← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

أمر ﴿الذين كانوا﴾ أي سكاناً للأرض عريقين في عمارتها. ولما كان المنتفع بالوعظ يكفيه أدنى شيء منه، نبه على ذلك بالجار فقال: ﴿من قبلهم﴾ أي قبل زمانهم ﴿كانوا﴾ ولما كان السياق لمجادلة قريش لإدحاض الحق مع سماعهم لأخبار الأولين، كانوا كأنهم ادعوا أنهم أشد الناس، فاقتضى الحال تأكيد الخبر بأن الأولين أشد منهم، فأكدر أمرهم فيما نسبه إليهم معبراً بضمير الفصل بقوله: ﴿هم﴾ أي المتقدمون، لما لهم من القوى الظاهرة والباطنة. ولما كان مرجع المجادلة القوة لا الكثرة، وقال استئنافاً في جواب من لعله يقول: ما كان أمرهم؟ : ﴿أشد منهم﴾ أي هؤلاء - قرأه ابن عامر ﴿منكم﴾ بالكاف كما هو في مصحف أهل الشام على الالتفات للتنصيص على المراد ﴿قوة﴾ أي ذواتاً ومعاني ﴿و﴾ أشد ﴿آثاراً في الأرض﴾ لأن آثارهم لم يندرس بعضها إلى هذا الزمان وقد مضى عليها ألوف من السنين، وأما المتأخرون فتنطمس آثارهم في أقل من قرن. ولما كانت قوتهم ومكنتهم سبباً لإعجابهم وتكبرهم على أمر ربهم ومخالفة رسله، فكان ذلك سبب هلاكهم قال: ﴿فأخذهم الله﴾ أي

стр. 8577

الذي له صفات الكمال أخذ غلبة وقهر وسطوة، ولما لم يتقدم شيء يسند إليه أخذهم، قال مبيناً ما أخذوا به: ﴿بذنوبهم﴾ أي التي سببت لهم الأخذ ولم يغن عنهم شيء من ذلك الذي أبطرهم حتى عتوا به على ربهم ولا شفع فيهم شافع ﴿وما كان لهم﴾ أي من شركائهم الذين ضلوا بهم كهؤلاء ومن غيرهم ﴿من الله﴾ أي عوض المتصف بجميع صفات الكمال، أو كوناً مبتدئاً من جهة عظمته وجلاله، وأكد النفي بزيادة الجار فقال: ﴿من واق *﴾ أي يقيهم مراده سبحانه فيهم، لا من شركائهم ولا من غيرهم، فعلم أن الذين من دونه لا يقضون بشيء، ويجوز أن تكون «من» الأولى ابتدائية على بابها تنبيهاً على أن الأخذ في غاية العنف لأنه إذا لم يبتدئ من جهته سبحانه لهم وقاية لم تكن لهم باقية بخلاف من عاقبه الله عقوبة تأديب، فإن عذابه يكون سبب بقائه لما يحصل له منه سبحانه من الوقاية. ولما ذكر سبحانه أخذهم ذكر سببه بما حاصله أن الاستهانة بالرسول استهانة بمن أرسله في قوله: ﴿ذلك﴾ أي الأخذ العظيم ولما كان مقصود السورة تصنيف الناس في الآخرة صنفين، فكانوا إحدى عمدتي الكلام، أتى بضميرهم فقال: ﴿بأنهم﴾ أي الذين كانوا من قبل ﴿كانت تأتيهم﴾ أي شيئاً فشيئاً في الزمان الماضي على وجه قضاه سبحانه فأنفذه ﴿رسلهم﴾ أي الذين هم منهم ﴿بالبينات﴾

стр. 8578

أي الآيات الدالة على صدقهم دلالة هي من وضوح الأمر بحيث لا يسع منصفاً إنكارها. ولما كان مطلق الكفر كافياً في العذاب، عبر بالماضي فقال: ﴿فكفروا﴾ أي سببوا عن إتيان الرسل عليهم الصلاة والسلام الكفر موضع ما كان إتيانهم سبباً له من الإيمان. ولما سبب لهم كفرهم الهلاك قال: ﴿فأخذهم﴾ أي أخذ غضب ﴿الله﴾ أي الملك الأعظم. ولما كان قوله ﴿فكفروا﴾ معلماً بسبب أخذهم لم يقل: بكفرهم، كما قال سابقاً: بذنوبهم، لإرشاد السباق إليه. ولما كان اجتراؤهم على العظائم فعل منكر للقدرة، قال مؤكداً لعملهم عمل من لا يخافه: ﴿إنه قوي﴾ لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء ﴿شديد العقاب *﴾ . ولما كان ذلك عجباً لأن البينات تمنع من الكفر، فكان تقدير لمن ينكر الإرسال على هذه الصفة: فلقد أرسلناهم كذلك، وكان موسى ﵇ من أجل المرسلين آيات، عطف على ذلك تسلية ونذارة لمن أدبر، وإشارة لمن استبصر قوله: ﴿ولقد﴾ ولفت القول إلى مظهر العظمة كما في الآيات التي أظهرها بحضرة هذا

стр. 8579

الملك المتعاظم من الهول والعظم الذي تصاغرت به نفسه وتحاقرت عنده همته وانطمس حسه، فقال: ﴿أرسلنا﴾ أي على ما لنا من العظمة ﴿موسى بآياتنا﴾ أي الدالة على جلالنا ﴿وسلطان﴾ أي أمر قاهر عظيم جداً، لا حيلة لهم في مدافعة شيء منه ﴿مبين *﴾ أي بين في نفسه مناد لكل من يمكن إطلاعه عليه أنه ظاهر جداً، وذلك الأمر هو الذي كان يمنع فرعون من الوصول ألى أذاه مع ما له من القوة والسلطان ﴿إلى فرعون﴾ أي ملك مصر. ولما كان الأكابر أول من يتوجه إليه الأمر لأن بانقيادهم ينقاد غيرهم قال: ﴿وهامان﴾ أي وزيره. ولما كان من أعجب العجب أن يكذب الرسول من جاء لنصرته واستنقاذه من شدته قال: ﴿وقارون﴾ أي قريب موسى ﵇ ﴿فقالوا﴾ أي هؤلاء ومن تبعهم، أما من عدا قارون فأولاً وآخراً بالقوة والفعل، وأما قارون ففعله آخراً بين أنه مطبوع على الكفر وإن آمن أولاً، وإن هذا كان قوله وإن لم يقله بالفعل في ذلك الزمان فقد قاله في التيه، فدل ذلك على أنه

стр. 8580

لم يزل قائلاً به، لأنه لم يتب منه ﴿ساحر﴾ لعجزهم عن مقاهرته، ولم يقل، «سحار» لئلا يتوهم أحد أنه يمدحه بالبراعة في علم السحر فتتحرك الهمم للإقبال عليه للاستفادة منه وهو خبر مبتدأ محذوف، ثم وصفوه بقولهم: ﴿كذاب *﴾ لخوفهم من تصديق الناس له، فبعث أخصّ عباده به إلى أخسّ عباده عنده ليقيم الحجة عليه، وأمهله عندما قابل بالتكذيب وحلم عنه حتى أعذر إليه غاية الإعذار. ولما أجمل أمره كله في هاتين الآيتين، شرع في تفصيله فقال مشيراً إلى مباردتهم إلى العناد من غير توقف أصلاً التي أشار إليها حذف المبتدأ والاقتصار على الخبر الذي هو محط الفائدة: ﴿فلما جاءهم﴾ أي موسى ﵇ ﴿بالحق﴾ أي بالأمر الثابت الذي لا طاقة لأحد بتغيير شيء منه كائناً ﴿من عندنا﴾ على ما لنا من القهر، فآمن معه طائفة من قومه ﴿قالوا﴾ أي فرعون وأتباعه ﴿اقتلوا﴾ أي قتلاً حقيقياً بإزالة الروح ﴿أبناء الذين آمنوا﴾ أي به فكانوا ﴿معه﴾ أي

стр. 8581

خصوهم بذلك واتركوا من عداهم لعلهم يكذبونه ﴿واستحيوا نساءهم﴾ أي اطلبوا حياتهن بأن لا تقتلوهن. ولما كان هذا أمراً صاداً في العادة لمن يؤمن عن الإيمان وراداً لمن آمن إلى الكفران، أشار إلى أنه سبحان خرق العادة بإبطاله فقال: ﴿وما﴾ أي والحال أنه ما كيدهم - هكذا كان الأصل ولكنه قال: ﴿كيد الكافرين﴾ تعميماً وتعليقاً بالوصف ﴿إلا في ضلال﴾ أي مجانبة للسدد الموصل إلى الظفر والفوز لأنه ما أفادهم أولاً في الحذر من موسى ﵇ ولا آخراً في صد من آمن به مرادهم، بل كان فيه تبارهم وهلاكهم، وكذا أفعال الفجرة مع أولياء الله، ما حفر أحد منهم لأحدم منهم حفرة مكر إلا أركبه الله فيها. ولما أخبر تعالى بفعله بمن تابع موسى ﵇، أخبر عن فعله معه بما علم به أنه عاجز فقال: ﴿وقال فرعون﴾ أي أعظم الكفرة في ذلك الوقت لرؤساء أتباعه عندما علم أنه عاجز عن قتله وملاّه ما رأى منه خوفاً وذعراً، دافعاً عن نفسه ما يقال من أنه ما ترك موسى ﵇ مع استهانته به إلا عجزاً عنه، موهماً أن آله هم الذين يردونه عنه، وأنه لولا ذلك قتله: ﴿ذروني﴾ أي اتركوني

стр. 8582

على أيّ حالة كانت ﴿أقتل موسى﴾ وزاد في إيهام الأغبياء والمناداة على نفسه عند البصراء بالفضيحة بقوله: ﴿وليدع ربه﴾ أي الذي يدعوه ويدعي إحسانه إليه بما يظهر على يديه من هذه الخوارق، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً إعلاماً بأنه الأمر صعب جداً لأنه كان منهم من يوهي أمره بأنه لا يؤثر ما هو فيه شيئاً أصلاً تقرباً إلى فرعون، وإظهاراً للثبات على متابعته ﴿إني أخاف﴾ أي إن تركته ﴿أن يبدل دينكم﴾ أي الذي أنتم عليه من نسبة الفعل إلى الطبيعة بما يدعو إليه من عبادة إلهه. ولما ألهبهم بهذا الكلام إلى ممالأتهم له على موسى ﵇، زاد في ذلك بقوله: ﴿وأن يظهر﴾ أي بسببه - على قراءة الجماعة بفتح حرف المضارعة ﴿في الأرض﴾ أي كلها ﴿الفساد *﴾ وقرأ المدنيان والبصريان وحفص بالضم إسناداً إلى ضمير موسى ﵇ وبنصب الفساد أي بفساد المعائش فإنه إذا غلب علينا قوي على من سوانا، فسفك الدماء وسبى الذرية، وانتهب الأموال، ففسدت الدنيا مع فساد الدين، فسمى اللعين الصلاح - لمخالفته لطريقته الفاسدة - فساداً كما هو

стр. 8583

شأن كل مفسد مع المصلحين، وقرأ الكوفيون ويعقوب «أو أن» بمعنى أنه يخاف وقوع أحد الأمرين: التبديل أو ظهور ما هو عليه مما سماه فساداً، وإن لم يحصل التبديل عاجلاً فإنه يحصل به الوهن.

стр. 8584

ولما أعلم بمقالة العدو، أتبعه الإعلام بقول الولي فقال: ﴿وقال موسى﴾ إبطالاً لهذا القول وإزالة لآثاره مؤكداً لما استقر في النفوس من قدرة فرعون: ﴿إني عذت﴾ أي اعتصمت عند ابتداء الرسالة ﴿بربي﴾ ورغبهم في الاعتصام به وثبتهم بقوله: ﴿وربكم﴾ أي المحسن إلينا أجمعين، فأرسلني لاستنقاذكم من أعداء الدين والدنيا ﴿من كل متكبر﴾ أي عاتٍ طاغ متعظم على الحق هذا وغيره ﴿لا يؤمن﴾ أي لا يتجدد له تصديق ﴿بيوم الحساب *﴾ من ربه له وهو يعلم أنه لا بد من حسابه هو لمن تحت يده من رعاياه وعبيده فيحكم على ربه بما لا يحكم به على نفسه، ومعنى العوذ أنه لا وصول لأحد منهم إلى قتلي بسبب عوذي، هذا أمر قد فرغ منه مرسلي لخلاصكم، القادر على كل شيء. ولما انقضى كلام الرأسين، وكانت عادة من لم يكن لهم نظام من الله رابط أن قلوبهم لا تكاد تجتمع وأنه لا بد أن يجاهر بعضهم بما عنده ولو عظم شأن الملك القائم بأمرهم، واجتهد في جمع مفترق

стр. 8585

علنهم وسرهم، قال تعالى مخبراً عن كلام بعض الأتباع في بعض ذلك: ﴿وقال رجل﴾ أي كامل في رجوليته ﴿مؤمن﴾ أي راسخ الإيمان فيما جاء به موسى ﵇. ولما كان للإنسان، إذا عم الطغيان، أن يسكن بين أهل العدوان، إذا نصح بحسب الإمكان، أفاد ذلك بقوله: ﴿من آل فرعون﴾ أي وجوههم ورؤسائهم ﴿يكتم إيمانه﴾ أي يخفيه إخفاء شديداً خوفاً على نفسه لأن الواحد إذا شذ عن قبيلة يطمع فيه ما لا يطمع إذا كان واحداً من جماعة مختلفة، مخيلاً لهم بما يوقفهم عن الإقدام على قتله من غير تصريح بالإيمان. ولما رآهم قد عزموا على القتل عزماً قوياً أوقع عليه اسم القتل، فقال منكراً له غاية الإنكار: ﴿أتقتلون رجلاً﴾ أي هو عظيم في الرجال حساً ومعنى، ثم علل قتلهم له بما ينافيه فقال: ﴿أن﴾ أي لأجل أن ﴿يقول﴾ ولو على سبيل التكرير: ﴿ربي﴾ أي المربي لي والمحسن إليّ ﴿الله﴾ أي الجامع لصفات الكمال ﴿وقد﴾ أي والحال أنه قد ﴿جاءكم بالبينات﴾ أي الآيات الظاهرات من غير لبس ﴿من ربكم﴾ أي الذي لا إحسان عندكم إلا منه، وكما أن ربوبيته له اقتضت عنه الاعتراف له بها فكذلك ينبغي أن تكون ربوبيته لكم داعية لكم إلى

стр. 8586

اعترافكم له بها. ولما كان كلامه هذا يكاد أن يصرح بإيمانه، وصله بما يشككهم في أمره ويوقفهم عن ضره، فقال مشيراً إلى أنه لا يخلو حاله من أن يكون صادقاً أو كاذباً، مقدماً القسم الذي هو أنفى للتهمة عنه وأدعى للقبول منه: ﴿وإن﴾ أي والحال أنه إن. ولما كان المقام لضيقه غاية الضيق بالكون بين شرور ثلاثة عظيمة: قتلهم خير الناس إذ ذاك، وإتيانهم بالعذاب، واطلاعهم على إيمانه، فأقل ما يدعوهم ذلك إلى اتهامه إن لم يحملهم على إعدامه داعية للإيجاز في الوعظ والمسارعة إلى الإتيان بأقل ما يمكن، حذف النون فقال: ﴿يك كاذباً فعليه﴾ أي خاصة ﴿كذبه﴾ يضره ذلك وليس عليكم منه ضرر، ولم يقل: أو صادقاً، وإن كان الحال مقتضياً لغاية الإيجاز لئلا يكون قد نقص الجانب المقصود بالذات حقه، فيكون قد أخل ببعض الأدب، فقال مظهراً لفعل الكون عادلاً عما له إلى ما عليهم معادلاً لما ذكره عليه ونقصه عنه إظهاراً للنصفة ودفعاً للتهمة عن نفسه: ﴿وإن يك﴾ حذف نونه لمثل ما مضى ﴿صادقاً يصبكم﴾ أي على وجه العقوبة من الله وله صدقه

стр. 8587

ينفعه ولا ينفعكم شيئاً. ولما كان العاقل من نظر لنفسه فلم يرد كلام خصمه من غير حجة، وكان أقل ما يكون من توعد من بانت مخايل صدقه البعض، قال ملزماً الحجة بالبعض، غير ناف لما فوقه إظهاراً للانصاف وأنه لم يوصله حقه فضلاً عن التعصب له نفياً للتهمة عن نفسه: ﴿بعض الذي﴾ وقال: ﴿يعدكم﴾ دون «يوعدكم» إشارة إلى أنهم إن وافوه أصابهم جميع ما وعدهموه من الخير، وإلا دهاهم ما توعدهم من الشر، والآية من الاحتباك: ذكر اختصاصه بضر الكذب أولاً دليلاً على ضده وهو اختصاصه بنفع الصدق ثانياً، وإصابتهم ثانياً دليلاً على إصابته أولاً، وسره أنه ذكر الضار في الموضعين، لأنه أنفع في الوعظ لأن من شأن النفس الإسراع في الهرب منه، ولقد قام أعظم من هذا المقام - كما في الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ أبو بكر الصديق ﵁ وهو مظهر إيمانه وقد جد الجد بتحقق الشروع في الفعل حيث اخذ المشركون بمجامع ثوب النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت فالتزمه أبو بكر ﵁ وهو يقول هذه الآية، ودموعه

стр. 8588

تجري على لحيته حتى فرج الله وقد مزقوا كثيراً من شعر رأسه ﵁. ولما كان فرعون قد نسب موسى ﵊ بما زعمه من إرادته إظهار الفساد إلى الإسراف بعد ما نسبه إليه من الكذب، علل هذا المؤمن قوله هذا الحسن في شقي التقسيم بما ينطبق إلى فرعون منفراً منه مع صلاحيته لإرادة موسى ﵊ على ما زعمه فيه فرعون فقال: ﴿إن الله﴾ أي الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز ﴿لا يهدي﴾ أي إلى ارتكاب ما ينفع واجتناب ما يضر ﴿من هو مسرف﴾ أي بإظهار الفساد متجاوز للحد، وكأنه ﵁ جوز أن يتأخر شيء مما توعد به فيسموه كذباً، ولذا قال ﴿يصبكم بعض الذي يعدكم﴾ فعلق الأمر بالمبالغة فقال: ﴿كذاب *﴾ لأن أول خذلانه وضلاله تعمقه في الكذب، ويهدي من هو مقتصد صادق، فإن كان كاذباً كما زعمتم ضره كذبه، ولم يهتد لوجه يخلصه، وإن كان صادقاً أصابتكم العقوبة ولم تهتدوا لما ينجيكم، لاتصافكم

стр. 8589

بالوصفين. ولما خيلهم بهذا الكلام الذي يمكنه توجيهه، شرع في وعظهم إظهاراً للنصيحة لهم والتحسر عليهم فقال مذكراً لهم بنعمة الله عليهم محذراً لهم من سلبها مستعطفاً بذكر أنه منهم: ﴿يا قوم﴾ وعبر بأسلوب الخطاب دون التكلم تصريحاً بالمقصود فقال: ﴿لكم الملك﴾ ونبه على ما يعرفونه من تقلبات الدهر بقوله: ﴿اليوم﴾ وأشار إلى ما عهدوه من الخذلان في بعض الأزمان بقوله: ﴿ظاهرين﴾ أي غالبين على بني إسرائيل وغيرهم، وما زال أهل البلاء يتوقعون الرخاء، وأهل الرخاء يتوقعون البلاء، ونبه على الإله الواحد القهار الذي له ملك السماوات فملك الأرض من باب الأولى، بقوله معبراً بأداة الظرف الدالة على الاحتياج ترهيباً لهم: ﴿في الأرض﴾ أي أرض مصر التي هي لحسنها وجمعها المنافع كالأرض كلها، قد غلبتم الناس عليها. ولما علم من هذا أنهم لا يملكون جميع الكون، تسبب عنه أن المالك للكل هو الإله الحق والملك المطلق الذي لا مانع لما يريد، فلا ينبغي لأحد من عبيده أن يتعرض إلى ما لا قبل له به من سخطه، فلذلك قال: ﴿فمن ينصرنا﴾ أي أنا وأنتم، أدرج نفسه فيهم عن ذكر الشر بعد إفراده لهم بالملك إبعاداً للتهمة وحثاً على قبول النصيحة: ﴿من بأس الله﴾ أي الذي له الملك كله، ونبه بأداة الشك على أن عذابه لهم أمر ممكن، والعاقل من يجوز الجائز ويسعى

стр. 8590

في التدرع منه فقال: ﴿إن جاءنا﴾ أي غضباً لهذا الذي يدعي أنه أرسله، ويجوز أن يكون صادقاً، بل يجب اعتقاد ذلك لما أظهره من الدلائل، وفي قوله هذا تسجيل عليهم بأنهم يعرفون أن الله ملك الملوك ورب الأرباب، وكذا قول موسى ﵇ ﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض﴾ [الاسراء: ١٠٢] وأن ادعاء فرعون الإلهية إنما هو محض عناد. ولما سمع فرعون ما لا طعن له فيه، فكان بحيث يخاف من بقية قومه إن أفحش في أمر هذا المؤمن، فتشوف السامع لجوابه، أخبر تعالى أنه رد رداً دون رد بقوله: ﴿قال فرعون﴾ أي لقومه جواباً لما قاله هذا المؤمن دالاً بالحيدة عن حاق جوابه على الانقطاع بالعجز عن نقض شيء من كلامه: ﴿ما أريكم﴾ أي من الآراء ﴿إلا ما أرى﴾ أي إنه الصواب على قدر مبلغ علمي، أي إن ما أظهرته لكم هو الذي أبطنه. ولما كان في كلام المؤمن تعريض في أمر الهداية، وكان الإنسان ربما يتوافق قلبه ولسانه، ويكون تطابقهما على ضلال، قال: ﴿وما أهديكم﴾ أي بما أشرت به من قتل موسى ﵇ وغيره ﴿إلا سبيل الرشاد *﴾ أي الذي أرى أنه صواب، لا أبطن شيئاً وأظهر غيره، وربما يكون في هذا تنبيه لهم على ما يلوح

стр. 8591

من كلام المؤمن لأنه ارتاب في أمره، وفي هذا أنه في غاية الرعب من أمر موسى ﵇ لاستشارته لقومه في أمره واحتمال هذه المراجعات التي يلوح منها أنه يكاد ينفطر غيظاً منه ولكنه يتجلد. ولما ظهر لهذا المؤمن ﵁ أن فرعون ذل لكلامه، ولم يستطع مصارحته، ارتفع إلى أصرح من الأسلوب الأول فأخبرنا تعالى عنه بقوله مكتفياً في وصفه بالفعل الماضي لأنه في مقام الوعظ الذي ينبغي أن يكون من أدنى متصف بالإيمان بعد أن ذكر عراقته في الوصف لأجل أنه كان في مقام المجاهدة والمدافعة عن الرسول عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام الذي لا يقدم عليه إلا راسخ القدم في الدين: ﴿وقال الذي آمن﴾ أي بعد قول فرعون هذا الكلام الذي هو أبرد من الثلج الذي دل على جهله وعجزه وذله ﴿يا قوم﴾ وأكد لما رأى عندهم من إنكار أمره وخاف منهم من اتهامه فقال: ﴿إني أخاف عليكم﴾ أي من المكابرة في أمر موسى ﵊. ولما كان أقل ما يخشى يكفي العاقل، وكانت قدرة الله سبحانه عليهم كلهم على حد سواء لا تفاوت فيها فكان هلاكهم كلهم كهلاك نفس واحدة، أفرد فقال: ﴿مثل يوم الأحزاب *﴾ مع أن إفراده أروع وأقوى في التخويف وأفظع للاشارة إلى قوة الله تعالى وأنه قادر على

стр. 8592

إهلاكهم في أقل زمان.

стр. 8593

ولما أجمل فصل وبين أو بدل بعد أن هول، فقال بادئاً بمن كان عذابهم مثل عذابهم، ودأبهم شبيهاً بدأبهم: ﴿مثل دأب﴾ أي عادة ﴿قوم نوح﴾ أي فيما دهمهم من الهلاك الذي محقهم فلم يطيقوه مع ما كان فيهم من قوة المحاولة والمقاومة لما يريدونه ﴿وعاد وثمود﴾ مع ما بلغكم من جبروتكم. ولما كان هؤلاء أقوى الأمم، اكتفى بهم وأجمل من بعدهم فقال: ﴿والذين﴾ وأشار بالجار إلى التخصيص بالعذاب لئلا يقال: هذه عادة الدهر، فقال: ﴿من بعدهم﴾ أي بالقرب من زمانهم لا جميع من جاء بعدهم. ولما كان التقدير: أهلكهم الله وما ظلمهم، عبر عنه تعميماً مقروناً بما تضمنه من الخبر بدليله فقال: ﴿وما الله﴾ أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال. ولما كان في مقام الوعظ لهم ومراده ردهم عن غيهم بكل حال، علق الأمر بالإرادة لأنها متى ارتفعت انتفى الظلم، ونكر تعميماً فقال: ﴿يريد ظلماً﴾ أي يتجدد منه أن يعلق إرادته وقتاً ما بنوع ظلم ﴿للعباد *﴾ لأن أحد لا يتوجه أبداً إلى أنه يظلم عبيده الذين هم تحت قهره، وطوع مشيئته وأمره، ومتى لم يعرفوا حقه وأرادوا البغي على من يعرف حقه عاقبهم ولا بد، وإلا كان كفه ظلماً

стр. 8594

للمبغي عليهم. ولما أشرق من آفاق هذا الوعظ شمس البعث ونور الحشر، لأنه لا يسوغ أصلاً أن ملكاً يدع عبيده يبغي بعضهم على بعض من غير إنصاف بينهم ونحن نرى أكثر الخلق يموت مقهوراً من ظالمه، ومكسوراً من حاكمه، فعلم قطعاً أن الموت الذي لم يقدر ولا يقدر أحد أصلاً أن يسلم منه إنما هو سوق إلى دار العرض وساحة الجزاء للقرض - كما جرت به عادة الملوك إذا وكلوا بمن يأمرون باحضاره إليهم لعرضه عليهم ليظهر التجلي في صفات الجبروت والعدل، ومظاهر الكرم الفضل قال: ﴿ويا قوم﴾ ولما كانوا منكرين للبعث أكد فقال: ﴿إني أخاف﴾ وعبر بأداة الاستعلاء زيادة في التخويف فقال: ﴿عليكم﴾ ولما كان قد سماه فيما مضى بالتلاقي والآزفة لما ذكر، عرف هنا أن الخلق فيه وجلون خائفون وأنهم لكثرة الجمع ينادُون وينادَون للرفعة أو الضعة وغير ذلك من الأمور المتنوعة التي مجموعها يدل على ظهور الجبروت وذل الخلق لما يظهر لهم من الكبرياء والعظموت فقال: ﴿يوم التناد *﴾ أي أهواله وما يقع فيه، فينادي الجبار سبحانه بقوله ﴿ألم أعهد إليكم

стр. 8595

يا بني آدم أن لا تعبدو الشيطان﴾ وينادونه «بلى يا ربنا» وتنادي الملائكة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب «يا فلان ابن فلان أقبل لفصل النزاع» وينادي ذلك العبد «ألا سمعاً وطاعة» وينادي الفائز «ألا نعم أجر العاملين» وينادي الخائب «ألا بئس منقلب الظالمين» وينادي أصحاب الأعراف وأهل الجنة أهل النار وأهل النار أهل الجنة وينادي الكل حين يذبح الموت، ويدعى كل أناس بإمامهم، وتتنادى الملائكة وقد أحاطوا بالثقلين صفوفاً مترتبة ترتب السماوات التي كانوا بها بالتسبيح والتقديس، وترتفع الأصوات بالضجيج، بعضهم بالسرور وبعضهم بالويل والثبور، وتنادي ألسن النيران: أي الجبارون أين المتكبرون، وتنادي الجنة، أين المشمرون في مرضاة الله والصابرون، فيا له يوماً يذل فيه العصاة العتاة ويعز المنكسرة قلوبهم من أجل الله وقرأ ابن عباس ﵄ في آخرين بتشديد الدال من التناد على أنه مصدر تنادّ من ند البعير - إذا هرب ونفر، وهو كقوله يوم ﴿يفر المرء من أخيه﴾ [عبس: ٣٤] وتقدم في حذف ياء التلاق وإثباتها ما يمكن الفطن تنزيله هنا. ولما كانت عادة المتنادين الإقبال، وصف ذلك اليوم بضد ذلك لشدة الأهوال فقال مبدلاً أو مبيناً:

стр. 8596

﴿يوم تولون مدبرين﴾ أي حين تخرج ألسنة النيران فتخطف أهل الكفران، وتزفر زفرات يخر أهل الموقف من خشيتها، فترى كل أمة جاثية ويفرون فلا يقصدون مكاناً إلا وجدوا به الملائكة صافين كما قال تعالى ﴿والملك على أرجائها﴾ [الحاقة: ١٧] وينادي المنادي ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾ [الرحمن: ٣٣] . ولما كان المدبر إنما يقصد في إدباره معقلاً يمنعه ويستره أو فئة تحميه وتنصره، قال مبيناً حالهم: ﴿ما لكم من الله﴾ أي الملك الجبار الذي لا ند له، وأعرق في النفي فقال: ﴿من عاصم﴾ أي مانع يمنعكم مما يراد فما لكم من عاصم أصلاً، فإنه سبحانه يجير ولا يجار عليه. ولما كان التقدير: لضلالكم في الدنيا فإن حالكم في ذلك اليوم مكتسب من احوالكم في هذا اليوم، عطف عليه قوله معمماً: ﴿ومن يضلل اللهُ﴾ أي الملك المحيط بكل شيء الباطن في اردية الجلال الظاهر في مظاهر القهر والجمال، إضلالاً جبله عليه فهو في غاية البيان - بما أشار إليه الفلك ﴿فما له من هاد *﴾ أي إلى شيء ينفعه بوجه من الوجوه، وأما الضلال العارض فيزيله الله لمن يشاء من عباده، وهذا لا يعرف إلا بالخاتمة كما قاله الإمام أبو الحسن الأشعري: فمن مات على شيء فهو مجبول عليه.

стр. 8597

ولما كان حاصل ما مضى من حالهم في أمر موسى ﵇ أنه جاءهم بالبينات فشكوا فيها، وختم بتحذيرهم من عذاب الدنيا والآخرة، عطف عليه شك آبائهم في مثل ذلك، فقال مبيناً أنهم مستحقون لما حذر منه العذاب ليشكروا نعمة الله في إمهاله إياهم ويحذروا نقمته إن تمادوا وأكد لأجل إنكارهم أن يكونوا أتو ببينة، وافتتح بحرف التوقع لأن حالهم اقتضت توقع ذلك ودعت إليه: ﴿ولقد جاءكم﴾ أي جاء آباءكم يا معشر القبط، ولكنه عبر بذلك دلالة على أنهم على مذهب الآباء كما جرت به العادة من التقليد، ومن أنهم على طبائعهم لا سيما إن كانوا لم يفارقوا مساكنهم: ﴿يوسف﴾ أي نبي الله ابن نبي الله يعقوب ابن نبي الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم. ولما لم يكن مجيئه مستغرقاً لما تقدم موسى ﵇ من الزمان أدخل الجار فقال: ﴿من قبل﴾ أي قبل زمن موسى ﵇: ﴿بالبينات﴾ أي الآيات الظاهرات ولا سيما في أمر يوم التناد ﴿فما زلتم﴾ بكسر الزاي من زال يزال أي ما برحتم أنتم تبعاً لآبائكم ﴿في شك﴾ أي محيط بكم لم تصلوا إلى رتبة الظن ﴿مما جاءكم به﴾ من التوحيد وما يتبعه، ودل على تمادي شكهم بقوله: ﴿حتى إذا هلك﴾ وكأنه عبر بالهلاك إيهاماً لهم أنه غير معظم له، وأنه إنما يقول ما يشعر بالتعظيم لأجل محض النصيحة والنظر في العاقبة ﴿قلتم﴾ أي

стр. 8598

من عند أنفسكم بغير دليل كراهة لما جاء به وتضجرا منه جهلاً بالله تعالى: ﴿لن يبعث الله﴾ أي الذي له صفات الكمال. ولما كان مرادهم استغراق النفي حتى لا يقع البعث في زمن من الأزمان وإن قل، أدخل الجار فقال: ﴿من بعده﴾ أي يوسف ﵇ ﴿رسولا﴾ وهذا ليس إقراراً منهم برسالته، بل هو ضم منهم إلى الشك في رسالته التكذيب برسالة من بعده، والحجر على الملك الأعظم في عباده وبلاده والإخبار عنه بما ينافي كماله. ولما كان كأنه قيل: هذا ضلال عظيم هل ضل أحد مثله؟ أجيب بقوله: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا الضلال العظيم الشأن ﴿يضل﴾ وأبرز الاسم ولم يضمره لئلا يخص الإضلال بالحيثية الماضية، وجعله الجلالة تعظيماً للأمر لصلاحية الحال لذلك وكذا ما يأتي بعده ﴿الله﴾ أي بما له من صفات القهر ﴿من هو مسرف﴾ أي متعال في الأمور خارج عن الحدود طالب للارتفاع عن طور البشر. ولما كان السياق للشك في الرسالة والقول بالظن الذي يلزم منه اتهام القادر سبحانه بالعجز أو مجانبة الحكمة قال: ﴿مرتاب *﴾

стр. 8599

أي يشك فيما لا يقبل الشك ويتهم غيره بما لا حظّ للتهمة فيه، أي ديدنه التذبذب في الأمور الدينية، فلا يكاد يحقق أمراً من الأمور، ولا إسراف ولا ارتياب أعظم من حال المشرك فإنه منع الحق أهله وبذله لمن لا يستحقه بوجه، وهذه الآية دليل على أن القبط طول الدهر على ما نشاهده من أنه لا ثقة بدخولهم في الدين الحق، ولا ثبات لهم في الأعمال الصالحة.

стр. 8600

ولما ظهر ظهوراً لا يحتمل شكاً بما أتى به موسى ﵇ من البينات أن شكهم في رسالة الماضي وجزمهم في الحكم بنفي رسالة الآتي أعظم ضلال وأنه من الجدال الذي لا معنى له إلا فتل المحق عما هو عليه من الحق إلى ما عليه المجادل من الضلال، وصل بذلك قوله على سبيل الاستنتاج ذماً لهم بعبارة تعم غيرهم: ﴿الذين﴾ أي جدال من ﴿يجادلون﴾ أي يقاتلون ويخاصمون خصاماً شديداً ﴿في آيات الله﴾ أي المحيطة بأوصاف الكمال لا سيما الآيات الدالة على يوم التناد، فإنها أظهر الآيات على وجوده سبحانه وعلى ما هو عليه من الصفات والأفعال وما يجوز عليه أو يستحيل. ولما كان الجدال بالتي هي أحسن مشروعاً، وهو بما أمر به

стр. 8601

قال: ﴿بغير سلطان﴾ أي تسليط ودليل ﴿أتاهم﴾ أي من عند من له الأمر كله ﴿كبر﴾ أي عظم هو، أي الجدال المقدر مضافاً قبل ﴿الذين﴾ وبين ما أبهم من هذا العظم بتمييز محول عن الفاعل فقال: ﴿مقتاً عند الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿وعند الذين آمنوا﴾ أي الذين هم خاصته. ولما كان فاعل هذا لا يكون إلا مظلم القلب، فكان التقدير: أولئك طبع الله على قلوبهم، وصل به استنئافاً قوله: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا الطبع العظيم ﴿يطبع﴾ أي يختم ختماً فيه العطب ﴿الله﴾ أي الذي له جميع العظمة ﴿على كل قلب﴾ ولما كان فعل كل ذي روح إنما هو بقلبه، نسب الفعل إليه في قراءة أبي عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين عنه بالتنوين فوصفه بقوله: ﴿متكبر﴾ أي متكلف ما ليس له وليس لأحد غير الله ﴿جبار *﴾ أي ظاهر الكبر قويّه قهار وقراءة الباقين بالإضافة مثلها سراء في أن السور داخل القلب ليعم جميع أفراده غير أن الوصف بالكبر والجبروت للشخص لا للقلب، وهي أبين من القراءة الشاذة بتقديم القلب على كل لأن

стр. 8602

تقديم كل نص في استغراق أفراد القلوب ممن اتصف بهذا الوصف، ومن المقطوع به أن آحاد القلوب موزعة على آحاد الأشخاص لأنه لا يكون لشخص أكثر من قلب بخلاف ما إذا قدم القلب فإنه قد يدعي أن الشخص الواحد، وأن السور لأجل جمعه لأنواع الكبر والجبروت فيكون المعنى: على قلب شخص جامع لكل فرد من أفراد التكبر والتجبر - والله الموفق. ولما ذكر الطبع المذكور، دل عليه بما ذكر من قول فرعون وفعله عطفاً على ما مضى من قوله وقول المؤمن، فإنه قصد ما لا مطمع في نيله تيهاً وحماقة تكبراً وتجبراً لكثافة قلبه وفساد لبه، فصار به ضحكة لكل من سمعه هذا إن كان ظن أنه يصل إلى ما أراد وإن كان قصد بذلك التلبيس على قومه للمدافعة عن اتباع موسى ﵇ إلى وقت ما فقد نادى عليهم بالجهل، والإغراق في قلة الحزم والشهامة والعقل، فقال تعال: ﴿وقال فرعون﴾ أي بعد قول المؤمن هذا، معرضاً عن جوابه لأنه لم يجد فيه مطعناً: ﴿يا هامان﴾ وهو وزيره ﴿ابنِ﴾ وعرفه بشدة اهتمامه به بالإضافة إليه في قوله: ﴿لي صرحاً﴾ أي بناء ظاهراً يعلوه لكل أحد. قال البغوي: لا يخفى على الناظر وإن بعد. وأصله من التصريح وهو الإظهار، وتعليله بالترجي الذي لا يكون إلا في الممكن دليل على أنه كان يلبس على قومه وهو يعرف الحق،

стр. 8603

فإن عاقلاً لا يعد ما رامه في عداد الممكن العادي فقال: ﴿لعلي أبلغ الأسباب *﴾ أي التي لا أسباب غيرها لعظمها. ولما كان بلوغها أمراً عجيباً، أورده على نمط مشوق عليه ليعطيه السامع حقه من الاهتمام تفخيماً لشأنها، ليتشوف السامع إلى بيانها، بقوله: ﴿أسباب السماوات﴾ أي الأمور الموصلة إليها، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه. ولما ذكر هذا السبب، ذكر المسبب عنه فقال: ﴿فاطًّلع﴾ أي فلعله يتسبب عن ذلك ويتعقبه أني أتكلف الطلوع ﴿إلى إله موسى﴾ فيكون كما ترى عطفاً على ﴿أبلغ﴾ ، ونصبه حفص عن عاصم على الجواب تنبيهاً على أن ما أبرزه الخبيث في عداد الممكن إنما هو تمني محال غير ممكن في العادة. ولما كان من جملة إرادته بذلك مع إيقاف قومه إلى وقت ما عن المتابعة أن يخيلهم بأن يقول: طلعت فبحثت عما قال موسى فلم أقف له على صحة، قدم لهم قوله مبيناً لحاله إذ ذاك لما ظن من ميل قلوبهم إلى تصديق موسى ﵇: ﴿وإني لأظنه﴾ أي موسى ﴿كاذباً﴾ فترك الكلام على احتمال أن يريد في الرسالة أو في الإلهية. ولما كان

стр. 8604

هذا أمراً عجيباً، وهو كون أحد يظن أنه يخيل للعقول أنه يصعد إلى السماء، وأن الإله الذي هو غني عن كل شيء وقد كان ولا شيء معه يكون في السماء، أو في محل من المحال، فإن كل حال في شيء يحتاج إلى محله، وكل محتاج عاجز ولا يصلح العاجز للإلهية لو لم يجئ عن الله لما كان أهلاً لأن يصدق، فكان التقدير: عمله فرعون لأنا زيناه له، عطف عليه زيادة في التعجيب: ﴿وكذلك﴾ أي ومثل ذلك التزيين العظيم الشأن اللاعب بالألباب. ولما كان الضار هو التزيين لا المزين الخاص، بناه للمفعول فقال: ﴿زين﴾ أي زين المزين النافذ الأمر، وهو لله تعالى حقيقة بخلقه وإلزامه لأن كل ما دخل في الوجود من المحدثات فهو خلقه، والشيطان مجازاً بالتسبب بالوسوسة التي هي خلق الله تعالى ﴿لفرعون سوء عمله﴾ في جميع أمره، فاقبل عليه راغباً فيه مع بعده من عقل أقل ذوي العقول فضلاً عن ذوي الهمم منهم فضلاً عن الملوك، وأطاعه فيه وقومه ﴿وصُد﴾ بنفسه ومنع غيره على قراءة الفتح، ومنعه الله - على قراءة الكوفيين ويعقوب بالضم ﴿عن السبيل﴾ أي التي لا سبيل في الحقيقة غيرها، وهو الموصلة

стр. 8605

إلى الله تعالى. ولما كان هذا السياق بحيث يظن منه الظان أن لفرعون نوع تصرف، نفى ذلك بقوله: ﴿وما كيد﴾ واعاد الاسم ولم يضمره لئلا يخص بخيثية من الحيثيات فقال: ﴿فرعون﴾ أي في إبطال أمر موسى ﵇ ﴿إلا في تباب *﴾ أي خسار وهلاك عظيم محيط به لا يقدر على الخروج منه، وما تعطاه إلا لأنه محمول عليه ومقهور فيه، كما كشف عنه الحال، فدل ذلك قطعاً على أنه لو كان له أدنى تصرف يستقل به لما أنتج فعله الخسار. ولما كان فساد ما قاله فرعون أظهر من أن يحتاج إلى بيان، أعرض المؤمن عنه تصريحاً، ولوّح إلى ما حكاه الله عنه من أنه محيط به الهلاك تلويحاً في قوله منادياً قومه ومستعطفاً لهم ثلاث مرات: الأولى على سبيل الإجمال في الدعوة، والأخريان على سبيل التفصيل، فقال تعالى عنه: ﴿وقال الذي آمن﴾ أي مشيراً إلى وهي قول فرعون بالإعراض عنه، وعبر بالفعل إشارة إلى أنه ينبغي لأدنى أهل الإيمان أن لا يحقر نفسه عن الوعظ: ﴿يا قوم﴾ أي يا من لا قيام لي إلا بهم فأنا غير متهم في نصيحتهم ﴿اتبعون﴾ أي كلفوا أنفسكم اتباعي لأن السعادة غالباً تكون فيما يكره الإنسان ﴿أهدكم سبيل﴾

стр. 8606

أي طريق ﴿الرشاد *﴾ أي الهدى لأنه مع سهولته واتساعه موصل ولا بد إلى المقصود، وأما ما قال فرعون مدعياً أنه سبيل الرشاد لا يوصل إلا إلى الخسار، فهو تعريض به شبيه بالتصريح. ولما كان هذا دعاء على سبيل الإجمال، وكان الداء كله في الإقبال على الفاني، والدواء كله في الإقدام على الباقي، قال استئنافاً في جواب من سأل عن تفصيل هذه السبيل مبيناً أنها العدول عما يفنى إلى ما يبقى محقراً للدنيا مصغراً لشأنها لأن الإخلاد إليها أصل الشر كله، ومنه يتشعب ما يؤدي إلى سخط الله ﴿يا قوم﴾ كرر ذلك زيادة في استعطافهم بكونهم أهله فهو غير متهم في نصحهم لأنه لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه. ولما كانت الأنفس لكونها مطبوعة على الوهم لا تعد الحاصل إلا الحاضر أكد فقال: ﴿إنما هذه الحياة﴾ وحقرها بقوله: ﴿الدنيا﴾ إشارة إلى دناءتها وبقوله: ﴿متاع﴾ إشارة إلى أنها جيفة لأنها في اللغة من جملة مدلولات المتاع، فلا يتناول منها إلا كما يتناول المضطر من الجيفة لأنها دار القلعة والزوال والتزود والارتحال. ولما افتتح بذم الدنيا، ثنى بمدح الآخرة فقال: ﴿وإن الآخرة﴾ لكونها المقصودة بالذات ﴿هي دار القرار *﴾ التي لا تحول منها أصلاً

стр. 8607

دائم كل شيء من ثوابها وعقابها، فهي للتلذذ والانتفاع والترفه والاتساع لمن توسل إلى ذلك بحسن الاتباع أو للشقاوة والهلاك، لمن اجترأ على المحارم واستخف الانتهاك قال الأصفهاني: قال بعض العارفين: لو كانت الدنيا ذهباً فانياً والآخرة خزفاً باقياً، لكانت الآخرة خيراً من الدنيا فكيف والدنيا خزف فان، والآخرة ذهب باق بل أشرف وأحسن. وكما أن النعيم فيها دائم فكذلك العذاب، فكان الترغيب في نعيم الجنان، والترهيب من عذاب النيران، من أعظم وجوه الترغيب والترهيب، فالآية من الاحتباك: ذكر المتاع أولاً دليلاً على حذف التوسع ثانياً، والقرار ثانياً دليلاً على حذف الارتحال أولاً.

стр. 8608

ولما حرك الهمم بهذا الوعظ إلى الإعراض عن دار الأنكاد والأمراض، والإقبال على دار الجلال والجمال بخدمة ذي العز والكمال، قال في جواب من سأل عن كيفية ذلك ما حاصله أنه بالإقبال على محاسن الأعمال، وترك السيء من الخلال، واصلاً بذلك على طريق البيان للبيان، ذاكراً عاقبة كل ليثبط عما يتلف، وينشط لما يزلف، مشيراً إلى جانب الرحمة أغلب، مقدماً لما هم عليه من السوء محذراً منه ليرجعوا ﴿من عمل سيئة﴾ أي ما يسوء من أي صنف كان: الذكور والإناث

стр. 8609

والمؤمنين والكافرين ﴿فلا يجزى﴾ أي من الملك الذي لا ملك سواه ﴿إلا مثلها﴾ عدلاً لا يزاد عليها مقدار ذرة ولا أصغر منها ويدخل النار إن لم يكن له ما يكفرها، فهذا هو الملك الذي ينبغي الإقبال على خدمته لكونه الحكم العدل القادر على الجزاء والمساواة في الجزاء، فالكافر لما كان على عزم إدامه الكفر كان عذابه دائماً والفاسق لما كان على نية التوبة لاعتقاده أنه في معصية وشر كان عذابه منقطعاً، والآية على عمومها، وما خرج منها بدليل كان مخصوصاً فيخرج عليها جميع باب الجنايات وغيره، ومن قال: إنها في شيء معين، لزمه أن تكون مجملة، لأن ذاك المعين غير مذكور، والتخصيص أولى من الإجمال كما قال أهل الأصول. ولما بين العدل في العقاب، بين الفضل في الثواب، تنبيهاً على أن الرحمة سبقت الغضب فقال: ﴿ومن عمل صالحاً﴾ أي ولو قل. ولما كان من يعهدون من الملوك إنما يستعملون الأقوياء لاحتياجهم، بين أنه على غير ذلك لأنه لا حاجة به أصلاً فقال: ﴿من ذكر أو أنثى﴾ ولما كان العمل لا يصح بدون الإيمان قال مبيناً شرطه: ﴿وهو﴾ أي عمل والحال أنه ﴿مؤمن﴾ ولما كان في مقام الترغيب في عدله وجوده وفضله، جعل الجزاء مسبباً عن الأعمال فقال: ﴿فأولئك﴾

стр. 8610

أي العالو الهمة والمقدار ﴿يدخلون الجنة﴾ أي بأمر من له الأمر كله بعد أن ضاعف لهم أعمالهم فضلاً، والآية من الاحتباك: ذكر المساواة أولاً عدلاً يدل على المضاعفة ثانياً فضلاً، وذكر إدخال الجنة ثانياً يدل على إدخال النار أولاً، وسره أنه ذكر فضله في كل من الشقين ﴿يرزقون فيها﴾ أي من غير احتياج إلى تحول أصلاً ولا إلى أسباب، ولعل ذلك من أسرار البناء للمفعول ﴿بغير حساب *﴾ لخروج ما فيها بكثرته عن الحصر، فإن أدنى أهلها منزلة لو أضاف كل أهل الأرض لكفاهم من غير أن ينقص من ملكه شيء، وهذا من باب الفضل، وفضل الله لا حد له، ورحمته غلبت غضبه، وأما جزاء السيئة فمن باب العدل، فلذلك وقع الحساب فيها لئلا يقع الظلم، قال الأصبهاني: فإذا عارضنا عمومات الوعيد بعمومات الوعد ترجح الوعد لسبق الرحمة الغضب، فأنهدمت قواعد المعتزلة. ولما بلغ النهاية في نصحهم، وختم بإعلامهم بأن الناس قسمان: هالك وناج، وكان حاصل إرادتهم لأن يكون على ما هم عليه الهلاك بالنار، قال مبكتاً لهم بسوء مكافأتهم منادياً لهم مكرراً للنداء لزيادة التنبيه

стр. 8611

والإيقاظ من الغفلة. والتذكير بأنهم قومه واعضاده، وعاطفاً على ندائه السابق لأنه غير مفصل له ولا داخل في حكمه: ﴿ويا قوم ما﴾ أي أيّ شيء من الحظوظ والمصالح ﴿لي﴾ في أني ﴿أدعوكم إلى النجاة﴾ والجنة بالإيمان شفقة عليكم ورحمة لكم واعترافاً بحقكم ﴿و﴾ مالكم من ذلك في كونكم ﴿تدعونني إلى النار *﴾ والهلاك بالكفران، فالآية من الاحتباك: ذكر النجاة الملازمة للايمان أولاً دليلاً على حذف الجنة أولاً، ومراده هزهم وإثارة عزائمهم إلى الحياة منه بتذكيرهم أن ما يفعلونه معه ليس من شيم أهل المروءة يجازونه على إحسانه إليهم بالإساءة. ولما أخبر بقلة إنصافهم إجمالاً، بينه بقوله: ﴿تدعونني﴾ أي توقعون دعائي إلى معبوداتكم ﴿لأكفر﴾ أي لأجل أن أكفر ﴿بالله﴾ أي أستر ما يجب إظهاره بسبب الذي أناله لأن له كل شيء وله مجامع القهر والعز والعظمة والكبر ﴿وأشرك﴾ أي أوقع الشرك ﴿به﴾ أي أجعل له شريكاً. ولما كان كل ما عداه سبحانه ليس له من ذاته إلا العدم، أشار إلى حقارته بالتعبير بأداة ما لا يعقل فقال:

стр. 8612

﴿ما ليس لي به علم﴾ أي نوع من العلم بصلاحيته لشيء من الشركة، فهو دعاء إلى الكذب في شيء لا يحل الإقدام عليه إلا بالدليل القطعي الذي لا يحتمل نوعاً من الشرك، وإذا لم يكن به علم لم يكن له عزة ولا مغفرة، فلم يكن له وجود لأن الملك لازم الإلهية وهو أشهر الأشياء، فما ادعى له أشهر الأشياء، فكان بحيث لا يعرف بوجه من الوجوه، كان عدماً محضاً. ولما بين أنهم دعوه إلى ما هو عدم فضلاً عن أن يكون له نفع أو ضر في جملة فعليه إشارة إلى بطلان دعوتهم وعدم ثبوتها، بين لهم أنه دعاهم إلا إلى ما له الكمال كله، ولا نفع ولا ضر إلا بيده، فقال مشيراً بالجملة الاسمية إلى ثبوت دعوته وقوتها: ﴿وأنا ادعوكم﴾ أي أوقع دعاءكم الآن وقبله وبعده ﴿إلى العزيز﴾ أي البالغ العزة الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء. ولما وصفه بهذا الوصف ترهيباً، صح قطعاً وصفه ترغيباً بقوله: ﴿الغفار *﴾ أي الذي يتكرر له دائماً محو الذنب عيناً وأثراً ولا يقدر على ذلك غير من هو بصفة العزة، ومن صح وصفه بهذين الوصفين فهو الذي لا يجهل ما عليه، من صفات الكمال أحد، فالآية من الاحتباك: ذكراً أولاً عدم العلم دليلاً على العلم ثانياً، وثانياً العزة والمغفرة دليلاً على حذفهما أولاً. ولما كان انتفاء العلم بالشيء من أهل العلم انتفاء ذلك الشيء في

стр. 8613

أصول الدين، كان ما دعوه إليه باطلاً، وكان ما دعاهم إليه هو الحق، فلذلك أنتج قطعاً قوله: ﴿لا جرم﴾ وهي وإن كانت بمعنى: لا ظن ولا اضطراب أصلاً - كما مضى في سورة هود ﵇ فيها معنى العلة، أي فلأجل ذلك لا شك في ﴿أنما﴾ أي الذي ﴿تدعونني إليه﴾ من هذه الأنداد ﴿ليس له دعوة﴾ بوجه من الوجوه، فإنه لا يقوم عليها دليل بل ولا شبهة موهمة ﴿في الدنيا﴾ التي هي محل الأسباب، الظاهرة لأن شيئا منه ليس له واحد من الوصفين ﴿ولا في الآخرة﴾ لأن ما لا تعلم إلهيته كذلك يكون ﴿وإن﴾ أي ولا اضطراب في أن ﴿مردنا﴾ أي ردنا العظيم بالموت وموضع ردنا ووقته منتهٍ ﴿إلى الله﴾ أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال لما اقتضته عزته، فيجازي كل أحد بما يستحقه ﴿وأنَّ﴾ أي ولا شك في أن ﴿المسرفين﴾ أي المجاوزين للحدود العريقين في هذا الوصف ﴿هم﴾ أي خاصة لأجل حكم الله بذلك عليهم ﴿أصحاب النار *﴾ أي الذين يخلدون فيها لا يفارقونها كما يقتضيه معنى الصحبة لأن إسرافهم اقتضى

стр. 8614

إسراف ملازمتهم للنار التي طبعها الإسراف، وقد علم أن ربها لا يجزي بالسيئة إلا مثلها. ولما تقرر أنه لا أمر لغير الله وأنه لا بد من المعاد، تسبب عنه بقوله: ﴿فستذكرون﴾ أي قطعاً بوعد لا خلف فيه مع القرب ﴿ما أقول لكم﴾ حين لا ينفعكم الذكر في يوم الجمع الأعظم والزحام الذي يكون فيه القدم على القدم إذا رأيتم الأهوال والنكال والزلزال إن قبلتم نصحي وإن لم تقبلوه. ولما ذكر خوفهم الذي لا يحميهم منه شيء ذكر خوفه الذي هو معتمد فيه على الله ليحيمه منه فقال عاطفاً على «ستذكرون» غير مراعى فيها معنى السين: ﴿وأفوض﴾ أي أنا الآن بسبب أنه لا دعوة لغير الله ﴿أمري﴾ فيما تمكرونه بي ﴿إلى الله﴾ أي الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة فهو يحميني منكم: إن شاء، قال صاحب المنازل: التفويض ألطف إشارة وأوسع من التوكل بعد وقوع السبب، والتفويض قبل وقوعه وبعده، وهو عين الاستسلام، والتوكل شعبة منه، وهو على ثلاث درجات: الأولى أن تعلم أن العبد لا يملك قبل علمه استطاعة، فلا يأمن من مكر، ولا ييأس من معونة، ولا يعول على نية، والثانية معاينة الاضطرار

стр. 8615

فلا ترى عملاً منجياً ولا ذنباً مهلكاً ولا سبباً حاملاً، والثالثة شهود انفراد الحق بملك الحركة والسكون والقبض والبسط والتفريق والجمع. ولما علق تفويضه بالاسم العلم الجامع المقتضي للإحاطة، على ذلك بياناً لمراده بقوله مؤكداً لأن عملهم في مكرهم به عمل من يظن أن سبحانه لا يبصرهم ولا ينصره ﴿إن الله﴾ وكرر الاسم الأعظم بياناً لمراده بأنه ﴿بصير﴾ أي بالغ البصر ﴿بالعباد *﴾ ظاهراً وباطناً، فيعلم من يستحق النصرة لاتصافه بأوصاف الكمال ويعلم من يمكر فيرد مكره عليه بما له من الإحاطة.
следующие страницы →