Полный текст (11 765 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.
стр. 8611
والإيقاظ من الغفلة. والتذكير بأنهم قومه واعضاده، وعاطفاً على ندائه السابق لأنه غير مفصل له ولا داخل في حكمه: ﴿ويا قوم ما﴾ أي أيّ شيء من الحظوظ والمصالح ﴿لي﴾ في أني ﴿أدعوكم إلى النجاة﴾ والجنة بالإيمان شفقة عليكم ورحمة لكم واعترافاً بحقكم ﴿و﴾ مالكم من ذلك في كونكم ﴿تدعونني إلى النار *﴾ والهلاك بالكفران، فالآية من الاحتباك: ذكر النجاة الملازمة للايمان أولاً دليلاً على حذف الجنة أولاً، ومراده هزهم وإثارة عزائمهم إلى الحياة منه بتذكيرهم أن ما يفعلونه معه ليس من شيم أهل المروءة يجازونه على إحسانه إليهم بالإساءة.
ولما أخبر بقلة إنصافهم إجمالاً، بينه بقوله: ﴿تدعونني﴾ أي توقعون دعائي إلى معبوداتكم ﴿لأكفر﴾ أي لأجل أن أكفر ﴿بالله﴾ أي أستر ما يجب إظهاره بسبب الذي أناله لأن له كل شيء وله مجامع القهر والعز والعظمة والكبر ﴿وأشرك﴾ أي أوقع الشرك ﴿به﴾ أي أجعل له شريكاً. ولما كان كل ما عداه سبحانه ليس له من ذاته إلا العدم، أشار إلى حقارته بالتعبير بأداة ما لا يعقل فقال:
стр. 8612
﴿ما ليس لي به علم﴾ أي نوع من العلم بصلاحيته لشيء من الشركة، فهو دعاء إلى الكذب في شيء لا يحل الإقدام عليه إلا بالدليل القطعي الذي لا يحتمل نوعاً من الشرك، وإذا لم يكن به علم لم يكن له عزة ولا مغفرة، فلم يكن له وجود لأن الملك لازم الإلهية وهو أشهر الأشياء، فما ادعى له أشهر الأشياء، فكان بحيث لا يعرف بوجه من الوجوه، كان عدماً محضاً.
ولما بين أنهم دعوه إلى ما هو عدم فضلاً عن أن يكون له نفع أو ضر في جملة فعليه إشارة إلى بطلان دعوتهم وعدم ثبوتها، بين لهم أنه دعاهم إلا إلى ما له الكمال كله، ولا نفع ولا ضر إلا بيده، فقال مشيراً بالجملة الاسمية إلى ثبوت دعوته وقوتها: ﴿وأنا ادعوكم﴾ أي أوقع دعاءكم الآن وقبله وبعده ﴿إلى العزيز﴾ أي البالغ العزة الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء. ولما وصفه بهذا الوصف ترهيباً، صح قطعاً وصفه ترغيباً بقوله: ﴿الغفار *﴾ أي الذي يتكرر له دائماً محو الذنب عيناً وأثراً ولا يقدر على ذلك غير من هو بصفة العزة، ومن صح وصفه بهذين الوصفين فهو الذي لا يجهل ما عليه، من صفات الكمال أحد، فالآية من الاحتباك: ذكراً أولاً عدم العلم دليلاً على العلم ثانياً، وثانياً العزة والمغفرة دليلاً على حذفهما أولاً.
ولما كان انتفاء العلم بالشيء من أهل العلم انتفاء ذلك الشيء في
стр. 8613
أصول الدين، كان ما دعوه إليه باطلاً، وكان ما دعاهم إليه هو الحق، فلذلك أنتج قطعاً قوله: ﴿لا جرم﴾ وهي وإن كانت بمعنى: لا ظن ولا اضطراب أصلاً - كما مضى في سورة هود ﵇ فيها معنى العلة، أي فلأجل ذلك لا شك في ﴿أنما﴾ أي الذي ﴿تدعونني إليه﴾ من هذه الأنداد ﴿ليس له دعوة﴾ بوجه من الوجوه، فإنه لا يقوم عليها دليل بل ولا شبهة موهمة ﴿في الدنيا﴾ التي هي محل الأسباب، الظاهرة لأن شيئا منه ليس له واحد من الوصفين ﴿ولا في الآخرة﴾ لأن ما لا تعلم إلهيته كذلك يكون ﴿وإن﴾ أي ولا اضطراب في أن ﴿مردنا﴾ أي ردنا العظيم بالموت وموضع ردنا ووقته منتهٍ ﴿إلى الله﴾ أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال لما اقتضته عزته، فيجازي كل أحد بما يستحقه ﴿وأنَّ﴾ أي ولا شك في أن ﴿المسرفين﴾ أي المجاوزين للحدود العريقين في هذا الوصف ﴿هم﴾ أي خاصة لأجل حكم الله بذلك عليهم ﴿أصحاب النار *﴾ أي الذين يخلدون فيها لا يفارقونها كما يقتضيه معنى الصحبة لأن إسرافهم اقتضى
стр. 8614
إسراف ملازمتهم للنار التي طبعها الإسراف، وقد علم أن ربها لا يجزي بالسيئة إلا مثلها.
ولما تقرر أنه لا أمر لغير الله وأنه لا بد من المعاد، تسبب عنه بقوله: ﴿فستذكرون﴾ أي قطعاً بوعد لا خلف فيه مع القرب ﴿ما أقول لكم﴾ حين لا ينفعكم الذكر في يوم الجمع الأعظم والزحام الذي يكون فيه القدم على القدم إذا رأيتم الأهوال والنكال والزلزال إن قبلتم نصحي وإن لم تقبلوه. ولما ذكر خوفهم الذي لا يحميهم منه شيء ذكر خوفه الذي هو معتمد فيه على الله ليحيمه منه فقال عاطفاً على «ستذكرون» غير مراعى فيها معنى السين: ﴿وأفوض﴾ أي أنا الآن بسبب أنه لا دعوة لغير الله ﴿أمري﴾ فيما تمكرونه بي ﴿إلى الله﴾ أي الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة فهو يحميني منكم: إن شاء، قال صاحب المنازل: التفويض ألطف إشارة وأوسع من التوكل بعد وقوع السبب، والتفويض قبل وقوعه وبعده، وهو عين الاستسلام، والتوكل شعبة منه، وهو على ثلاث درجات: الأولى أن تعلم أن العبد لا يملك قبل علمه استطاعة، فلا يأمن من مكر، ولا ييأس من معونة، ولا يعول على نية، والثانية معاينة الاضطرار
стр. 8615
فلا ترى عملاً منجياً ولا ذنباً مهلكاً ولا سبباً حاملاً، والثالثة شهود انفراد الحق بملك الحركة والسكون والقبض والبسط والتفريق والجمع.
ولما علق تفويضه بالاسم العلم الجامع المقتضي للإحاطة، على ذلك بياناً لمراده بقوله مؤكداً لأن عملهم في مكرهم به عمل من يظن أن سبحانه لا يبصرهم ولا ينصره ﴿إن الله﴾ وكرر الاسم الأعظم بياناً لمراده بأنه ﴿بصير﴾ أي بالغ البصر ﴿بالعباد *﴾ ظاهراً وباطناً، فيعلم من يستحق النصرة لاتصافه بأوصاف الكمال ويعلم من يمكر فيرد مكره عليه بما له من الإحاطة.
стр. 8616
ولما تسبب عن نصحه هذا لهم والتجائه إلى ملك الملوك حفظه منهم على عظم الخطر، قال تعالى مخبراً أنه صدق ظنه ﴿فوقاه الله﴾ أي جعل له وقاية تجنه منهم بما له سبحانه من الجلال والعظمة والكمال جزاء على تفويضه ﴿سيئات﴾ أي شدائد ﴿ما مكروا﴾ ديناً ودنيا، فنجاه مع موسى ﵇ تصديقاً لوعده سبحانه بقوله ﴿أنتما ومن اتبعكما الغالبون﴾ [القصص: ٣٥] ولما كان المكر السيء لا يحيق إلا بأهله قال: ﴿وحاق﴾ أي نزل محيطاً بعد إحاطة الإغراق ﴿بآل فرعون﴾ أي كلهم فرعون وأتباعه لأجل إصرارهم على الكفر ومكرهم، فالإحاطة
стр. 8617
بفرعون من باب الأولى وإن لم نقل: أن الآل مشترك بين الشخص والأتباع، لأن العادة جرت أنه لا يوصل إلى جميع أتباع الإنسان إلا بعد إذلاله وأخذه فهو مفهوم موافقة ﴿سوء العذاب *﴾ أي العقوبة المانعة من كل مستعذب، ثم بين ذلك بقوله: ﴿النار﴾ أي حال كونهم ﴿يُعرضون عليها﴾ أي في البرزخ ﴿غدواً وعشياً﴾ أي غادين ورائحين في وقت استرواحهم بالأكل واستلذاذهم به - هذا دأبهم طول أيام البرزخ، وكان عليهم في هذا العرض زيادة نكد فوق ما ورد عاماً مما روى مالك والشيخان وغيرهم عن أن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» ولعل زيادة النكد أنهم هم المعروضون، فيذهب بهم في الأغلال يساقون لينظروا ما أعد الله لهم، وعامة الناس يقتصر في ذلك على أن يكشف لهم - وهو في محالّهم - عن مقاعدهم،
стр. 8618
ففي ذلك زيادة إهانة لهم، وهو مثل: عرض الأمير فلاناً على السيف إذا أراد قتله، هذا دأبهم إلى أن تقوم الساعة ﴿ويوم تقوم الساعة﴾ يقال لهم: ﴿ادخلوا آل﴾ أي يا آل ﴿فرعون﴾ هو نفسه وأتباعه لأجل اتباعهم له فيما أضلهم به، وجعله نافع وحمزة والكسائي ويعقوب وحفص فعل أمر من الإدخال، فالتقدير: نقول لبعض جنودنا: أدخلوا آله لأجل ضلالهم به اليوم ﴿أشد العذاب﴾ وإذا كان هذا لآله لأجله كان له أعظم منه من باب الأولى، وهذه الآية نص في عذاب القبر كما نقل عن عكرمة ومحمد بن كعب.
ولما كان هذا من خبر موسى ﵇ وفرعون أمراً غريباً جداً، قل من يعرفه على ما هو عليه، لأنه من خفي العلم، أشار سبحانه إلى ذلك بقوله: ﴿وإذ﴾ أي اذكر لهم هذا الذي أنبأناك به مما كان في الزمن الأقدم، ولا وصول له إليك إلا من جهتنا، لأنهم يعلمون قطعاً أنك ما جالست عالماً قط، واذكر لهم ما يكون في الزمن الآتي حين ﴿يتحاجون﴾ أي هؤلاء الذين نعذبهم ﴿في النار﴾ أي يتخاصمون فيما أتباعهم ورؤساؤهم بما لا يغنيهم: ﴿فيقول الضعفاء﴾ أي الأتباع
стр. 8619
﴿للذين استكبروا﴾ أي طلبوا أن يكونوا كبراء.
ولما كانوا لشدة ما هم فيه يتبرأ كل منهم من صاحبه. أكدوا قولهم: ﴿إنا كنا لكم﴾ أي دون غيركم ﴿تبعاً﴾ أي أتباعاً، فتكبرتم على الناس بنا، وهو عند البصريين يكون واحداً كجمل ويكون جمعاً كخدم جمع خادم، ولعله عبر به إشارة إلى أنهم كانوا في عظيم الطواعية لهم على قلب رجل واحد ولما كان الكبير يحمي تابعه، سببوا عن ذلك سؤالهم فقالوا: ﴿فهل أنتم﴾ أي أيها الكبراء ﴿مغنون﴾ أي كافون ومجزون وحاملون ﴿عنا نصيباً من النار *﴾ .
ولما أتى بكلام الضعفاء مضارعاً على الأصل، وإشارة مع تصوير الحال لأنه أقطع إلى طول خصامهم لأنه أشد في إيلامهم، فتشوف السامع إلى جوابهم، استأنف الخبر عنه بصيغة الماضي تأكيداً لتحقيق وقوعه رداً قد يتوهمه الضعيف من أن المستكبر له قوة المدافعة وإباء الأنفة فقال: ﴿قال الذين استكبروا﴾ أي من شدة ما هم فيه. ولما كان الأتباع قد ظنوا أن المتبوعين يغنون عنهم، أكدوا إخبارهم لهم بما ينافي ذلك فقالوا: ﴿إنّا كل﴾ أي كلنا كائنون ﴿فيها﴾ أي النار، كل يناله من العذاب بقدر ما يستحقه سواء إن
стр. 8620
جادلتمونا أو تركتم جدالنا ولا يظلم بك أحداً، فلة قدرنا على شيء لأغنينا عن أنفسنا، ولو سألنا أن نزاد أو ننقص لما أجبنا. فإن هذه دار العدل فاتركونا وما نحن فيه.
ولما كان حكم الله تعالى مانعاً مما كان يفعل في الدنيا من فك المجرم وإيثاق غيره به، وكان سؤالهم في الإغناء سؤال من يجوز أن يكون حكمه على ما عليه الأحكام من حكام أهل الدنيا، عللوا جوابهم مؤكدين فقالوا: ﴿إن الله﴾ أي المحيط بأوصاف الكمال ﴿قد حكم بين العباد *﴾ أي بالعدل، فأدخل أهل الجنة دارهم، وأهل النار نارهم، فلا يغني أحد عن أحد شيئاً.
ولما دل على أنه لا يغني أحد عن أحد شيئاً، أخبر انهم لما رأوا بعدهم من الله وأنهم ليسوا بأهل لدعائه سبحانه، علقوا آمالهم بتوسط الملائكة، فأخبر عن ذلك منهم بقوله: ﴿وقال الذين في النار﴾ أي جميعاً الأتباع والمتبوعون ﴿لخزنة﴾ ووضع موضع الضمير قوله: ﴿جهنم﴾ للدلالة على أن سؤالهم لأهل الطبقة التي من شأنها وشأن خزنتها تجهم داخليها ليدل على أنهم لسوء ما هم فيه لا يعقلون، فهم لا يضعون شيئاً في محله كما كانوا في الدنيا:
стр. 8621
﴿ادعوا ربكم﴾ أي المحسن إليكم بأنكم لا تجدون ألماً من النار ﴿يخفف عنه يوماً﴾ أي مقداره ﴿من العذاب *﴾ أي بعضه.
ولما سألوهم، استأنفوا جوابهم إشارة إلى ما حصل من تشوف السامع إليه، معرفين لهم بسياقه بالسبب، الجاعل لهم في محل الاطراح والسفول عن التأهل لأن يسمع لهم كلام، فقال تعالى مخبراً عنهم: ﴿قالوا﴾ أي الخزنة. ولما كان التقدير: ألم تكن لكم عقول تهديكم إلى الاعتقاد الحق، عطف عليه قوله إلزامناً لهم الحجة وتوبيخاً وتنديماً بتفويت أوقات الدعاء المجاب: ﴿أولم﴾ ولما كان المقام خطراً، والمرام وعراً عسراً، فكانوا محتاجين إلى الإيجاز، قالوا مشيرين بذكر فعل الكون مع اقتضاء الحال للإيجاز إلى عراقة الرسل ﵈ في النصح المنجي من المخاوف بالمعجزات والرفق والتلّطف وطول الأناة والحلم والصبر مع شرف النسب وطهارة الشيم وحسن الأخلاق وبداعة الهيئات والمناظر ولطافة العشرة وجلالة المناصب: ﴿تك﴾ بإسقاط النون مع التصوير للحال بالمضارع ﴿تأتيكم﴾ على سبيل التجدد شئياً في أثر شيء ﴿رسلكم﴾ أي الذين هم منكم فأنتم جديرون بالإصغاء إليهم والإقبال عليهم، لأن الجنس إلى الجنس أمثل، والإنسان من مثله أقبل ﴿بالبينات﴾ أي التي لا شيء أوضح منها ﴿قالوا﴾ أي الكفار: ﴿بلى﴾ أي أتونا كذلك، ثم استأنفوا جوابهم لما حصل من التشوف إليه بما حاصله
стр. 8622
عدم إجابتهم فسببوا عن إخبارهم بعدم إجابتهم للرسل عدم إجابة دعائهم فقال تعالى مخبراً عنهم: ﴿قالوا﴾ أي الخزنة: ﴿فادعوا﴾ أي أنتم الآن الله أو أهل الله من رسل البشر أو الملائكة أو غيرهم، أو لا تدعوا فإنه لا يسمع لكم.
ولما كان أمرهم بالدعاء موجباً لأن يظنوا نفعه، أتبعوه بما أيأسهم لأن ذلك أنكأ وأوجع وأشد عليهم وأفظع بقولهم: ﴿وما﴾ دعاؤكم - هكذا كان الأصل، ولكنه أتى بالوصف تعليقاً للحكم به فقال: ﴿دعاءُ الكافرين﴾ أي الساترين لمرائي عقولهم عن أنوار العقل المؤيد بصحيح النقل ﴿إلا في ضلال *﴾ أي ذهاب في غير طريق موصل كما كانوا هم في الدنيا كذلك فإن الدنيا مزرعة الآخرة، من زرع شيئاً في الدنيا حصده في الآخرة، والآخرة ثمرة الدنيا لا تثمر إلا من جنس ما غرس في الدنيا.
стр. 8623
ولما كان حاصل ما مضى من هذا القص الذي هو أحلى من الشراب، وأغلى من الجوهر المنظم في أعناق الكواعب الأتراب، لأنه سبحانه نصر الرسل على أممهم حين هموا بأخذهم، فلم يصلوا إليهم ثم أهلكهم الله هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فعذبهم أشد العذاب، وكذلك نصر موسى ﵇ والمؤمن الذي دافع عنه، وكان نصر
стр. 8624
اهل الله قاطبة خفياً، لأنهم يُبتلون ثم يكون لهم العاقبة، فكان أكثر الجامدين وهم أكثر الناس يظن أنه لا نصره لهم، قال الله تعالى لافتاً القول إلى مظهر العظمة، لأن النصرة عنها تكون على سبيل الاستنتاج مما مضى مؤكداً تنبيهاً للأغبياء على ما يخفى عليهم: ﴿إنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿لننصر رسلنا﴾ أي على من ناوأهم ﴿والذين آمنوا﴾ أي اتسموا بهذا الوصف وإن كانوا في أدنى رتبة.
ولما كانت الحياة تروق وتحلو بالنصرة وتتكدر بضدها، ذكرها لذلك ولئلا يتوهم لو سقطت أن نصرتهم تكون رتبتها دنية فقال: ﴿في الحياة الدنيا﴾ بالزامهم طريق الهدى الكفيلة بكل فوز وبالحجة والغلبة، وإن غلبوا في بعض الأحيان فإن العاقبة تكون لهم، ولو بأن يقيض سبحانه لأعدائهم من يقتض ولو بعد حين، وأقل ذلك أن لا يتمكن أعداؤهم من كل ما يرون منهم ﴿ويوم يقوم الأشهاد *﴾ أي في الدار الآخرة من الملائكة والنبيين وسائر المقربين، جمع شهيد كشريف وأشراف، إشارة إلى أن شهادتهم بليغة في بابها، لما لهم من الحضور التام، وإلى ذلك يشير تذكير الفعل والتعبير بجمع القلة، ولكن الجياد قليل مع أنهم بالنسبة إلى أهل الموقف كالشعرة
стр. 8625
البيضاء في جلد الثور الأسود، وإنما عبر بذلك إشارة إلى أهل الحكم بصفات الجبروت للقسط، فيرفع أولياءه بكل اعتبار، ويهين أعداءهم كل إهانة.
ولما وصف اليوم الآخر بما لا يفهمه كثير من الناس، أتبعه ما أوضحه على وجه بين نصره لهم غاية البيان، فقال مبدلاً مما قبله: ﴿يوم لا ينفع الظالمين﴾ الذين كانوا عريقين في وضع الأشياء في غير مواضعها ﴿معذرتهم﴾ أي اعتذارهم وزمانه ومكانه - بما أشار إليه كون المصدر ميمياً ولو جل - بما أشار إليه قراءة التذكير للفعل فعلم بذلك أنهم لا يجدون دفاعاً بغير الاعتذار وأنه غير نافعهم لأنهم لا يعتذرون إلا بالكذب ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام: ٢٣] أو بالقدر ﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا﴾ [المؤمون: ١٠٦] ﴿ولهم﴾ أي خاصة ﴿اللعنة﴾ أي البعد عن كل خير، مع الإهانة بكل ضير ﴿ولهم﴾ أي خاصة ﴿سوء الدار *﴾ وهي النار الحاوية لكل سوء - هذا مع ما يتقدمها من المواقف الصعبة، وإذا كان هذا لهم فما ظنك بما هو عليهم، وقد علم من هذا أن لأعدائهم - وهم الرسل وأتباعهم - الكرامة والرحمة ولهم قبول الاعتذار وحسن الدار، فظهرت بذلك أعلام النصرة، وصح ما أخبر به من تمام القدرة.
стр. 8626
ولما كان التقدير: فلقد نصرنا موسى رسولنا مع إبراق فرعون وإرعاده، عطف عليه قوله دالاً على الكرامة والرحمة، مؤكداً لإزالة ما استقر في النفوس من أن ملوك الدنيا لا يغلبهم الضعفاء: ﴿ولقد آتينا﴾ أي بما لنا من العزة ﴿موسى الهدى﴾ أي في الدين اللازم منه أن يكون له العاقبة وإن تناهت ضخامة من يعانده، لأنه ضال عن الهدى، والضال هالك وإن طال المدى، وذلك بما آتيناه من النبوة والكتاب.
ولما كانت النبوة خاصة والكتاب عاماً قال: ﴿وأورثنا﴾ أي بعظمتنا ﴿بني إسرائيل﴾ بعد ما كانوا فيه من الذل ﴿الكتاب *﴾ أي الذي أنزلنا عليه وآتيناه الهدى به - وهو التوراة - إيتاء هو كالإرث لا ينازعهم فيه أحد، ولا أهل له في ذلك الزمان غيرهم، حال كونه ﴿هدى﴾ أي بياناً عاماً لكل من تبعه ﴿وذكرى﴾ أي عظة عظيمة ﴿لأولي الألباب *﴾ أي القلوب الصافية والعقول الوافية الشافية، فذكر إيتاء موسى الثمرة وذكر إيراثهم السبب إشارة إلى أنهم من جنى ثمرته فاهتدي، ومنهم من ضل، وذلك تحذير للاتباع، وتشريف للأنبياء بما نالوه من مراتب الارتفاع.
ولما كان التقدير بعد أن تقدم الوعد المؤكد بنصرة الرسل وأتباعهم: ولقد آتيناك الهدى والكتاب كما آتينا موسى، ولننصرنك مثل
стр. 8627
ما نصرناه وإن زاد إبراق قومك وإرعادهم، فإنهم لا يعشرون فرعون فيما كان فيه من الجبروت والقهر والعز والسلطان والمكر ولم ينفعه شيء منه، سبب عنه قوله: ﴿فاصبر﴾ أي على أذاهم فإنا نوقع الأشياء في أتم محالها على ما بنينا عليه أحوال هذه الدار من إجراء المسببات على أسبابها، ثم علل ذلك بقوله صارفاً القول عن مظهر العظمة الذي هو مدار النصرة إلى اسم الذات الجامع لجميع الكمالات التي من أعظمها إنفاذ الأمر وصدق الوعد: ﴿إن وعد الله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿حق﴾ أي في إظهار دينك وإعزاز أمرك، فقد رأيت ما اتفق لموسى ﵇ مع أجبر أهل ذلك الزمان وما كان له من العاقبة، قال القشيري: الصبر في انتظار الموعود من الحق على حسب الإيمان والتصديق، فمن كان تصديقه ويقينه أتم وأقوى كان صبره أكمل وأوفى.
ولما تكفل هذا الكلام من التثبيت بانجاز المرام، وكان من الأمر المحتوم أن لزوم القربات يعلى الدرجات فيوصل إلى قوة التصرفات، أمر بالإعراض عن ارتقاب النصر والاشتغال بتهذيب الأحوال لتحصيل الكلام، موجهاً الخطاب إلى أعلى الخلق ليكون من دونه من باب الأولى فقال: ﴿واستغفر لذنبك﴾ أي وهو كل عمل كامل ترتقى منة الى اكمل وحال فاضل فيكون ذلك شكرا،
стр. 8628
منك لأن اللةّ غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فتستن بك أمتك، وسماه ذنباً من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين» .
ولما أمره بالاستغفار عند الترقية في درجات الكمال، المطلع على بحور العظمة ومفاوز الجلال، أمره بالتنزيه عن شائبة نقص والإثبات لكل رتبة كمال، لافتاً القول إلى صفة التربية والأحسان لأنه من أعظم مواقعها فقال: ﴿وسبح﴾ أي نزه ربك عن شائبة نقص كلما علمت بالصعود في مدارج الكمال نقص المخلوق في الذات والأعمال ملتبساً ﴿بحمد ربك﴾ أي إثبات الإحاطة باوصاف الكمال للمحسن إليك المربي لك، ولا تشتغل عنه بشيء فإن الأعمال من أسباب الظفر. ولما كان المقام لإثبات قيام الساعة، وكان العشي أدل عليها، قدمه فقال: ﴿بالعشي والإبكار *﴾ فإن تقلبهما دائماً دل على كمال مقلبهما وقدرته على إيجاد المعدوم الممحوق كما كان وتسويته، ومن مدلول الآية الحث على صلاتي الصبح والعصر، وهما الوسطى لأنهما تشهدهما ملائكة الليل وملائكة النهار، وقال ابن عباس ﵄: بل على الصلوات الخمس - نقله البغوي. وذلك لأن العشى من زوال الشمس، والأبكار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
стр. 8629
ولما كان الأمر بشغل هذين الوقتين أمراً بشغل غيرهما من باب الأولى، لأن أول النهار وقت الاشتغال بالأعمال والاهتمام بالابتداء والتمام، وآخره وقت التهيؤ للراحة والمقيل بالأكل والشرب وما يتبعهما، وكان ذلك موجباً للاشتغال عن أعداء الدين رأساً، وكان ذلك أمراً على النفوس شاقاً علله بما يقتضي المداومة على الأعمال والإعراض عنهم لأن خذلانهم أمر قد فرغ منه فقال معللاً للمداومة على الطاعة: ﴿إن الذين يجادلون﴾ أي يناصبون بالعداوة لنقل أهل هذا الدين عنه إلى ما هم عليه من الباطل، ولفت القول إلى الجلالة الدالة على نهاية العظمة تهويناً لشأنهم فقال: ﴿في آيات الله﴾ أي الملك الأعظم الدالة على تمام قدرته اللازم منه قدرته على البعث الذي في تذكره صلاح الدين والدنيا ﴿بغير سلطان﴾ أي أمر مسلط ودليل مسلك ﴿أتاهم إن﴾ أي ما ﴿في صدورهم﴾ بصدودهم عن سواء السبيل، وآذن ذكر الصدور دون القلوب لعظم الكبر جداً بأنه قد ملأ القلوب وفاض منها حتى شغل الصدور التي هي مساكنها ﴿إلا كبر﴾ أي عن اتباع الحق مع إشراق ضيائه واعتلاء لألائه
стр. 8630
إرادة إطفائه أو إخفائه، والكبر إرادة التقدم والتعظم والرئاسة، وأن يكون مريد ذلك فوق كل أحد ﴿ما هم ببالغيه﴾ أي ببالغي مقتضاه من إبطال الدين تكبراً عن أن يكونوا تحت أوامره، لا يبلغون ذلك بوجه من الوجوه، ولا بد أن يظهر الدين بنصر الرسول ومن تبعه من المؤمنين على أهل الكتاب والمشركين وغيرهم من أنواع الكافرين، ثم يبعثون فيكون أعداؤهم أسفل سافلين صغرة داخرين.
ولما ظهر من أول هذا الكلام وآخره تصريحاً وتلويحاً بما أفاده أسلوب كلام القادرين المصوغ لأعم من يمكن أن يخطر في البال أنه تعالى وصف نفسه في مطلع السورة بأنه غالب لكل شيء ولا يغلبه شيء وأن الذي بهم إنما هو إرادة أن يكونوا عالين غالبين، عنه قوله تعالى: ﴿فاستعذ﴾ أي اطلب العوذ ﴿بالله﴾ المحيط بكل شيء من شر كبرهم كما عاذ به موسى ﵇ لينجز لك ما وعدك كما أنجز له، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنه﴾ أي على ما له من البطون ﴿هو﴾ أي وحده ﴿السميع﴾ لكل ما يمكن أن يسمع. ولما كان السياق للعياذ من شياطين الإنس الذين لهم المكر الظاهر والباطن، ختم بقوله: ﴿البصير *﴾ الصالح للبصر والبصيرة فيعم المحسوس والمعلوم، وختم آيتي الأعراف وفصلت المسبوقتين لنزغ الشيطان الذي هو وساوس وخطرات باطنة بالعليم.
стр. 8631
ولما كان أعظم النظر في آية المجادلة المكررة من أول السورة إلى هنا إلى البعث وصيرورة العباد إلى الله بالحشر ليقع فيه الحكم الفصل، وتتحقق نصرة الأنبياء وأتباعهم يوم يقوم الأشهاد، دل على قدرته عليه بما هو كالتعليل لما نفى في آية المجادلة من بلوغهم لما قصدوا من الكبر، فقال مؤكداً تنزيلاً للمقر العالم منزلة الجاهل المعاند لمخالفة فعله لاعتقاده: ﴿لخلق السماوات﴾ أي خلق الله لها على عظمها وارتفاعها وكثرة منافعها واتساعها ﴿والأرض﴾ على ما ترون من عجائبها وكثرة متاعها ﴿أكبر﴾ عند كل من يعقل من الخلق في الخلق ﴿من خلق الناس﴾ أي خلق الله لهم لأنهم شعبة يسيرة من خلقهما، فعلم قطعاً أن الذي قدر على ابتدائه على عظمه قادر على إعادة الناس على حقارتهم ﴿ولكن أكثر الناس﴾ وهم الذين ينكرون البعث وغيره مما يمكن أن تتعلق به القدرة وصح به السمع ﴿لا يعلمون *﴾ أي لا علم لهم أصلاً، بل هم كالبهائم لغلبة الغفلة عليهم واتباعهم أهواءهم، فهم لا يستدلون بذلك على القدرة على البعث كما أن البهائم ترى الظاهر فلا تدرك به الباطن، بل هم أنزل رتبة من البهائم، لأن هذا النحو من العلم في غاية الظهور فهو كالمحسوس، فمن توقف فيه كان جماداً.
стр. 8632
ولما ثبت بهذا القياس الذي لا خفاء به لا دافع له ولا مطعن فيه أن القادر على خلق الكبير ابتداء قادر على تسوية الصغير إعادة، وثبت به أيضاً أن خلق الناس ليس مستنداً إلى طبائع السماوات والأرض وإلا لتساووا في العلم والجهل، والقدر والهيئة والشكل، لأن اقتضاء الطبائع لذلك على حد سواء لا تفاوت فيه، وهي لا اختيار لها، وكان من الناس من يقول: إن هذا الإيجاد إنما هو للطبائع، ومن هؤلاء فرعون الذي مضى في هذه السورة كثير من كشف عواره وإظهار عاره، دل على إبطاله بأن ذلك قول يلزمه التساوي فيما نشأ عن ذي الطبع لأن لا اختيار له ونحن نشاهد الأشياء مختلفة، فدل ذلك قطعاً على أنها غير مستندة إلى طبيعة بل إلى فاعل مختار، فكان التقدير بما أرشد إليه سياق الآية قطعاً مع ختمها بنفي العلم وعطف ما بعدها على غير مذكور: وأقلهم يعلمون، فثبت أن خالقهم الذي فاوت بينهم قادر مختار لا شريك له، فإنه ما يستوي العالم والجاهل: ﴿وما يستوي﴾ أي بوجه من الوجوه من حيث البصر ﴿الأعمى والبصير *﴾ وذلك موجب للعلم بأن استناد المتخالفين ليس إلى الطبيعة، بل إلى فاعل مختار.
ولما ذكر الظلام والنور الحسيين، أتبعه المعنويين نشراً مشوشاً
стр. 8633
ليكشف قسما الظلام قسمي النور إشارة إلى أن المهتدي عزيز الوجود، كالذهب الإبريز بين النقود، فقال: ﴿والذين آمنوا﴾ أي أوجدوا هذه الحقيقة ثبتت أو لا ﴿وعملوا الصالحات﴾ كذلك فكانوا محسنين ﴿ولا المسيء﴾ أي الثابت الإساءة الذي كفر وعمل الصالحات، ووقع التغاير في العطف لأن المراد - والله أعلم - نفس التساوي بين أفراد الأعمى وأفراد البصير والمحسن والمسيء، ولكنه لما كان في المخاطبين الغبي والذكي، عطف البصير بغير «لا» ليكون ظاهر ذلك نفي المساواة بين نوعي الأعمى والبصير، لأن نفي المساواة بين أفراد الأنواع دقيق، واقتصر على الواو في عطف ﴿الذين آمنو﴾ لأنه لا ينتظم أن يراد جعل الأعمى والبصير فريقاً والمؤمن الموصوف فريقاً، وينتفي التساوي بينهما لأنه لا لبس في أن المؤمنين الموصوفين كالبصير، وليس فيهم من يتوهم مساواته للأعمى، فكان من الجلي معرفة أن المراد نفي مساواة الأعمى للبصير ونفي مساواة المؤمن الموصوف للمسيء، وزيدت «
стр. 8634
لا» في المسيء وعبر فيه بالإفراد إشارة للفطن إلى أن المراد نفي التساوي بين أفراد كل نوع لأن ذلك أدل على القدرة، وأنها بالاختيار، وهذا بخلاف الظلمات في سورة فاطر لأنه لو تركت «لا» هناك لتوهم متوهم أن المنفي المساواة بين الأعمى والبصير وبين الظلمات، فيوجد حينئذ الطعن بأن الظلمات مساوية لهما باعتبار أن الظلمة منها كثيف جداً لا يمكن نفوذ البصر فيه، ومنها خفيف جداً يكون تسميته ظلاماً بالنسبة إلى النور الساطع، والآية من الاحتباك: ذكر عمل الصالحات أولاً دليلاً على ضدها ثانياً، والمسيء ثانياً دليلاً على المحسنين أولاً، وسره أنه ذكر الصلاح ترغيباً والإساءة ترهيباً.
ولما تقرر هذا على هذا النحو من الوضوح الذي لا مانع للإنسان من فهمه ورسوخه في علمه إلا عدم تذكره لحسه حتى في نفسه قال تعالى: ﴿قليلاً ما يتذكرون﴾ أي المجادلون أو أيها المجادلون أو الناس لأن المتذكر غاية التذكر - بما دل عليه الإظهار - منكم قليل - على قراءة الكوفيين بالخطاب لأنه أقوى في التبكيت، وأدل على الغضب.
ولما ثبت بهذا كله تمام القدرة وانتفى ما توهمه من لا بصر له
стр. 8635
من الطبائع ثبت قطعاً قوله: ﴿إن الساعة﴾ أي القيامة التي يجادله فيها المجادلون ﴿لآتية﴾ وعزتي! للحكم بالعدل في المقارنة بين المسيء والمحسن لأنه لا يسوغ في الحكمة عند أحد من الخلق أن يساوي أحد بين محسن عبيده ومسيئهم، فكيف يظن ذلك بأحكم الحاكمين الذي نشاهده يميت المسيء وهو في غاية النعمة والمعصية، والمحسن وهو في غاية البلاء والطاعة، والمظلوم قبل أن ينتصف من الظالم، ولهذا الأمر الظاهر قال: ﴿لا ريب فيها﴾ أي لا شك في إتيانها بوجه من الوجوه، لأفضي فيها بالعدل فأدخل فيها ناساً دار رحمتي، وآخرين نقمتي.
ولما وصل الحال في أمرها إلى حد لا خفاء به أصلاً، نفى الإيمان دون العلم فقال تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس﴾ أي بما فيهم من النوس وهو الاضطراب، وراعى معنى الأكثر فجمع لأن الجمع أدل على المراد وأقعد في التبكيت: ﴿لا يؤمنون *﴾ أي لا يجعلون المخبر لهم بإتيانها آمناً من التكذيب مع وضوح علمها لديهم، وما ذاك إلا لعناد بعضهم وقصور نظر الباقين على الحس.
ولما كان التقدير: فعل ذلك ربكم ليقضي بين عباده بالعدل فيدخل المحسن الجنة نصرة له، والمسيء النار خذلاناً وإهانة له، لما برز به وعده من أنه ينصر رسله وأتباعهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة،
стр. 8636
وقال لعباده كلهم: آمنوا لأسلمكم من غوائل تلك الدار، عطف عليه قوله: ﴿وقال ربكم﴾ أي المحسن إليكم بهدايتكم ووعدكم النصرة: ﴿ادعوني﴾ أي استجيبوا لي بأن تعبدوني وحدي فتسألوني ما وعدتكم به من النصرة على وجه العبادة، وهذا معنى قوله ﷺ «الدعاء هو العبادة» فقد حصر الدعاء في العبادة سواء كانت بدعاء أو صلاة أو غيرهما، فمن كان عابداً خاضعاً لله تعالى بسؤال أو غيره كانت عبادته دعاء، عن ابن عباس ﵄: وحدوني اغفر لكم. وعن الثوري أنه قيل له: ادع، فقال: إن ترك الذنوب هو الدعاء: ﴿أستجب﴾ أي أوجد الإجابة إيجاداً عظيماً كأنه ممن يطلب ذلك بغاية الرغبة فيه ﴿لكم﴾ في الدنيا أي بإيجاد ما دعوتم به، أو كشف مثله من الضر، أو إدخاره في الآخرة، ليظهر الفرق بين من له الدعوة ومن ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، ولا تتكلوا على ما سبق به الوعد فتتركوا الدعاء فتتركوا العبادة التي الدعاء مخها، فكل ميسر
стр. 8637
لما خلق له، قال القشيري، وقيل: الدعاء مفتاح الإجابة، وأسنانه لقمة الحلال - انتهى - والآية بمعنى آية البقرة ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي﴾ [آية: ١٨٦] .
ولما كان السبب في ترك الدعاء في العادة الكبر، فكان كأنه قيل: ولا تتركوا دعائي تكونوا مستكبرين، علله ترهيباً في طيه ترغيب بقوله: ﴿إن الذين يستكبرون﴾ أي يوجدون الكبر، ودل على أن المراد بالدعاء العبادة بقوله: ﴿عن عبادتي﴾ أي عن الاستجابة لي فيما دعوت من العبادة بالمجادلة في آياتي والإعراض عن دعائي في جميع ما ينوبهم في الشدة والرخاء ﴿سيدخلون﴾ بوعد لا خلف فيه ﴿جهنم﴾ فتلقاهم جزاء على كبرهم بالتجهم والعبوسة والكراهة ﴿داخرين *﴾ أي صاغرين حقيرين ذليلين، فالآية من الاحتباك: ذكر الدعاء أولاً دليلاً على حذفه ثانياً، والعبادة ثانياً دليلاً على حذفها أولاً. ولما ختم ذلك أيضاً بأمر الساعة، زاد في الدلالة عليه وعلى الفعل بالاختيار والحكمة التي لا يسوغ معها إهمال الخلق من غير حساب، في دار ثواب وعقاب، بعد الإتقان لدار العمل بالخطإ والصواب، فقال معللاً مفتتحاً بالاسم الأعظم الذي لا يتخيل أن المسمى به
стр. 8638
يهمل المتكبرين عليه مع الإبلاغ في الإحسان إليهم ﴿الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال ﴿الذي جعل لكم﴾ لا غيره ﴿الّيل﴾ أي مظلماً ﴿لتسكنوا فيه﴾ راحة ظاهرية بالنوم الذي هو الموت الأصغر، وراحة حقيقية بالعبادة التي هي الحياة الدائمة ﴿والنهار مبصراً﴾ لتنتشروا فيه باليقظة التي هي إحياء في المعنى، فالآية من الاحتباك: حذف الظلام أولاً لكونه ليس من النعم المقصودة في أنفسها لما دل عليه من الإبصار الذي هو المقصود من نعمة الضياء المقصود في نفسه، وحذف الانتشار لأنه بعض ما ينشأ عن نعمة الإبصار لما دل عليه من السكون الذي هو المقصود الأعظم من الليل: للراحة لمن أرادها، والعبادة لمن اعتمدها واستزادها.
ولما كان بعض الكفرة ينسب الأفعال كما مضى للطبائع ويجعلها بغير اختيار، قال مستأنفاً أو معللاً مؤكداً: ﴿إن الله﴾ أي ذا الجلال والإكرام ﴿لذو الفضل﴾ أي عظيم جداً باختياره ﴿على الناس﴾ أي كافة باختلاف الليل والنهار وما يحتويان عليه من المنافع. ولما بلغت هذه الآيات من الدلالة على الوحدانية والبعث ونفى أمر الطبائع حداً قل أن يوجد في غيرها، فكان المخالف مذموماً لذلك غاية الذم، فكان
стр. 8639
التعميم بالذم للمخالفين واقعاً في أوفق محاله، وكان الاسم قد يراد بعض مدلومه، وكان المراد هنا التعميم، أظهر للإفهام إرادة ذلك، ولم يضمر ليتعلق الحكم بالوصف المفهم للنوس المشير إلى أن صاحبه قاصر عن درجة أول أسنان المؤمنين فيعلم أن هذا النوع مطبوع على ذلك فقال: ﴿ولكن أكثر الناس﴾ أي بما لهم من الاضطراب وعدم الثبات في لزوم الصواب ﴿لا يشكرون *﴾ فينسبون أفعاله سبحانه إلى غيره جهلاً، أو يعملون بما يسلب عنهم اسم الشكر من الشرك وغيره، ويجوز أن يكون المراد بالناس أولاً كل من يتأتى منه النوس، وهو كل من برز من الوجود، وبهم ثانياً الجن والإنس - والله أعلم.
стр. 8640
ولما ثبت بآية الخافقين وآية الملوين ثبوتاً لا شك فيه أصلاً شمول القدرة بالاختيار، قال معظماً بأداة البعد وميم الجمع: ﴿ذلكم﴾ أي أيها المخاطبون! - الواحد القهار العظيم الشأن الذي علم بما ذكر من أفعاله أنه لا يشاركه أحد ﴿الله﴾ أي الملك الأعظم المعلوم لكل أحد المتميز عن كل شيء بالأفعال التي لا يشاركه أحد ولذلك قال: ﴿ربكم﴾ أي المربى لكم والمحسن إليكم بقدرته واختياره المتفرد بربوبيتكم لا رب لكم سواه. ولما كان في سياق الامتنان بالنعم للدلالة
стр. 8641
على الساعة التي ينكرونها ويجادلون في أمرها، قدم الخلق على التهليل فقال: ﴿خالق كل شيء﴾ أي بما ثبت من تمام قدرته بإبداع الخافقين ثائبين والملوين متعاقبين دائبين، ولا مانع له من إعادة الثقلين لأنه ﴿لا إله إلا الله﴾ بل كان ذلك واجباً في الحكمة، لأن المنعم عليهم انقسموا إلى شاكر وكافر، فوجب في الحكمة إقامة الساعة للفصل بينهم، وجاء ذلك على ترتيب مطلع السورة، فإن العزيز ناظر إلى كمال القدرة على الإيجاد والإعدام، والعليم هو المتوحد بكمال الذات، فإن إحاطة العلم تستلزم كل كمال، والقدرة قد لا تستلزم العلم كما للحيوانات العجم، وهذا بخلاف ما مضى في آية الأنعام، فإن السياق هناك لإنكار الشرك وإثبات الوحدانية بما دل عليها من عموم الخلق طبق ما مضى أيضاً في مطلعها.
ولما أنتجت هذه الأخبار - التي كل منها مقرر لما قبله بكونه كالعلة له - الوحدانية المطلقة اللازم منها كل كمال، سبب عنها قوله منكراً مبكتاً: ﴿فأنى﴾ أي فكيف ومن أي وجه ﴿تؤفكون *﴾ أي تقلبون عن وجوه الأدلة إلى أقفائها فتعبدون الأوثان وتجادلون في الساعة التي يلزم من الطعن فيها الطعن في الحكمة التي الطعن فيها طعن في الإلهية التي الطعن فيها طعن في وجود هذا الوجود ومكابرة فيه، وذلك مؤدٍ إلى سقوط المتكلم به بكل اعتبار لمكابرته في المشاهد
стр. 8642
المحسوس، وفي المعقول المركوز في جميع النفوس.
ولما كشف هذا السياق عن أن هذا الصرف أمر لا يقدم عليه عاقل، كان كأنه قيل: هل وقع لأحد غير هؤلاء مثل هذا؟ فأجيب بقوله: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا الصرف الغريب البعيد عن مناهيج العقلاء ﴿يؤفك﴾ أي يصرف صرف سيئاً - بناه للمفعول إشارة إلى تمام قدرته عليه بكل سبب كان، ولأنه المتعجب منه ﴿الذين كانوا﴾ مطبوعين على أنهم ﴿بآيات الله﴾ أي ذي الجلال والجمال ﴿يجحدون *﴾ أي ينكرون عناداً ومكابرة، فدل هذا على أن كل من تكبر عن حق فأنكره مع علمه به عوقب بمسخ القلب وعكس الفهم، فصار له الصرف عن وجوه الدلائل إلى أقفائها ديدناً بحيث يموت كافراً إن لم يتداركه الله برحمة منه.
ولما تقرر أنه سبحانه ربنا وحده، وأن مدعي ربوبية ما سواه معاند، لأنه سبحانه متميز بأفعاله التي لا يشاركه فيها أحد، دل على ذلك بوجه مركوز في الطبائع صحته، واضح في العقول معرفته، كالمعلل لتسمية هذا الإنكار جحوداً، فقال دالاً بالخافقين بعد الدلالة بما نشأ عنهما من الملوين، وأخر هذا لأنه مع كونه أجلى سبب بقرارية الأرض وفلكية السماء لذاك، بما حصل فيه من الاختلاف، فقال: ﴿الله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء ﴿الذي جعل﴾ أي وحده ﴿لكم الأرض﴾ أي مع كونها فراشاً ممهداً ﴿قراراً﴾ مع كونها في
стр. 8643
غاية الثقل، ولا ممسك لها سوى قدرته ﴿والسماء﴾ على علوها وسعتها مع كونها افلاكاً دائرة بنجوم طول الزمان سائرة، ينشأ عنها الليل والنهار والإظلام والإبصار ﴿بناء﴾ مظلة كالقبة من غير عماد حامل، ومن المعلوم لكل ذي عقل أن الأجسام الثقيلة تقتضي بطبعها تراص بعضها على بعض، فلا يمنع بعضها من السقوط على بعض إلا بقوة وقسر، فالآية من الاحتباك: ذكر القرار أولاً دليلاً على الدوران ثانياً، والبناء ثانياً دليلاً على الفراش أولاً.
ولما ذكر المسكين ذكر الساكن دالاً على أنه الفاعل في الكل باختياره وتمام قدرته بتصويره الإنسان بصورة لا يشبهها صورة شيء من الحيوانات، وفاوت بين أفراده في هيئة تلك الصورة على أنحاء لا تكاد تنضبط في نفسها، ولا تشبه واحدة منها الأخرى، ولا في الخافقين شيء يشبهها محال تصويرها عليه فقال: ﴿وصوركم﴾ والتصوير على غير نظام واحد لا يكون بقدرة قادر تام القدرة مختار لا كما يقول أهل الطبائع ﴿فأحسن صوركم﴾ على أشكال وأحوال مع أنها أحسن الصور ليس في الوجود ما يشبهها، وليس فيها صورة تشبه الأخرى لتسدوا انطباع تصويرها إليه، فثبت قطعاً أنه هو المصور سبحانه على غير مثال كما أنه الذي أبدع الموجود كله كذلك.
ولما ذكر المسكن والساكن، ذكر ما يحتاج إليه في مدة السكن
стр. 8644
فقال: ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ الشهية الملائمة للطبائع النافعة على وجه لا احتياج معه بوجه، فلا دليل أدل على تمام العلم وشمول القدرة ووجود الاختيار من هذا التدبير في حفظ المسكن والسقف وتدبير ما به البقاء على وجه يكفي الساكن من جميع الوجوه على مر السنين وتعاقب الأزمان، وبث من الساكن - مع أنه قطعة يسيرة جداً من أديم الأرض - أنسالاً شعبهم شعباً فرعها إلى فروع لا تسعها الأرض، فدبر بحكمته وسعة علمه وقدرته تدبيراً وسع لهم به الأرض، وعمهم به الرزق، كما روى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن الحسن أنه قال: لما خلق الله آدم ﵊ وذريته قالت الملائكة ﵈: إن الأرض لا تسعهم، قال: فإني جاعل موتاً، قالوا: إذا لا يهنأهم العيش، قال: فإني جاعل أملاً.
ولما دل هذا قطعاً على التفرد، قال على وجه الإنتاج: ﴿ذلكم﴾ أي الرفيع الدرجات ﴿الله﴾ أي المالك لجميع الملك، ودلهم على ما مضى بتربيتهم وما فيها من بديع الصنائع فقال: ﴿ربكم﴾ أي لا غيره، ولما أفاد هذا الدليل تربية لا مثل لها، دالة على إحاطة العلم وتمام القدرة على وجه لا حاجة معه مع حسنه وثباته
стр. 8645
تسبب عنه ولا بد قوله: ﴿فتبارك﴾ أي ثبت ثباتاً عظيماً مع اليمن والخير وحسن المدد والفيض ﴿الله﴾ أي المختص بالكمال، ورقى الخطاب وعظم إيضاحاً للدلالة فقال: ﴿رب العالمين *﴾ كلهم أنتم وغيركم، ثم دل على ما أفاده الدليل معللاً بقوله: ﴿هو﴾ أي وحده ﴿الحي﴾ وكل ما عداه لا حياة له، لأنه ليس له من ذاته إلا العدم، فأنتج ذلك قطعاً قوله: ﴿لا إله إلا هو﴾ فتسبب عنه قوله: ﴿فادعوه﴾ أي وحده بالقول والفعل على وجه العبادة، وذلك معنى ﴿مخلصين له الدين﴾ أي من كل شرك جلي أو خفي.
ولما أمر بقصر الهمم عليه، علله بقوله: ﴿الحمد﴾ أي الإحاطة بأوصاف الكمال، وأظهر موضع الإضمار إشارة إلى أن له من الصفات العلي ما لا ينحصر: ﴿لله﴾ أي المسمى بهذا الاسم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى لذاته. ولما كان هذا الوجود على ما هو عليه من النظام، وبديع الارتسام، دالاً دلالة قطعية على الحمد، قال واصفاً بما هو كالعلة للعلم بمضمون الخبر: ﴿رب العالمين *﴾ أي الذي رباهم هذه التربية فإنه لا يكون إلا كذلك، وعن ابن عباس رضي الله عنهما
стр. 8646
قال: من قال ﴿لا إله إلا الله﴾ فليقل على أثرها ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ .
ولما
أمر
سبحانه
بما
دل
على
استحقاقه
إياه
، أنتج
قطعاً
قوله
: ﴿قل
﴾ أي
لهؤلاء
الذين
يجادلونك
في
التوحيد
والبعث
مقابلاً
لإنكارهم
بالتأكيد
: ﴿إني
نهيت
﴾ أي
ممن
لا
ناهي
غيره
، نهياً
عاماً
ببراهين
العقل
، ونهياً
خاصاً
بأدلة
النقل
﴿أن
أعبد
﴾ ولما
أهلوهم
لأعلى
المقامات
، عبر
عنهم
إرخاء
للعنان
بقوله
: ﴿الذين
تدعون
﴾ أي
يؤهلونهم
لأن
تدعوهم
، ودل
على
سفولهم
بقوله
تعالى
: ﴿من
دون
الله
﴾ أي
الذي
له
الكمال
كله
، ودل
على
أنه
ما
كان
متعبداً
قبل
البعث
بشرع
أحد
بقوله
: ﴿لما
جاءني
البينات
﴾ أي
الحجج
الواضحة
جداً
من
أدلة
العقل
والنقل
ظاهرة
، ولفت
القول
إلى
صفة
الإحسان
تنبيهاً
على
أنه
كما
يستحق
الإفراد
بالعبادة
لذاته
يستحقها
شكراً
لإحسانه
فقال
: ﴿من
ربي
﴾ أي
المربي
لي
تربية
خاصة
هي
أعلى
من
تربية
كل
مخلوق
سواي
، فلذلك
أنا
أعبده
عبادة
تفوق
عبادة
كل
عابد.
ولما
أخبر
بما
يتخلى
عنه
، أتبعه
الأمر
بما
يتحلى
به
فقال
: ﴿وأُمرت
أن
أسلم
﴾ أي
بأن
أجدد
إسلام
كليتي
في
كل
وقت
على
سبيل
الدوام
﴿لرب
العالمين
*﴾ لأن
كل
ما
سواه
مربوب
فالإقبال
عليه
خسار
، وإذا
نهى
هو
ﷺ عن
ذلك
وأمر
بهذا
لكون
الآمر
والناهي
ربه
لأنه
رب
كل
شيء
، كان
غيره
مشاركاً
له
في
ذلك
لا
محالة.
ولما
قامت
الأدلة
وسطعت
الحجج
على
أنه
سبحانه
رب
العالمين
الذين
من
جملتهم
المخاطبون
، ولا
حكم
للطبيعة
ولا
غيرها
، أتبع
ذلك
آية
أخرى
في
أنفسهم
هي
أظهر
مما
مضى
، فوصل
به
على
طريق
العلة
لمشاركتهم
له
ﷺ في
الأمر
والنهي
في
التي
قبلها
قوله
تعالى
: ﴿هو
﴾ لا
غيره
﴿الذي
﴾ ولما
كان
الوصف
بالتربية
ماضياً
، عبر
عنه
به
فقال
: ﴿خلقكم
من
تراب
﴾ أي
أصلكم
وأكلكم
التي
تربى
به
أجسادكم
﴿ثم
من
نطفة
﴾ من
مني
يمنى
﴿ثم
من
علقة
﴾ مباعداً
حالها
لحال
النطفة
كما
كان
النطفة
مباعداً
لحال
التراب
، ﴿ثم
﴾ بعد
أن
جرت
شؤون
أخرى
﴿يخرجكم
﴾ أي
يجدد
إخراجكم
شيئاً
بعد
شيء
﴿طفلاً
﴾ لا
تملكون
شيئاً
ولا
تعلمون
شيئاً
، ثم
يدرجكم
في
مدارج
التربية
صاعدين
بالقوة
في
أوج
الكمال
طوراً
بعد
طور
وحالاً
بعد
حال
﴿لتبلغوا
أشدكم
ثم
﴾ يهبطكم
بالضعف
والوهن
في
مهاوي
السفول
﴿لتكونوا
شيوخاً
﴾ ضعفاء
غرباء
، قد
مات
أقرانكم
، ووهت
أركانكم
، فصرتم
تخشون
كل
أحد.
ولما
كان
هذا
مفهماً
لأنه
حال
الكل
، بين
أنه
ما
أريد
به
إلا
البعض
لأن
المخاطب
الجنس
، وهو
يتناول
البعض
كما
يتناول
الكل
فقال
: ﴿ومنكم
من
يتوفى
﴾ بقبض
روحه
وجميع
معانيه
. ولما
كان
الموت
ليس
مستغرقاً
للزمن
الذي
بين
السنين
وإنما
هو
في
لحظة
يسيرة
مما
بينهما
، أدخل
الجار
على
الظرف
فقال
: ﴿من
قبل
﴾ أي
قبل
حال
الشيخوخة
أو
قبل
حال
الأشدية.
стр. 8647
قال: من قال ﴿لا إله إلا الله﴾ فليقل على أثرها ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ .
ولما
أمر
سبحانه
بما
دل
على
استحقاقه
إياه
، أنتج
قطعاً
قوله
: ﴿قل
﴾ أي
لهؤلاء
الذين
يجادلونك
في
التوحيد
والبعث
مقابلاً
لإنكارهم
بالتأكيد
: ﴿إني
نهيت
﴾ أي
ممن
لا
ناهي
غيره
، نهياً
عاماً
ببراهين
العقل
، ونهياً
خاصاً
بأدلة
النقل
﴿أن
أعبد
﴾ ولما
أهلوهم
لأعلى
المقامات
، عبر
عنهم
إرخاء
للعنان
بقوله
: ﴿الذين
تدعون
﴾ أي
يؤهلونهم
لأن
تدعوهم
، ودل
على
سفولهم
بقوله
تعالى
: ﴿من
دون
الله
﴾ أي
الذي
له
الكمال
كله
، ودل
على
أنه
ما
كان
متعبداً
قبل
البعث
بشرع
أحد
بقوله
: ﴿لما
جاءني
البينات
﴾ أي
الحجج
الواضحة
جداً
من
أدلة
العقل
والنقل
ظاهرة
، ولفت
القول
إلى
صفة
الإحسان
تنبيهاً
على
أنه
كما
يستحق
الإفراد
بالعبادة
لذاته
يستحقها
شكراً
لإحسانه
فقال
: ﴿من
ربي
﴾ أي
المربي
لي
تربية
خاصة
هي
أعلى
من
تربية
كل
مخلوق
سواي
، فلذلك
أنا
أعبده
عبادة
تفوق
عبادة
كل
عابد.
ولما
أخبر
بما
يتخلى
عنه
، أتبعه
الأمر
بما
يتحلى
به
فقال
: ﴿وأُمرت
أن
أسلم
﴾ أي
بأن
أجدد
إسلام
كليتي
في
كل
وقت
على
سبيل
الدوام
﴿لرب
العالمين
*﴾ لأن
كل
ما
سواه
مربوب
فالإقبال
عليه
خسار
، وإذا
نهى
هو
ﷺ عن
ذلك
وأمر
بهذا
لكون
الآمر
والناهي
ربه
لأنه
رب
كل
شيء
، كان
غيره
مشاركاً
له
في
ذلك
لا
محالة.
ولما
قامت
الأدلة
وسطعت
الحجج
على
أنه
سبحانه
رب
العالمين
الذين
من
جملتهم
المخاطبون
، ولا
حكم
للطبيعة
ولا
غيرها
، أتبع
ذلك
آية
أخرى
في
أنفسهم
هي
أظهر
مما
مضى
، فوصل
به
على
طريق
العلة
لمشاركتهم
له
ﷺ في
الأمر
والنهي
في
التي
قبلها
قوله
تعالى
: ﴿هو
﴾ لا
غيره
﴿الذي
﴾ ولما
كان
الوصف
بالتربية
ماضياً
، عبر
عنه
به
فقال
: ﴿خلقكم
من
تراب
﴾ أي
أصلكم
وأكلكم
التي
تربى
به
أجسادكم
﴿ثم
من
نطفة
﴾ من
مني
يمنى
﴿ثم
من
علقة
﴾ مباعداً
حالها
لحال
النطفة
كما
كان
النطفة
مباعداً
لحال
التراب
، ﴿ثم
﴾ بعد
أن
جرت
شؤون
أخرى
﴿يخرجكم
﴾ أي
يجدد
إخراجكم
شيئاً
بعد
شيء
﴿طفلاً
﴾ لا
تملكون
شيئاً
ولا
تعلمون
شيئاً
، ثم
يدرجكم
في
مدارج
التربية
صاعدين
بالقوة
في
أوج
الكمال
طوراً
بعد
طور
وحالاً
بعد
حال
﴿لتبلغوا
أشدكم
ثم
﴾ يهبطكم
بالضعف
والوهن
في
مهاوي
السفول
﴿لتكونوا
شيوخاً
﴾ ضعفاء
غرباء
، قد
مات
أقرانكم
، ووهت
أركانكم
، فصرتم
تخشون
كل
أحد.
ولما
كان
هذا
مفهماً
لأنه
حال
الكل
، بين
أنه
ما
أريد
به
إلا
البعض
لأن
المخاطب
الجنس
، وهو
يتناول
البعض
كما
يتناول
الكل
فقال
: ﴿ومنكم
من
يتوفى
﴾ بقبض
روحه
وجميع
معانيه
. ولما
كان
الموت
ليس
مستغرقاً
للزمن
الذي
بين
السنين
وإنما
هو
في
لحظة
يسيرة
مما
بينهما
، أدخل
الجار
على
الظرف
فقال
: ﴿من
قبل
﴾ أي
قبل
حال
الشيخوخة
أو
قبل
حال
الأشدية.
стр. 8648
ولما كان المعنى: لتتفاوت أعماركم وأحوالكم وأعمالكم، عطف عليه قوله: ﴿ولتبلغوا﴾ أي كل واحد منكم ﴿أجلاً مسمى﴾ أي له سماه الملك الذي وكل به في بطن أمه عن إذننا وبأمرنا الذي قدرناه في الأزل، فلا يتعداه مرة، ولا بمقدار ذرة فيتجدد للملائكة إيمان في كل زمان.
ولما كانت هذه الأمور مقطوعاً بها عند من يعلمها، وغير مترجاة عند من يجهلها، فإنه لا وصول للآدمي بحيلة ولا فكر إلى شيء منها، فعبر فيها اللام، وكان التوصل بالتفكر فيها والتدبر إلى معرفة أن الإله واحد في موضع الرجاء للعاقل قال: ﴿ولعلكم تعقلون *﴾ أي فتعلموا بالمفاوتة بين الناس فيها ببراهين المشاهدة بالتقليب في أطوار الخلقة
стр. 8649
وأدوار الأسنان، وإرجاع أواخر الأحكام على أوائلها أن فاعل ذلك قادر مختار حكيم قهار، لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء.
ولما نظم سبحانه هذا الدليل في صنع الآدمي من التراب، وختمه بأن دلالته على البعث - بإجراء سنته في إرجاع أواخر الأمور على أوائلها وغير ذلك - لا يحتاج إلى غير العقل، أنتج عنه قوله: ﴿هو﴾ لا غيره ﴿الذي يحيي ويميت﴾ كما تشاهدونه في أنفسكم وكما مضى لكم الإشارة إليه بخلق السماوات والأرض، فإن من خلقهما خلق ما بينهما من الآجال المضروبة باختلاف الليل والنهار والشهور والأعوام لبلوغ الأفلاك مواضعها، ثم رجوعها عوداً على بدء مثل تطوير الإنسان بعد الترابية من النطفة إلى العلقة إلى ما فوقها، ثم رجوعه في مدارك هبوطه إلى أن تصير تراباً كما كان، فليست النهاية بأبعد من البداية.
ولما كانت إرادته لا تكون إلا تامة نافذة، سبب عن ذلك قوله معبراً بالقضاء: ﴿فإذا قضى أمراً﴾ أي أراد أيّ أمر كان من القيامة أو غيرها ﴿فإنما يقول له كن﴾ ولما كانت ﴿إذا﴾ شرطية أجابها في قراءة ابن عامر بقوله: ﴿فيكون *﴾ وعطفها في قراءة غيره على ﴿كن﴾ بالنظر إلى معناه، أو يكون خبراً لمبتدأ أي فهو يكون، وعبر بالمضارع تصويراً للحال وإعلاماً بالتجدد عند كل قضاء، وقد مضى في سورة البقرة إشباع الكلام في توجيه قراءة ابن عامر بما تبين به أنها
стр. 8650
أشد من قراءة غيره.
ولما علم من هذا أنه لا كلفة عليه في شيء من الأشياء بهذه الأمور المشاهدة في أنفسهم وفي الآفاق، أنتج التعجب من حالهم لمن له الفهم الثاقب والبصيرة الوقادة، وجعل ذلك آياته الباهرة وقدرته القاهرة الظاهرة، فلذلك قال لافتاً الخطاب إلى أعلى الخلق لأن ذم الجدال بالباطل من أجل مقصود هذه السورة: ﴿ألم تر﴾ أي يا أنور الناس قلباً وأصفاهم لباً، وبين بعدهم بأداة النهاية فقال: ﴿إلى الذين يجادلون﴾ أي بالباطل، ونبه على ما في هذه الآيات من عظمته التي لا نهاية لها بإعادة الاسم الجامع فقال: ﴿في آيات الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿أنَّى﴾ أي وكيف ومن أي وجه ﴿يُصرفون *﴾ عن الآيات الحقة الواضحة التي سبقت بالفطرة الأولى إلى جذور قلوبهم، فلا حجة يوردون ولا عذاب عن أنفسهم يردون، لأنه سبحانه استاقهم - كما قال ابن برجان - بسلاسل قهره المصوغة من خالص عزماتهم وعزائهم إرادتهم من حقيقة ذواتهم إلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة - فصل ما جادلوا فيه واصفاً لهم بما يزيد في التعجيب من شدة جهلهم وتعاظم عماهم فقال: ﴿الذين كذبوا﴾ وحذف المفعول إشارة إلى عموم التكذيب: ﴿بالكتاب﴾ أي بسببه في جميع ما له من الشؤون التي
следующие страницы →