراً، فكانوا بذلك مساوين لمن يخبر من الآدميين عن بعض المغيبات بظن يظنه او منام يراه أو غير ذلك، فيكون كما قال - هذا مع

стр. 7794

إعراضهم عمن يخبرهم بالآخرة شفقة عليهم ونصيحة لهم، وما أخبرهم بشيء قط إلا ظهر صدقه قبل ادعائه للنبوة وبعده، وأظهر لهم من المعجزات ما بهر العقول، وقد تقرر أن كل شيء ثبت لمن قبل نبينا ﷺ من الأنبياء من الخوارق ثبت له مثله أو أعظم منه إما له نفسه أو لأحد من أمته، وهذا الذي ذكر لسليمان ﵇ من حفظه بعد موته سنة لا يميل قد ثبت مثله لشخص من هذه الأمة من غير شيء يعتمد عليه، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته في باب البادية قائماً ميتاً لا يمسكه شيء - انتهى. وقد ثبت مثل ذلك الشخص في بلاد شروان من بلاد فارس بالقرب من شماخى، اسم ذلك الولي محمد، ولقبه دمدمكي، مات من نحو أربعمائة سنة في المائة الخامسة من الهجرة، وهو قاعد في مكان من مقامه الذي كان البسطامية، أخبرني من شاهده ممن كذلك لا أتهمه من طلبة العلم العجم، وهو أمر مشهور متواتر في بلادهم غني عن مشاهدة شخص

стр. 7795

معين، قال: زرته غير مرة وله هيبة تمنع المعتقد من الدنو منه دنواً يرى به وجهه كما أشار تعالى إلى مثل ذلك بقوله تعالى ﴿لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً﴾ [الكهف: ١٨] قال: وكان معنا في بعض المرات شخص من طلبة العلم من أهل كيلان غير معتقد يقول: إنما هذا نوع شعبدة يخيل به على عقول الرعاع، قال: فتقدم إليه بجرأة ولمس صدره ونظر في وجهه، فأصيب في الحال فلم يرجع إلا محمولاً، فأقام في المدرسة التي كان يشتغل بها في مدينة شماخي مدة، وأخبرنا أن الشيخ دمدمكي قال له لما لمسه: لولا أنك من أهل العلم هلكت، وأنه شيخ خفيف اللحية، قال: وقد تبت إلى الله تعالى وصرت من المعتقدين لما هوعليه أنه حق، ولا أكذب بشيء من كرامات الأولياء، قال الحاكي: وقد دفن ثلاث مرات إحداها بأمر تمرلنك فيصبح جالساً على ما هو عليه الآن - والله الموفق للصواب. ولما دل سبحانه بقوله ﴿أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ الآية، على قدرته على ما يريد من السماء والأرض لمعاملة من يريد ممن فيهما بما يشاء من فضل على من شكر، وعدل فيمن كفر، ودل

стр. 7796

على ذلك بما قصه من أخبار بعض أولي الشكر، وختم بموت نبيه سليمان بن داود الشاكر ابن الشاكر ﵉، وما كان فيه من الآية الدالة على أنه لا يعلم الغيب غيره لينتج ذلك أنه لا يقدر على كل ما يريد غيره، وكان موت الأنبياء المتقدمين موجباً لاختلال من بعدهم لفوات آياتهم بفواتهم بخلاف آية القرآن، فإنها باقية على مر الدهور والأزمان، لكل إنس وملك وجان، ينادي مناديها على رؤوس الأشهاد: هل من مبارٍ أو مضاد؟ فلذلك حفظت هذه الأمة، وضاع غيرها في أودية مدلهمة، أتبعه دليلاً آخر شهودياً على آية ﴿إن نشأ نخسف بهم الأرض﴾ في قوم كان تمام صلاحهم بسليمان ﵊، فاختل بعده أمرهم، وصار من عجائب الكون ذكرهم، حين ضاع شكرهم، فكان من ترجمة اتباع قصتهم لما قبلها أن آل داود ﵇ شكروا، فسخر لهم من الجبال والطير والمعادن وغيرها ما لم يكن غيرهم يطمع فيه، وهو أضاعوا الشكر فأعصى عليهم وأضاع منهم ما لم يكونوا يخافون فواته من مياههم وأشجارهم وغيرها، فقال تعالى مشيراً بتأكيده إلى تعظيم ما كانوا فيه، وأنه في غاية الدلالة على القدرة، وسائر صفات الكمال، وأن عمل قريش عمل من ينكر ما تدل عليه قصتهم

стр. 7797

من ذلك: ﴿لقد كان لسبأ﴾ أي القيلة المشهورة التي كانت تسجد للشمس، فهداهم الله تعالى على يد سليمان ﵇، وحكمة تسكين قنبل همزتها الإشارة إلى ما كانوا فيه من الخفض والدعة ورفاهة العيش المثمرة للراحة والطمأنينة والهدوء والسكينة، ولعل قراءة الجمهور لها بالصرف تشير إلى مثل ذلك، وقراءة أبي عمرو والبزي عن ابن كثير بالمنع تشير إلى رجوعهم بما صاروا إليه من سوء الحال إلى غالب أحوال تلك البلاد في الإقفار وقلة النبت والعطش ﴿في مسكنهم﴾ أي التي هي في غاية الكثرة، ووحد حمزة والكسائي وحفص عن عاصم إشارة إلى أنها لشدة اتصال المنافع والمرافق كالمسكن الواحد، وكسر الكسائي الكاف إشارة إلى أنها في غاية الملاءمة لهم واللين، وفتحه الآخران إشارة إلى ما فيها من الروح والراحة، وكانت بأرض مأرب من بلاد اليمن، قال حمزة الكرماني: قال ابن عباس ﵄: على ثلاث فراسخ من صنعاء، وكانت أخصب البلاد وأطيبها وأكثرها ثماراً حتى كانت المرأة تضع على رأسها المكتل وتطوف في ما بين الأشجار فيمتلىء المكتل من غير أن تمس شيئاً بيدها،

стр. 7798

وكانت مياههم تخرج من جبل فبنوا فيه سداً وجعلوا له ثلاثة أبواب فكانوا يسرحون الماء إلى كرومهم من الباب الأعلى والأوسط والأسفل، قال الرازي: كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها وعلى رأسها مكتلها فتمتهن مغزلتها، فلا تأتي بيتها حتى يمتلىء مكتلها من الثمار، وقال أبو حيان في النهر: ولما ملكت بلقيس اقتتل قومها على ماء واديهم فتركت ملكها، وسكنت قصرها وراودوها على أن ترجع فأبت فقالوا: لترجعن أو لنقتلنك، فقالت لهم: لا عقول لكم، ولا تطيعوني، فقالوا نطيعك، فرجعت إلى واديهم، وكانوا إذا مطروا أتاهم السيل من مسيرة ثلاثة أيام، فأمرت به فسد ما بين الجبلين بمسناة بالصخر والقار، وحبست الماء من وراء السد، وجعلت له أبواباً بعضها فوق بعض، وبنت من دونه بركة فيها اثنا عشر مخرجاً على عدة أنهارهم، وكان الماء يخرج لهم بالسوية، وقال المسعودي في مقدمات مروج الذهب قبل السيرة النبوية بيسير في الكلام على الكهان، كانت من أخصب أرض اليمن وأثراها، وأعذابها وأغداها، وأكثرها جناناً،

стр. 7799

وكانت مسيرة أكثر من شهر للراكب المجد على هذه الحال في العرض مثل ذلك، يسير الراكب من أولها إلى أن ينتهي إلى آخرها، لا تواجهه الشمس ولا يفارقها الظل، لاستتار الأرض بالأشحار واستيلائها عليها وإحاطتها بها، فكان أهلها في أطيب عيش وأرفعه وأهنأ حال وأرغده، في نهاية الخصب وطيب الهواء وصفاء الفضاء وتدفق الماء، وقوة الشوكة واجتماع الكلمة، ثم ذكر خبراً طويلاً في أخبارهم وخراب ما كان من آثارهم وتفرقهم في البلاد وشتاتهم بين العباد ﴿آية﴾ أي علامة ظاهرة على قدرتنا على ما نريد، ثم فسر الآية بقوله: ﴿جنتان﴾ مجاورتان للطريق ﴿عن يمين وشمال﴾ أي بساتين متصلة وحدائق مشتبكة، ورياض محتبكة، حتى كان الكل من كل جانب جنة واحدة لشدة اتصال بعضه ببعض عن يمين كل سالك وشماله في أي مكان سلك من بلادهم ليس فيها موضع معطل، وقال البغوي: عن يمين واديهم وشماله، قد أحاط الجنتان بذلك الوادي. وأشار الى كرم تلك الجنان وسعة ما بها من الخير بقوله: ﴿كلوا﴾ أي لا تحتاج بلادهم إلى غير أن يقال لهم: كلوا ﴿من رزق ربكم﴾ أي المحسن إليكم الذي أخرج لكم منها كل ما تشتهون ﴿واشكروا له﴾ أي خصوه بالشكر بالعمل بما أنعم به في ما يرضيه ليديم لكم النعمة، ثم استأنف تعظيم

стр. 7800

ذلك بقوله: ﴿بلدة طيبة﴾ أي كريمة التربة حسنة الهواء سليمة من الهوام والمضمار لا يحتاج ساكنها إلى ما يتبعه فيعوقه عن الشكر، قال ابن زيد: لا يوجد فيها برغوث ولا بعوض ولا عقرب ولا حية، ولا تقمل ثيابهم، ولا تعيا دوابهم. وأشار إلى أنه لا يقدر أحد على أن يقدره حق قدره بقوله: ﴿ورب غفور *﴾ أي لذنب من شكره وتقصيره بمحو عين ما قصر فيه وأثره فلا يعاقب عليه ولا يعاتب، ولولا ذلك ما أنعم عليكم بما أنتم فيه ولأهلككم بذنوبكم، وأخبرني بعض أهل اليمن أنها اليوم مفازة قرب صنعاء اليمن - قال: في بعضها عنب يعمل منه زبيب كبار جداً في مقدار در - تلي بلاد الشام، وهو في غاية الصفاء كأنه قطع المصطكا وليس له نوى أصلاً. ولما تسبب عن هذا الإنعام بطرهم الموجب لإعراضهم عن الشكر، دل على ذلك بقوله: ﴿فأعرضوا﴾ ولما تسبب عن إعراضهم مقتهم، بينه بقوله: ﴿فأرسلنا﴾ ودل على أنه إرسال عذاب بعد مظهر العظمة بأداة الاستعلاء فقال: ﴿عليهم سيل العرم﴾ أي سيح المطر الغالب المؤذي الشديد الكثير الحاد الفعل المتناهي في الأذى الذي لا يرده شيء ولا تمنعه حيلة بسد ولا غيره من العرامة، وهي الشدة والقوة، فأفسد عليهم جميع ما ينتفعون به، قال أبو حيان: سلط الله عليهم الجرذ

стр. 7801

فاراً أعمى توالد فيه، ويسمى الخلد، فخرفه شيئاً بعد شيء، فأرسل الله سيلاً في ذلك الوادي، فحمل ذلك السد فروي أنه كان من العظم وكثرة الماء بحيث ملأ ما بين الجبلين، وحمل الجنان وكثيراً من الناس ممن لم يمكنه الفرار. ولما غرق من غرق منهم ونجا من نجا، تفرقوا وتمزقوا حتى ضربت العرب المثل بهم فقالوا: تفرقوا أيدي سبا وأيادي سبا، والأوس والخزرج منهم، وكان ذلك في الفترة التي بين عيسى ونبينا محمد ﷺ ﴿وبدلناهم بجنتيهم﴾ أي جعلنا لهم بدلهما ﴿جنتين﴾ هما في غاية ما يكون من مضادة جنتيهم، ولذلك فسرهما بقوله إعلاماً بإن إطلاق الجنتين عليهما مشاكلة لفظية للتهكم بهم: ﴿ذواتي أكل﴾ أي ثمر ﴿خمط﴾ وقراءة الجماعة بتنوين ﴿أكل﴾ أقعد في التهكم من قراءة أبي عمرو ويعقوب بالإضافة. ولما كان الخمط مشتركاً بين البهائم والإنسان في الأكل والتجنب، والله أعلم بما أراد منه، لأنه ضرب من الإراك، له ثمر يؤكل، وكل شجرة مرة ذات شوك، والحامض أو المر من كل شيء، وكل نبت

стр. 7802

أخذ طعماً من مرارة حتى لا يؤكل، ولا يمكن أكله، وثمر يقال له فسوة الضبع على صورة الخشخاش ينفرك ولا ينتفع به، والحمل القليل من كل شجر، ذكر ما يخص البهائم التي بها قوام الإنسان فقال: ﴿وأثل﴾ أي وذواتي أثل، وهو شجر لا ثمر له، نوع من الطرفاء، ثم ذكر ما يخص الإنسان فقال: ﴿وشيء من سدر﴾ أي نبق ﴿قليل *﴾ وهذا يدل على أن غير السدر وهو ما لا منفعة فيه أو منفعته مشوبة بكدر أكثر من السدر؛ وقال أبو حيان: إن الفراء فسر هذا السدر بالسمر، قال: وقال الأزهري: السدر سدران: سدر لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغسول، وله ثمرة عفصة لا تؤكل، وهذا الذي يسمى الضال وسدر ينبت على الماء وثمره النبق وورقة الغسول يشبه العناب. وقد سبق الوعد في البقرة ببيان مطلب ما يفيده دخول الجار مع مادة «بدل» فإن الحال يفترق فيها بين الإبدال والتبديل والاستبدال والتبدل وغير ذلك، وهي كثرة الدور مشتبهة الأمر، وقد حققها شيخنا محقق زمانه قاضي الشافعية بالديار المصرية

стр. 7803

شمس الدين محمد بن علي القاياتي ﵀ فقال فيما علقته عند وذكر أكثره في شرحه لخطبة المنهاج للنووي ﵀: اعلم أن هذه المادة - أعني الباء والدال واللام - مع هذا الترتيب قد يذكر معها المتقابلان فقط وقد يذكر معهما غيرهما وقد لا يكون كذلك فإن اقتصر عليهما فقد يذكران مع التبدل والاستبدال مصحوباً أحدهما بالباء كما في قوله تعالى: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ [البقرة: ٦١] وفي قوله تعالى: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان﴾ [البقرة: ١٠٨] الآية، فتكون الباء داخلة على المتروك ويتعدى الفعل بنفسه للمقابل المتخذ، وقد يذكران مع التبديل والإبدال وأحدهما مقرون بالباء، فالباء داخلة على الحاصل، ويتعدى الفعل بنفسه إلى المتروك، نقل الأزهري عن ثعلب: بدلت الخاتم بالحلقة - إذا أذبته وسويته حلقة، وبدلت الحلقة بالخاتم - إذا أذبتها وجعلتها خاتماً، وأبدلت الخاتم بالحلقة - إذا نحيت هذا وجعلت هذه مكانه، وحكى الهروي في الغريبين عن ابن عرفة يعني نفطويه أنه قال: التبديل: تغيير الشيء عن حاله والإبدال: جعل الشيء مكان آخر وتحقيقه أن معنى التبديل التغيير وإن لم يؤت ببدل كما ذكر في الصحاح

стр. 7804

وكما هو مقتضى كلام ابن عرفة، فحيث ذكر المتقابلان وقيل: «بدلت هذا بذاك» رجع حاصل ذلك أنك أخذت ذاك وأعطيت هذا، فإذا قيل: بدل الشيء بغيره، فمعناه غير الشيء بغيره، أي ترك الأول وأخذ الثاني، فكانت الباء داخلة على المأخوذ لا المنحى، ومعنى إبدال الشيء بغيره يرجع إلى تنحية الشيء وجعل غيره مكانه، فكانت الباء داخلة على المتخذ مكان المنحى، وللتبديل ولو مع الاقتصار على المتقابلين استعمال آخر، يتعدى إلى المفعولين بنفسه كقوله تعالى ﴿أولئك يبدل الله سيآتهم حسنات﴾ [الكهف: ٨١] ﴿فأردنا أن يبدلها ربهما خيراً منه زكاة﴾ [الفرقان: ٧٠] الآية بمعنى يجعل الحسنات بدل السيئات ويعطيهما بدل ما كان لهما خيراً وقد لا يذكر المذهوب كما في قوله تعالى: ﴿بدلناهم جلوداً غيرها﴾ [النساء: ٥٦] ومعنى التبدل والاستبدال أخذ الشيء مكان غيره، فإذا قلت: استبدلت هذا بذاك، أو تبدلت هذا بذاك، رجع حاصل ذلك أنك أخذت هذا وتركت ذاك، وإن لم يقتصر عليهما بل ذكر معهما غيرهما وأحدهما مصحوب بالجارّ وذكر التبديل كما في قوله تعالى ﴿وبدلناهم بجنتيهم جنتين﴾

стр. 7805

تعدى الفعل بنفسه إلى المفعولين يعين إلى المفعول ذلك لأجله وإلى المأخوذ بنفسه، وإلى المذهوب المبدل منه بالباء كما في «بدله بخوفه أمناً» ومعناه: أزال خوفه إلى الأمن وقد يتعدى إلى المذهوب والحالة هذه - بمن كما في «بدله من خوفه أمناً» وللتبديل أيضاً استعمال آخر يتعدى إلى مفعول واحد مثل: بدلت الشيء أي غيرته، قال تعالى ﴿فمن بدله بعد ما سمعه﴾ [البقرة: ١٨١] على أن ههنا ما يجب التنبه له وهو أن الشيء يكون مأخوذاً بالقياس والإضافة إلى شيء، متروكاً بالقياس والإضافة إلى آخر، كما إذا أعطى شخص شخصاً شيئاً وأخذ بدله منه، فالشيء الأول مأخوذ للشخص الثاني ومتروك للأول، والمقابل بالعكس فيصح أن يعبر بالتبدل والتبديل، ويعتبر في كل منهما ما يناسبه، والإشكال المقام قصدنا بعض الإطناب - انتهى والله أعلم.

стр. 7806

ولما أخبر عن هذا المحق والتقتير بعد ما كانوا فيه من ذلك الملك الكبير، هول أمره مقدماً للمفعول دلالة على أنه مما يهتم غاية الاهتمام بتعرفه فقال: ﴿ذلك﴾ أي الجزاء العظيم العالي الرتبة في أمر المسخ ﴿جزيناهم﴾ بما لنا من العظمة ﴿بما كفروا﴾ أي غطوا

стр. 7807

الدليل الواضح. ولما كان من العادة المستقرة عند ذوي الهمم العوال، العريقين في مقارعة الأبطال، المبالغة في جزاء من أساء بعد الإحسان، وقابل الإنعام بالكفران، لما أثر في القلوب من الحريق مرة بعد مرة، وكرة في أثر كرة، أجرى الأمر سبحانه على هذا العرف، فقال مشيراً إلى ذلك بصيغة المفاعلة عادّاً لغير جزائهم بالنسبة إليه عدماً، تهديداً يصدع القلوب ويردع النفوس، ويدع الأعناق خاضعة والرؤوس: ﴿وهل يجازى﴾ أي هذا الجزاء الذي هو على وجه العقاب من مجاز ما على سبيل المبالغة ﴿إلا الكفور *﴾ أي المبالغ في الكفر، وقراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «نجازي» بالنون على أسلوب ما قبله من العظمة ونصب «الكفور» وقال الفراء: المؤمن يجزى ولا يجازى - كأنه يشير إلى أن عقاب المسيء لأجل عمله فهو مفاعلة، وأما ثواب المطيع فهو فضل من الله لا لأجل عمله، فإن عمله نعمة من الله، وذلك لا ينافي المضاعفة، قال القشيري: كذلك من الناس من يكون في رغد من الحال

стр. 7808

واتصال من التوفيق وطيب من القلب ومساعدة من الوقت فيرتكب زلة أو يسيء أدباً أو يتبع شهوة، ولا يعرف قدر ما هو فيه فيغير عليه الحال، فلا وقت ولا حال، ولا طرب ولا وصال، يظلم عليه النهار، وكانت لياليه مضيئة ببدائع الأنوار. ولما أتم الخبر عن الجنان التي بها القوام نعمة ونقمة، أتبعه مواضعه السكان فقال: ﴿وجعلنا﴾ أي بما لنا من العظمة، ونبه بنزع الجار على عمارة جميع تلك الأراضي بالبناء والانتفاع فقال: ﴿بينهم﴾ أي بين قرى أهل سبأ ﴿وبين القرى﴾ اي مدناً كانت أو دونها ﴿التي باركنا﴾ أي بركة اعتنينا بها اعتناء من يناظر آخر بغاية العظمة ﴿فيها﴾ أي بأن جعلناها محال العلم والرزق بالأنبياء وأصفياء الأولياء وهي بلاد الشام ﴿قرى ظاهرة﴾ أي من أرض الشام في أشراف الأرض وما صلب منها وعلا، لأن البناء فيها أثبت، والمشي بها أسهل، والابتهاج برؤية جميع الجنان وما فيها من النضرة منها أمكن. فهي ظاهرة للعيون بين تلك الجنان، كأنها الكواكب الحسان، مع تقاربها بحيث يرى بعضها من بعض وكثرة المال بها والمفاخر والنفع والمعونة للمارة؛ قال البغوي: كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ

стр. 7809

إلى الشام. ولما كانت مع هذا الوصف ربما كان فيها عسر على المسافر لعدم الموافقة في المقيل والمبيت، أزال هذا بقوله: ﴿وقدرنا فيها السير﴾ أي جعلناه على مقادير هي في غاية الرفق بالمسافر في نزوله متى أراد من ليل أو نهار على ما جرت به عوائد السفار، فهي لذلك حقيقة بأن يقال لأهلها والنازلين بها على سبيل الامتنان: ﴿سيروا﴾ والدليل على تقاربها جداً قوله: ﴿فيها﴾ ودل على كثرتها وطول مسافتها وصلاحيتها للسير أيّ وقت أريد، مقدماً لما هو أدل على الأمن وأعدل للسير في البلاد الحارة بقوله: ﴿ليالي﴾ وأشار إلى كثرة الظلال والرطوبة والاعتدال الذي يمكن معه السير في جميع النهار بقوله: ﴿وأياماً﴾ أي في أي وقت شئتم، ودل على عظيم أمانها في كل وقت بالنسبة إلى كل ملم بقوله: ﴿آمنين *﴾ أي من خوف وتعب، أو ضيعة أو عطش أو سغب. ولما انقضى الخبر عن هذه الأوصاف التي تستدعي غاية الشكر لما فيها من الألطاف، دل على بطرهم للنعمة بها بأنهم جعلوها سبباً للتضجر والملال بقوله: ﴿فقالوا﴾ على وجه الدعاء: ﴿ربنا﴾ أي أيها المربي لنا ﴿باعد﴾ أي أعظم البعد وشدده - على قراءة ابن كثير وأبي عمرو

стр. 7810

وهشام عن ابن عامر بتشديد العين وإسكان الدال، وهذا بمعنى قراءة الباقين غير يعقوب ﴿باعد﴾ المقتضية لمده وتطويله ﴿بين أسفارنا﴾ أي قرانا التي نسافر فيها، أي ليقل الناس فيكون ما يخص كل إنسان من هذه الجنان أضعاف ما يخصه الآن ونحمل الزاد ونسير على النجائب ونتعلق السلاح ونستجيد المراكب، وكان بعضهم كأن على الضد من غرض هؤلاء فاستكثر مسافة ما بين كل قريتين فقال كما قرأ يعقوب «ربنا» بالرفع على أنه مبتدأ «باعد» فعلاً ماضياً على أنه خبر فازدرى تلك النعمة الواردة على قانون الحكمة واشتهى أن تكون تلك القرى متواصلة ﴿وظلموا﴾ حيث عدوا النعمة نقمة، والإحسان إساءة ﴿أنفسهم﴾ تارة باستقلال الديار، وتارة باستقلال الثمار، فسبب ذلك تبديل ما هم فيه بحال هو في الوحشة بقدر ما كانوا فيه من الأنس وهو معنى ﴿فجعلناهم﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿أحاديث﴾ أي يتواصفها الناس جيلاً بعد جيل لما لها من الهول ﴿ومزقناهم﴾ أي تمزيقاً يناسب العظمة، فما كان لهم دأب إلا المطاوعة فمزقوا ﴿كل ممزق﴾ أي تمزيق كما يمزق الثوب، بحيث صاروا مثلاً مضروباً إلى هذا الزمان،
следующие страницы →