Полный текст (11 765 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.
стр. 9136
ولما كان الإنسان في الدنيا يخشى كلفة النفقات، وصف ما هنالك من سعة الخيرات فقال: ﴿يدعون﴾ أي يطلبون طلباً هو بغاية المسرة ﴿فيها بكل﴾ لا يمتنع عليهم صنف من الأصناف ببعد مكان ولا فقد أوان، ولا غير ذلك من الشأن، وقال: ﴿فاكهة﴾ إيذاناً بأن ذلك مع سعته ليس فيها شيء لإقامة البينة وإنما هو للفتكه ومجرد التلذذ. ولما كان التوسع في التلذذ يخشى منه غوائل جمة قال: ﴿آمنين *﴾ أي وهم في غاية الأمن من كل مخوف.
стр. 9137
ولما ذكر الأمان، وكان أخوف ما يخاف أهل الدنيا الموت، قال: ﴿لا يذوقون فيها﴾ أي الجنة ﴿الموت﴾ أي لا يتجدد لهم أوائل استطعامه فكيف بما وراء ذلك. ولما كان المراد نفي ذلك على وجه يحصل معه القطع بالأمن على أعلى الوجوه، وكان الاستثناء معيار العموم، وكان من المعلوم أن ما كان في الدنيا من ذوق الموت الذي هو معنى من المعاني قد استحال عوده، قال معللاً معلقاً على هذا المحال: ﴿إلا الموتة﴾ ولما كان المعنى مع إسناد الذوق إليه لا يلبس لأن ما قبل نفخ الروح ليس مذوقاً، عبر بقوله: ﴿الأولى﴾ وقد أفهم التقييد بالظرف أن النار يذاق فيها الموت، والوصف بالأولى أن المذوق موتة ثانية، فكان كأنه قيل: لكن غير المتقين ممن كان عاصياً فيدخل النار فيذوق فيها موتة أخرى - كما جاء في الأحاديث الصحيحة، ويجوز أن يجعل وصف المتقين أعم من الراسخين وغيرهم، فيكون الحكم على المجموع، أي أن الكل لا يذوقون، وبعضهم - وهم من أراد الله من العصاة - يذوقونه في غيرها وهو النار، ويجوز أن تكون الموتة الأولى كانت في الجنة المجازية فلا يكون تعليقاً بمحال، وذلك أن المتقي لم يزل
стр. 9138
فيها في الدنيا مجازاً بما له من التسبب وبما سبق من حكم الله له بها، قال ﷺ : «المؤمن إذا عاد أخاه لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع، قيل: وما خرفة الجنة؟ قال: جناها» «وإذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» وكذا المحكوم له بما هو فيها عند الموت وبعده بما له من التمتع بالنظر ونحوه من الأكل للشهداء وغير ذلك مما ورد في الأخبار الصحيحة، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أنس ﵁ أن عمه النضر ﵁ قال يوم أحد: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني لأجد ريحها من دون أحد، ثم قاتل حتى قتل. ثم يكون تمام ذلك النعيم بالجنة بعد البعث، قال ابن برجان: الدنيا إذا تحققت في حق المؤمن المتقي وتتبع النظر فيها فإنها جنة صغرى لتوليه سبحانه إياهم فيها وقربه منهم ونظره إليهم وذكرهم له وعبادتهم إياه وشغلهم به وهو معهم أينما كانوا.
ولما كان السياق للمتقين قال: ﴿ووقاهم﴾ أي جملة المتقين في جزاء ما اتقوه ﴿عذاب الجحيم *﴾ أي التي تقدم إصلاء الأثيم لها، وأما غير المتقين من العصاة فيدخل الله من أراد منهم النار فيعذر كلاًّ منهم
стр. 9139
على قدر ذنوبه ثم يميتهم فيها ويستمرون إلى أن يأذن الله في الشفاعة فيهم فيخرجهم ثم يحييهم بما يرش عليهم أهل الجنة من ماء الحياة، روى الإمام أحمد في مسنده ومسلم في الإيمان من صحيحه وابن حبان في الشفاعة من سننه والدرامي في صفة الجنة والنار من سننه المشهور بالمسند، وابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أما أهل النار الذين هم أهلها» - وقال الدارمي: الذين هم للنار - «فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس منكم أصابتهم النار بذنوبهم» ، - أو قال: «بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة» ، وقال الإمام أحمد: «فيميتهم إماتة» ، وقال الدرامي: «فإن النار تصيبهم على قدر ذنوبهم فيحرقون فيها حتى إذا كانوا فحماً أذن في الشفاعة فجيء بهم» وقال الدرامي: «فيخرجون من النار ضبائر ضبائر فنبتوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم، فينبتون» ، وقال الدرامي فتنبت لحومهم نبات الحبة في حميل السيل. الضبائر قال عبد الغافر الفارسي في مجمع الرغائب:
стр. 9140
جمع ضبارة مثل عمارة عمائر: جماعات الناس، وروى أبو يعلى عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يدخل ناس في النار حتى إذا صاروا فحماً أدخلوا الجنة، فيقول أهل الجنة: من هؤلاء؟ ، فيقال: هؤلاء الجهنميون» ، ولأحمد بن منيع عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يوضع الصراط» فذكر شفاعة المؤمنين في إخوانهم بعد جواز الصراط وإذن الله لهم في إخراجهم، قال: «فيخرجونهم منها فيطرحونهم في ماء الحياة فينبتون نبات الزرع في غثاء السيل» ، ولابن أبي عمر عن عبيد بن عمير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج الله قوماً من النار بعد ما امتحشوا فيها وصاروا فحماً فيلقون في نهر على باب الجنة يسمى نهر الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل - أو كما تنبت الثعارير - فيدخلون الجنة، فيقال: هؤلاء عتقاء الرحمن» الثعارير - بالثاء المثلثة والعين والراء المهملتين: نبات كالهليون، وروى الترمذي - وقال: حسن صحيح - وروي من غير وجه عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 9141
«يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا فيها حمماً ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما تنبت الغثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة» .
ولما كان السياق للمتقين، فكان ربما ظن أن هذا الذي فعل بهم حق لهم لا بد ولا محيد عنه، بين أن الأمر على غير ذلك، وأنه سبحانه لو واخذهم ولم يعاملهم بفضله وعفوه لهلكوا، فقال: ﴿فضلاً﴾ أي فعل بهم ذلك لأجل الفضل، ولذلك عدل عن مظهر العظمة فقال تعالى: ﴿من ربك﴾ أي المحسن إليك بكمال إحسانه إلى اتباعك إحساناً يليق بك، قال الرازي في اللوامع: أصل الإيمان رؤية الفضل في جميع الأحوال. ولما عظمه تعالى بإظهار هذه الصفة مضافة إليه ﷺ ، زاد في تعظيمه بالإشارة بأداة البعد فقال: ﴿ذلك﴾ أي الفضل العظيم الواسع ﴿هو﴾ أي خاصة ﴿الفوز﴾ أي الظفر بجميع المطالب ﴿العظيم *﴾ الذي لم يدع جهة الشرف إلا ملأها.
ولما قدم سبحانه في هذه السورة ما للقرآن من البركة بما اشتمل عليه من البشارة والندارة والجمع والفرق، وذكرهم بما يقرون به من
стр. 9142
أنه مبدع هذا الكون مما يستلزم إقرارهم بتوحيده المستلزم لأنه يفعل ما يشاء من إرسال وإنزال وتنبيه وبعث وغير ذلك، وهددهم بما لا يقدر عليه غيره من الدخان والبطشة، وفعل بعض ذلك، وذكرهم بما يعرفون من أخبار من مضى من قروم القرون وأنهم مع ذلك كله أنكروا البعث، ثم ذكر ما يقتضي التحذير والتبشير - كل ذلك في أساليب فأتت كل المدى، فأعجزت جميع القوى، مع ما لها من المعاني الباهرة، والبدائع الزاهرة القاهرة، سبب عن قوله فذلكة للسورة: ﴿فإنما يسرناه﴾ أي جعلنا له يسراً عظيماً وسهولة كبيرة.
ولما كان الإنسان كلما زادت فصاحته وعظمت بلاغته، كان كلامه أبين وقوله أعذب وأرصن وأرشق وأمتن، وكان ﷺ أفصح الناس وأبعدهم لذلك من التكلف، أضافه إليه فقط فقال: ﴿بلسانك﴾ أي هذا العربي المبين وهم عرب تعجبهم الفصاحة ﴿لعلهم يتذكرون *﴾ أي ليكونوا عند من يراهم وهو عارف بلسانهم ممن شأنه كشأنهم على رجاء من أن يتذكروا أن هذا القرآن شاهد
стр. 9143
بإعجازه بصحة ما فيه من التوحيد والرسالة وغيرهما مما سبق إليك وجلى عليك وإلا لقدروا هم وهم أفصح الناس على معارضة شيء منه فيتذكروا ما غفلوا عنه من أنه عزيز بإهلاكه الجبابرة، وأنه حكيم بنصبه الآيات لأنبيائه وتأييدهم بالمعجزات، ومن أن الكبير منهم لا يرضى أن يطعن أحد في كبريائه ولا أن يترك من له عليه حكم وهو تحت قهره أن يبغي بعضهم على بعض ثم لا ينصر المظلوم منهم على ظالمه ويأخذ بيده حتى لا يستوي المحسن بالمسيء، فإذا تذكروا ذلك مع ما يعرفون من قدرة الملك وكبريائه وحكمته علموا قطعاً أنه لا بد من البعث للتمييز بين أهل الصلاح والفساد، والفصل بين جميع العباد، فتسبب عن ذلك قوله: ﴿فارتقب﴾ أي ما رجيتك به من تذكرهم المستلزم لهدايتهم.
ولما كانوا يظهرون تجلداً ولدداً أنهم لا يعبؤون بشيء من القرآن ولا غيره مما يأتي به ولا يعدون شيئاً منه آية، أخبر عما يبطنون من خوفهم وانتظارهم لجميع ما يهددهم به مؤكداً لأجل ظن من حمل تجلدهم على أنه جلد فقال: ﴿إنهم﴾ وزاد الأمر بالإخبار بالاسم الدال على الثبات والدوام فقال: ﴿مرتقبون *﴾ أي تكليفهم أنفسهم المراقبة وإجهادهم أفكارهم في ذلك دائم لا يزايلهم بل قد قطع قلوبهم وملأ صدورهم، فقد انطبق آخر السورة على أولها، بل وعلى المراد من مجملها ومفصلها، بذكر الكتاب والأرتقاب لأنواع العذاب - والله الهادي إلى الصواب، إنه الكريم الوهاب.
стр. 9144
سورة الجاثية وتسمى الشريعة
مقصودها الدلالة على أن منزل هذا الكتاب - كما دل عليه في الدخان - ذو العزة لأنه لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء، والحكمة لأنه لم يضع شيئاً إلا في أحكم مواضعه، فعلم أنه المختص بالكبرياء، فوضع شرعاً هو في غاية الاستقامة لا تستقل العقول بإدراكه ولا يخرج شيء منه عنه، أمر فيه ونهى، ورغب ورهب ثم بطن حتى أنه لا يعرف، ثم ظهر حتى أنه لا يجهل، فمن المكلفين من حكم عقله وجانب هواه فشهد جلاله فسمع وأطاع، ومنه من تبع هواه فضل عن نور العقل فزاغ وأضاع فاقتضت الحكمة ولا بد أن يجمع سبحانه الخلق ليوم الفصل فيظهر كل الظهور ويدبن عباده ليشهد رحمته المطيع وكبرياءه العاصي، وينشر العدل ويظهر الفضل، ويتجلى في جميع صفاته لجميع خلقه، وعلى ذلك دل اسمها الشريعه، واسمها الجاثية واضح
стр. 9145
الدلالة فيه إذا تؤمل كل من آيتهما - والله الهادي.
) بسم الله (الذي تفرد بتمام العز والكبرياء) الرحمن (الذي أحكم رحمته البيان العام للسعداء والأشقياء) الرحيم (الذي خص بملابس طاعته الأولياء)
стр. 9146
﴿حم *﴾ أي حكمة محمد إليها المنتهى كما تقدم في الدخان ما أفهم إنزاله من أم الكتاب جملة إلى بيت العزة، ودل على بركته مما دل على حكمة منزله وعزته بالبشارة والنذارة والإيقاع بالمجرمين بعد طول الحلم والأناة والنجاة للمتقين وغير ذلك من أمور هي في غاية الدلالة على ذلك لأنها راجعة إلى الحسن لمن ألقى السمع، وهو شهيد، وأشار إلى سهولتها على من تأمل هذا الذكر المترجم بلسان أعلى الخلق وأكملهم وأشرفهم خلائق وأفضلهم، ابتدأ هذه بالإعلام بأنه زاد ذلك يسراً وسهولة بإنزاله منجماً بحسب الوقائع مطابقاً لها أتم مطابقة بعد إنزاله جملة من أم الكتاب ثم مرتباً لما أنزل منه ترتيباً يفهم علوماً ويوضح أسراراً غامضة مهمة فقال: ﴿تنزيل الكتاب﴾ أي إنزال الجامع لكل خير مفرقاً لزيادة التسهيل في التفهيم والإبلاغ في اليسر في التعليم وغير ذلك من الفضل العميم
стр. 9147
وزاده عظماً بقوله: ﴿من الله﴾ أي كائن من المحيط بصفات الكمال.
ولما كان - كما مضى - للعزة والحكمة أعظم بركة هنا قال: ﴿العزيز الحكيم *﴾ فكان كتابه عزيزاً حكيماً لا كما تقول الكفرة من أنه شعر أو كذب أو كهانة لأنه لا حكمة لذلك ولا عزة بحيث يلتبس أمره بأمره هذا الكتاب المحيط بدائرة الحكمة والصواب، ودل بشواهد القدرة وآثار الصنعة من نسخة هذا الكتاب على الصفتين وعلى وحدانيته فيهما اللازم منه تفرده المطلق فقال مؤكداً لأجل من ينكر ذلك ولو بالعمل، وترغيباً في تدقيق النظر بتأمل آيات الوجود التي هذا الكتاب شرح لمغلقها وتفصيل لمجملها. وإيماء إلى أنها أهل لصرف الأفكار إلى تأملها ﴿إن في﴾ ولما كانت الحواميم - كما روى أبو عبيدة في كتاب الفضائل عن ابن عباس ﵄ لباب القرآن، حذف ما ذكر في البقرة من قوله «خلق» ليكون ما هنا أشمل فقال: ﴿السماوات﴾ أي ذواتها بما لها من الدلالة
стр. 9148
على صانعها وخلقها على ما فيها من العبر بما فيها من المنافع وعظيم الصنعة ما لها من الشفوف الدال على تعددها بما فيها من الكواكب ﴿والأرض﴾ كذلك وبما حوت من المعادن والمعايش والمنابع والمعاون ﴿لآيات﴾ أي دلائل على وحدانيته وجميع كماله، فإن من المعلوم أنه لا بد لكل من ذلك من صانع متصف بذلك ﴿للمؤمنين *﴾ أي لأنهم برسوخهم في هذا الوصف الشريف أهل للنظر لأن ربهم يهديهم بإيمانهم فشواهد الربوبية لهم منهما لائحة، وأدلة الإلهية فيهما واضحة، ولعله أشار بالتعبير بالوصف إلى أنه لا بد في رد شبه أهل الطبائع من تقدم الإيمان، وأن من لم يكن راسخ الإيمان لم يخلص من شكوكهم.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت السورة المتقدمة إيضاح أمر الكتاب وعظيم بيانه وأنه شاف كاف وهدى ونور، كان أمر من كفر من العرب أعظم شيء لانقطاعهم عجزهم وقيام
стр. 9149
الحجة به عليهم حتى رضوا بالقتل والخزي العاجل وما قاموا بادعاء معارضته ولا تشوفوا إلى الإسناد إلى عظيم تلك المعارضة، أتبع ذلك تعالى تنبيهاً لنبيه والمؤمنين إلى ما قد نصبه من الدلائل سواه مما صد المعرض عن الاعتبار بها أو ببعضها مجرد هواه، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، فقال تعالى بعد القسم بالكتاب المبين ﴿إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين﴾ أي لو لم تجئهم يا محمد بعظيم آية الكتاب فقد كان لهم فيما نصبنا من الأدلة أعظم برهان وأعظم تبيان ﴿أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى﴾ [الروم: ٨] فلما نبه بخلق السماوات والأرض، أتبع بذكر ما بث في الأرض فقال ﴿وفي خلقكم وما بث فيهما من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الّيل والنهار﴾ أي في دخول أحدهما على الآخر بألطف اتصال وأربط انفصال ﴿لا الشمس ينبغي لها أن
стр. 9150
تدرك القمر ولا الليل سابق النهار﴾ ثم نبه على الاعتبار بإنزال الماء من السماء وسماه رزقاً بحط القياس فقال ﴿وما أنزل الله من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها﴾ ثم قال ﴿وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون﴾ الاستدلال بهذه الآي يستدعي بسطاً يطول، ثم قال ﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق﴾ أي علاماته ودلائله ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ ثم قال ﴿فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون﴾ أبعد ما شاهدوه من شاهد الكتاب وما تضمنه خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهن من عجائب الدلائل الواضحة لأولي الألباب، فإذا لم يعتبروا بشيء من ذلك فبماذا يعتبر، ثم أردف تعالى بقريعهم وتوبيخهم في تصميمهم مع وضوح الأمر فقال ﴿ويل لكل أفاك أثيم﴾ الآيات الثلاث، ثم قال ﴿هذا هدى﴾ وأشار إلى الكتاب وجعله نفس الهدى لتحمله كل أسباب الهدى وجميع جهاته، ثم توعد من كفر به
стр. 9151
ثم أردف ذلك بذكر نعمه وآلائه ليكون ذلك زائداً في توبيخهم، والتحمت الآي عاضدة هذا الغرض تقريعاً وتوبيخاً ووعيداً وتهديداً إلى آخر السورة - انتهى.
ولما ذكر سبحانه بالنظر في آيات الآفاق، أتبعها آيات الأنفس فقال: ﴿وفي خلقكم﴾ أي المخالف لخلق الأرض التي أنتم منها بالاختيار والعقل والانتشار والقدرة على السار والضار ﴿وما يبث﴾ أي ينشر ويفرق بالحركة الاختيارية بثاً على سبيل التجدد والاستمرار ﴿من دآبة﴾ مما تعلمون ومما لا تعلمون بما في ذلك من مشاركتكم في الحركة بالاختيار والهداية للمنافع بإدراك الجزئيات ومخالفتكم في الصورة والعقل وإدراك الكليات وغير ذلك من مخالفة الأشكال والمنافع والطبائع ونحوها ﴿آيات﴾ أي على صفات الكمال ولا سيما العزة والحكمة، وهي على قراءة حمزة والكسائي ويعقوب بالنصب هنا، وفي الذي بعده عطف الآيتين على حيز إن في الآية الأولى من الاسم والخبر، فلهذه الآية نظر إلى التأكيد، وهو على قراءة الجماعة مبتدأ بالعطف على «إن» وما في حيزها، وهي أبلغ لأنها تشير إلى أن ما في تصوير الحيوان وجميع شأنه من عجيب الصنع
стр. 9152
ظاهر الدلالة على الله فهو بحيث لا ينكره أحد، فهو غني عن التأكيد، ويجوز أن تكون الآية على قراءة النصب من الاحتباك: حذف أولاً الخلق بما دل عليه ثانياً، وثانياً ذوات الأنفس بما دل عليه من ذوات السماوات أولاً.
ولما كانت آيات الأنفس أدق وأدل على القدرة والاختيار بما لها من التجدد والاختلاف، قال: ﴿لقوم﴾ أي فيهم أهلية القيام بما يحاولونه ﴿يوقنون *﴾ أي يتجدد لهم العروج في درجات الإيمان إلى أن يصلوا إلى شرف الإيقان، فلا يخالطهم شك في وحدانيته؛ قال الحرالي في تفسير ﴿أو كالذي مر على قرية﴾ : آية النفس منبهة على آية الحس، وآية الحس منبهة على آية النفس، إلا أن آية النفس أعلق، فهي لذلك أهدى، غاية آية الآفاق الإيمان، وغاية آية النفس اليقين.
ولما ذكر الظرف وما خلق لأجله من الناس، ضم إليهم بعض ما خلقه لأجلهم لشرفه بالحياة، أتبعه ما أودع الظرف من المرافق لأجل الحيوان فقال: ﴿واختلاف الّيل والنهار﴾ بذهاب أحدهما ووجود الآخر بعد ذهابه على التعاقب آية متكررة للدلالة على القدرة على الإيجاد بعد الإعدام بالبعث وغيره، وجر «اختلاف» بتقدير «في» فينوب حرف العطف مناب عامل واحد للابتداء عند من
стр. 9153
رفع «آيات» ، ومناب «إن» عند من نصب، فلم يلزم نيابته مناب عاملين مختلفين في الابتداء في الرفع وفي «إن» في النصب.
ولما كان المطر أدل مما مضى على البعث والعزة، لأن الشيء كلما قل الإلف له كان أمكن للتأمل فيه، أولاه إياه فقال: ﴿وما أنزل الله﴾ أي الذي تمت عظمته فنفذت كلمته. ولما كان الإنزال قد يستعمل فيما اتى من علو معنوي وإن لم يكن حسياً، بين أن المراد هنا الأمران فقال: ﴿من السماء﴾ .
ولما كانت منافع السماء غير منحصرة في الماء قال: ﴿من رزق﴾ أي مطر وغيره من الأسباب المهيئة لإخراج الرزق ﴿فأحيا به﴾ أي بسببه وتعقبه ﴿الأرض﴾ أي الصالحة للحياة، ولذلك قال: ﴿بعد موتها﴾ أي يبسها وتهشم ما كان فيها من النبات وانقلابه بالاختلاط بترابها تراباً، فإذا نزل عليها الماء جمعه منها فأخرجه على ما كان عليه كلما تجدد نزوله، ولذلك لم يأت بالجار إشارة إلى دوام
стр. 9154
الحياة بالقوة إن لم يكن بالفعل.
ولما ذكر ما يشمل الماء، ذكر سبب السحاب الذي يحمله فقال: ﴿وتصريف الرياح﴾ في كل جهة من جهات الكون وفي كل معنى من رحمة وعذاب وغير ذلك من الأسباب، ولم يذكر الفلك والسحاب كما في البقرة لاقتضاء اللبابية المسماة بها الحواميم، ذلك لأنهما من جملة منافع التصريف، وتوحيد حمزة والكسائي أبلغ لأن تصريف الشيء الواحد في الوجوه الكثيرة أعجب ﴿آيات﴾ قراءة الرفع أبلغ لإشارتها بعدم الحاجة إلى التأكيد إلى أن ما في الآية ظاهر الدلالة على القدرة والاختيار للصانع بما في التصريف من الاختلاف، والماء بما يحدث عنه من الإنبات أوضح دلالة من بقيتها على البعث، ولأجل شدة ظهورها ناط الأمر فيها بالعقل فقال: ﴿لقوم يعقلون *﴾ وقال القالي: والمعنى أن المنصفين لما نظروا في السماوات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمنوا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم ونحوها ازدادوا إيماناً فأيقنوا، فإذا نظروا في سائر الحوادث عقلوا واستحكم علمهم.
стр. 9155
ولما ذكر هذه الآيات العظيمات، وكانت كلها مشتركة في العظم، بعد ما أشار إلى تباين رتبها في الخفاء والجلاء بفواصلها، قال مشيراً إلى علو رتبها بأداة البعد: ﴿تلك﴾ أي الآيات الكبرى ﴿آيات الله﴾ أي دلائل المحيط بصفات الكمال التي لا شيء أجلى ولا أظهر ولا أوضح منها. ولما كان كأنه قيل: ما لها؟ قال، أو يكون المراد: نشير إليها حال كوننا ﴿نتلوها﴾ أي نتابع قصها ﴿عليك﴾ سواء كانت مرئية أو مسموعة، متلبسة ﴿بالحق﴾ أي الأمر الثابت الذي لا يستطاع تحويله فليس بسحر ولا كذب، فتسبب عن ذلك حينئذ الإنكار عليهم وعلى من يطلب إجابتهم إلى المقترحات طمعاً في إيمانهم في قوله تعالى: ﴿فبأي حديث﴾ أي خبر عظيم صادق يتجدد علمهم به يستحق أن يتحدث به، واستغرق كل حديث فقال: ﴿بعد الله﴾ أي الحديث الأعظم عن الملك الأعلى ﴿وآياته﴾ أي والحديث عن دلالاته العظيمة ﴿يؤمنون *﴾ من خاطب - وهم الجمهور - ردوه على قوله «وفي خلقكم» وهو أقوى تبكيتاً، وغيرهم وهم أبو عمرو وحفص عن
стр. 9156
عاصم وروح عن يعقوب رأوا أن ذلك الخطاب صرف إلى خطاب النبي ﷺ في قوله ﴿نتلوها عليك بالحق﴾ .
ولما كان لا يبقى على الكفر نوع بقاء فضلاً عن الإصرار بعد هذا البيان إلا من يستحق النكال لمجاهرته بالعناد، قال على وجه الاستنتاج مهدداً: ﴿ويل﴾ أي مكان معروف في جهنم ﴿لكل أفاك﴾ أي مبالغ في صرف الحق عن وجهه ﴿أثيم *﴾ أي مبالغ في اكتساب الإثم وهو الذنب، وعمل ما لا يحل مما يوجب العقاب، وفسر هذا بقوله: ﴿يسمع آيات الله﴾ أي دلالات الملك الأعظم الظاهرة حال كونها ﴿تتلى﴾ أي يواصل استماعه لها بلسان القال أو الحال من أيّ تال كان، عالية ﴿عليه﴾ بجميع ما فيها من سهولة فهمها وعذوبة ألفاظها وظهور معانيها وجلالة مقاصدها مع الإعجاز فكيف إذا كان التالي أشرف الخلق.
ولما كانت تلاوتها موجبة لإقلاعه فكان إصراره مع بعد رتبته في الشناعة مستبعداً كونه قال: ﴿ثم يصر﴾ أي يدوم دوماً عظيماً على قبيح ما هو فيه حال كونه ﴿مستكبراً﴾ أي طالباً الكبر عن الإذعان
стр. 9157
وموجداً له. ولما كان مع ما ذكر من حاله يجوز أن يكون سماعه لها، خفف من مبالغته في الكفر، بين أنها لم تؤثر فيه نوعاً من التأثير، فكان قلبه أشد قسوة من الحجر فقال: ﴿كأن﴾ أي كأنه ﴿لم يسمعها﴾ فعلم من ذلك ومن الإصرار وما قيد به من الاستكبار أن حاله عند السماع وقبله وبعده على حد سواء، وقد علم بهذا الوصف أن كل من لم ترده آيات الله تعالى كان مبالغاً في الإثم والإفك، فكان له الويل.
ولما كان الإصرار معناه الدوام المتحكم، لم يذكر الوقر الذي هو من الأمراض الثابتة كما ذكره في سورة لقمان، قال ابن القطاع وابن ظريف في أفعالهما، أصر على الذنب والمكروه: أقام، وقال عبد الغافر الفارسي في المجمع: أصررت على الشيء أي أقمت ودمت عليه، وقال ابن فارس في المجمل: والإصرار: العزم على الشيء والثبات عليه، وقال أبو عبد الله القزاز في ديوانه ونقله عن عبد الحق في واعيه: وأصل الصر الإمساك، ومنه يقال: أصر فلان على كذا، أي أقام عليه وأمسكه في نفسه وعقده لأنه قد يقول ما ليس في نفسه وما لا يعتقده، والرجل مصر على الذنب أي ممسك له معتقد عليه، ثم
стр. 9158
قال: من الإصرار عليه وهو العزم على أن لا يقلع عنه، وقال الأصفهاني تبعاً لصاحب الكشاف: وأصله من أصر الحمار على العانة، وهو أن ينحني عليها صاراً أذنيه.
ولما أخبر عن ثباته على الخبث، سببب عنه تهديده في أسلوب دال - بما فيه من التهكم - على شدة الغضب وعلى أنه إن كان له بشارة فهي العذاب فلا بشارة له أصلاً فقال تعالى: ﴿فبشره﴾ أي على هذا الفعل الخبيث ﴿بعذاب﴾ لا يدع له عذوبة أصلاً ﴿أليم *﴾ أي بليغ الإيلام.
ولما بين تعالى كفره بما يسمع من الآيات، أتبعه ما هو أعم منه فقال: ﴿وإذا علم﴾ أي أيّ نوع كان من أسباب العلم ﴿من آياتنا﴾ أي على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا ﴿شيئاً﴾ وراءه وكان كلما رأوا الإنسان في غاية التمكن منه، قال مبيناً للعذاب: ﴿جهنم﴾ أي تأخذهم لا محالة وهم في غاية الغفلة عنها بترك الاحتراز منها، ويحسن التعبير بالوراء أن الكلام في الأفاك، وهو انصراف
стр. 9159
الأمور عن أوجهها إلى اقفائها فهو ماش أبداً إلى ورائه فهو ماش إلى النار بظهره، ويستعمل، «وراء» في الإمام، فيكون حينئذ مجاراً عن الإحاطة أي تأخذهم من الجهة التي هم بها عالمون والجهة التي هم بها جاهلون، فتلقاهم بغاية التجهم والعبوسة والغيظ والكراهة ضد ما كانوا عليه عند العلم بالآيات المرئية والمسموعة من الاستهزاء الملازم للضحك والتمايل بطراً وأشراً، ومثل ما كانوا عليه عند الملاقاة للمصدقين بتلك الآيات.
ولما كانوا يظهرون الركون إلى ما بأيديهم من الأعراض الفانية، قال: ﴿ولا يغني عنهم﴾ أي في دفع ذلك ﴿ما كسبوا﴾ أي حصلوا من الأمور التي أفادتهم العز الذي أورثهم الاستهزاء ﴿شيئاً﴾ أي من إغناء. ولما كان هؤلاء لما هم عليه من العمى يدعون إغناء آلهتهم عنهم، قال مصرحاً بها: ﴿ولا ما اتخذوا﴾ أي كلفوا أنفسهم
стр. 9160
أي كلفوا أنفسهم بأخذه مخالفين لما دعتهم إليها فطرهم الأولى السليمة من البعد عنها.
ولما كان كفرهم إنما هو الإشراك، فكانوا يقولون «الله» أيضاً، قال معبراً بما يفهم سفول ما سواه: ﴿من دون الله﴾ أي أدنى رتبة من رتب الملك الأعظم ﴿أولياء﴾ أي يطمعون في أن يفعلوا معهم ما يفعله القريب من النفع والذب والدفع ﴿ولهم﴾ مع عذابه بخيبة الأمر ﴿عذاب عظيم *﴾ لا يدع جهة من جهاتهم ولا زماناً من أزمانهم ولا عضواً من أعضائهم إلا ملأه.
ولما أخبر عما لمن أعرض عن الآيات بما هو أجل موعظة وأردع زاجر عن الضلال، قال مشيراً إلى ما افتتح به الكلام من المتلو الذي هذا منه: ﴿هذا﴾ أي التنزيل المتلو عليكم ﴿هدى﴾ أي عظيم جداً بالغ في الهداية كامل فيها، فالذين اهتدوا بآيات ربهم لأنهم - لم يغتروا بالحاضر لكونه زائلاً فاستعملوا عقولهم فآمنوا
стр. 9161
به لهم نعيم مقيم ﴿والذين كفروا﴾ أي ستروا ما دلتهم عليهم مرائي عقولهم به - هكذا كان الأصل، ولكنه نبه على أن كل جملة من جمله، بل كل كلمة من كلماته دلالة واضحة عليه سبحانه فقال: ﴿بآيات ربهم﴾ أي وهذه التغطية بسبب التكذيب بالعلامات الدالة على وحدانية المحسن إليهم فضلوا عن السبيل لتفريطهم في النظر لغروهم بالحاضر الفاني ﴿لهم عذاب﴾ كائن ﴿من رجز﴾ أي عقاب قذر شديد جداً عظيم القلقلة والاضطراب متتابع الحركات، قال القزاز، الرجز والرجس واحد ﴿أليم *﴾ أي بليغ الإيلام، الآية من الاحتباك: ذكر الهدى أولاً دليلاً على الضلال ثانياً، والكفر والعذاب ثانياً دليلاً على ضدهما أولاً، وسره أنه ذكر السبب المسعد ترغيباً فيه، والمشقى ترهيباً منه.
ولما ذكر صفة الربوبية، ذكر بعض آثارها وما
стр. 9162
فيها من أياته، فقال مستأنفاً دالاً على عظمتها بالاسم الأعظم: ﴿الله﴾ أي الملك الأعلى المحيط بجميع صفات الكمال. ولما كان آخر الآيات التي قدمها الرياح، ذكر ما يتصرف بتسييرها فقال: ﴿الذي سخر﴾ أي وحده من غير حول منكم في ذلك بوجه من الوجوه ﴿لكم﴾ أيها الناس بربكم وفاجركم ﴿البحر﴾ بما جعل فيه مما لا يقدر عليه إلا واحد لا شريك له فاعل بالاختيار من القبلية للسير فيه بالرقة والليونة والاستواء مع الريح الموافقة وأنه يطفوا عليه ما كان من الخشب مع ما علم من صنعته على هذا الوجه الذي تم به المراد ﴿لتجري الفلك﴾ أي السفن ﴿فيه بأمره﴾ ولو كانت موقرة بأثقال الحديد الذي يغوص فيه أخف شيء منه كالإبرة وما دونها.
ولما كان التقدير: لتعبروا بذلك فتعلموا أنه بقدرته خاصة لتؤمنوا به، عطف عليه قوله: ﴿ولتبتغوا﴾ أي تطلبوا بشهوة نفس واجتهاد بما تحملون فيه من البضائع وتتوصلون إليه من الأماكن والمقاصد
стр. 9163
بالصيد والغوص وغير ذلك ﴿من فضله﴾ لم يصنع شيئاً منه سواه. ولما كان التقدير: لتظهر عليكم آثار نعمته، عطف عليه قوله تعالى: ﴿ولعلكم تشكرون *﴾ أي ولتكونوا بحيث يرجوا منكم من ينظر حالكم ذلك الشكر من أنعم عليكم به ليزيدكم من فضله في الدنيا والآخرة.
стр. 9164
ولما ذكر آية البحر لعظمتها، عم بمنافع الخافقين دلالة على أنه ما خلق ذلك كله، على عظمه إلا لنا، تنبيهاً على أن الأمر عظيم فقال تعالى: ﴿وسخر لكم﴾ أي خاصة ولو شاء لمنعه ﴿ما في السماوات﴾ بإنزاله إليكم منبهاً على أنها بحيث لا يمكنكم الوصول إليه بوجه، وأكد بإعادة الموصول لأن السياق للدلالة على عزته وحكمته الدالتين على توحده باستحقاق العبادة الذي هم له منكرون كما دلتا على توحده بالإيجاد والسيادة وهم معترفون بذلك بألسنتهم، وأفعالهم أفعال من ينكره، فقال: ﴿وما في الأرض﴾ وأوصلكم إليه ولو شاء لجعلكم كما في السماء لا وصول لكم إليه، وأكد ما دل على ما مضى من العموم بقوله: ﴿جميعاً﴾ حال كون ذلك كله من أعيان تلك الأشياء ومن تسخيرها ﴿منه﴾ لا صنع لأحد غيره في شيء منه في ذلك، قال الرازي في اللوامع: قال أبو يعقوب النهر جوري: سخر لك الكل لئلا يسخرك منها شيء،
стр. 9165
وتكون مسخراً لمن سخر لك الكل وهو الله تعالى، فإنه يقبح بالمخدوم أن يخدم خادمه، وقال القشيري: ما من شيء من الأعيان الظاهرة إلا ومن وجه للانسان به انتفاع، فمن أن يستسخرك ما هو مسخر لك.
ولما صح أنه لا شريك له في شيء من الخلق لا من الذوات ولا من المعاني، حسن جداً قوله، مؤكداً لأن عملهم يخالفه: ﴿إن في ذلك﴾ أي الأمر العظيم وهو تسخيره لنا كل شيء في الكون ﴿لآيات﴾ أي دلالات واضحات على أنهم في الالتفات إلى غيره في ضلال مبين بعد تسخيره لنا ما لنا من الأعضاء والقوى على هذا الوجه البديع مع أن من هذا المسخر لنا ما هو أقوى منا ﴿لقوم﴾ أي ناس فيهم أهلية للقيام بما يجعل إليهم ﴿يتفكرون *﴾ أنه المتوحد باستحقاق الإلهية فلا يشركون به شيئاً.
ولما علمت دلائل التوحيد على وجه علم منه أنه قد بسط نعمه على جميع خلقه طائعهم وعاصيهم، فعلمت بواسطة ذلك الأخلاق الفاضلة والأفعال الحميدة، وكان على المقبل عليه المحب له التخلق بأوصافه، أنتج قوله مخاطباً لأفهم خلقه عنه وأطوعهم له الذي الأوامر إنما هي
стр. 9166
له من شدة طواعته تكوين لا تكليف: ﴿قل﴾ أي بقالك وحالك ﴿للذين آمنوا﴾ أي ادعوا التصديق بكل ما جاءهم من الله: اغفروا تسنناً به من أساء إليكم. ولما كان هذا الأمر في الذروة من اقتضاء الإحسان إلى المسيء فكيف بالصفح عنه، كان كأنه علة مستقلة في الإقبال عليه والقبول منه والإعراض عن مؤاخذة المسيء، فإن ذلك يقدح في كمال الإقبال عليه مع أن من كان يريد هو سبحانه الانتقام منه فهو يكفي أمره، ومن لم يرد ذلك منه فلا حيلة في كفه بوجه فالاشتغال به عبث فنبه على ذلك بأن جعل جواب الأمر قوله: ﴿يغفروا﴾ أي يستروا ستراً بالغاً.
ولما كان العاقل من سعى جهده في نفع نفسه، وكان الأذى لعباد الله مظنة لتوقع الغضب منه وقادحاً فيما يرجى من إحسانه قال: ﴿للذين﴾ وعبر في موضع ﴿أساؤوا إليهم﴾ بقوله تعالى: ﴿لا يرجون﴾ أي حقيقة ومجازاً، والتعبير في موضع الخوف بالرجاء لما فيه من الاستجلاب والترغيب والتأليف والاستعطاف، وقال بعد ما نبه عليه بتلك العبارة من جليل الإشارة: ﴿أيام الله﴾ أي مثل
стр. 9167
وقائع الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال في الأمم الخالية بإدالة الدول تارة لهم وأخرى عليهم، وفيه أعظم ترغيب في الحث على الغفران للموافق في الدين، وتنبيه على أنه لا يقدم على الإساءة إلى عبيده إلا من أعرض عنه، فصار حاله حال الآئس من صنائعه سبحانه في جزائه للمسيء والمحسن في الأيام والليالي، وعبر بالاسم الشريف تنبيهاً على ما له من الجلال والجمال في معاملة كل منهما، قال ابن برجان: وهذه الآية وشبهها من النسي المذكور في قوله تعالى ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ [البقرة: ١٠٦] وليس بنسخ بل هو حكم يجيء ويذهب بحسب القدرة على الانتصار، وكان ينزل مثل هذا بمكة والمسلمون في ضعف، ونزل بعد الهجرة آية الجهاد والأمر بالمعروف، وتركت هذه وأمثالها مسطورة في القرآن لما عسى أن يدور من دوائر أيام الله ومن أيامه إزالة أهل الكفر تنبيهاً للمسلمين ليراجعوا أمرهم ويصلحوا ما بينهم وبين ربهم.
стр. 9168
ولما كان من قوصص على جنايته في الدنيا، سقط عنه أمرها في الآخرة، وكان المسلط للجاني في الحقيقة إنما هو الله تعالى وكان تسليطه إياه لحكم بالغة تظهر غاية الظهور في الآخرة، علل الأمر بالغفران مهدداً للجاني ومسلياً للمجني عليه: ﴿ليجزي﴾ أي الله في قراءة الجماعة بالتحتانية والبناء للفاعل، ونحن بما لنا من العظمة في قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي بالنون، وبناه أبو جعفر للمفعول فيكون النائب عن الفاعل الخير أو الشر بتقدير حرف الجر لجزائهم في الدنيا وفي الآخرة حيث يظهر الحكم وينجلي الظلم.
ولما كان ربما جوزي جميع الجناة، وربما عفي عن بعضهم بالتوبة عليه أو غيرها تفضلاً لحكم أخرى ويثاب المظلوم على ظلامته لمثل ذلك قال: ﴿قوماً﴾ أي من الجناة وإن كانوا في غاية العلو الكبرياء والجبروت ومن المجني عليهم وإن كانوا في غاية الضعف ﴿بما﴾ أي بسبب الذي ﴿كانوا﴾ أي في جبلاتهم وأبرزوه إلى الخارج ﴿يكسبون *﴾ أي يفعلون على ظن أنه ينفعهم أو بسبب كسبهم من خير أو شر، والحاصل أنه تعالى يقول: أعرض عمن ظلمك وكل أمره إليّ فإني لا أظلمك ولا أظلم أحداً، فسوف أجزيك على صبرك
стр. 9169
أجزيه على بغيه وأنا قادر، وأفادت قراءة أبي جعفر الإبلاغ في تعظيم الفاعل وأنه معلوم، وتعظيم ما أقيم مقامه وهو الجزاء بجعله عمدة مسنداً إليه لأن عظمته على حسب ما أقيم مقامه، فالتقدير لكون الفعل يتعدى إلى مفعولين كما قال تعالى
﴿وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً﴾ [الدهر: ١٢] ليجزي الملك الأعظم الجزاء الأعظم من الخير للمؤمن والشر للكافر قوماً، فجعل الجزاء كالفاعل وإن كان مفعولاً كما جعل «زيد» فاعلاً في مات زيد وإن كان مفعولاً في المعنى: تنبيهاً على عظيم تأثير الفعل فإنه لا انفكاك عنه لأنه يجعل متمكناً من المجزي تمكن المجزي من جزائه ومحيصاً به لأن الله تعالى بعظم قدرته يجعل عمل الإنسان نفسه جزاء له، قال الله تعالى ﴿سيجزيهم وصفهم﴾ [الأنعام: ١٣٩] بما كانوا يعملون، ويجوز أن يكون النائب عن الفاعل ضمير «الذين» بالنظر إلى لفظه فيكون المعنى: سيجزي الذين آمنوا ناساً كانوا أقوياء على القيام في أذاهم بسبب أذاهم لهم فيجعل كلاًّ منهم فداء لكل منهم من النار، وربما رأوا بعض آثار ذلك في الدنيا، روى مسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد إلا رفعه الله » ولأحمد والترمذي
стр. 9170
واللفظ له وقال حسن صحيح عن أبي كبشة الأنماري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، وما ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله باب فقر» - أو كلمة نحوها، وروى الحاكم وصحح إسناده، قال المنذري: وفيه انقطاع عن أبي بن كعب ﵁ قال: «من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه» .
ولما رغب سبحانه ورهب وتقرر أنه لا بد من الجزاء، زاد في الترغيب والترهيب بأن النفع والضر لا يعدوهم فقال شارحاً للحزاء: ﴿من عمل صالحاً﴾ قال أو جل ﴿فلنفسه﴾ أي خاصة عمله يرى جزاءه في الدنيا أو في الآخرة ﴿ومن أساء﴾ أي كذلك إساة قلت أو جلت ﴿فعليها﴾ خاصة إساءته كذلك، وذلك في غاية الطهور لأنه لا يسوغ في عقل عاقل أن ملكاً يدع
стр. 9171
عبيده من غير جزاء ولا سيما إذا كان حكيماً وإن كانت نقائص النفوس قد غطت على كثير من العقول ذلك ومن جزائه أنه يديل المسيء على المحسن لهفوة وقعت له ليراجع حاله بالتوبة.
ولما كان سبحانه قادراً لا يفوته شيء كان بحيث لا يعجل فأخر الجزاء إلى اليوم الموعود: ﴿ثم﴾ أي بد الابتلاء بالإملاء في الدنيا والحبس في البرزخ ﴿إلى ربكم﴾ أي المالك لكم وحده لا إلى غيره ﴿ترجعون *﴾ .
стр. 9172
ولما علم بهذه الحكم ما افتتحت به السورة من أن منزل هذا الكتاب عزيز حكيم، فكان التقدير فذلكة لذلك: لفقد آتيناك الكتاب والحكم والنبوة وفضلناك وأمتك على العالمين وأرسلناك لتنبه الناس على ما أمامهم وكان قومه بعد ائتلافهم على الضلال قد اختلفوا بهذا الكتاب الذي كان ينبغي لهم أن يشتد اجماعهم به واستنصارهم من أجله، عطف عليه مسلياً قوله: ﴿ولقد آتينا﴾ أي
стр. 9173
على ما لنا من العظمة والقدرة الباهرة ﴿بني إسرائيل﴾ نبي الله ابن عمكم إسحاق نبي الله ابن أبيكم إبراهيم خليل الله عليهم الصلاة والسلام ﴿الكتاب﴾ الجامع للخيرات وهو يعم التوارة والإنجيل والزبور وغيرها مما أنزل على أنبيائهم ﴿والحكم﴾ أي العلم والعمل الثابتين ثبات الاحكام بحيث لا يتطرق إليهما فساد بما للعلم من الزينة بالعمل، وللعمل من الإتقان بالعلم ﴿والنبوة﴾ التي تدرك بها الأخبار العظيمة التي لا يمكن اطلاع الخلق عليها بنوع اكتساب منهم، فأكثرنا فيهم من الأنبياء ﴿ورزقناهم﴾ بعظمتنا لإقامة أبدانهم ﴿من الطيبات﴾ من المن والسلوى وغيرهما من الأرزاق اللدنية وغيرها ﴿وفضلناهم﴾ بما لنا من العزة ﴿على العالمين﴾ وهم الذين تحقق إيجادنا لهم في زمانهم وما قبله فإنا آتيناهم من الآيات المرئية والمسموعة وأكثرنا فيهم من الأنبياء ما لم نفعله لغيرهم ممن سبق، وكل ذلك فضيلة ظاهرة ﴿وآتيناهم﴾ مع ذلك ﴿بينات من الأمر﴾ الموحى به إلى أنبيائهم من الأدلة القطعية والأحكام والمواعظ المؤيدة بالمعجزات، ومن صفات الأنبياء الآتين بعدهم وغير ذلك مما هو في غاية الوضوح لمن قضينا بسعادته، وذلك أمر يقتضي الألفة والاجتماع وقد كانوا متفقين وهم في زمن
стр. 9174
الضلال لا يختلفون إلا اختلافاً يسيراً لا يضر مثله ولا يعد اختلافاً.
ولما كان حالهم بعد هذا الإيتاء مجملاً، فصله فقال تعالى: ﴿فما اختلفوا﴾ أي أوقعوا الاختلاف والافتراق بغاية جهدهم، ولما لم يكن اختلافهم مستغرقاً لجميع الزمن الذي بعد الإيتاء، أثبت الجار فقال: ﴿إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾ الذي من شأنه الجمع على المعلوم، فكان ما هو سبب الاجتماع سبباً لهم في الافتراق لأن الله تعالى أراد ذلك وهو عزيز.
ولما كان هذا عجباً، بين علته محذراً من مثلها فقال: ﴿بغياً﴾ أي للمجاوزة في الحدود التي اقتضاها لهم طلب الرئاسة والحسد وغيرهما من نقائص النفوس. ولما كان البغي على البعيد مذموماً، زاده عجباً بقوله: ﴿بينهم﴾ واقعاً فيهم لم يعدهم إلى غيرهم، وقد كانوا قبل ذلك وهم تحت أيدي القبط في غاية الاتفاق واجتماع الكلمة على الرضا بالذل، ولذلك استأنف قوله الذي اقتضاه الحال على ما يشاهده العباد من أفعال الملوك فيمن خالف أوامرهم، مؤكداً لأجل إنكارهم. ﴿إن ربك﴾ أي المحسن إليك بإرسالك وتكثير أمتك وحفظهم مما ضل به القرون الأولى وبيان يوم الفصل الذي هو محط الحكمة بياناً لم يبينه على لسان أحد ممن سلف ﴿يقضي بينهم﴾ بإحصاء الأعمال والجزاء
стр. 9175
عليها، لأن هذا مقتضى الحكمة والعزة ﴿يوم القيامة﴾ الذي ينكره قومك الذين شرفناهم برسالتك مع أنه لايجوز في الحكمة إنكاره ﴿فيما كانوا﴾ أي بما هو لهم كالجبلة ﴿فيه يختلفون *﴾ بغاية الجهد متعمدين له بخلاف ما كان يقع منهم خطأ فإنه يجوز في الحكمة أن يتفضل عليهم بالعفو عنه فقد علم أنه لا يجوز في الحكمة أصلاً أن يترك المختلفون من غير حكم بينهم لأن هذا لا يرضاه أقل الملوك فإنه لايعرف الملك إلا بالقهر والعزة ولا يعرف كونه حكيماً إلا بالعدل، وإذا كان هذا لا يرضاه ملك فكيف يرضاه ملك الملوك، وإذا كان هذا القضاء مقتضى الحكمة كان لا فرق فيه بين ناس وناس، فهو يقتضي بينكم أيضاً كذلك، ومن التأكيد للوعد بذلك اليوم التعبير باسم الرب مضافاً إليه ﷺ .
ولما كان معنى هذا أنه جعل بني إسرائيل على شريعة وهددهم على الخلاف فيها، فكان تهديدهم تهديداً لنا، قال مصرحاً بما اقتضاه سوق الكلام وغيره من تهديدنا منبهاً على علو شريعتنا: ﴿ثم﴾ أي بعد فترة من رسلهم ومجاوزة رتب كثيرة عالية على
следующие страницы →