Полный текст (11 765 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
سبحانه وتعالى بكمال عنايته ورأفته ورحمته جعل العالم بقسميه محتوياً على جمل وتفاصيل من وجوه متعددة وطرق متكثرة تعجز القوى البشرية عن ضبطها يستدل بها على وحدانيته بعضها أوضح من بعض ليشترك الكل في المعرفة، فيحصل لكل بقدر ما هيىء له، اللهم إلا أن يكون ممن طبع على قلبه، فذلك والعياذ بالله هو الشقي.
стр. 807
ولما نهضت الأدلة وسطعت البراهين وزاحت العلل والشكوك عاب من عبد سواه وفزع إلى غيره كما نهى عن الأنداد عقب الآية الأولى الداعية إلى العبادة مشيراً بختم التي قبل بيعقلون، إلى أن هؤلاء ناس ضلت عقولهم وفالت آراؤهم وبين أنهم يتبرأ بعضهم من بعض يوم ينكشف حجاب الغفلة عن سرادق العظمة ويتجلى الجبار في صفة النقمة فقال عاطفاً على ما قدرته مما أرشد إليه المعنى: ومن، أو يكون التقدير فمن الناس من عقل تلك الآيات فآمن بربه وفنى في حبه ﴿ومن الناس من يتخذ﴾ وهم من لا يعقل ﴿من
стр. 808
دون الله﴾ الذي لا كفؤ له مع وضوح الأدلة ﴿أنداداً﴾ مما خلقه، ادعوا أنهم شركاؤه، أعم من أن يكونوا أصناماً أو رؤساء يقلدونهم في الكفر بالله والتحريم والتحليل من غير أمر الله ﴿يحبونهم﴾ من الحب وهو إحساس بوصلة لا يدرى كنهها ﴿كحب الله﴾ الذي له الجلال والإكرام بأن يفعلوا معهم من الطاعة والتعظيم فعل المحب كما يفعل من ذلك مع الله الذي لا عظيم غيره، هذا على أنه من المبني للمفعول ويجوز أن يكون للفاعل فيكون المعنى كحبهم لله لأنهم مشركون ﴿والذين آمنوا أشد حباً لله﴾ الذي له الكمال كله من حب المشركين لأندادهم فأفاض عليهم من كماله، لأنهم لا يعدلون به شيئاً في حالة من الحالات من ضراء أو سراء في بر أو بحر، بخلاف المشركين فإنهم
стр. 809
يعدلون في الشدائد إليه ، وإذا رأوا في الرخاء حجراً أحسن تركوا الأول وعبدوه، وحبهم هوائي وحب المؤمنين عقلي. وقال الحرالي: ولما استحق القوم القائمون في أمر الله هذا الاعتبار بما آتاهم الله من العقل لم يكن من اتخذ من دون الله أنداداً مما يقال فيهم: قوم، بل يقصرون إلى اسم النوس الذي هو تردد وتلدّد فكأنه عجب ممن لم يلحق بهؤلاء القوم في هذا الاعتبار الظاهرة شواهده البيّنة آثاره، فأنبأ أن طائفة من الناس على المقابلة من ذلك الاعتبار الظاهر لنور العقل في أخذهم لمقابل العقل من الحزق الذي يقدم في موضع الإحجام ويحجم في موضع الإقدام، ثم غلب ذلك عليهم حتى وصل إلى بواطنهم فصار حباً كأنه وصلة بين بواطنهم وقلوبهم وما اتخذوه من دون الله أنداداً، ففيه إشعار بنحو مما أفصح به لبني إسرائيل في كون قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، ففي كرم هذا الخطاب في حق العرب ستر عليهم رعاية لنبيهم في أن يصرح عليهم بما صرح على بني إسرائيل، ففي لحنه إشعار بأن من اتخذ نداً من دون الله فتلك لوصلة بين حال قلبه وحال ما اتخذ من دون الله، فمن
стр. 810
عبد حجراً فقلبه في القلوب حجر ومن عبد نباتاً فقلبه في القلوب نبات، وكذا من عبد دابة
﴿وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾ [البقرة: ٩٣] كذلك إلى ما يقع معبوداً من دون الله ما بين أعلى النيرين الذي هو الشمس إلى أدنى الأوثان إلى ما يقع في الخلق من عبادة بعضهم بعضاً من نحو عبادة الفراعنة والنماردة إلى ما يلحق بذلك من نحو رتبة العبادة باتباع الهوى الشائع موقعه في الأمم وفي هذه الأمة، لأن من غلب عليه هوى شيء فقد عبده، فكأن عابد الشمس قلبه سعير وعابد النار قلبه نار وعابد القمر قلبه زمهرير، ومن عبد مثله من الخلق فقد عبد هواه ﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ [الفرقان: ٤٣] فمن عبد الله فهو الذي علا عن سواه من المخلوقات فعادل خطاب الأولين المعتبرين العقلاء بهذا الصنف الذي انتهى أمرهم في الكفر إلى الحب من حيث اعتقلت بواطنهم بهم فيما شأنه أن يختص بالله من الخوف والرجاء والنصرة على الأعداء والإعانة للأولياء، فلما توهموا فيهم مرجى الإلهية، ومخافتها أحبوهم لذلك كحب الله لأن المتعبد مؤتمر ومبادر فالمبادر قبل الأمر محب، والمجيب
стр. 811
للأمر مطيع، فالمحب أعلى في الطرفين - انتهى. ولما عجب من حالهم حذر من سوء منقلبهم ومآلهم فقال: ﴿ولو يرى الذين ظلموا﴾ أي ولو يرون أي المتخذون للأنداد ولكنه أظهر لأجل التعميم الوصف الذي استحقوا به ما يذكر، وهو وضعهم الشيء في غير محله كفعل من يمشي في مأخذ الاشتقاق وهو الظلمة، وذلك هنا تسويتهم ممن لا يملك شيئاً أصلاً بمن يملك كل شيء ﴿إذ يرون العذاب﴾ أي يتخذون أنداداً والحال أنهم لو يعلمون حين إهانتهم ولين ما غلظ من أكبادهم ورؤية ما لا يستحق غيره بالنسبة إليه يسمى عذاباً ﴿أن القوة لله﴾ الذي له مجامع الكمال ﴿جميعاً﴾ حين يشاهدون العذاب قد أحاط بهم ﴿وأن الله﴾ الذي لا ملك سواه ﴿شديد العذاب﴾ لم يتخذوا أنداداً ولم يعدلوا بالله أحداً، أو يكون التقدير: ولو ترى بالتاء والياء، أي لو أبصرت أو أبصر الذين ظلموا أنفسهم باتخاذهم الأنداد - إلى آخره. وقال الحرالي: قال تعالى: ﴿ولو يرى﴾ عطفاً على متجاوز أمور من أمور جزائهم مما نالهم من عقوبات أثر كفرهم في الدنيا، قال ﵊: «
стр. 812
إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء» إلى متمادي غاية رؤيتهم العذاب، وفي قوله «ترى» بالتاء إقبالاً على النبي ﷺ تعجيب له بما ينالهم مما أصابوه، وفيه إشعار بأن ذلك من أمر يعلو أمره إلى محل رؤيته التي هي أتم الرؤية، وفي قوله ﴿يرى﴾ بالياء تحسر عليهم يشعر بأن منالهم من رؤية العذاب مما كان يزجرهم عما هم عليه لو رأوه - انتهى.
﴿إذ يرون﴾ أي الوقت الذي يبصرون فيه العذاب، أي الأكبر الذي لا عذاب مثله؛ كما أفهمه تعريفه بأل، ثم بينه بقوله ﴿إن القوة﴾ وهي مُنّة الباطن التي يجدها المقتدر منشأ لما يبديه ظاهره وما يبديه ظاهره قدرة القوى جمعها وأصلها والقدرة ظاهرها وتفصيل إنشائها لله جميعاً، فإنه لا شيء أشق على الإنسان من أن يرى خصمه نافذ الأمر منفرداً بالعز في كل معنى لا سيما إذا كان جباراً متكبراً شديد البطش ممن عصاه، كما يشير إليه قوله: ﴿وإن الله شديد العذاب﴾ ولا سيما إذا كان العاصي له قد أساء إليه بالإساءة إلى أوليائه وبالغ حتى لم يدع للصلح موضعاً. وقال الحرالي: موضع
стр. 813
الرؤية في الحقيقة هو أن القوة لله جميعاً سلباً عن جميع أندادهم الذين أحبوهم وعن أنفسهم، كما قال قائلهم ﴿نحن أولو قوة وأولو بأس شديد﴾ [النمل: ٣٣] لكن لما كان رؤيتهم لذلك عن رؤية مشهود العذاب الذي هو أتم العذاب ذكر العذاب الذي هو ظاهر مرأى أن القوة لله جميعاً، وفي ﴿إن القوة﴾ إعلام باطلاعهم يوم هذه الرؤية على بواطن أندادهم وسلبها ما شأن البواطن أن تتحلى به من القوة من حيث وصفهم لهم بالحب الباطن أطلعهم على سلب قواهم الباطنة بالرؤية التي هي باطن البصر الذي هو باطن النظر، ولما ذكر أمر القوة عطف عليه ما هو أمر القدرة فقال ﴿وإن الله شديد العذاب﴾ إكمالاً للخطاب بظاهره، واستأنف معه الاسم العظيم لإظهار ما بين غايتي الباطن والظاهر في أمر القدرة والقوة، ليكون مع المنظر الظاهر بالقدرة اسم أظهره واستأنفه وقدم ذكره كما كان مع المرأى الباطن بالقوة اسماً أضاف إليه وأنهى له ليقع ماولى أول الخطاب مقابل ما ختم به الخطاب، فينعطف أوله على آخره وآخره على أوله باطناً لظاهر وظاهراً لباطن في المتعاطفين جميعاً في قوله ﴿إن القوة لله جميعاً وإن الله شديد العذاب﴾ انتهى أو يقال: إذ يرون العذاب الذي يتوعدون به الآن لأن القوة لله جميعاً
стр. 814
فلا مانع له من إتيانهم به، كما تبين في الآيتين قبلها أنه لا كفؤ له وأنه كامل القدرة شامل العلم، والجواب محذوف لتهويله لذهاب وهم المتوعد إلى كل ضرب من أنواع التوعد، ولو ذكر ضرب منه لأمكن أن يوطن نفسه عليه، فالتقدير: لو رأيت أو رأوا ذلك الوقت الذي يشاهدون فيه تلك العظمة لرأيت أو لرأوا أمراً فظيعاً هائلاً شاغلاً لهم عن اتخاذ الأنداد ومحبتها وغير ذلك من الظلم، وحذف الجواب للعلم به كما حذف من أمثاله؛ ثم أبدل من ﴿إذ يرون﴾ قوله: ﴿إذ تبرأ﴾ وهو من التبرؤ الذي هو طلب البراءة وإيقاعها بجد واجتهاد، وهي إظهار التخلص من وصلة أو اشتباك ﴿الذين اتُّبعوا﴾ أي مع اتباع غيرهم لهم، وهم الرؤساء ﴿من الذين اتَّبعوا﴾ مع نفعهم لهم في الدنيا بالاتباع لهم والذب عنهم.
وقال الحرالي: قال ذلك إظهاراً لإفصاح ما أفهمه مضمون الخطاب الأول لتتسق الآيات بعضها ببعض، فتظهر الآية ما في ضمن سابقتها، وتجمع الآية ما في تفصيل لاحقتها وإعلاءً للخطاب بما هو المعقول علمه المتقدم إلى ما في الإيمان نبأه ليتم نور
стр. 815
العقل الذي وقع به الاعتبار بنور الإيمان الذي يقع به القبول لما في الآخرة عيانه، فمن عقل عبرة الكون الظاهر استحق إسماع نبأ الغيب الآتي؛ ثم قال: بذا يتبرأ المتبوع في الذكر لأنه الآخر في الكون، فكأنه في المعنى: إنما تعلق التابع بالمتبوع ليعيذه في الآخرة كما كان عهد منه أن يعيذه في الدنيا فيتبرأ منه لما ذكر تعالى من ﴿أن القوة لله جميعاً﴾ ولذلك اتصل ذكر التبرؤ بذكر قبض القوة والقدرة عنهم - انتهى.
قال تعالى ﴿ورأوا﴾ أي الكل ﴿العذاب﴾ أي الذي لا محيص لهم عنه. وقال الحرالي: قاله رداً للإضمار على الجميع، وفيه إشعار بأن ذلك قبل غلبة العذاب عليهم وفي حال الرؤية، ففيه إنباء بأن بين رؤيتهم العذاب وبين أخذهم به مهل يقع فيه خصومتهم وتبرؤهم وإدراكهم للحق الذي كان متغيباً عنهم في الدنيا بما فتن بعضهم بعضاً - انتهى. ﴿وتقطعت﴾ أي تكلفت وتعمدت القطع وهو بين المتصل، أشار إليه الحرالي، ومعناه أنه قطع بقوة عظيمة، ويجوز أن تكون صيغة التفعل إشارة إلى تكرر القطع في مهلة بأن يظهر لهم انقطاع الأسباب
стр. 816
شيئاً فشيئاً زيادة في إيهانهم وإيلامهم وهو أنهم ﴿بهم﴾ أي كلهم جميع ﴿الأسباب *﴾ أي كلها، وهي الوصل التي كانت بينهم في الدنيا، والسبب ما يتوصل به إلى حصول، في الأصل الحبل، ثم قيل لكل مقصد. قال الحرالي: وفيه إشعار بخلوّ بواطنهم من التقوى ومن استنادهم إلى الله في دنياهم، وأنهم لم يكونوا عقلوا إلا تسبب بعضهم ببعض فتقطعت بهم الأسباب ولم يكن لهم، لأن ذلك واقع بهم في أنفسهم لا واقع لهم في غيرهم، فكأنهم كانوا نظام أسباب تقطعت بهم فانتثروا منها، وأسبابهم وصل ما بينهم في الدنيا التي لم تثبت في الآخرة، لأنها من الوصل الفانية لا من الوصل الباقية لأن متقاضى ما في الدنيا ما كان منه بحق فهو من الباقيات الصالحات وما كان منه عن هوى فهو من الفاني الفاسد - انتهى.
﴿وقال الذين اتبعوا﴾ وهم الأذناب متمنين للمحال ندماً على اتباع من لا ينفع حيث لا ينفع الندم ﴿لو أن لنا كرة﴾ أي رجعة
стр. 817
إلى الدنيا. وقال الحرالي: هي رجع وعودة عند غاية فرّة - انتهى. ولما كانت «لو» بمعنى التمني نصب جوابها فقال ﴿فتبرأ منهم﴾ أي الرؤساء هناك ونذلهم ﴿كما تبرؤوا منا﴾ وأذلّونا هنا.
وقال الحرالي: فيه إنباء عن تأسفهم على اتباع من دون ربهم ممن اتبعوا وإجراء لتأسفهم على وجه متوهم غير محقق على حد ما كان تمسكهم بهم متوهم انتفاع غير محقق، ففيه إثبات لحالهم في الآخرة على ما كان ينالهم في الدنيا من الأخذ بالموهوم والغيبة عن المعلوم - انتهى.
ولما كانت هذه الأشياء بعضها ثمرة أعمالهم وبعضها حكاية أقوالهم قال تعالى: على طريق الاستئناف جواباً لمن يقول: لقد رأوا جزاء عقائدهم فهل يرون جزاء أعمال الجوارح ﴿كذلك﴾ أي الأمر الفظيع المهول ﴿يريهم الله﴾ الذي له القدرة التامة والعظمة الكاملة ﴿أعمالهم﴾ الخبيثة وغيرها ﴿حسرات عليهم﴾ أي تلهفاً على ما فات، إطلاقاً للمسبب على السبب وأشار بأداة الاستعلاء إلى غلبتهم وشدة هوانهم فقال: ﴿عليهم﴾ وقال الحرالي: لما كانت عقائدهم فيهم حسرات أراهم أعمالهم التي عملوها لابتغاء الخير في الدنيا حسرات ﴿وقدمنا إلى
стр. 818
ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً *﴾ [الفرقان: ٢٣] كما كان عمل من قلبه محب ومتأله لما دون الله، وفيه إشعار بأن عمل كل عامل مردود إنى ما اطمأن به قلبه وسكنت إليه نفسه وتعلق به خوفه ورجاؤه، فمن غلب على سره شيء فهو ربه الذي يصرف عمله إليه، فلا يجد عنده جزاء لتبرؤه منه فيصير حسرة عليه، فأنبأ بأنهم لا ينصرونهم في الآخرة ولا يجزونهم على أعمالهم، فلم ينفعهم تألههم إياهم، والمتبوع منهم متأله لنفسه فلم يجد عندها جزاء عمله، فتحسر كل منهم على ما عمل من عمل الخير لإحباطه ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: ٦٥] والحسرة أشد الأسف على الفائت الذي يحسر المتلهف أي يقطعه عما تحسر عليه - انتهى. ويدخلون بأعمالهم النار ﴿وما هم﴾ أي بفائت خروجهم بل هم وإن خرجوا من
стр. 819
السعير إلى الزمهرير يعودون إليه ﴿بخارجين من النار *﴾ يوماً من الأيام ولا ساعة من الساعات بل هم خالدون فيها على طول الآباد ومر الأحقاب، بخلاف عصاة المؤمنين فإنهم إذا خرجوا منها لم يعودوا إليها. قال الحرالي: وفيه إشعار بقصدهم الفرار منها والخروج كما قال : ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ [السجدة: ٢٠] فأنبأ تعالى أن وجهتهم للخروج لا تنفعهم، فلم تبق لهم منّة تنهضهم منها حتى ينتظم قطع رجائهم من منة أنفسهم بقطع رجائهم ممن اعتلقوا به من شركائهم ولم يكن ﴿وما هم منها بمخرجين﴾ [الحجر: ٤٨] كما قال في أهل الجنة للإشعار بأن اليأس والانقطاع واقع منهم على أنفسهم، فكما كان بوادي أعمالهم في الدنيا من أنفسهم عندهم جرى نبأ جزائها على حد ذلك في المعنى كما قال: أعمال أهل الجنة عندهم من توفيق ربهم جرى ذكر جزائهم على حد ذلك من المعنى بحسب ما يقتضيه اختلاف الصيغتين - انتهى.
ولعل الآية ناظرة إلى قوله أول
стр. 820
السورة ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة: ٨] يعني كما أن في أهل الكتاب منافقين ومصارحين فكذلك في العرب، فصار قوله: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم﴾ [البقرة: ٦] شاملاً للأقسام الأربعة، ثم أتبع ذلك المنافقين من العرب ثم المنافقين والمشاققين من أهل الكتاب ثم المجاهرين من العرب فصار قسما العرب مكتنفين لقسمي أهل الكتاب إشارة إلى أنهم المقصودون بالذات وأنه سيؤمن أكثرهم ويغلبون أهل الكتاب ويقتلونهم قتل الكلاب؛ ولما عجب من الضالين وبين من مآلهم ما يزجر مثله من له أدنى عقل فكانوا بذلك في عداد المقبل بعد الإدبار والمذعن بعد الاستكبار أقبل على الكل كما فعل في آية التوحيد الأولى فقال ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ إقبال متلطف بعموم الإذن في تناول ما أبدعه لهم ورحمهم به في هذا الملكوت المذكور في ضمن ما نصب من الأدلة تذكيراً لهم بالنعمة وتودداً إليهم بجميع ما يوجب المحبة وإشارة إلى أنه هو الذي خلق لهم ما تقربوا به إلى غيره مما ادعوه نداً من
стр. 821
البحيرة والسائبة والوصيلة وما شاكلها فقال ﴿يا أيها الناس﴾ وإن اختصرت فقل: لما أقام الدليل على الوحدانية بما خلق من المنافع وصنف الناس صنفين ضال معطوف دال بعطفه على غير مذكور على مهتد معطوف عليه وختم بتأبيد عذاب الضال أقبل على الصنفين إقبال متلطف مترفق مستعطف منادياً لهم إلى تأبيد نفعهم قائلاً: ﴿يا أيها الناس﴾ أي كافة. وقال الحرالي: لما استوفى ذكر أمر الدين إلى أنهاه من رتبة دين الإسلام الذي رضيه وكان الدين هو غذاء القلوب وزكاة الأنفس نظم به ذكر غذاء الأبدان
стр. 822
من الأقوات ليتم بذكر النماءين نماء الذوات ظاهرها البدني وباطنها الديني، لما بين تغذي الأبدان وقوام الأديان من التعاون على جمع أمري صلاح العمل ظاهراً وقبوله باطناً، قال ﵊: «لا يقبل الله عملاً إلا بالورع الشافي» ؛ وكما قيل: ملاك الدين الورع، وهلاكه الترف، ونقصه السرف؛ فكما انتظم الكتاب قصر الخلق على أفضل متصرفاتهم في التدين اتصل به قصرهم على أفضل مأكلهم في التقوت، ولما ذكر الدين في رتبتي صنفين من الناس والذين آمنوا انتظم به ذكر المأكل في صنفيهما فقال ﴿يا أيها الناس﴾ فانتظم بخطاب قوله تعالى ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ لما بين العبادة والمأكل من الالتزام - انتهى.
ولما كانت رتبة الناس من أدنى المراتب في خطابهم أطلق لهم الإذن تلطفاً بهم ولم يفجأهم بالتقييد فقال مبيحاً لهم ما أنعم به عليهم ﴿كلوا﴾ ولما كان في الأرض ما لا يؤكل قال: ﴿مما في الأرض﴾ أي مما بينا لكم أنه من أدلة الوحدانية.
ولما كان في هذا الإذن تنبيه على أن الكل له والانتفاع به يتوقف على إذن منه دلهم على أن فيه ما أباحه وفيه ما حظره فقال: ﴿حلالاً﴾ قال الحرالي: وهو ما انتفى
стр. 823
عنه حكم التحريم فينتظم بذلك ما يكره وما لا يكره، والتحريم المنع مما يلحق الأكل منه ضرر في جسمه كالميتة، أو في نفسه كلحم الخنزير، أو رين على قلبه كما أهل لغير الله به؛ ثم أشار إلى أن ما حرم خبيث بقوله: ﴿طيباً﴾ أي غير خبيث مستقذر، والأصل فيه ما يستلذ؛ ويوصف به على جهة التشبيه الطاهرُ لأن النجس تكرهه النفس
стр. 824
لقذره، والحلالُ لأن الحرام يقذره العقل لزجر الشرع عنه. وقال الحرالي: الحلال مطلوب ليكتسب لا ليؤكل حتى يطيب، والطيب ما لا منازغ فيه - انتهى.
ولما كان هذا الصنف أدنى المتدينين قرن بإطعامهم مما في الأرض لكونهم أرضيين نهاهم عن اتباع العدو المبني أمره على المنافرة فقال: ﴿ولا تتبعوا﴾ وأشار بصيغة الافتعال إلى انهماك هذا الصنف على اللحاق به وأنهم غير واصلين ما داموا في هذا الحيز إلى تمام منابذته وإنما عليهم الجهد لأن مخالفته لا تكون إلا بمجاهدة كثيرة لا يقدرون عليها ما داموا في هذه الرتبة ﴿خطوات﴾ جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي ﴿الشيطان﴾ أي طرقه في وساوسه في اتخاذ الأنداد وتحريم الحلال كالسوائب وتحليل الحرام كالميتات، فإن ذلك كله من أمره كما يأتي في قوله: ﴿ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام﴾ [النساء: ١١٩] الآية وهو من شطن إذا بعد، وشاط إذا احترق، فهو يبعدهم - كما قال الحرالي - عن وطن ما هم عليه من الائتمار في مآكلهم إلى التناول بشهواتهم ليستدرجهم لذلك من خطوة الأكل بالشهوة إلى الأكل بالهوى فيتداعى منها إلى المحرمات -
стр. 825
انتهى. ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنه لكم عدو﴾ بتكبره على أبيكم ومكره به وسؤاله الإنظار لإضلالكم ﴿مبين *﴾ أي ظاهر العداوة فلا تتبعوا العدو في منابذة الولي. ثم علل إبانة عداوته والنهي عن اتباعه بقوله: ﴿إنما﴾ فحصر لينتفي عنه الأمر بشيء فيه رشد؛ وفي قوله: ﴿يأمركم﴾ كما قال الحرالي إنباء بما مكنه الله حتى صار أمراً ﴿بالسوء﴾ وهو خبائث الأنفس الباطنة التي يورث فعلها مساءة ﴿والفحشاء﴾ قال الحرالي: وهو ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة كما ينكره العقل ويستخبثه الشرع، فيتفق في حكمه آيات الله الثلاث من الشرع والعقل والطبع، بذلك يفحش
стр. 826
الفعل ﴿وأن تقولوا على الله﴾ الحائز أقصى مراتب العظمة ﴿ما لا تعلمون *﴾ مما تستفتحون قوله في أقل الموجودات من إشراك أو ادعاء ولد أو تحليل وتحريم أو غير ذلك، ولقد أبلغ في هذه الآية في حسن الدعاء لعباده إليه لطفاً منه بهم ورحمة لهم بتذكيرهم في سياق الاستدلال على وحدانيته بما أنعم عليهم بخلقه لهم أولاً وبجعله لهم ملائماً ثانياً وإباحته لهم ثالثاً وتحذيره لهم من العدو رابعاً - إلى غير ذلك من دقائق الألطاف وجلائل المنن في سياق مشير إلى جميع أصناف الحلال وسبب تحليله.
قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة في حرف الحلال: وجه إنزال هذا الحرف توسيع الاستمتاع بما خلق الله في الأرض من نعمة وخيره
стр. 827
الموافقة لطباعهم وأمزجتهم وقبول نفوسهم في جميع جهات الاستمتاع من طعام وشراب ولباس ومركب ومأوى وسائر ما ينتفع به مما أخرج الله ومما بثه في الأرض وما عملت أيديهم في ذلك من صنعة وتركيب ومزج ليشهدوا دوام لبس الخلق الجديد في كل خلق على حسب ما منه فطر خلقه؛ ولما كان الإنسان مخلوقاً من صفاوة كل شيء توسع له بجهات الانتفاع بكل شيء إلا ما استثنى منه بحرف الحرام ووجهه كما استثنى لآدم أكل الشجرة من متسع رغد الجنة فكان له المتاع بجميعه إلا ما أضر ببدنه أو خبث نفسه أو ران على علم قلبه وذلك بأن يسوغ له طبعاً وتحسن مغبّته في أخلاق نفسه ويسنده قلبه لمنعمه الذي يشهد منه بداياته وتكملاته تجربة ثم كمل القرآن ذلك بإخلاصه للمنعم من غير أثر لما سواه فيه وجامع منزله بحسب ترتيب القرآن قوله تعالى ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ [البقرة: ٢٩] ومن أوائله بحسب ترتيب - البيان والله أعلم ﴿هو الذي أنزل لكم من السماء ماء لكم منه شراب
стр. 828
ومنه شجر فيه تسيمون﴾ [النحل: ١٠] الآية وسائر الآيات الواردة في سورة النحل وفي سورة يس إذ هي القلب الذي منه مداد القرآن كله في قوله تعالى: ﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون﴾ [يس: ٢٣] الآيات إلى سائر ما في القرآن من نحوه، ومن متسع خلال هذا الحرف وقعت الفتنة على الخلق بما زين لهم منه ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين﴾ [آل عمران: ١٤] الآية ووجه فتنته أن على قدر التبسط فيه يحرم من طيب الآخرة ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾ [الأحقاف: ٢٠] «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة» ﴿فاستمتعوا بخلاقهم﴾ [التوبة: ٦٩] ومن رؤية سوء هذا المخبر نشأ زهد الزاهدين، ومن رؤية حسن المتجر وربحه وتضاعفه إلى ما لا يدرك مداه ونعيمه في بيع خلاق الدنيا بخلاق الآخرة نشأ ورع المتورعين؛ فاستراحت قلوبهم بالزهد، وانكفؤوا بالورع عن الكد، وتفرغت قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد في سبيل الحمد، وتميز الشقي من السعيد بالرغبة فيه أو عنه، فمن رغب في الحلال شقي ومن رغب عنه سعد؛ وهو الحرف الذي
стр. 829
قبض بسطه حرف النهي حتى لم يبق لابن آدم حظ فيما زاد على جلف الطعام وهي كسرة وثوب يستره وبيت يكنه، وما زاد عليه متجر إن أنفقه ربحه وقدم عليه وإن ادخره خسره وندم عليه؛ ولذلك لم يأذن الله لأحد في أكله حتى يتصف بالطيب للناس الذين هم أدنى المخاطبين بانسلاخ أكثرهم من العقل والشكر والإيمان ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً﴾ [البقرة: ١٦٨] ومحا اسمه عن الذين آمنوا وهم الذين لا يثبتون ولا يدومون على خير أحوالهم بل يخلصون وذلك في قوله تعالى
﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ١٧٢] وهو ما طيبه حرف النهي علماً، وبرىء من حوادّ القلوب طمأنينة، وتمم وأنهى صفوة للمرسلين فقال ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات﴾ [المؤمنون: ٥١] وورد جواباً لسؤالهم في قوله تعالى ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات﴾ [المائدة: ٤] ؛ فمن آثر حرف النهي على حرف الحلال فقد تزكى واتبع الأحسن وصح هداه وصفا لبّه
стр. 830
ومن آثر حرف الحلال على حرف النهي فقد تدسّى وحرم هدى الكتب وعلم الحكمة ومزيد التأبيد بما فاته من التزكية وتورط فيه من التدسية والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ثم قال فيما به تحصل قراءته: اعلم أن الإنسان لما كان جامعاً كان بكل شيء منتفعاً أما في حال السعة فمع استثناء أشياء يسيرة مما يضره من جهة نفسه أو غيره أو ربه على ما ذكر في الفصل الأول أي حرف الحرام ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ [البقرة: ٢٩] ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية: وأما في حال الضرورة فبغير استثناء البتة ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٧٣] ؛ ﴿فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٣] ؛ والذي تحصل به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فمعرفة حكمة الله في المتناول من مخلوقاته ومعرفة أخص منافعها مما خلقه، ليكون غذاء في سعة أو ضرورة وإداماً أو فاكهة أو دواء كذلك؛ ومعرفة موازنة ما بين الانتفاع بالشيء ومضرته واستعماله على حكم الأغلب من منفعته، أو اجتنابه على حكم الأغلب من مضرته ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع
стр. 831
للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة: ٢١٩] وذلك مدرك عن الله باعتبار العقل وإدراك الحس في مخلوقاته كما أدركه الحنيفيون، كان الصديق رضي الله تعالى عنه قد حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وكان إذا أخذ عليه في ذلك يقول: والله لو أصبت شيئاً أشتريه بمالي كله يزيد في عقلي لفعلت فكيف أشتري بمالي شيئاً ينقص من عقلي! وكان رسول الله ﷺ كثيراً ما ينبه على حكمة الله في الأشياء التي بها تتناول أو تجتنب عملاً بقوله تعالى
﴿يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ [آل عمران: ١٦٤] فقال لطلحة رضي الله تعالى عنه وقد ناوله سفرجلة «تذهب بطخاء الفؤاد» وقال لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه وهو رمد في خبز الشعير والسلق: «كل من هذا فإنه أوفق لك» وقال في التمر والقثاء: «حر هذا يكسر برد هذا» وقال لرمد: «أتأكل التمر وأنت رمد» وقال لعائشة رضي الله تعالى عنها في الماء المشمس: «لا تفعلي يا حميراء! فإنه يولد البرص» وقال: «استاكوا بكل عود ما خلا الآس والرمان فإنهما يهيجان عرق الجذام» وقال لامرأة استطلقت بالشُّبْرُم: «حار جار، ألا استطلقت بالسنا؟ فإنه لو كان
стр. 832
شيء يذهب الداء لأذهبه السنا» إلى غير ذلك مما إذا أباحه أو حظره نبه على حكمته. وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول للمريض: اصنعوا له خزيرة فإنها مَجَمّة لفؤاد المريض وتذهب بعض الحزن. ومثل ذلك كثير من كلام العلماء رضي الله تعالى عنهم ومجربات الحكماء ومعارف الحكماء الحنفاء، قال الشافعي رحمه الله تعالى في قوله ﴿يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧] الطيبات ما استطابته نفوس العرب، والخبائث ما استخبثته نفوس العرب؛ هذا من جهة القلب وأما من جهة النفس فسخاؤها بما يقع فيه الاشتراك من المنتفعات المحللات، لأن الشحّ بالحلال عن مستحقه محظر له على المختص به الضيافة على أهل الوبر ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾ [النساء: ٨] ﴿وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل﴾ [الروم: ٣٨] ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع
стр. 833
والمعتر﴾ [الحج: ٣٦] وكذلك صبرها عما تشتهيه من المضرات من الوجوه المذكورة ﴿إنما الخمر والميسر﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قوله ﴿لعلكم تفلحون﴾ ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢] ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر: ٩ والتغابن: ١٦] وكذلك التراضي وطيب النفس فيما يقع فيه الاشتراك ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ [النساء: ٢٩] ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ [النساء: ٤] هذه الشروط الثلاثة من السخاء والصبر والتراضي في النفس، وأما في العمل وتناول اليد فأول ذلك ذكر الله والتسمية عند كل متناول، لأن كل شيء لله فما تنوول باسمه أخذ بإذنه وما تنوول بغير اسمه أخذ تلصصاً على غير وجهه وشارك الشيطان في تناوله فتبعه المتناول معه في خطواته وشاركهم في الأموال والأولاد؛ جاء أعرابي وصبي ليأكلا طعاماً بين أيدي النبي ﷺ بغير تسمية فأخذ بأيديهما وقال «إن الشيطان جاء ليستحل بهما هذا الطعام، والذي نفسي بيده! إن يده في يدي مع أيديهما» فسمى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 834
وأكل ثم أطلقها وقال:
«كلا باسم الله» وقال لغلام آكل: «يا غلام! سمّ الله» والثاني التناول باليمين، لأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، واليمين خادم ما علا من الجسد والشمال خادم ما سفل منه. والثالث أن يتناول تناول تقنّع وترفع عن تناول النهبة «كان رسول الله ﷺ يأكل بثلاثة أصابع» «ويشرب مصّاً في ثلاث» وقال: «هو أبرأ وأمرأ وأهنأ» وقال: «الكُباد من العبّ» والرابع الاكتفاء بما دون الشبع لما في ذلك من حسن اغتذاء البدن وحفظ الحواس الظاهرة والباطنة؛ ومن علامات الساعة ظهور السمن عن الأكل في الرجال؛ و «ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن» و «ما دخلت الحكمة معدة ملئت طعاماً» و «المؤمن يأكل في معّى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء» لتوكل المؤمن في قوامه ولا تكال الكافر على الغذاء في قوته: «وحسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولا بد فاعلاً فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث
стр. 835
للنفس» انتهى. قلت: ولعل المراد أن الكافر يأكل شبعاً فيأكل ملأ بطنه لأن الأمعاء كما قالوا سبعة، والمؤمن يأكل تقوتاً فيأكل في معّى واحد وهو سبع بطنه، فإن لم يكن ففي معاءين وشيء وهو الثلث - والله أعلم. قال الحرالي: والخامس حمد الله تعالى في الختام، لأن من لم يحمد الله في الختام كفر بنعمته. ومن حمد غير الله آمن بطاغوته؛ فبهذه الأمور معرفة في القلب وحالاً في النفس وآداباً في العمل تصح قراءة حرف الحلال ويحصل خير الدنيا ويتمدد الأساس لبناء خير الآخرة، والله ولي التوفيق - انتهى.
стр. 836
ولما نهاهم عن متابعة العدو ذمهم بمتابعته مع أنه عدو من غير حجة بل بمجرد التقليد للجهلة فقال عاطفاً على ﴿ومن الناس﴾ معجباً منهم: ﴿وإذا قيل﴾ أي من أي قائل كان. ولما كان الخطاب للناس عامة وكان أكثرهم مقلداً ولا سيما للآباء أعاد الضمير والمراد أكثرهم فقال: ﴿لهم اتبعوا﴾ أي اجتهدوا
стр. 837
في تكليف أنفسكم الرد عن الهوى الذي نفخه فيها الشيطان، وفي قوله له ﴿ما أنزل الله﴾ أي الذي له العلم الشامل والقدرة التامة انعطاف على ذلك الكتاب لا ريب فيه وما شاكله ﴿قالوا بل﴾ أي لا نتبع ما أنزل الله بل ﴿نتبع﴾ أي نجتهد في تبع ﴿ما ألفينا﴾ أي وجدنا، قال الحرالي: من الإلفاء وهو وجدان الأمر على ما ألفه المتبصر فيه أو الناظر إليه ﴿عليه آباءنا﴾ أي على ما هم عليه من الجهل والعجز، قال: ففيه إشعار بأن عوائد الآباء منهية حتى يشهد لها شاهد أبوة الدين ففيه التحذير في رتب ما بين حال الكفر إلى أدنى الفتنة التي شأن الناس أن يتبعوا فيها عوائد آبائهم - انتهى.
стр. 838
ولما أبوا إلا إلف وهاد التقليد فدنوا عن السمو إلى عداد أولي العلم بالنظر السديد أنكر عليهم ذلك فقال مبكتاً لهم: ﴿أولو﴾ أي أيتبعون أباءهم والحال أنه ﴿كان آباؤهم لا يعقلون﴾ ببصائر قلوبهم ﴿شيئاً﴾ من الأشياء المعقولة ﴿ولا يهتدون *﴾ بأبصار عيونهم إلى شيء من الأشياء المحسوسة.
ولما كان التقدير: فمثلهم حينئذ كمن تبع أعمى في طريق وعر خفي في فلوات شاسعة كثيرة الخطر عطف عليه ما يرشد إلى تقديره من قوله منبهاً على أنهم صاروا بهذا كالبهائم بل أضل لأنها وإن كانت لا تعقل فهي تسمع وتبصر فتهتدي إلى منافعها ﴿ومثل﴾ وبين الوصف الذي حملهم على هذا الجهل بقوله: ﴿الذين كفروا﴾ أي ستروا ما يعلمون من عظمة الله وقدرته وعلمه وحكمته بما عندهم من الهوى في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار ﴿كمثل﴾
стр. 839
قال الحرالي: المثل ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة فيكون ألطف من الشيء المحسوس فيقع لذلك جالياً لمعنى مثل المعنى المعقول ويكون الأظهر منهما مثلاً للأخفى، فلذلك يأتي استجلاء المثل بالمثل، ليكون فيه تلطيف للظاهر المحسوس وتنزيل للغائب المعلوم؛ ففي هذه الآية يقع الاستجلاء بين المثلين لا بين الممثولين لتقارب المثلين يعني وهو وجه الشبه وتباعد الممثولين، وفي ذكر هذين المثلين تقابل يفهم مثلين آخرين، فاقتضى ذلك تمثيلين في مثل واحد كأن وفاء اللفظ الذي أفهمه هذا الإيجاز مثل الذين كفروا ومثل راعيهم كمثل الراعي ومثل ما يرعى من البهائم وهو من أعلى خطاب فصحاء العرب، ومن لا يصل فهمه إلى جمع المثلين يقتصر على تأويله بمثل واحد فيقدر في الكلام: ومثل داعي الذين كفروا ﴿كمثل الذي ينعق﴾ أي يصيح، وذلك لأن التأويل يحمل على الإضمار والتقدير، والفهم يمنع منه ويوجب فهم إيراد القرآن على حده ووجهه؛ وقال: ﴿بما﴾ أي بسبب شيء من البهائم التي ﴿لا﴾ عقل لها فهو ﴿يسمع إلا دعاء﴾ أي من الناطق فيما
стр. 840
يدعي إليه من قوام غذائه ونسله ﴿ونداء﴾ فيما ساق إليه بمحل دعائه من حيث إن النداء يشعر بالبعد والدعاء يشعر بالشروع في القصد - انتهى.
فالكافرون في كونهم لا يرجعون عن غيهم لما يسمعون من الأدلة وهم أولو عقل وسمع وبصر كالبهم التي تسمع
стр. 841
وتبصر ولكنها لكونها لا تعقل لا ترجع بالكلام لأنها لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته بل بالحجر والعصا، فإن الراعي إذا أراد رجوعها عن ناحية صاح بها ورمى بحجر إلى ما أمامها فترجع، فهي محل مثلهم الذي هو عدم الإدراك، والبهم في كونها لا ترجع بالنداء بل بقارع كالأصم الأبكم الأعمى الذي لا يرجع إلا بقارع يصكه في وجهه فينكص على عقبه فهو محل مثلها، وداعيهم في كونه يتكلم فلا يؤثر كلامه مع المبالغة فيه كراعي البهم فهو موضع مثله، وراعي البهم من حيث إن بهمه لا ترجع إلا بضربة بالحجر أو غيره كالسوط الذي يقمع به الأصم أو كضارب الأصم المذكور فهو محل مثله؛ فلذلك كانت نتيجة التمثيل قوله: ﴿صم﴾ أي لا يسمعون ﴿بكم﴾ أي لا ينطقون ﴿عمي﴾ أي لا يبصرون، وقد علم بهذا أن الآية من الاحتباك حذف من الأول مثل الداعي لدلالة الناعق عليه ومن الثاني المنعوق به لدلالة المدعوين عليه. ولما كان موجود إدراك العقل هو حقائق المحسوسات وقد نفى عنهم الحس المدرك للمحسوسات ترتب عليه قوله
стр. 842
﴿فهم﴾ بالفاء ربطاً وتعقيباً وتسبيباً ﴿لا يعقلون *﴾ لأنهم لا ينتفعون بعقولهم كما أن هذا الأصم كذلك، ونفاه بلا النافية للممتنع وصيغة المضارع المنبئة عن الدوام - قاله الحرالي.
ولما أخبر أن الدعاء لا يزيدهم إلا نفوراً رقي الخطاب من الناس إلى أعلى منهم رتبة فقال آمراً لهم أمر إباحة أيضاً وهو إيجاب في تناول ما يقيم البينة ويحفظها: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا﴾ . وقال الحرالي: لما كان تقدم الخطاب في أمر الدين في رتبتين أولاهما ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: ٢١] وثانيتهما ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ [البقرة: ١٠٤] فأمر الناس فيه بالعبادة وأمر الذين آمنوا بحسن الرعاية مع النبي ﷺ ، كذلك هنا أمر الناس
стр. 843
بالأكل مما في الأرض ونهى عن اتباع خطوات الشيطان، وأشعر الخطاب بأنهم ممن يتوجه الشيطان نحوهم للأمر بالسوء والفحشاء والقول بالهوى، وأمر الذين آمنوا بالأكل ﴿من طيبات﴾ فأعرض في خطابهم عن ذكر الأرض لتناولهم الرزق من السماء، فإن أدنى الإيمان عبادة من في السماء واسترزاق من في السماء كما قال للسوداء:
«أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» قال : ﴿وفي السماء رزقكم﴾ [الذاريات: ٢٢] ، فأطعم الأرضيين وهم الناس مما في الأرض وأطعم السماويين وهم الذين آمنوا من رزق السماء كذلك، وخص هذا الخطاب بلفظ الحلال لما كان آخذاً رزقه من السماء متناولاً طيبة لبراءته من حال مما في الأرض مما شأنه ضر في ظاهر أو أذى في باطن، ولذلك «ولو كانت الدنيا دماً عبيطاً لكان قوت المؤمن منها حلالاً» ، فالمسترزق من السماء يصير المحرم له حلالاً لأخذه منه عند الضرورة تقوتاً لا تشهّياً، ويصير الحلال له طيباً لاقتناعه منه
стр. 844
بالكفاف دون التشهي ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات﴾ [المائدة: ٤] وفي مورد هذين الخطابين بيان أن كلمة ﴿للناس﴾ واقعة على سن من أسنان القلوب وكلمة ﴿الذين آمنوا﴾ واقعة على سن فوقه وليس يقع على عموم يشمل جميع الأسنان القلبية، فتوهم ذلك من أقفال القلوب التي تمنع تدبر القرآن، لأن خطاب القرآن يتوجه لكل أولي سن على حسب سن قلوبهم، لا يصلح خطاب كل سن إلا له يتقاصر عنه من دونه ولا يحتاج إليه من فوقه، وهي أسنان متعددة: سن الإنسان ثم سن الناس، ثم سن الذين آمنوا، ثم سن الذين يؤمنون، ثم سن المؤمنين، ثم سن المؤمنين حقاً، ثم سن المحسنين؛ هذه أسنان سبعة خطاباتها مترتبة بعضها فوق بعض، ومن وراء ذلك أسنان فوقها من سن الموقنين وما وراء ذلك إلى أحوال أثناء هذه الأسنان من حال الذين أسلموا والمسلمين ومن يوصف بالعقل والذكر والفكر والسماع وغير ذلك من الأوصاف التي تلازم تلك الأسنان في رتب متراقية لا يشمل أدناها أعلاها ولا ينهض أدناها لرتبة خطاب أعلاها
стр. 845
إلى ما وراء ذلك من خصوص خطاب النبي ﷺ فيه بما لا يليق إلا به وبمن هو منه من إله، وفي انتظام تفصيل هذه الرتب جامعة لما يقع من معناه في سائر القرآن - انتهى. ولما كانت هذه الرتبة كما تقدم أرفع من رتبة الناس خص في خطابهم بعد بيان أن ما لم يحل خبيث فقال: ﴿من طيبات﴾ ولم يأت بذلك العموم الذي تألف به ﴿الناس﴾ .
ولما كانوا في أول طبقات الإيمان نبههم على الشكر بقوله في مظهر العظمة: ﴿ما رزقناكم﴾ وأخلصناه لكم من الشبه، ولا تعرضوا لما فيه دنس كما أحله المشركون من المحرمات، ولا تحرموا ما أحلوا منها من السائبة وما معها ثم صرح به في قوله آمراً أمر إيجاب: ﴿واشكروا لله﴾ أي وخصوا شكركم بالمنعم الذي لا نعمة إلا منه،
следующие страницы →