Полный текст (11 765 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.
стр. 7806
ولما أخبر عن هذا المحق والتقتير بعد ما كانوا فيه من ذلك الملك الكبير، هول أمره مقدماً للمفعول دلالة على أنه مما يهتم غاية الاهتمام بتعرفه فقال: ﴿ذلك﴾ أي الجزاء العظيم العالي الرتبة في أمر المسخ ﴿جزيناهم﴾ بما لنا من العظمة ﴿بما كفروا﴾ أي غطوا
стр. 7807
الدليل الواضح.
ولما كان من العادة المستقرة عند ذوي الهمم العوال، العريقين في مقارعة الأبطال، المبالغة في جزاء من أساء بعد الإحسان، وقابل الإنعام بالكفران، لما أثر في القلوب من الحريق مرة بعد مرة، وكرة في أثر كرة، أجرى الأمر سبحانه على هذا العرف، فقال مشيراً إلى ذلك بصيغة المفاعلة عادّاً لغير جزائهم بالنسبة إليه عدماً، تهديداً يصدع القلوب ويردع النفوس، ويدع الأعناق خاضعة والرؤوس: ﴿وهل يجازى﴾ أي هذا الجزاء الذي هو على وجه العقاب من مجاز ما على سبيل المبالغة ﴿إلا الكفور *﴾ أي المبالغ في الكفر، وقراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «نجازي» بالنون على أسلوب ما قبله من العظمة ونصب «الكفور» وقال الفراء: المؤمن يجزى ولا يجازى - كأنه يشير إلى أن عقاب المسيء لأجل عمله فهو مفاعلة، وأما ثواب المطيع فهو فضل من الله لا لأجل عمله، فإن عمله نعمة من الله، وذلك لا ينافي المضاعفة، قال القشيري: كذلك من الناس من يكون في رغد من الحال
стр. 7808
واتصال من التوفيق وطيب من القلب ومساعدة من الوقت فيرتكب زلة أو يسيء أدباً أو يتبع شهوة، ولا يعرف قدر ما هو فيه فيغير عليه الحال، فلا وقت ولا حال، ولا طرب ولا وصال، يظلم عليه النهار، وكانت لياليه مضيئة ببدائع الأنوار.
ولما أتم الخبر عن الجنان التي بها القوام نعمة ونقمة، أتبعه مواضعه السكان فقال: ﴿وجعلنا﴾ أي بما لنا من العظمة، ونبه بنزع الجار على عمارة جميع تلك الأراضي بالبناء والانتفاع فقال: ﴿بينهم﴾ أي بين قرى أهل سبأ ﴿وبين القرى﴾ اي مدناً كانت أو دونها ﴿التي باركنا﴾ أي بركة اعتنينا بها اعتناء من يناظر آخر بغاية العظمة ﴿فيها﴾ أي بأن جعلناها محال العلم والرزق بالأنبياء وأصفياء الأولياء وهي بلاد الشام ﴿قرى ظاهرة﴾ أي من أرض الشام في أشراف الأرض وما صلب منها وعلا، لأن البناء فيها أثبت، والمشي بها أسهل، والابتهاج برؤية جميع الجنان وما فيها من النضرة منها أمكن. فهي ظاهرة للعيون بين تلك الجنان، كأنها الكواكب الحسان، مع تقاربها بحيث يرى بعضها من بعض وكثرة المال بها والمفاخر والنفع والمعونة للمارة؛ قال البغوي: كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ
стр. 7809
إلى الشام.
ولما كانت مع هذا الوصف ربما كان فيها عسر على المسافر لعدم الموافقة في المقيل والمبيت، أزال هذا بقوله: ﴿وقدرنا فيها السير﴾ أي جعلناه على مقادير هي في غاية الرفق بالمسافر في نزوله متى أراد من ليل أو نهار على ما جرت به عوائد السفار، فهي لذلك حقيقة بأن يقال لأهلها والنازلين بها على سبيل الامتنان: ﴿سيروا﴾ والدليل على تقاربها جداً قوله: ﴿فيها﴾ ودل على كثرتها وطول مسافتها وصلاحيتها للسير أيّ وقت أريد، مقدماً لما هو أدل على الأمن وأعدل للسير في البلاد الحارة بقوله: ﴿ليالي﴾ وأشار إلى كثرة الظلال والرطوبة والاعتدال الذي يمكن معه السير في جميع النهار بقوله: ﴿وأياماً﴾ أي في أي وقت شئتم، ودل على عظيم أمانها في كل وقت بالنسبة إلى كل ملم بقوله: ﴿آمنين *﴾ أي من خوف وتعب، أو ضيعة أو عطش أو سغب.
ولما انقضى الخبر عن هذه الأوصاف التي تستدعي غاية الشكر لما فيها من الألطاف، دل على بطرهم للنعمة بها بأنهم جعلوها سبباً للتضجر والملال بقوله: ﴿فقالوا﴾ على وجه الدعاء: ﴿ربنا﴾ أي أيها المربي لنا ﴿باعد﴾ أي أعظم البعد وشدده - على قراءة ابن كثير وأبي عمرو
стр. 7810
وهشام عن ابن عامر بتشديد العين وإسكان الدال، وهذا بمعنى قراءة الباقين غير يعقوب ﴿باعد﴾ المقتضية لمده وتطويله ﴿بين أسفارنا﴾ أي قرانا التي نسافر فيها، أي ليقل الناس فيكون ما يخص كل إنسان من هذه الجنان أضعاف ما يخصه الآن ونحمل الزاد ونسير على النجائب ونتعلق السلاح ونستجيد المراكب، وكان بعضهم كأن على الضد من غرض هؤلاء فاستكثر مسافة ما بين كل قريتين فقال كما قرأ يعقوب «ربنا» بالرفع على أنه مبتدأ «باعد» فعلاً ماضياً على أنه خبر فازدرى تلك النعمة الواردة على قانون الحكمة واشتهى أن تكون تلك القرى متواصلة ﴿وظلموا﴾ حيث عدوا النعمة نقمة، والإحسان إساءة ﴿أنفسهم﴾ تارة باستقلال الديار، وتارة باستقلال الثمار، فسبب ذلك تبديل ما هم فيه بحال هو في الوحشة بقدر ما كانوا فيه من الأنس وهو معنى ﴿فجعلناهم﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿أحاديث﴾ أي يتواصفها الناس جيلاً بعد جيل لما لها من الهول ﴿ومزقناهم﴾ أي تمزيقاً يناسب العظمة، فما كان لهم دأب إلا المطاوعة فمزقوا ﴿كل ممزق﴾ أي تمزيق كما يمزق الثوب، بحيث صاروا مثلاً مضروباً إلى هذا الزمان،
стр. 7811
يقال لمن شئت أمرهم: تفرقوا أيدي سبا.
ولما كان كل من أمريهم هذين في العمارة والخراب أمراً باهراً دالاً على أمور كثيرة، منها القدرة على الساعة التي هي مقصود السورة بالنقلة من النعيم إلى الجحيم والحشر إلا ما لا يريد الإنسان كما حشر أهل سبأ إلى كثير من أقطار البلاد كما هو مشهور في قصتهم، قال منبهاً على ذلك مستأنفاً على طريق الاستنتاج، مؤكداً تنبيهاً على إنعام النظر فيه، لما له من الدلالة على صفات الكمال: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم ﴿لآيات﴾ أي دلالات بينة جداً على قدرة الله تعالى على التصرف فيما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض بالإيجاد والإعدام للذوات والصفات بالخسف والمسخ، فإنه لا فرق بين خارق وخارق، وعلى أن بطرهم لتلك النعمة حتى ملوها ودعوا بإزالتها دليل على أن الإنسان ما دام حياً فهو في نعمة يجب عليه شكرها كائنة ما كانت وإن كان يراها بلية، لأنه لما طبع عليه من القلق كثيراً ما يرى النعم نقماً، واللذة ألماً، ولذلك ختم الآية بالصبر بصيغة المبالغة.
ولما كان الصبر حبس النفس عن أغراضها الفاسدة وأهويتها المعمية، وكانت مخالفة الهوى أشد ما يكون على النفس وأشق، وكانت النعم تبطر وتطغي، وتفسد وتلهي، فكان عطف النفوس إلى الشكر
стр. 7812
بعد جماحها بطغيان النعم صعباً، وكانت قريش قد شاركت سبأ فيما ذكر وزادت عليهم برغد العيش وسهولة إتيان الرزق بما حببهم به وبلدهم إلى العباد بدعوة أبيهم إبراهيم ﵇ مع آمن البلد وجلالة النسب وعظيم المنصب كما أشار إليه قوله تعالى ﴿وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة﴾ [النحل: ١١٢] قال تعالى محذراً لهم مثل عقوبتهم: ﴿لكل صبار شكور *﴾ أي من جميع بني آدم، مشيراً بصيغة المبالغة إلى ذلك كله، وأن من لم يكن في طبعه الصبر والشكر لا يقدر على ذلك، وأن من ليس في طبعه الصبر فاته الشكر.
ولما كان المعنى: آيات في أن تخالفوا إبليس فلا تصدقوا ظنه في احتناكهم حيث قال: ﴿لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٦٢] قال مؤكداً لإنكار كل أحد أن يكون صدق ظن إبليس فيه: ﴿ولقد﴾ أي كان في ذلك آيات مانعة من اتباع الشيطان والحال أنه قد ﴿صدق﴾ . ولما كان في استغوائهم غالباً لهم في إركابهم ما تشهد عقولهم بأنه ضلال، أشار إلى ذلك بأداة الاستعلاء فقال: ﴿عليهم﴾ أي على ذرية آدم ﵇.
стр. 7813
ولما كان في سياق الإثبات لعظمة الله وما عنده من الخير وما له من التصرف التام الداعي ذلك إلى الإقبال إليه وقصر الهمم عليه، عبر بقوله تعالى ﴿إبليس﴾ الذي هو من البلس وهو ما لا خير عنده - والإبلاس - وهو اليأس من كل خير - ليكون ذلك أعظم في التبكيت والتوبيخ ﴿ظنه﴾ أي في قوله: ﴿لأحتنكن ذريته إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٦٢] ﴿ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك﴾ [الحجر: ٣٩] ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ [الأعراف: ١٧] فكأنه لما قال ذلك على سبيل الظن تقاضاه ظنه الصدق فصدقه في إعمال الحيلة حتى كان ذلك الظن - هذا على قراءة الجماعة بالتخفيف، وأما على قراءة الكوفيين بالتشديد فالمعنى أنه جعل ظنه الذي كان يمكن تكذيبه فيه قبل التحقق صادقاً، بحيث لا يمكن أحداً تكذيبه فيه، ولذلك سبب سبحانه عنه قوله: ﴿فاتبعوه﴾ أي بغاية الجهد بميل الطبع والاستلذاذ الموجب للنزوع والترامي بعضهم في الكفران وبعضهم في مطلق العصيان.
ولما كان المحدث عنهم جمعي الناس، عرف به الاستثناء المعرف لقلة الناجين فقال: ﴿إلا فريقاً﴾ أي ناساً لهم القدرة على تفريق كلمة أهل الكفر وفض جمعهم وإن كانوا بالنسبة إليهم كالشعرة البيضاء
стр. 7814
في جلد الثور الأسود ﴿من المؤمنين *﴾ أي العريقين في الإيمان، فكانوا خالصين لله مخلصين في عبادته، وأما غيرهم فمالوا معه، وكان منهم المقل ومنهم المكثر بالهفوات والزلات الصغائر والكبائر.
стр. 7815
ولما كان ذلك ربما أوهم أن لإبليس أمراً بنفسه، نفاه بقوله: ﴿وما﴾ أي والحال أنه ما ﴿كان﴾ أصلاً ﴿له عليهم﴾ أي الذين اتبعوه ولا غيرهم، وأعرق فيما هو الحق من النفي بقوله: ﴿من سلطان﴾ أي تسلط قاهر لشيء من الأشياء بوجه لأنه مثلهم في كونه عبداً عاجزاً مقهوراً، ذليلاً خائفاً مدحوراً، قال القشيري: هو مسلط، ولو أمكنه أن يضل غيره أمكنه أن يمسك على الهداية نفسه ﴿إلا﴾ أي لكن نحن سلطناه عليهم بسلطاننا وملكناه قيادهم بقهرنا؛ وعبر عن التمييز الذي هو سبب العلم بالعلم فقال: ﴿لنعلم﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿من يؤمن﴾ أي يوجد الإيمان لله ﴿بالآخرة﴾ أي ليتعلق علمنا بذلك في عالم الشهادة في حال تميزه تعلقاً تقوم به الحجة في مجاري عادات البشر كما كان متعلقاً به في عالم الغيب ﴿ممن هو منها﴾ أي من الآخرة ﴿في شك﴾ فهو لا يتجدد له بها إيمان أصلاً، لأن الشك ظرف له محيط به، وإنما استعار «إلا» موضع «لكن» إشارة إلى
стр. 7816
أنه مكنه تمكيناً تاماً صار به كمن له سلطان حقيقي.
ولما كان هذا ربما أوقع في وهم نقصاً في العلم أو في القدرة، قال مشيراً إلى أنه سبحانه يسره ﷺ بتكثير هذا الفريق المخلص وجعل أكثره من أمته فقال: ﴿وربك﴾ أي المحسن إليك بإخزاء الشيطان بنبوتك وإخسائه عن أمتك ﴿على كل شيء﴾ من المكلفين وغيرهم ﴿حفيظ *﴾ أي حافظ أتم حفظ محيط به مدبر له على وجه العلو بعلمه الكامل وقدرته الشاملة، فلا يفعل الشيطان ولا غيره شيئاً إلا بعلمه وإذنه.
ولما أثبت سبحانه لنفسه ولذاته الأقدس من الملك في السماوات والأرض وغيرهما ما رأيت، واستدل عليه من الأدلة التي لا يمكن التصويب إليها بطعن بما سمعت، وكان المقصود الأعظم التوحيد فإنه أصل ينبني عليه كل خير قال: ﴿قل﴾ أي يا أعلم الخلق! بإقامة الأدلة لهؤلاء الذين أشركوا ما لا يشك في حقارته من له أدنى مسكة: ﴿ادعوا الذين زعمتم﴾ أي أنهم آلهة كما تدعون الله لا سيما في وقت الشدائد، وحذف مفعولي «زعم» وهما ضميرهم وتألههم تنبيهاً على استهجان ذلك واستبشاعه، وليس المذكور في الآية مفعولاً ولا قائماً
стр. 7817
مقام المفعول لفساد المعنى؛ وبين حقارتهم بقوله: ﴿من دون الله﴾ أي الذي حاز جميع العظمة لشيء مما أثبته سبحانه لنفسه فليفعلوا شيئاً مثله أو يبطلو شيئاً مما فعله سبحانه.
ولما كان جوابهم في ذلك السكوت عجزاً وحيرة، تولى سبحانه الجواب عنهم، إشارة إلى أن جواب كل من له تأمل لا وقفة فيه بقوله، معبراً عنهم بعبارة من له علم بإقامتهم في ذلك المقام، أو لأن بعض من ادعيت إلهيته ممن له علم: ﴿لا يمكلون﴾ أي الآن ولا يتجدد لهم شيء من ذلك أصلاً.
ولما كان المراد المبالغة في الحقارة بما تعرف العرب قال: ﴿مثقال ذرة﴾ ولما أريد العموم عبر بقوله: ﴿في السماوات﴾ وأكد فقال: ﴿ولا في الأرض﴾ لأن السماء ما علا، والأرض ما سفل، والسماوات في العرش، والأرض في السماء، فاستغرق ذلك النفي عنهما وعن كل ما فيهما من ذات ومعنى إلى العرش، وهو ذو العرش العظيم.
ولما كان هذا ظاهراً في نفي الملك الخالص عن شوب المشاركة، نفى المشاركة أيضاً بقوله مؤكداً تكذيباً لهم فيما يدعونه: ﴿وما لهم فيهما﴾ أي السماوات والأرض ولا فيما فيهما، وأعرق في النفي فقال:
стр. 7818
﴿من شرك﴾ أي في خلق ولا مُلك ولا مِلك، وأكد النفي بإثبات الجار. ولما كان مما في السماوات والأرض نفوس هذه الأصنام وقد انتفى ملكهم لشيء من أنفسهم أو ما أسكن فيها سبحانه من قوة أو منفعة، فانتفى أن يقدروا على إعانة غيرهم، وكان للتصريح مزيد روعة للنفوس وهزة للقلوب وقطع للأطماع، حتى لا يكون هناك متشبت قويّ ولا واهٍ قال: ﴿وما له﴾ أي الله ﴿منهم﴾ وأكد النفي بإثبات الجار فقال: ﴿من ظهير *﴾ أي معين على شيء مما يريده، فكيف يصح مع هذا العجز الكلي أن يدعوا كما يدعى ويرجوا كما يرجى ويعبدوا كما يعبد.
ولما كان قد بقي من أقسام النفع الشفاعة، وكان المقصود منها أثرها لا عينها، نفاه بقوله: ﴿ولا تنفع﴾ أي في أيّ وقت من الأوقات ﴿الشفاعة عنده﴾ أي بوجه من الوجوه بشيء من الأشياء ﴿إلا لمن﴾ ولما كانت كثافة الحجاب أعظم في الهيبة، وكان البناء للمجهول أدل على كثافة الحجاب، قال في قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي بجعل المصدر عمدة الكلام وإسناد الفعل إليه: ﴿أذن له﴾ أي وقع منه
стр. 7819
إذن له على لسان من شاء من جنوده بواسطة واحدة أو أكثر في أن يشفع في غيره أو في أن يشفع فيه غيره، وقراءة الباقين بالبناء للفاعل تدل على العظمة من وجه آخر، وهو أنه لا افتيات عليه بوجه من أحد ما، بل لا أن ينص هو سبحانه على الإذن، وإلا فلا استطاعة عليه أصلاً.
ولما كان من المعلوم أن الموقوفين في محل خطر للعرض على ملك مرهوب متى نودي باسم أحد منهم فقيل أين فلان ينخلع قلبه وربما أغمي عليه، فلذلك كان من المعلوم مما مضى أنه متى برز النداء من قبله تعالى في ذلك المقام الذي ترى فيه كل أمة جاثية يغشى على الشافعين والمشفوع لهم، فلذلك حسن كل الحسن قوله تعالى: ﴿حتّى﴾ وهو غاية لنحو أن يقال: فإذا أذن له وقع الصعق لجلاله وكبريائه وكماله حتى ﴿إذا فزع﴾ أي أزيل الفزع بأيسر أمر وأهون سعي من أمره سبحانه - هذا في قراءة الجماعة بالبناء للمجهول، وأزال هو سبحانه الفزع في قراءة ابن عامر ويعقوب، إشارة إلى أنه لا يخرج عن أمره شيء ﴿عن قلوبهم﴾ أي الشافعين والمشفوع لهم، فإن «فعّل»
стр. 7820
يأتي للإزالة كقذّيت عينه - إذا أزلت عنها القذى ﴿قالوا﴾ أي قال بعضهم لبعض: ﴿ماذا قال ربكم﴾ ذاكرين صفة الإحسان ليرجع إليهم رجاؤهم فتسكن لذلك قلوبهم.
ولما كان ملوك الدنيا ربما قال بعضهم قولاً ثم بدا له فرجع عنه، أو عارضه فيه شخص من أعيان جنده فينتقض، أخبر أن الملك الديان ليس كذلك فقال: ﴿قالوا الحق﴾ أي الثابت الذي لا يمكن أن يبدل، بل يطابقه الواقع فلا يكون شيء يخالفه ﴿وهو العلي﴾ أي فلا رتبة إلا دون رتبته ، فلا يقول غير الحق من نقص علم ﴿الكبير *﴾ أي الذي لا كبير غيره فيعارضه في شيء من حكم؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان ﴿فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا﴾ - للذي قال - ﴿الحق وهو العلي الكبير﴾ فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع
стр. 7821
الكلمة ويلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» وقال في التوحيد: وقال مسروق عن ابن مسعود ﵄: «وإذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا ماذا قال ربكم قالوا الحق» وروى هذا الحديث العيني في جزئه عن ابن عباس ﵄ موقوفاً عليه قال: كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يسمعون فيه الوحي، وفيه: فلا ينزل على سماء إلا صفقوا، وفي آخره: ثم يقال: يكون العام كذا ويكون العام كذا، فتسمع الجن ذلك فتخبر به الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا، فلما بعث الله رسوله ﷺ دحروا، فقالت العرب: هلك من في السماء، فذكر ذبح العرب لأموالهم من الإبل وغيرها، حتى نهتهم ثقيف، واستدلوا بثبات معلم النجوم، ثم أمر إبليس جنده بإحضار التراب وشمه حتى عرف أن الحدث من مكة.
стр. 7822
ولما سلب عن شركائهم أن يملكوا شيئاً من الأكوان،
стр. 7823
وأثبت جميع الملك له وحده، أمره ﷺ بأن يقررهم بما يلزم منه ذلك فقال: ﴿قل من يرزقكم﴾ ولما كان كل شيء من الرزق متوقفاً على الكونين، وكان في معرض الامتنان والتوبيخ جمع لئلا يدعي أن لشيء من العالم العلوي مدبراً غيره سبحانه فقال: ﴿من السماوات﴾ وقال: ﴿والأرض﴾ بالإفراد لأنهم لا يعلمون غيرها.
ولما كان من المعلوم أنهم مقرّون بأن ذلك لله وحده كما تقدم التصريح به غير مرة، وكان من المحقق أن إقرارهم بذلك ملزم لهم الإخلاص في العبادة عند كل من له أدنى مسكة من عقله، أشار إلى ذلك بالإشارة بأمره ﷺ بالإجابة إلى أنهم كالمنكرين لهذا، لأن إقرارهم به لم ينفعهم فقال: ﴿قل الله﴾ أي الملك الأعلى وحده، وأمره بعد إقامة هذا الدليل البين بأن يتبعه ما هو أشد عليهم من وقع النبل بطريق لا أنصف منه، ولا يستطيع أحد أن يصوب إليه نوع طعن بأن يقول مؤكداً تنبيهاً على وجوب إنعام النظر في تمييز المحق من المبطل بالانخلاع من الهوى، فإن الأمر في غاية الخطر: ﴿وإنا﴾ أي أهل التوحيد في العبادة لمن تفرد بالرزق ﴿أو إياكم﴾ أي أهل الإشراك به من لا يملك شيئاً
стр. 7824
من الأشياء و «أو» على بأنها لا بمعنى الواو، أي إن أحد فريقينا على إحدى الحالتين مبهمة غير معينة فهو على خطر عظيم لكونه في شك من أمره غير مقطوع له بالهدى، فانظروا بعقولكم في تعيينه هل هو الذي عرف الحق لأهله أو الذي بذل الحق لغير أهله، قال ابن الجوزي: وهذا كما تقول للرجل تكذبه: والله إن أحدنا لكاذب، وأنت تعنيه تكذيباً غير مكشوف ويقول الرجل: والله لقد قدم فلان، فيقول له من يعلم كذبه: قل إن شاء الله، فيكذبه بأحسن من تصريح التكذيب، يعني ولا سيما بعد إقامة الدليل على المراد ثم مثل المهتدين بمن هو على متن جواد يوجهه حيث شاء من الجواد بقوله: ﴿لعلى هدى﴾ أي في متابعة ما ينبغي أن يعمل مستعلين عليه ناظرين لكل ما يمكن أن يعرض فيه مما قد يجر إلى ضلال فتنكبه ﴿أو في ضلال﴾ أي عن الحق في الاعتقاد المناسب فيه منغمسين فيه وهو محيط بالمبتلى به لا يتمكن معه من وجه صواب: ﴿مبين *﴾ أي واضح في نفسه داع لكل أحد إلى معرفة أنه ضلال إلا من كان منغمساً فيه مظروفاً له، فإنه لا يحس بنفسه وما بينه وبين أن يستبصر إلا أن يخرج منه وقتاً ما فيعلم أنه كان في حاله ذلك فاعلاً ما لا يفعله
стр. 7825
من له نوع من العقل، ففي هذا حث على النظر الذي كانوا يأبونه بقوله:
﴿قلوبنا في أكنة﴾ [فصلت: ٥] ونحوه في الأدلة التي يتميز بها الحق من الباطل على أحسن وجه بأنصف دعاء وألطف نداء حيث شرك الداعي نفسه معهم فيما دعاهم إلى النظر فيه، فالمعنى أنه يتعين على كل منا - إذا كان على إحدى الطريقين مبهمة - أن ينظر في أمر ليسلم فإن الأمر في غاية الوضوح مع أن الضال في نهاية الخطر، ولقد كان الفضلاء من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وذوو الأحلام والنهى منهم يقولون ذلك بعد الإسلام كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وناهيك بهما جلالاً، ونباهة وذكاء وكمالاً، قالوا: والله كنا نعجب غاية العجب ممن يدخل في الإسلام واليوم نحن نعجب غاية العجب ممن يتوقف عنه.
ولما كانوا بين أمرين: إما أن يسكتوا فيعلم كل سامع أن الحجة لزمتهم، وإما أن يقولوا بوقاحة ومكابرة: أنتم في الضلال ونحن على الهدى، وكان الضال لا يزال يقطع ما ينبغي وصله بوصل ما يجب قطعه،
стр. 7826
أمره أن يجيبهم على هذا التقدير بما هو أبلغ في الإنصاف من الأول بقوله: ﴿قل لا تسئلون﴾ أي من سائل ما ﴿عما أجرمنا﴾ أي قطعنا فيه ما ينبغي أن يوصل مما أوجبه لنا الضلال ﴿ولا نسئل﴾ أي أصلاً في وقت من الأوقات من سائل ما ﴿عما تعملون *﴾ أي مما بنيتموه على العلم الذي أورثكموه الهدى أي فاتركونا والناس غيركم كما أنا نحن تاركوكم، فمن وضح له شيء من الطريقين سلكه.
ولما كانوا إما أن يجيبوا إلى المتاركة فيحصلوا بها المقصود عن قريب، وإما أن يقولوا: لا نترككم، وكان هذا الاحتمال أرجح، أمره أن يجيبهم على تقديره بقوله: ﴿قل يجمع بيننا ربنا﴾ أي في قضائه المرتب على قدره في الدنيا أو في الأخرة، قال القشيري: والشيوخ ينتظرون في الاجتماع زوائد ويستروحون إلى هذا الآية، وللاجتماع أمر كبير في الشريعة.
ولما كان إنصافهم منهم في غاية البعد عندهم، وكان ذلك في نفسه في غاية العظمة، أشار إليه بأداة البعد فقال: ﴿ثم يفتح﴾ أي يحكم ﴿بيننا﴾ حكماً يسهل به الطريق ﴿بالحق﴾ أي الأمر الثابت الذي
стр. 7827
لا يقدر أحد منا ولا منكم على التخلف عنه، وهو العدل أو الفضل من غير ظلم ولا ميل. ولما كان التقدير: فهو الجامع القدير، عطف عليه قوله: ﴿وهو الفتاح﴾ أي البليغ الفتح لما انغلق، فلم يقدر أحد على فتحه ﴿العليم *﴾ أي البالغ العمل بكل دقيق وجليل مما يمكن فيه الحكومات، فهو القدير على فصل جميع الخصومات.
ولما كانوا قد أنكروا البعث على ذلك الوجه الذي تقدم، ودل على قدرته عليه بما نصب من الأدلة التي شاهدوها من أفعاله بالبصر أو البصيرة إيجاداً وإعداماً، وأقام الحجة على صحة الدعوة وبطلان ما هم عليه، ثم تهددهم بالفصل يوم الجمع، وختم بصفة العلم المحيط المستلزم للقدرة الشاملة، وكانت القدرة لا تكون شاملة إلا عند الوحدانية، أمره بما يوجب لهم القطع بوحدانيته وشمول قدرته بقوله: ﴿قل﴾ أي لهؤلاء المشركين.
ولما كانت آلهتهم تسهل رؤيتها، وكان كل ما هو كذلك سافل المقدار عن هذه الرتبة، وكانت آلهتهم بالخصوص أدنى الأشياء عن ذلك بكونها من أخس الجمادات، نبه على ذلك وعلى أنها نكرة لا تعرف بقلب ولا تدل عليها فطرة زيادة في تبكيتهم بقوله: ﴿أروني الذين﴾ ولما لزم مما ثبت له سبحانه من صفات الكمال العلو الذي لا يداينه
стр. 7828
أحد بوجه قال: ﴿ألحقتم به﴾ ولما كان الإلحاق يقتضي ولا بد قصور الملحق عن الملحق به، أشار إلى فرط جهلهم بتسويتهم به بقوله: ﴿شركاء﴾ ثم نبه بعد إبطال قياسهم على أنهم في غاية الجلافة والجمود فهم كالأنعام بما قرعهم به من الرجز في قوله مؤكداً تكذيباً لهم في دعوى الشرك: ﴿كلا﴾ أي ارتدعوا وانزجروا فليس والله الأمر كما ذكرتم ولا قريب منه ﴿بل هو﴾ أي المعبود بالحق الذي لا يستحق أن يسمى هو غيره ﴿الله﴾ أي الذي اختص بالحمد في الأولى والآخرة ﴿العزيز﴾ أي الذي لا مثل له، وكل شيء محتاج إليه، وهو غالب على كل شيء غلبة لا يجد معها ذلك الشيء وجه مدافعة ولا انقلاب، ولا وصول لشيء إليه إلا بإذنه ﴿الحكيم *﴾ أي المحكم لكل ما يفعله فلا يستطيع أحد نقض شيء منه فكيف يكون له شريك وأنتم ترون له من هاتين الصفتين المنافيتين لذلك وتعلمون عجز من أشركتموه به عن أن يساويكم مع ما تعلمون من عجزكم.
ولما ختم بوصف الحكمة فتم برهان القدرة التي كان أوجب اعتقادهم لعدم البعث ما يقتضي نقصاً فيها، ولزم عن ذلك التوحيد وبطل الشرك، لم يبق إلا إثبات الرسالة التي أوجب ترديدهم
стр. 7829
أخباره ﷺ بين الكذب والجنون الطعن فيها، فعلم أن التقدير: أرسل إليكم رسوله بعزته مؤيداً له بإعجاز هذا القرآن بحكمته دليلاً على صدقه وكماله في جبلته وتأهله لبدائع نعمته ومعالي رحمته، وكان في ذلك دليل الصدق في الرسالة؛ فنسق به قوله معلياً لشأنه بالخطاب في مظهر العظمة، إشارة إلى أنه ينبغي أن يتدرع جلابيب الصبر على جميع المكارة الصادرة من أنواع الخلق في أداء الرسالة بقوله عاطفاً على ﴿ولقد آتينا داود منا فضلاً﴾ مؤكداً تكذيباً لمن يدعي الخصوص: ﴿وما أرسلناك﴾ أي بعظمتنا ﴿إلا كآفة﴾ أي إرسالاً عاماً شاملاً لكل ما شمله إيجادنا، تكفهم عما لعلهم أن ينتشروا إليه من متابعة الأهوية، وتمنعهم عن أن يخرج عنها منهم أحد، فالتاء في «كافة» للمبالغة، وعبارة ابن الجوزي: أي عامة لجميع الخلائق ﴿للناس﴾ أي كل من فيه قابلية لأن ينوس من الجن والإنس وغيرهم من جميع ما سوى الله وإن آذوك بكل أذى من النسبة إلى الافتراء أو الجنون أو غيرهما، فحال الإرسال محصور في العموم للغرض الذي ذكر من التدرع لحمل المشاق، لا في الناس، فإنه لو أريد ذلك لقدموا فقيل: إلا للناس كافة،
стр. 7830
وقد مضى في أوائل الأنعام عن السبكي ما ينفع هنا، والمعنى أن داود ﵇ فضل بطاعة الجبال له والطير والحديد، وسليمان ﵇ بما ذكر له، ففضيلتك أنت بالإرسال إلى كل من يمكن نوسه، فالحصا سبحت في كفك، والجبال أمرت بالسير معك ذهباً وفضة، والحمرة شكت إليك أخذ فراخها أو بيضها، والضب شهد لك، والجمل شكا إليك وسجد لك، والأشجار أطاعتك، والأحجار سلمت عليك وائتمرت بأمرك إلى غير ذلك من كل من ينوس بالفعل أو القابلية - والله أعلم، وأما الجن فحالهم مشهور، وأما الملائكة فالدلائل على الإرسال إليهم في غاية الظهور، وفي دلائل النبوة في باب التحدث بالنعمة عن ابن عباس ﵄ أن هذه الآية دليل على فضل النبي ﷺ على الأنبياء بعموم الرسالة للإنس والجن.
ولما كانت البشارة هي الخبر الأول الصدق السار، وكان في ذكرها رد قولهم في الكذب والجنون، قال: ﴿بشيراً ونذيراً﴾ أي لمن أهل للبشارة أو النذارة. ولما كان هذا الإرسال مقروناً بدليله من الإتيان بالمعجز من نفسه من جهة البلاغة في نظمه وبالمعاني المحكمة في البشارة والنذارة وغير ذلك، قلب عليهم قولهم الذي لا دليل عليه
стр. 7831
ولا شبهة تصوب إليه في حقه ﷺ بقوله الذي هو أوضح من الشمس دليلاً، وأقوم كل قيل قيلاً: ﴿ولكن﴾ ولما كان الناس الأولين كل من ديه قابلية النوس وهم جميع الخلائق وأكثرهم غير عاص، أظهر مريداً الثقلين من الجن والإنس فقال: فأكثر الناس لا يعلمون أي ليس لهم قابلية العلم فيعلموا أنك رسول الله فضلاً عن أن إرسالك عام، بل هم كالأنعام، فهم لذلك لا يتأملون فيقولون «افترى أم به جنة» ونحو هذا من غير تدبر لما في هذا الكتاب من الحكمة والصواب مع الإعجاز في حالي الإطناب والإيجاز، والإضمار والإبراز، فيحملهم جهلهم على المخالفة والإعراض.
ولما سلب عنهم العلم، أتبعه دليله، فقال معبراً بصيغة المضارعة الدال على ملازمة التكرير للإعلام بأنه على سبيل الاستهزاء لا الاسترشاد: ﴿ويقولون﴾ أي ما أرسلناك إلا على هذا الحال والحال أن المنذرين يقولون جهلاً منهم بعاقبة ما يوعدونه غير مفكرين به في وجه الخلاص منه والتفصي عنه في كل حين استهزاء منهم: ﴿متى هذا الوعد﴾ أي بالبشارة والنذارة في يوم الجمع وغيره فسموه وعداً زيادة في الاستهزاء. ولما كان قول الجماعة أجدر بالقبول، وأبعد عن الرد من
стр. 7832
قول الواحد، أشار إلى زيادة جهلهم بقوله: ﴿إن كنتم﴾ أي أيها النبي وأتباعه! كوناً أنتم عريقون فيه ﴿صادقين *﴾ أي متمكنين في الصدق.
стр. 7833
ولما تبين من سؤالهم أنه لم يكن للاسترشاد وإن هم بالغوا به في التكذيب والاستهزاء بعد الإبلاغ في إقامة الأدلة، أمره بأن يجيبهم بما يصلح للمعاند من صادع التهديد بقوله: ﴿قل لكم﴾ أي أيها الجامدون الأجلاف الذين لا يجوزون الممكنات، ولا يتدبرون ما أوضحها من الدلالات، مع ضعفهم عن الدفاع، والمبالغة والامتناع ﴿ميعاد يوم﴾ أي لا تحتمل العقول وصف عظمه لما يأتي فيه من العقاب سواء كان يوم الموت أو البعث. ولما كان تعلق النفوس بالمهلة عظيماً، قال: ﴿لا تستأخرون﴾ أي لا يوجد تأخركم ولا يمكن أن يطلب لحثيث الطلب وتعذر الهرب ﴿عند ساعة﴾ لأن الآتي به عظيم القدرة محيط العلم، ولذلك قال: ﴿ولا تستقدمون﴾ أي لا يوجد تقدمكم لحظة فما دونها ولا تتمكنون من طلب ذلك.
ولما دل سبحانه بملازمتهم للاستهزاء بهذا الإنذار على أنهم غير
стр. 7834
منفكين عن مذاهب الكفار، ذكر تصريحهم بذلك وحالهم في بعض الأوقات المنطبقة عليها الآية السالفة في قوله: ﴿وقال الذين كفروا﴾ حيث عبر بالموصول وصلته في موضع الضمير، قطعاً للأطماع عن دعائهم: ﴿لن نؤمن﴾ أي نصدق أبداً، وصرحوا بالمنزل عليه ﷺ بالإشارة فقالوا: ﴿بهذا القرآن﴾ أي وإن جمع جميع الحكم والمقاصد المضمنة لبقية الكتب ﴿ولا بالذي بين يديه﴾ أي قبله من الكتب: التوراة والإنجيل وغيرهما. بل نحن قانعون بما أدبنا به آباؤنا، وذلك أن بعض أهل الكتاب أخبروهم أن صفة هذا النبي عندهم في كتبهم، فأغضبهم ذلك فقالوه: ﴿ولو﴾ أي والحال أنك ﴿ترى﴾ أي يوجد منك رؤية لحالهم ﴿إذ﴾ هم - هكذا كان الأصل، ولكن أظهر الوصف تعميماً وتعليقاً للحكم به فقال: ﴿الظالمون﴾ أي الذين يضعون الأشياء في غير محالها فيصدقون آباءهم لإحسان يسير مكدر بغير دليل، ولا يصدقون ربهم الذي لا نعمة عندهم ولا عند آبائهم إلا منه، وقد أقام لهم أدلة العقل بما ضرب لهم من الأمثال في الآفاق وفي أنفسهم، والنقل بهذا القرآن
стр. 7835
المدلول على صدقه بعد إظهار المعجزات المحسوسات بعجزهم عنه، فكأنهم سمعوه من الله المنعم الحق ﴿موقوفون﴾ أي بعد البعث بما يوقفهم من قدرته بأيدي جنوده أو بغيرها بأيسر أمر منه سبحانه قهراً لهم وكرهاً منهم: ﴿عند ربهم﴾ أي الذي أحسن إليهم فطال إحسانه فكفروا كلما أحسن به إليهم ﴿يرجع بعضهم﴾ أي على وجه الخصام عداوة. وكان سببها مواددتهم في الدنيا بطاعة بعضهم لبعض في معاصي الله، قال القشيري: ومن عمل بالمعاصي أخرج الله عليه كل من هو أطوع له، ولكنهم لا يعلمون ذلك، ولو علموا لاعتبروا، ولو اعتبروا لتابوا وتوافقوا، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ﴿إلى بعض القول﴾ أي بالملاومة والمباكتة والمخاصمة، لرأيت أمراً فظيعاً منكراً هائلاً شنيعاً مقلقاً وجيعاً يسرك منظره، ويعجبك منهم أثره ومخبره، من ذلهم وتحاورهم وتخاذلهم حيث لا ينفعهم شيء من ذلك.
ولما كان هذا مجملاً، فسره بقوله على سبيل الاستئناف: ﴿يقول الذين استضعفوا﴾ أي وقع استضعافهم ممن هو فوقهم في الدنيا وهم الأتباع في تلك الحالة على سبيل اللوم والتأنيب ﴿للذين استكبروا﴾ أي أوجدوا الكبر وطلبوه بما وجدوا من أسبابه التي أدت إلى استضعافهم
стр. 7836
للأولين وهم الرؤوس المتبوعون: ﴿لولا أنتم﴾ أي مما وجد من استتباعكم لنا على الكفر وغيره من أموركم ﴿لكنا مؤمنين *﴾ أي عريقين في الإيمان لأنه لم يكن عندنا كبر من أنفسنا يحملنا على العناد للرسل.
ولما لم يتضمن كلامهم سوى قضية واحدة، ذكر الجواب بقوله تعالى: ﴿قال الذين استكبروا﴾ على طريق الاستئناف ﴿للذين استضعفوا﴾ رداً عليهم وإنكاراً لقولهم أنهم هم الذين صدوهم: ﴿أنحن﴾ خاصة ﴿صددناكم﴾ أي منعناكم وصرفناكم ﴿عن الهدى﴾ ولما كانوا لا يؤاخذون بإهمال دليل العقل قبل إتيان الرسل، أشاروا إلى ذلك بقولهم: ﴿بعد إذ جاءكم﴾ أي على ألسنة الرسل.
ولما كان المعنى: إنا لم نفعل ذلك، حسن أن يقال: إنهم هم الذين ضلوا بأنفسهم لا بإضلالهم، فقالوا: ﴿بل كنتم﴾ أي جبلة وخلقاً ﴿مجرمين *﴾ أي عريقين في قطع ما ينبغي وصله بعد إتيان الهدى مختارين لذلك كما كنتم قبله أتباعاً لنا ما ردتم ولا ردنا، ولما تضمن قولهم أمرين: ادعاء عراقتهم في الإجرام، وإنكار كونهم سبباً فيه، أشار إلى ردهم للثاني بالعاطف على غير معطوف عليه إعلاماً بأن التقدير: قال الذين استضعفوا: كذبتم فيما ادعيتم من عراقتنا في الإجرام: ﴿وقال الذين استضعفوا﴾ عطفاً على هذا المقدر ﴿للذين استكبروا﴾
стр. 7837
ردّاً لإنكارهم صدهم: ﴿بل﴾ الصاد لنا ﴿مكرُ الليل والنهار﴾ أي الواقع فيهما من مكركم بنا، أو استعير إسناد المكر إليهما لطول السلامة فيهما، وذلك للاتساع في الظرف في إجرائه مجرى المفعول به ﴿إذ تأمروننا﴾ على الاستمرار ﴿أن نكفر بالله﴾ أي الملك الأعظم بالاستمرار على ما كنا عليه قبل إتيان الرسل ﴿ونجعل له أنداداً﴾ أي أمثالاً نعبدهم من دونه ﴿وأسروا﴾ أي يرجعون والحال أن الفريقين أسروا ﴿والندامة لما﴾ أي حين ﴿رأوا العذاب﴾ لأنهم بينما هم في تلك المقاولة وهم يظنون أنها تغني عنهم شيئاً وإذا بهم قد بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون فأبهتهم فلم يقدروا لفوات المقاصد وخسران النفوس أن نسبوا بكلمة، ولأجل أن العذاب عم الشريف منهم والوضيع. قال تعالى: ﴿وجعلنا الأغلال﴾ أي الجوامع التي تغل اليد إلى العنق ﴿في أعناق الذين كفروا﴾ فأظهر موضع الإضمار تصريحاً بالمقصود وتنبيهاً على الوصف الذي أوجب لهم ذلك.
ولما كانت أعمالهم لقبحها ينبغي البراءة منها، فكانت بملازمتهم لها كأنها قد قهرتهم على ملازمتها وتقلدها طوق الحمامة فهم يعاندون الحق من غير التفات إلى دليل قال منبهاً على ذلك جواباً لمن كأنه
стр. 7838
قال: لم خصت أعناقهم وأيديهم بهذا العذاب؟ : ﴿هل يجزون﴾ أي بهذه الأغلال ﴿إلا ما كانوا﴾ أي كوناً هم عريقون فيه ﴿يعملون *﴾ أي على سبيل التجديد والاستمرار مما يدعون أنهم بنوه على العلم، وذلك الجزاء - والله أعلم - هو ما يوجب قهرهم وإذلالهم وإخزاءهم وإنكاءهم وإيلامهم كما كانوا يفعلون مع المؤمنين ويتمنون لهم.
стр. 7839
ولما كان في هذا تسلية أخروية، أتبعه التسلية الدنيوية، فقال عطفاً على ما تقديره: وما أرسلنا غيرك إلا إرسالاً خاصاً لأمته، عطفاً على ﴿ما أرسلناك إلا كافة﴾ وساقه مؤكداً لأنه مضمونه - لكونه في غاية الغرابة - مما لا يكاد يصدق: ﴿وما أرسلنا﴾ أي بعظمتنا ولما كان المقصود التعميم، لأنه لم يتقدم قول قريش ليخص التسلية بمن قبلهم، أسقط القبلية بخلاف ما في سورة الزخرف فقال: ﴿في قرية﴾ وأكد النفي بقوله: ﴿من نذير﴾ أي ينذرهم وخامة ما أمامهم من عوقب أفعالهم، ودل بإفراده عن البشارة أن غالب الأمم الماضية من أهل النذارة لنظهر مزية هذه الأمة، ولعله عبر به إشارة إلى الناسخين للشرائع التي قبلهم دون المجددين من أنبياء بني إسرائيل فإن بعضهم
стр. 7840
لم يكذب ﴿إلا قال مترفوها﴾ أي العظماء الذين لا شغل لهم إلا التنعم بالفاني حتى أكسبهم البغي والطغيان: ﴿إنا بما أرسلتم به﴾ أي أيها المنذرون ﴿كافرون﴾ أي وإذا قال المنعمون ذلك تبعهم المستضعفون فإذا وقفوا عندنا تقاولوا بما تقدم ثم لم ينفعهم ذلك ﴿وقالوا﴾ مفاخرين ودالين على أنهم فائزون كما قال لك هؤلاء كأنهم تواصلوا به: ﴿نحن أكثر﴾ .
ولما كانت الأموال في الأغلب سبباً لكثرة الأولاد بالاستكثار من النساء الحرائر والإماء، قدمها فقال: ﴿أموالاً وأولاداً﴾ أي في هذه الدنيا، ولو لم يرض منا ما نحن عليه ما رزقنا ذلك ﴿وما نحن﴾ أي الآن ﴿بمعذبين *﴾ أي بثابت عذابنا، وإنما تعرض لنا أحوال خفيفة من مرض وشدائد هي أخف من أحوالكم، وحالياً الآن دليل على حالنا فيما يستقبل من الزمان كائناً ما كان، فإن الحال نموذج المآل، والأول دليل الآخر، فإن كان ثَم آخرة كما تقولون فنحن أسعد منكم فيها كما نحن أسعد منكم الآن، ولم تنفعهم قصة سبأ في ذلك فإنهم لو تأملوا لكفتهم، وأنارت أبصار بصائرهم، وصححت أمراض قلوبهم وشفتهم، فإنهم كانوا أحسن الناس حالاً، فصاروا أقبحهم مآلاً.
стр. 7841
ولما كانت لشبهتهم هذه شعبتان تتعلق إحداهما بالذات والأخرى بالثمرات، بدأ بالأولى لأنها أهم، فقال مؤكداً تكذيباً لمن يظن أن سعيه يفيد في الرزق شيئاً لولا السعي ما كان: ﴿قل﴾ يا أكرم الخلق على الله! مؤكداً لأجل إنكارهم لأن يوسع في الدنيا على من لا يرضى فعله: ﴿إن ربي﴾ أي المحسن إليّ بالإنعام بالسعادة الباقية ﴿يبسط الرزق﴾ أي يجدده في كل وقت أراده بالأموال والأولاد وغيرها ﴿لمن يشاء ويقدر﴾ أي يضيق على من يشاء منكم أن يكون جميع الموسع عليهم على ما هو حق عنده ومرضى له، لاختلافهم في الأصول وتكفير بعضهم لبعض، فإن الله معذب بعضهم لا محالة، فبطلت شبهتهم، وثبت أنه يفعل ما يشاء ابتلاء وامتحاناً، فلا يدل البسط على الرضى ولا القبض على السخط - على ما عرف من سنته في هذه الدار ﴿ولكن أكثر الناس﴾ أي الذين لم يرتفعوا عن حد النوس والاضطراب ﴿لا يعلمون *﴾ أي ليس لهم
стр. 7842
علم ليتدبروا به ما ذكرنا من الأمر فيعلموا أنه ليس كل موسع عليه في دنياه سعيداً في عقباه.
ولما هدم ما بالذات، أتبعه ما بالثمرات، فقال مؤكداً تكذيباً لدعواهم: ﴿وما أموالكم﴾ أي أيها الخلق الذين أنتم من جملتهم وإن كثرت، وكرر النافي تصريحاً بإبطال كل على حياله فقال: ﴿ولا أولادكم﴾ كذلك، وأثبت الجار تاكيداً للنفي فقال واصفاً الجمع المكسر بما هو حقه من التأنيث: ﴿بالتي﴾ أي بالأموال والأولاد التي ﴿تقربكم عندنا﴾ أي على ما لنا من العظمة بتصرفاتكم فيها بما يكسب المعالي ﴿زلفى﴾ أي درجة علية وقربة مكينة قال البغوي: قال الأخفش: هي اسم مصدر كأنه قال: تقريباً، ثم استثنى من ضمير الجمع الذي هو قائم مقام أحد، فكأنه قيل: لا تقرب أحداً ﴿إلا من﴾ أو يكون المعنى على حذف مضاف أي إلا أموال وأولاد من ﴿آمن﴾ أي منكم ﴿وعمل﴾ تصديقاً لإيمانه على ذلك الأساس ﴿صالحاً﴾ أي في ماله بإنفاقه في سبيل الله وفي ولده بتعليمه الخير.
ولما منّ على المصلحين من المؤمنين في أموالهم وأولادهم بأن جعلها سبباً لمزيد قربهم، دل على ذلك بالفاء في قوله: ﴿فأولئك﴾
стр. 7843
أي العالو الرتبة ﴿لهم جزاء الضعف﴾ أي بأن يأخذوا جزاءهم مضاعفاً في نفسه من عشرة أمثال إلى ما لا نهاية له، ومضاعفاً بالنسبة إلى جزاء من تقدمهم من الأمم، والضعف: الزيادة ﴿بما عملوا﴾ فإن أعمالهم ثابتة محفوظة بأساس الإيمان ﴿وهم في الغرفات﴾ أي العلالي المبنية فوق البيوت في الجنان، زيادة على ذلك ﴿آمنون *﴾ أي ثابت أمنهم دائماً، لا خوف عليهم من شيء من الأشياء أصلاً، وأما غيرهم وهم المرادون بما بعده فأموالهم وأولادهم وبال عليهم.
ولما كان في سياق الترغيب في الإيمان بعد الإخبار بأنه بشير ونذير قال معبراً بالمضارع بياناً لحال من يبعده ماله وولده من الله: ﴿والذين يسعون﴾ أي يجددون السعي من غير توبة بأموالهم وأولادهم ﴿في آياتنا﴾ على ما لها من عظمة الانتساب إلينا ﴿معاجزين﴾ أي طالبين تعجيزها أي تعجيز الآتين بها عن إنفاذ مراداتهم بها بما يلقونه من الشبه فيضلون غيرهم بما أوسعنا عليهم وأعززناهم به من الأموال والأولاد.
ولما كان سبحانه قد بت الحكم بشقاوتهم، وأنفذ القضاء بخسارتهم، أسقط فاء السبب إعراضاً عن أعمالهم وقال: ﴿أولئك﴾ أي البعداء
стр. 7844
البغضاء ﴿في العذاب﴾ أي المزيل للعدوية ﴿محضرون *﴾ أي يحضرهم فيه الموكلون بهم من جندنا على أهون وجه وأسهله وهم داخرون، قال القشيري: إن هؤلاء هم الذين لا يحترمون الأولياء ولا يراعون حق الله في السر، فهم في عذاب الاعتراض على أولياء الله وعذاب الوقوع بشؤم ذلك في ارتكاب محارم الله ثم في عذاب السقوط من عين الله.
стр. 7845
ولما أبطل شبهتهم بشعبيتها بالنسبة إلى الأشخاص المختلفة، قرب ذلك بدليل واحد في شخص واحد فقال: ﴿قل﴾ يا أشرف الخلق لهؤلاء الجهلة الذين يظنون أن الرزق بحسب حسن السعي وقبحه أو حسن حال الشخص عند الله وقبحها: ﴿إن ربي﴾ أي المحسن إليّ بهذا البيان المعجز ﴿يبسط الرزق﴾ أي متى شاء ﴿لمن يشاء من عباده﴾ أي على سبيل التجدد المستمر من أيّ طائفة كان ﴿ويقدر له﴾ أي يضيق عليه نفسه في حالتين متعاقبتين، وهو بصفة واحدة على عمل واحد، فلو أن الإكرام والإنعام يوجب الدوام لما تغيرت حاله من السعة إلى الضيق، ولو أن في يده نفع نفسه لما اختلف حاله.
ولما بين هذا البسط أن فعله بالاختيار بعد أن بين بالأول كذبهم في أنه سبب للسلامة من النار. دل على أنه الفاعل لا غيره بقوله: ﴿وما أنفقتم من شيء﴾ أي أنتم وأخصامكم وغيرهم ﴿فهو يخلفه﴾
следующие страницы →