Полный текст (11 765 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وتبصر ولكنها لكونها لا تعقل لا ترجع بالكلام لأنها لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته بل بالحجر والعصا، فإن الراعي إذا أراد رجوعها عن ناحية صاح بها ورمى بحجر إلى ما أمامها فترجع، فهي محل مثلهم الذي هو عدم الإدراك، والبهم في كونها لا ترجع بالنداء بل بقارع كالأصم الأبكم الأعمى الذي لا يرجع إلا بقارع يصكه في وجهه فينكص على عقبه فهو محل مثلها، وداعيهم في كونه يتكلم فلا يؤثر كلامه مع المبالغة فيه كراعي البهم فهو موضع مثله، وراعي البهم من حيث إن بهمه لا ترجع إلا بضربة بالحجر أو غيره كالسوط الذي يقمع به الأصم أو كضارب الأصم المذكور فهو محل مثله؛ فلذلك كانت نتيجة التمثيل قوله: ﴿صم﴾ أي لا يسمعون ﴿بكم﴾ أي لا ينطقون ﴿عمي﴾ أي لا يبصرون، وقد علم بهذا أن الآية من الاحتباك حذف من الأول مثل الداعي لدلالة الناعق عليه ومن الثاني المنعوق به لدلالة المدعوين عليه. ولما كان موجود إدراك العقل هو حقائق المحسوسات وقد نفى عنهم الحس المدرك للمحسوسات ترتب عليه قوله
стр. 842
﴿فهم﴾ بالفاء ربطاً وتعقيباً وتسبيباً ﴿لا يعقلون *﴾ لأنهم لا ينتفعون بعقولهم كما أن هذا الأصم كذلك، ونفاه بلا النافية للممتنع وصيغة المضارع المنبئة عن الدوام - قاله الحرالي.
ولما أخبر أن الدعاء لا يزيدهم إلا نفوراً رقي الخطاب من الناس إلى أعلى منهم رتبة فقال آمراً لهم أمر إباحة أيضاً وهو إيجاب في تناول ما يقيم البينة ويحفظها: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا﴾ . وقال الحرالي: لما كان تقدم الخطاب في أمر الدين في رتبتين أولاهما ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: ٢١] وثانيتهما ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ [البقرة: ١٠٤] فأمر الناس فيه بالعبادة وأمر الذين آمنوا بحسن الرعاية مع النبي ﷺ ، كذلك هنا أمر الناس
стр. 843
بالأكل مما في الأرض ونهى عن اتباع خطوات الشيطان، وأشعر الخطاب بأنهم ممن يتوجه الشيطان نحوهم للأمر بالسوء والفحشاء والقول بالهوى، وأمر الذين آمنوا بالأكل ﴿من طيبات﴾ فأعرض في خطابهم عن ذكر الأرض لتناولهم الرزق من السماء، فإن أدنى الإيمان عبادة من في السماء واسترزاق من في السماء كما قال للسوداء:
«أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» قال : ﴿وفي السماء رزقكم﴾ [الذاريات: ٢٢] ، فأطعم الأرضيين وهم الناس مما في الأرض وأطعم السماويين وهم الذين آمنوا من رزق السماء كذلك، وخص هذا الخطاب بلفظ الحلال لما كان آخذاً رزقه من السماء متناولاً طيبة لبراءته من حال مما في الأرض مما شأنه ضر في ظاهر أو أذى في باطن، ولذلك «ولو كانت الدنيا دماً عبيطاً لكان قوت المؤمن منها حلالاً» ، فالمسترزق من السماء يصير المحرم له حلالاً لأخذه منه عند الضرورة تقوتاً لا تشهّياً، ويصير الحلال له طيباً لاقتناعه منه
стр. 844
بالكفاف دون التشهي ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات﴾ [المائدة: ٤] وفي مورد هذين الخطابين بيان أن كلمة ﴿للناس﴾ واقعة على سن من أسنان القلوب وكلمة ﴿الذين آمنوا﴾ واقعة على سن فوقه وليس يقع على عموم يشمل جميع الأسنان القلبية، فتوهم ذلك من أقفال القلوب التي تمنع تدبر القرآن، لأن خطاب القرآن يتوجه لكل أولي سن على حسب سن قلوبهم، لا يصلح خطاب كل سن إلا له يتقاصر عنه من دونه ولا يحتاج إليه من فوقه، وهي أسنان متعددة: سن الإنسان ثم سن الناس، ثم سن الذين آمنوا، ثم سن الذين يؤمنون، ثم سن المؤمنين، ثم سن المؤمنين حقاً، ثم سن المحسنين؛ هذه أسنان سبعة خطاباتها مترتبة بعضها فوق بعض، ومن وراء ذلك أسنان فوقها من سن الموقنين وما وراء ذلك إلى أحوال أثناء هذه الأسنان من حال الذين أسلموا والمسلمين ومن يوصف بالعقل والذكر والفكر والسماع وغير ذلك من الأوصاف التي تلازم تلك الأسنان في رتب متراقية لا يشمل أدناها أعلاها ولا ينهض أدناها لرتبة خطاب أعلاها
стр. 845
إلى ما وراء ذلك من خصوص خطاب النبي ﷺ فيه بما لا يليق إلا به وبمن هو منه من إله، وفي انتظام تفصيل هذه الرتب جامعة لما يقع من معناه في سائر القرآن - انتهى. ولما كانت هذه الرتبة كما تقدم أرفع من رتبة الناس خص في خطابهم بعد بيان أن ما لم يحل خبيث فقال: ﴿من طيبات﴾ ولم يأت بذلك العموم الذي تألف به ﴿الناس﴾ .
ولما كانوا في أول طبقات الإيمان نبههم على الشكر بقوله في مظهر العظمة: ﴿ما رزقناكم﴾ وأخلصناه لكم من الشبه، ولا تعرضوا لما فيه دنس كما أحله المشركون من المحرمات، ولا تحرموا ما أحلوا منها من السائبة وما معها ثم صرح به في قوله آمراً أمر إيجاب: ﴿واشكروا لله﴾ أي وخصوا شكركم بالمنعم الذي لا نعمة إلا منه،
стр. 846
وهذا بخلاف ما يأتي في سورة المؤمنين خطاباً لأعلى طبقات الخلّص وهم الرسل.
ولما كان الشكر لا يصح إلا بالتوحيد علقه باختصاصهم إياه بالعبادة فقال: ﴿إن كنتم إياه﴾ أي وحده ﴿تعبدون *﴾ فإن اختصاصه بذلك سبب للشكر، فإذا انتفى الاختصاص الذي هو السبب انتفى الشكر، وأيضاً إذا انتفى المسبب الذي هو الشكر انتفى الاختصاص لأن السبب واحد، فهما متساويان يرتفع كل واحد منهما بارتفاع الآخر. وقال الحرالي: ولما كان هذا الخطاب منتظماً لتناول الطيب والشكر وحقيقته البذل من الطيب فشكر كل نعمة إظهارها على حدها من مال أو جاه أو علم أو طعام أو شراب أو غيره وإنفاق فضلها والاقتناع منها بالأدنى والتجارة بفضلها لمبتغى الأجر وإبلاغها إلى أهلها لمؤدي
стр. 847
الأمانة لأن أيدي العباد خزائن الملك الجواد «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» . فلما كان ذلك لا يتم إلا بمعرفة الله المخلف على من أنفق كما قال ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ نبهوا على عهدهم الذي لقنوه في سورة الفاتحة في قوله ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ فقيل لهم: كلوا واشكروا إن كنتم إياه تعبدون؛ فمن عرف الله بالكرم هان عليه أن يتكرم ومن عرف الله بالإنعام والإحسان هان عليه أن يحسن وهو شكره لله، من أيقن بالخلف جاد بالعطية - انتهى.
ولما قيد الإذن لهم بالطيب من الرزق افتقر الأمر إلى بيان الخبيث منه ليجتنب فبين صريحاً ما حرم عليهم مما كان المشركون يستحلونه ويحرمون غيره وأفهم حل ما عداه وأنه كثير جداً ليزداد المخاطب شكراً فقال: ﴿إنما حرم عليكم﴾ . وقال الحرالي: ولما كان إدراك المؤمنين لمقتضى الخطاب فوق إدراك الناس خاطبهم تعالى بذكر ما حرم عليهم فناظر ذلك ما نهى عنه الناس من اتباع خطوات
стр. 848
الشيطان فقال: ﴿إنما حرم﴾ [البقرة: ١٧٣] وأجرى إضماره على الاسم العظيم الأول إعلاماً بأن الذي أذن لهم إنما حرم عليهم ما لا يصلح لهم بكل وجه لشدة مضرته عليهم في إحاطة ذواتهم ظاهرها وباطنها، لما ذكر أن المحرم إما لحرمته علواً كالبلد الحرام وتحريم الأمر، أو لحرمته دناءة كتحريم هذه المحرمات، ففي كلمة «إنما» نفي لمتوهمات ما يلحقه التحريم بما دون المذكور هنا كأن قائلاً يقول: حرم كذا وحرم كذا من نحو ما حرمته الكتب الماضية أو حرمته الأهواء المختلفة أو حرمه نظر علمي كالذي حرمه إسرائيل على نفسه، فكان الإفهام لرد تلك المحرمات كلها - انتهى. فالمعنى والله أعلم أنكم حرمتم الوصيلة والسائبة وغيرهما مما أحله الله وأحللتم الميتة والدم وغيرهما حرمه الله ولم يحرم الله عليكم من السائبة وما معها مما حرمتموه ولا غيره مما استحللتموه إلا ما ذكرته هذه الآية؛ وإذا راجعت ما في قوله في الأنعام
﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١١٨] وقوله ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١] وقوله ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً﴾ [الأنعام: ١٤٥]
стр. 849
من كتابي هذا عرفت المراد من هذه الآية. وقال ﴿الميتة﴾ أي التي سماها بذلك أهل العرف، وهي ما فارقه الروح من غير ذكاة شرعية وهو مما يذكى. قال الحرالي: وهي ما أدركه الموت من الحيوان عن ذبول القوة وفناء الحياة، وهي أشد مفسد للجسم لفساد تركيبها بالموت وذهاب تلذذ أجزائها وعتقها وذهاب روح الحياة والطهارة منها. ﴿والدم﴾ أي الجاري لأنه جوهر مرتكس عن حال الطعام ولم يبلغ بعد إلى حال الأعضاء، فهو ميتة من خاص حياته مرتكس في جوهره إلاّ من طيب الله كليته كما في محمد ﷺ وفيمن نزع عنه خبث الظاهر والباطن طبعاً ونفساً. ﴿ولحم الخنزير﴾ لأذاه للنفس كما حرم ما قبله لمضرتهما في الجسم، لأن من حكمة الله في خلقه أن من اغتذى
стр. 850
جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الشيء «الكبر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم» فلما جعل في الخنزير من الأوصاف الذميمة حرم على من حوفظ على نفسه من ذميم الأخلاق؛ واللحم ما لحم بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه وما انتهى إليه ظاهره من سطح جلد، وعرف غلبة استعماله على رطبة الأحمر، وهو هنا على أصله في اللغة يجمع اللحم الأحمر والشحم والأعصاب والعروق إلى حد الجلد وما اشتمل عليه ما بين الطرفين من أجزاء الرطوبات، وإذا حرم لحمه الذي هو المقصود بالأكل وهو أطيب
стр. 851
ما فيه كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم.
ولما حرم ما يضر الجسم ويؤذي النفس حرم ما يرين على القلب فقال: ﴿وما أهل﴾ والإهلال رفع الصوت لرؤية أمر مستعظم ﴿به﴾ أي رفع رافع الصوت بسببه ذابحاً ﴿لغير الله﴾ أي الذي لا كفؤ له بوجه. قال الحرالي: لأن ما لم يذكر عليه اسم الله أخذ من يد من ذكر عليه اسمه وليس ذلك خالقه ومالكه، إنما خالقه ومالكه الله الذي جعل ذكر اسمه عليه إذناً في الانتفاع به وذكر على إزهاق الروح من هي من نفخته لا من لا يجد للدعوى فيها
стр. 852
سبيلاً من الخلق. وذكر الإهلال إعلام بأن ما أعلن عليه بغير اسم الله هو أشد المحرم، ففي إفهامه تخفيف الخطاب عما لا يعلم من خفي الذكر «قالوا: يا رسول الله! إن ناساً يأتوننا بلحام لا ندري أسموا الله عليها أم لا. فقال رسول الله ﷺ :» سموا الله أنتم وكلوا «»
فكان المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه بل الذي علم أن غير اسم الله قد أعلن به عليه، وفي تقدم إضمار المحرم في قوله ﴿به﴾ تأكيد لمعناه لأنهم يقدمون ما هم به أهم وهم ببيانه أعنى، قال ﷺ : «ابدؤوا بما بدأ الله به» ، فلما كانت هذه الآية جامعة أي التحريم أظهر فيها تقديم العناية بالمحرم وهي في الإبلاغ أنهى معنى من الذي أخر فيها هذا الضمير.
ولما كان هذا الدين يسراً لا عسر فيه ولا حرج ولا جناح رفع حكم هذا التحريم عن المضطر، ولما كان شأن الاضطرار أن يشمل جمعاً من الخلق أنبأهم تعالى بأن هذا الذي رفع عنهم من التحريم لا يبرأ
стр. 853
من كلية الأحكام بل يبقى مع هذه الرخصة موقع الأحكام في البغي والعدوان فقال: ﴿فمن اضطر﴾ أي أحوجه محوج وألجأه ملجىء بأي ضرورة كانت إلى أكل شيء مما حرم بأن أشرف على التلف فأكل من شيء منه حال كونه ﴿غير باغ﴾ أي قاصد فساداً بمكيدة يكيد بها لضعفه آخذاً من تلك الميتة هو أقوى منه كأن يحيله على غيرها خداعاً منه ليستأثر عليه بالأحسن منها ﴿ولا عاد﴾ على غيره بأن يكون أقوى منه فيدفعه عنها، ولا مجاوز لسد الرمق وإزالة الضرورة؛ ويدخل في الآية أن من بغى على إمام أو قصد بضربه في الأرض فساداً أو عدا على أحد ظلماً فحصل له بسبب ذلك مخمصة لا يحل له ما كان حراماً لأن في ذلك إعانة له على معصيته، فإن تاب استباح ﴿فلا إثم عليه﴾ لا من التحريم الأول ولا
стр. 854
من الحكم الآخر، ولو كان رفع الإثم دون هذين الاشتراطين لوقع بين المضطرين من البغي والتسلط ما مثله لا يحل لغير المضطرين، فانتفى الإثم على صحة من الأمرين وارتفاع الحكمين، ففي السعة يجتنب ما يضر وفي الضرورة يؤثر ضرورة الجسم لقوامه على حكم الكتاب في إقامته؛ وفي إفهامه أن من اضطر لشيء مما حرم عليه فأكله لم تنله مضرة، لأن الله إذا أباح شيئاً أذهب ضره «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» ففيه تنبيه لتغيير هذه الأعيان للمضطر عما كانت عليه حتى تكون رخصة في الظاهر وتطييباً في الباطن، فكما رفع عنه حكمها الكتابي يتم فضله فيرفع عنه ضرها الطبيعي.
ثم علل هذا الحكم مرهباً مرغباً بقوله: ﴿إن الله﴾ فأتى بهذا الاسم المحيط إشارة إلى عموم هذا الحكم للمضطر والموسع، وفي قوله: ﴿غفور﴾ إشعار بأنه لا يصل إلى حال الاضطرار إلى ما حرم
стр. 855
عليه أحد إلاّ عن ذنب أصابه، فلولا المغفرة لتممت عليه عقوبته، لأن المؤمن أو الموقن لا تلحقه ضرورة، لأن الله لا يعجزه شيء وعبد الله لا يعجزه ما لا يعجز ربه
﴿وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين﴾ [الروم: ٤٩] فاليأس الذي يحوج إلى ضرورة إنما يقع لمن هو دون رتبة اليقين ودون رتبة الإيمان «جهز رسول الله ﷺ جيشاً ففنيت أزوادهم فأقاموا أياماً يتقوتون بيسير حتى تقوتوا بتمرة تمرة فأخرج الله لهم العنبر دابة من البحر» فلم يحوجهم في ضرورتهم إلى ما حرم عليهم بل جاءهم في ضرورتهم بما هو أطيب ماكلهم في حال السعة من صيد البحر الذي «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وفي قوله: ﴿رحيم﴾
стр. 856
إنباء بأن من اضطر فأصاب مما اضطر إليه شيئاً لم يبغ فيه ولم يعد تناله من الله رحمة توسعه من أن يضطر بعدهاه إلى مثله فيغفر له الذنب السابق الذي أوجب الضرورة ويناله بالرحمة الموسعة التي ينال بها من لم يقع منه ما وقع ممن اضطر إلى مثله - انتهى؛ وتصرفت فيه. ولما كان في بيان هذه المحرمات الإشارة إلى عيب من استحلها من العرب وترك ما أمر به من الطيبات جهلاً وتقليداً تلاها بتكرير عيب الكاتمين لما عندهم من الحق مما أنزل في كتابهم من صفة النبي ﷺ وأمر الحج وأمر القبلة وغيرها مما يصدق هذا الكتاب الذي لا ريب فيه خوفاً على انقطاع ما كان يهدي إليهم لرئاستهم من دينهم على وجه عائب لهم لاستحلالهم أكل السحت على علم مبين أنهم استحقوا الذم من وجهين: أحدهما نفس الأكل على هذا الوجه المؤدي إلى الإعراض عن الطيبات والموافقة للعرب، الثاني كونه على كتمان ما يعلمون من الحق فقال: ﴿إن الذين
стр. 857
يكتمون﴾ مؤكداً لذمهم بأنواع التأكيد، ولقد بدع إيلاؤه لصفتي المغفرة والرحمة كما ختم آية الكتمان الأولى بوصفي التوبة والرحمة، فكان مع ما فيه من الترغيب من قبيل الاحتراس أي إنه إعانة لا يغفر لمثل هؤلاء إلا أن اتصفوا بما أشارت إليه الآية الأولى من التوبة. قوله: ﴿ما أنزل الله﴾ بإسناد الإنزال إلى اسمه الأعظم لإحاطة الكتاب بمختلفات الأحكام ﴿من الكتاب﴾ أي من حدوده وأحكامه وغير ذلك مما أشارت إليه الآية الأولى بالبينات والهدى من الحكم والأحكام.
ولما كان من الكتم ما يكون لقصد خير، فكم من كلمة حق أريد بها باطل! قيده بقوله: ﴿ويشترون به ثمناً﴾ قال الحرالي: والثمن ما لا ينتفع بعينه حتى يصرف إلى غيره من الأعواض، فالإيعاد على ما يتضمن جهل الكاتم وحرصه باستكسابه بالعلم وإجرائه
стр. 858
في غير ما أجراه الله تعالى على ألسنة أنبيائه ﴿وما أسألكم عليه من أجر﴾
[الشعراء: ١٠٩] ولما كان كل ما لم يثبت من خير الدنيا في الآخرة وإن جل حقيراً قال: ﴿قليلاً﴾ هذا المراد لا تقييده بالقليل.
ولما كانوا قد بعدوا عن مواطن الرحمة ببخلهم بما لا ينقصه الإنفاق أشار إليهم بأداة البعد فقال: ﴿أولئك﴾ وفي خطاب النبي ﷺ به إشعار بوقوع ذلك من طائفة من أمته حرصاً على الدنيا ﴿ما يأكلون﴾ أي في هذه الحال على ما دلت عليه ما. ولما كان الأكل يطلق على مجرد الإفساد حقق معناه بقوله: ﴿في بطونهم﴾ جمع بطن وهو فضاء جوف الشيء الأجوف لغيبته عن ظاهره الذي هو ظهر ذلك البطن ﴿إلا النار﴾ كما أحاط علمه بالغيب إن ذلك على الحقيقة وبصره لعيون أهل الكشف الذين يرون العواقب في الأوائل والغيب في الشهادة، وفي ذكره بصيغة الحصر نفي لتأويل المتأول بكونه سبباً وصرف له إلى وجه التحقيق الذي يناله
стр. 859
الكشف ويقصر عنه الحس، فكانوا في ذلك كالحذر الذي يجعل يده في الماء الحار ولا يحس به فيشعر ذلك بموت حواس هؤلاء عن حال ما تناولوه.
ولما قدم الوعيد في الثمن لكونه الحامل على الكتم أتبعه وعيد نفس الكتم فقال: ﴿ولا يكلمهم الله﴾ أي الملك الأعظم الذي من كلمه أقبل كل شيء عليه كلاماً يدل على مرضى لكونهم لم يكلموا الناس بما كتب عليهم وقال: ﴿يوم القيامة﴾ تأكيداً لما أشارت إليه ما من أن المراد بالذي قبله الحال ﴿ولا يزكيهم﴾ أي يطهرهم من دنس الذنوب أو يثنى عليهم أو ينمي أعمالهم بما يحصل لهم من الميثاق في يوم التلاق كما يزكي بذلك من يشاء من عبادة لأنهم كتموا عن العباد ما يزكيهم وفي هذا تعظيم لذنب كتموا العلم ﴿ولهم﴾ مع هذا العذاب ﴿عذاب أليم﴾ لما أوقعوا فيه الناس من التعب بكتمهم عنهم ما يقيمهم على المحجة السهلة.
стр. 860
ولما ذكر جزاءهم أتبعه ترجمة حالهم مؤكداً لبعدهم فقال: ﴿أولئك الذين اشتروا﴾ أي لجاجاً وتمادياً في الغي ﴿الضلالة﴾ عن طريق الخير ﴿بالهدى﴾ ولما ذكر حالهم في الدنيا أتبعه أمر الآخرة فقال: ﴿والعذاب﴾ بارتكابهم هذه الموبقة ﴿بالمغفرة﴾ التي كانت تنجيهم إذا محت صغائرهم لو سلموا من هذه العضلة التي كانت سبباً لضلال خلق كثير فكان عليهم وزرهم. ولما جعل أول مأكلهم ناراً وآخر أمرهم عذاباً وترجمة حالهم عدم المغفرة فكان بذلك أيضاً أوسط حالهم ناراً سبب عنه التعجيب من أمرهم بحبسهم أنفسهم في ذلك الذي هو معنى الصبر لالتباسهم بالنار حقيقة أو بموجباتها من غير مبالاة فقال: ﴿فما أصبرهم﴾ أي ما أشد حبسهم أنفسهم أو ما أجرأهم ﴿على النار﴾ التي أكلوها في الدنيا فأحسوا بها في الأخرى - ذكر كثيراً من ذلك الحرالي غير أني تصرفت فيه؛
стр. 861
وإذا جعلته مجازاً كان مثل قولك لمن عاند السلطان: ما أصبرك على السجن الطويل والقيد الثقيل! تهديداً له.
ولما ذكر جزاءهم وشرح حالهم والتعجيب من أمرهم ذكر السبب الموجب لهذا الإبعاد العظيم والتهديد الكبير فقال: ﴿ذلك﴾ مشيراً بأداة البعد ﴿بأن الله﴾ فذكر الاسم الأعظم أيضاً الذي معناه أن له جميع صفات الكمال تعظيماً للمقام ﴿نزّل الكتاب﴾ أي الجامع لأنواع الهدى ﴿بالحق﴾ منجماً تقريباً للأفهام وتدريباً للخاص والعام، وهو صالح لإرادة القرآن والتوراة أي الثابت الكامل في الثبات، فمن كتمه فقد حاول نفي ما أثبته الله تعالى فقد ضاد الله في ملكه، ومن خالف فيه وهو الذي لا شبهة تلحقه فقد عد الواضح ملبساً فقد أبعد المرمى.
ولما كان التقدير: فاختلفوا، أتبعه قوله: ﴿وإن الذين اختلفوا﴾ أي خالف بعضهم بعضاً ﴿في الكتاب﴾ نفسه أي لا في فهمه، وهذه العبارة تدل على أن الاختلاف قول بعض في الكتاب كله
стр. 862
أو في شيء منه هو باطل والإقرار ببعض أحكامه والإنكار لبعضها وتحريف الكلم عن مواضعه ونحو هذا ﴿لفي شقاق﴾ لكون كل واحد منهم في شق ﴿بعيد﴾ جداً عن شق أهل الحق، ولذلك خاف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من اختلاف أهل هذا الدين في القرآن كما اختلف اليهود والنصارى فجمعوهم على مصحف واحد، فليس الاختلاف في وجوه الروايات وأنحاء الفهم من ذلك؛ وقد وقع كما ترى تنبيه المشركين من العرب بدون ما تضمنه تنبيه بني إسرائيل من التقريع والتوبيخ لفرقان ما بينهم، لأن كفر المشركين عن جهل وكفر أولئك عن تعنت بعد تكرر مشاهدة الآيات، ومن تدبر القرآن وطالع التوراة علم طول مكث موسى ﵊ فيهم يتلو عليه التوراة على حسب تنزيلها شيئاً فشيئاً وأنهم كانوا مع ذلك كلما شاهدوا آية أحدثوا كفراً وخلعوا شكراً وسألوا غيرها
стр. 863
عناداً ومكراً ﴿وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ [المائدة: ١٣] وقد مر من أول السورة عن التوراة كثير من ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيته في المواضع اللائقة به من آيات القرآن. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ومتى بين شيء في الكتاب العزيز من أحوال النصارى فليس على ما ورد من مثله في اليهود لما ذكر أي من أن كفرهم تعنت، وخطاب مشركي العرب فيما أشير إليه دون خطاب الفريقين إذ قد تقدم لهم ما لم يتقدم للعرب وبشروا في كتبهم وليس لمشركي العرب مثل ذلك؛ والزيغ عن الهدى شامل للكل وليسوا في شيء من الصراط المستقيم مع أن أسوأ الأحوال حال من أضله الله على علم؛ وهنا انتهى ذكر ما حذر منه ونهى عنه من أراد سلوك الصراط المستقيم وبيان حال من حاد عنه وتنكبه وظن أنه على شيء وضم مفترق أصناف الزائغين في أصناف ثلاثة وهم اليهود والنصارى وأهل الشرك، وبهم يلحق سائر من تنكب فيلحق باليهود منافقو أمتنا ممن ارتاب بعد إظهار إيمانه وفعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء، ويلحق بالنصارى من اتصف بأحوالهم، وبالمشركين من جعل لله نداً واعتقد فعلاً لغيره على غير طريقة الكسب.
стр. 864
عناداً ومكراً ﴿وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ [المائدة: ١٣] وقد مر من أول السورة عن التوراة كثير من ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيته في المواضع اللائقة به من آيات القرآن. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ومتى بين شيء في الكتاب العزيز من أحوال النصارى فليس على ما ورد من مثله في اليهود لما ذكر أي من أن كفرهم تعنت، وخطاب مشركي العرب فيما أشير إليه دون خطاب الفريقين إذ قد تقدم لهم ما لم يتقدم للعرب وبشروا في كتبهم وليس لمشركي العرب مثل ذلك؛ والزيغ عن الهدى شامل للكل وليسوا في شيء من الصراط المستقيم مع أن أسوأ الأحوال حال من أضله الله على علم؛ وهنا انتهى ذكر ما حذر منه ونهى عنه من أراد سلوك الصراط المستقيم وبيان حال من حاد عنه وتنكبه وظن أنه على شيء وضم مفترق أصناف الزائغين في أصناف ثلاثة وهم اليهود والنصارى وأهل الشرك، وبهم يلحق سائر من تنكب فيلحق باليهود منافقو أمتنا ممن ارتاب بعد إظهار إيمانه وفعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء، ويلحق بالنصارى من اتصف بأحوالهم، وبالمشركين من جعل لله نداً واعتقد فعلاً لغيره على غير طريقة الكسب.
стр. 865
ولما بين كفر أهل الكتاب الطاعنين في نسخ القبلة بتكذيب الرسول ﷺ وكتمان الحق وغير ذلك إلى أن ختم بكفرهم بالاختلاف في الكتاب وكتمان ما فيه من مؤيدات الإسلام اتبعه الإشارة إلى أن أمر الفروع أحق من أمر الأصول لأن الفروع ليست مقصودة لذاتها، والاستقبال الذي جعلوا من جملة شقاقهم أن كتموا ما عندهم من الدلالة على حقيته وأكثروا الإفاضة في عيب المتقين به ليس مقصوداً لذاته، وإنما المقصود بالذات الإيمان فإذا وقع تبعته جميع الطاعات من الصلاة المشترط فيها الاستقبال وغيرها فقال تعالى: ﴿ليس البر﴾ أي الفعل المرضي الذي هو في تزكية النفس كالبر في تغذية البدن ﴿أن تولوا وجوهكم﴾ أي
стр. 866
في الصلاة ﴿قبل المشرق﴾ الذي هو جهة مطالع الأنوار ﴿والمغرب﴾ الذي هو جهة أفوالها أي وغيرهما من الجهات المكانية، فإن ذلك كله لله كما مضى عند أول اعتراضهم التصريح بنسبة الكل إليه ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥]
ولما كان قد تبين للمتقين كما ذكر قبل ما يخرج عن الصراط المستقيم وحذروا منه ليجتنبوه عقبه بما يلزمهم ليعملوه فابتدأ من هنا بذكر الأحكام إلى قوله ﴿آمن الرسول﴾ [البقرة: ٢٥٨] وبدأ ذلك بما بدأ به السورة وفصل لهم كثيراً مما كلفوه مما أجمله قبل ذلك ففصل الإيمان تفصيلاً لم يتقدم فقال: ﴿ولكن البر من﴾ أي إيمان من، ولعله
стр. 867
عبر بذلك إفهاماً لأن فاعل ذلك نفسه بر أي أنه زكى حتى صار نفس الزكاة ﴿آمن بالله﴾ الذي دعت إليه آية الوحدانية فأثبت له صفات الكمال ونزهه عن كل شائبة نقص مما على ذلك من دلائل أفعاله. ولما كان من أهم خلال الإيمان القدرة على البعث والتصديق به لأنه يوجب لزوم الخير والبعد عن الشر قال: ﴿واليوم الآخر﴾ الذي كذب به كثير من الناس فاختل نظامهم ببغي بعضهم على بعض، فالأول مبرأ عن الأنداد وهذا مبعد عن أذى العباد.
ولما كان هذا إيمان الكمل وكان أكثر الناس نيام العقول لا يعرفون شيئاً إلا بالتنبيه وضُلال البصائر يفترقون إلى الهداية ذكر الهداة الذين جعلهم وسائط بينه وبين عباده بادئاً بالأول فالأول فقال: ﴿والملائكة﴾ أي الذين أقامهم فيما بينه
стр. 868
وبين الناس وهم غيب محض ﴿والكتاب﴾ الذي ينزلون به على وجه لا يكون فيه ريب أعم من القرآن وغيره ﴿والنبيين﴾ الذين تنزل به عليهم الملائكة، لكونهم خلاصة الخلق، فلهم جهة ملكية يقدرون بها على التلقي من الملائكة لمجانستهم إياهم بها، وجهة بشرية يتمكن الناس بها من التلقي منهم، ولهم من المعاني الجليلة الجميلة التي صرفهم الله فيها بتكميل أبدانهم وأرواحهم ما لا يعلمه إلا هو فعليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام.
قال الحرالي: ففيه أي الإيمان بهم وبما قبلهم قهر النفس للإذعان لمن هو من جنسها والإيمان بغيب من ليس من جنسها ليكون في ذلك ما يزع النفس عن هواها - انتهى. وكذا فضل الصدقة، وفي تعقيب الإيمان بها إشعار بأنها المصدقة له فمن بخل بها كان مدعياً للإيمان بلا بينة، وإرشاد إلى أن في بذلها سلامة من فتنة المال ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ [التغابن: ١٥] لأن من آمن وتصدق كان قد أسلم لله روحه وماله الذي هو عديل روحه فصار عبد الله حقاً، وفي ذلك إشارة إلى الحث على مفارقة كل محبوب سوى الله في الله. قال الحرالي: فمن ظن
стр. 869
أن حاجته يسدها المال فليس براً، إنما البر الذي أيقن أن حاجته إنما يسدها ربه ببره الخفي - انتهى. فلذلك قال: ﴿وآتى المال﴾ أي الذي أباحه بعد جعله دليلاً عليه كرم نفس وتصديق إيمان بالاعتماد في الخلف على من ضمن الرزق وهو على كل شيء قدير؛ وأشار إلى أن شرط الإيمان به إيثاره سبحانه وتعالىعلى كل شيء بقوله: ﴿على حبه﴾ أي إيتاء عالياً فيه حب الله على حبه المال إشارة إلى التصدق في حال الصحة والشح بتأميل الغنى وخشية الفقر؛ وأشار إلى أنه لوجهه لا لما كانوا يفعلونه في الجاهلية من التفاخر فقال: ﴿ذوي القربى﴾ أي لأنهم أولى الناس بالمعروف لأن إيتاءهم
стр. 870
صدقة وصلة ﴿واليتامى﴾ من ذوي القربى وغيرهم لأنهم أعجز الناس ﴿والمساكين﴾ لأنهم بعدهم في العجز ويدخل فيهم الفقراء بالموافقة ﴿وابن السبيل﴾ لعجزهم بالغربة، وإذا جعلنا ذلك أعم من الحال والمآل دخل فيه الغازي ﴿والسآئلين﴾ لأن الأغلب أن يكون سؤالهم عن حاجة ويدخل الغارم ﴿وفي الرقاب﴾ قال الحرالي: جمع رقبة وهو ما ناله الرق من بني آدم فالمراد الرقاب المسترقة التي يرام فكها بالكتابة وفك الأسرى منه، وقدم عليهم أولئك لأن حاجتهم لإقامة البينة.
ولما ذكر مواساة الخلق وقدمها حثاً على مزيد الاهتمام بها لتسمح النفس بما زين لها حبه من المال اتبعها حق الحق
стр. 871
فقال: ﴿وأقام الصلاة﴾ التي هي أفضل العبادات البدنية ولا تكون إلا بعد سد أود الجسد ولا تكون إقامتها إلا بجميع حدودها والمحافظة عليها. ولما ذكر ما يزكي الروح بالمثول بين يدي الله والتقرب بنوافل الصدقات ذكر ما يطهر المال وينميه وهو حق الخلق فقال: ﴿وآتى الزكاة﴾ وفي الاقتصار فيها على الإيتاء إشعار بأن إخراج المال على هذا الوجه لا يكون إلا من الإخلاص.
ولما أتم الإيمان وما يصدق دعواه في الجملة شرع في كمال ذلك فعطف على أول الكلام ما دل بعطفه كذلك على أنه مقصود لذاته فإنه جامع لدخوله في جميع ما تقدمه فقال: ﴿والموفون بعهدهم﴾
стр. 872
قال الحرالي: من الإيفاء وهو الأخذ بالوفاء نجاز الموعود في أمر المعهود - انتهى.
وبين قوله: ﴿إذا عاهدوا﴾ أن المطلوب ما ألزموا أنفسهم به للحق أو الخلق تصريحاً بما أفهمه ما قبله. ولما قطع الوفاء تعظيما له لدخوله فيما قبل فعل كذلك في الصبر لذلك بعينه فقال: ﴿والصابرين﴾ وفيه رمز إلى معاملته بما كان من حقه لو عطف على ﴿من آمن﴾ لو سيق على الأصل. قال الحرالي: وفيه إشعار بأن من تحقق بالصبر على الإيثار فكان شاكراً تحقق منه الصبر في الابتلاء والجهاد تأييداً من الله لمن شكره ابتداء بإعانته على الصبر والمصابرة انتهاء، كأنه لما جاد بخير الدنيا على حبه أصابه الله ببلائها تكرمة له ليوفيه حظه من مقدوره في دنياه فيكون ممن يستريح عند موته وبأنه إن جاهد ثبت بما يحصل في نفس الشاكر الصابر من الشوق إلى لقاء الله تبرؤاً من الدنيا وتحققاً بمنال الخير من الله - انتهى.
وعين أشد ما يكون الصبر فيه فقال: ﴿في البأسآء﴾ أي عند
стр. 873
حلول الشدة بهم في أنفسهم من الله بلا واسطة أو منه بواسطة العباد ﴿والضرآء﴾ بحصول الضر في أموالهم وبقية أحوالهم من احتقار الناس لهم ونحوه، وفسرها في القاموس بالشدة والنقص في الأموال والأنفس فهو حينئذ أعم ليكون الأخص مذكوراً مرتين. وقال الحرالي: البأساء فعلاء من البؤس وهو سوء الحال والفاقة وفقد المنة عن إصلاحه، والضراء مرض البدن وآفاته، فكان البأساء في الحال والضراء في البدن - انتهى. ﴿وحين البأس﴾ أي الحرب الجامع للأنفس والأموال. وقال الحرالي: البأس الشدة في الحرب.
стр. 874
ولما كانت هذه الخلال أشرف خلال أشار إلى شرفها بشرف أهلها فقال مستأنفاً بياناً لأنه لا يستحق اسم البر إلا من اجتمعت فيه هذه الخلال: ﴿أولئك﴾ أي خاصة الذين علت هممهم وعظمت أخلاقهم وشيمهم ﴿الذين صدقوا﴾ أي فيما ادعوه من الإيمان، ففيه إشعار بأن من لم يفعل أفعالهم لم يصدق في دعواه ﴿وأولئك هم﴾ خاصة ﴿المتقون *﴾ ليوم الجزاء، وفي جعله نعتاً لهم إشعار بأنهم تكلفوا هذه الأفعال لعظيم الخوف. وقال ابن الزبير في برهانه: ثم ذكر الزكاة والصيام والحج والجهاد إلى غير ذلك من الأحكام كالنكاح والطلاق والعدد والحيض والرضاع والحدود والربا والبيوع إلى ما تخلل هذه الآيات من تفاصيل الأحكام ومجملها وقدم منها الوفاء بالعهد والصبر، لأن ذلك يحتاج إليه في كل الأعمال، وما تخلل هذه الآيات من لدن قوله ﴿ليس البر﴾ إلى قوله: ﴿آمن الرسول﴾
стр. 875
مما ليس من قبيل الإلزام والتكليف فلتسبب أوجب ذكره ولتعلق استدعاه - انتهى. والحاصل أنه لما طهرهم من أوصار المحارم بقوارع الزواجر شرع في تزكيتهم بالإقحام في غمرات الأوامر ليكمل تعبدهم بتحليهم بأمره بعد تخليهم من سخطه بصادع زجره فذكر في هذه السورة جميع أركان هذا الحرف وحظيرته.
قال الإمام أبو الحسن الحرالي في العروة: وجه إنزال هذا الحرف حمل الخلق على صدق التذلل لله إثر التطهير من رجزهم ليعود بذلك وصل ما انقطع وكشف ما انحجب وهو حرف العبادة المتلقاة بالإيمان المثابر عليها بسابق الخوف المبادر لها تشوقاً بصدق المحبة، فالعابد من ساقه الخوف إليها والعارف من قاده الحب لها وهو بناء ذو عمود وأركان وله حظيرة تحوطه، فأما عموده فافراد التذلل لله توحيداً وطليعته آية ما كان نحو قوله ﴿اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً﴾ [النساء: ٣٦] طهرهم حرف الزجر من
стр. 876
رجز عبادة إله آخر فأثبت لهم حرف الأمر التفريد حتى لا يشركوا معه في التذلل شيئاً أي شيء كان آخر، وهو أول ما أقام الله من بناء الدين ولم يفرض غيره نحو العشر من السنين في إنزال ما أنزل بمكة وسن مع فرضه الركن الأول وهو الصلاة، وبدئت بالوضوء عملاً من حذو تطهير القلب والنفس بحرف النهي وأعقب بالصلاة عملاً من حذو طهور القلب بالتوحيد بين يدي الرب ، فالوضوء وجه عمل حرف الزجر والصلاة وجه عمل حرف الأمر، وسن على تأسيس بدار الحب لتبدو قوة الإيمان في مشهود ملازمة خدمة الأبدان. فكان أقواهم إيماناً أكثرهم وأطولهم صلاة وقنوتاً، من أحب ملكاً خدمه ولازمه، ولا تخدم الملوك بالكسل والتهاون وإنما تخدم بالجهد والتذلل، فكانت الصلاة علم الإيمان تكثر بقوته وتقل بضعفه، لأنها لو فرضت لم يظهر فيها تفاوت قوة الإيمان وصدق الحق كما لا يظهر بعد فرضها إلا في النوافل، ولإجهاد النبي ﷺ نفسه وبدنه في ذلك أنزل عليه ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى * تنزيلاً ممن خلق الأرض والسماوات العلى * الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٢-٥]- إلى قوله ﴿الله
стр. 877
لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى*﴾ [طه: ٨] هذا التوحيد وإظهاره هو كان يومئذ المقصود الأول وذلك قبل إسلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعمر موفي أربعين من عدد المؤمنين، فلما دخل الإسلام من لا يبعثه الحب والاستراحة على الصلاة بعد عشر أو نحوها فرضت الصلاة فاستوى في فرضها المحب والخائف، وسن رسول الله ﷺ التطوع على ما كان أصلها، وذلك صبيحة ليلة الإسراء، وأول منزل هذا الحرف والله أعلم في فرض هذا الركن أو من أول منزله قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر﴾ [الإسراء: ٧٨] اختص لهم بها أوقات الرحمة وجنبهم به أوقات الفتنة ومنه جميع آي إقامة الصلاة وإتمامها.
الركن الآخر الصوم وهو إذلال النفس لله بإمساكها عن كل ما تشوف إليه من خاص أمرها نهاراً للمقتصر ودواماً للمعتكف، وهو صلة بين العبد وبين نفسه ووصل لشتاته في ذاته، وأول ما أنزل هذا الركن من هذا الحرف بالمدينة بعد مدة من الهجرة وأول منزله ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ [البقرة: ١٨٣] وإنما فرض والله أعلم بالمدينة لأنهم لما آمنوا من
стр. 878
عداوة الأمثال والأغيار وعام الفتنة بالمدينة عادت الفتنة خاصة في الأنفس بالتبسط في الشهوات وذلك لا يليق بالمؤمنين المؤثرين للدين على الدنيا، ثم أنزل الله إتمامه بقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥] إلى ما يختص من الآي بأحكام الصيام. الركن الآخر الزكاة وهو كسر نفس الغني بما يؤخذ بأخذه منه من حق أصنافها إظهاراً لأن المشتغلين بالدين آثر عند الله من المقيمين على الأموال وليميز بها الذين آمنوا من المنافقين لتمكنهم من الرياء في العمود والركنين، ولم يشهد الله بالنفاق جهراً أعظم من شهادته على مانع الزكاة، ومن منع زكاة المال عن الخلق كان كمن امتنع عن زكاة قُواه بالصلاة من الحق، فلذلك لا صلاة لمن لا زكاة له، وكما كانت الزكاة حباً قبل فرضها كذلك كان الإنفاق لما زاد على الفضل عزماً مشهوراً عندهم لا يعرفون غيره ولا يشعرون في الإسلام بسواه، فلما شمل الإسلام أخلاط وشحت النفوس فرضت الزكاة وعين أصنافها، وذلك بالمدينة حين اتسعت أموالهم وكثر خير الله عندهم وحي عم نفاق قوم بها أنفة
стр. 879
من حط رئاستهم بتذلل الإسلام لله والنصفة بخلق الله وتبين فيها الخطاب مرة لأرباب الأموال بقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣] لتكون لهم قربة إذا آتوها سماحاً ومرة للقائم بالأمر بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] حين يؤنس من نفوسهم شح وشدد الله فيها الوعيد في القرآن جبراً لضعف أصنافها ونسق لذلك جميع ما أنزل في بيان النفقات والصدقات بداراً عن حب أو ائتماراً عن خوف. الركن الآخر الحج وهو حشر الخلق من أقطار الأرض للوقوف بين يدي ربهم في خاتم منيتهم ومشارفة وفاتهم ليكون لهم أمنة من حشر ما بعد مماتهم، فكمل به بناء الدين وذلك في أواخر سني الهجرة ومن آخر المنزل بالمدينة، وأول خطابه ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] بتنبيهه على أذان إبراهيم ﵊ ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً﴾ [الحج: ٢٧] إلى ما أنزل في أمر الحج وأحكامه الحظيرة الحائط وهي الجهاد، ولم تزل مصاحبة الأركان كلها إما مع ضعف كما بمكة أو مع قوة كما في المدينة، ومن أول تصريح منزله
﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ [الحج: ٣٩] إلى قوله ﴿وقاتلوا المشركين كافة
стр. 880
كما يقاتلونكم كافة﴾ [التوبة: ٣٦] ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ [التوبة: ١٢٣] إلى قوله: ﴿جاهد الكفار والمنافقين﴾ [التوبة: ٧٣] إلى انتهاء قتال أهل الكتاب في قوله تعالى ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩] الآية إلى تمام المنزل في شأنه في قوله تعالى ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال: ٣٩] وهذا تمام حرف الأمر؛ ولكل في ذلك الظاهر في الإسلام موقع حدوده في الإيمان وموقع في الإحسان لدى ثلاثتها الذي هو كمال الدين كله، ذلك من تنزل القرآن من بين إفصاح وإفهام في هذا الحرف، وهو وفاء الدين والتعبد لله رب العالمين. ثم قال فيما به تحصل قراءة حرف الأمر: اعلم أن الوفاء بقراءة حرف النهي تماماً يفرغ لقراءة حرف الأمر، لأن المقتنع في معاش الدنيا يتيسر له التوسع في عمل الأخرى، والمتوسع في متاع الدنيا لا يمكنه التوسع في عمل الأخرى لما بينهما من التضار والتضاد، والذي تحصل به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فالتوحيد والإخلاص، وأعم ذلك البراءة من الشرك العظيم لئلا يتخذ مع الله
следующие страницы →