← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

عبيده من غير جزاء ولا سيما إذا كان حكيماً وإن كانت نقائص النفوس قد غطت على كثير من العقول ذلك ومن جزائه أنه يديل المسيء على المحسن لهفوة وقعت له ليراجع حاله بالتوبة. ولما كان سبحانه قادراً لا يفوته شيء كان بحيث لا يعجل فأخر الجزاء إلى اليوم الموعود: ﴿ثم﴾ أي بد الابتلاء بالإملاء في الدنيا والحبس في البرزخ ﴿إلى ربكم﴾ أي المالك لكم وحده لا إلى غيره ﴿ترجعون *﴾ .

стр. 9172

ولما علم بهذه الحكم ما افتتحت به السورة من أن منزل هذا الكتاب عزيز حكيم، فكان التقدير فذلكة لذلك: لفقد آتيناك الكتاب والحكم والنبوة وفضلناك وأمتك على العالمين وأرسلناك لتنبه الناس على ما أمامهم وكان قومه بعد ائتلافهم على الضلال قد اختلفوا بهذا الكتاب الذي كان ينبغي لهم أن يشتد اجماعهم به واستنصارهم من أجله، عطف عليه مسلياً قوله: ﴿ولقد آتينا﴾ أي

стр. 9173

على ما لنا من العظمة والقدرة الباهرة ﴿بني إسرائيل﴾ نبي الله ابن عمكم إسحاق نبي الله ابن أبيكم إبراهيم خليل الله عليهم الصلاة والسلام ﴿الكتاب﴾ الجامع للخيرات وهو يعم التوارة والإنجيل والزبور وغيرها مما أنزل على أنبيائهم ﴿والحكم﴾ أي العلم والعمل الثابتين ثبات الاحكام بحيث لا يتطرق إليهما فساد بما للعلم من الزينة بالعمل، وللعمل من الإتقان بالعلم ﴿والنبوة﴾ التي تدرك بها الأخبار العظيمة التي لا يمكن اطلاع الخلق عليها بنوع اكتساب منهم، فأكثرنا فيهم من الأنبياء ﴿ورزقناهم﴾ بعظمتنا لإقامة أبدانهم ﴿من الطيبات﴾ من المن والسلوى وغيرهما من الأرزاق اللدنية وغيرها ﴿وفضلناهم﴾ بما لنا من العزة ﴿على العالمين﴾ وهم الذين تحقق إيجادنا لهم في زمانهم وما قبله فإنا آتيناهم من الآيات المرئية والمسموعة وأكثرنا فيهم من الأنبياء ما لم نفعله لغيرهم ممن سبق، وكل ذلك فضيلة ظاهرة ﴿وآتيناهم﴾ مع ذلك ﴿بينات من الأمر﴾ الموحى به إلى أنبيائهم من الأدلة القطعية والأحكام والمواعظ المؤيدة بالمعجزات، ومن صفات الأنبياء الآتين بعدهم وغير ذلك مما هو في غاية الوضوح لمن قضينا بسعادته، وذلك أمر يقتضي الألفة والاجتماع وقد كانوا متفقين وهم في زمن

стр. 9174

الضلال لا يختلفون إلا اختلافاً يسيراً لا يضر مثله ولا يعد اختلافاً. ولما كان حالهم بعد هذا الإيتاء مجملاً، فصله فقال تعالى: ﴿فما اختلفوا﴾ أي أوقعوا الاختلاف والافتراق بغاية جهدهم، ولما لم يكن اختلافهم مستغرقاً لجميع الزمن الذي بعد الإيتاء، أثبت الجار فقال: ﴿إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾ الذي من شأنه الجمع على المعلوم، فكان ما هو سبب الاجتماع سبباً لهم في الافتراق لأن الله تعالى أراد ذلك وهو عزيز. ولما كان هذا عجباً، بين علته محذراً من مثلها فقال: ﴿بغياً﴾ أي للمجاوزة في الحدود التي اقتضاها لهم طلب الرئاسة والحسد وغيرهما من نقائص النفوس. ولما كان البغي على البعيد مذموماً، زاده عجباً بقوله: ﴿بينهم﴾ واقعاً فيهم لم يعدهم إلى غيرهم، وقد كانوا قبل ذلك وهم تحت أيدي القبط في غاية الاتفاق واجتماع الكلمة على الرضا بالذل، ولذلك استأنف قوله الذي اقتضاه الحال على ما يشاهده العباد من أفعال الملوك فيمن خالف أوامرهم، مؤكداً لأجل إنكارهم. ﴿إن ربك﴾ أي المحسن إليك بإرسالك وتكثير أمتك وحفظهم مما ضل به القرون الأولى وبيان يوم الفصل الذي هو محط الحكمة بياناً لم يبينه على لسان أحد ممن سلف ﴿يقضي بينهم﴾ بإحصاء الأعمال والجزاء

стр. 9175

عليها، لأن هذا مقتضى الحكمة والعزة ﴿يوم القيامة﴾ الذي ينكره قومك الذين شرفناهم برسالتك مع أنه لايجوز في الحكمة إنكاره ﴿فيما كانوا﴾ أي بما هو لهم كالجبلة ﴿فيه يختلفون *﴾ بغاية الجهد متعمدين له بخلاف ما كان يقع منهم خطأ فإنه يجوز في الحكمة أن يتفضل عليهم بالعفو عنه فقد علم أنه لا يجوز في الحكمة أصلاً أن يترك المختلفون من غير حكم بينهم لأن هذا لا يرضاه أقل الملوك فإنه لايعرف الملك إلا بالقهر والعزة ولا يعرف كونه حكيماً إلا بالعدل، وإذا كان هذا لا يرضاه ملك فكيف يرضاه ملك الملوك، وإذا كان هذا القضاء مقتضى الحكمة كان لا فرق فيه بين ناس وناس، فهو يقتضي بينكم أيضاً كذلك، ومن التأكيد للوعد بذلك اليوم التعبير باسم الرب مضافاً إليه ﷺ . ولما كان معنى هذا أنه جعل بني إسرائيل على شريعة وهددهم على الخلاف فيها، فكان تهديدهم تهديداً لنا، قال مصرحاً بما اقتضاه سوق الكلام وغيره من تهديدنا منبهاً على علو شريعتنا: ﴿ثم﴾ أي بعد فترة من رسلهم ومجاوزة رتب كثيرة عالية على

стр. 9176

رتبة شريعتهم ﴿جعلناك﴾ أي بعظمتنا ﴿على شريعة﴾ أي طريقة واسعة عظيمة ظاهرة مستقيمة سهلة موصلة إلى المقصود هي جديرة بأن يشرع الناس فيها ويخالطوها مبتدئة ﴿من الأمر﴾ الذي هو وحينا وهو حياة الأرواح كما أن الأرواح حياة الأشباح. ولما بين بهذه العبارة بعض فضلها على ما كان قبلها، سبب عنه قوله موجهاً الخطاب إلى الإمام بما أراد به المأمومين ليكون أدعى إلى اجتهادهم، فإن أمرهم تكليف وأمر إمامهم تكوين: ﴿فاتبعها﴾ أي بغاية جهدك. ولما كانت الشريعة العقل المحفوظ الذي أخبر الله أنه به يأخذ وبه يعطي، كان الإعراض عنها إلى غيرها إنما هو هوى، ولما كان أحاد الأمة غير معصومين أشار إلى العفو عن هفواتهم بقوله تعالى: ﴿ولا تتبع﴾ أي تتعمدا أن تتبعوا ﴿أهواء الذين لا يعلمون *﴾ أي لا علم لهم أو لهم علم ولكنهم يعملون عمل من ليس لهم علم أصلاً من كفار العرب وغيرهم، فإن من تعمد اتباعهم فعلت بهم ما فعلت ببني إسرائيل حيث لعنتهم على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام بعد ما لعنتهم على لسان موسى ﵊،

стр. 9177

ثم علل هذا النهي مهدداً بقوله: مؤكداً تنبيهاً على أن من خالف أمر الله لأجل أحد كان عمله عمل من يظن أنه يحميه: ﴿إنهم﴾ وأكد النفي فقال تعالى: ﴿لن يغنوا عنك﴾ أي لا يتجدد لهم نوع إغناء مبتدىء ﴿من الله﴾ المحيط بكل شيء قدرة وعلماً واصل إليه، وكل ما لا يكون ذا وصلة به فهو عدم ﴿شيئاً﴾ من إغناء إن تبعتهم كما أنهم لن يقدروا لك على شيء من أذى إن خالفتهم وناصبتهم. ولما كان التقدير: فإنهم ظلمة لا يضعون شيئاً في موضعه، ومن اتبعهم فهو منهم قال تعالى عاطفاً عليه: ﴿وإن﴾ وكان الأصل: وإنهم ولكنه أظهر للاعلام بوصفهم فقال: ﴿الظالمين﴾ أي العريقين في هذا الوصف الذميم ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ فلا ولاية - أي قرب - بينهم وبين الحكيم أصلاً لتباعد ما بين الوصفين فكانت أعمالهم كلها باطلة لبنائها على غير أساس خلافاً لمن يظن بها غير ذلك تقيداً بالأمور الظاهرة في هذه الدار ﴿والله﴾ أي الذي له جميع صفات الجلال والجمال والعز والكمال ﴿ولي المتقين *﴾ الذين همهم الأعظم الاتصاف بالحكمة باتخاذ الوقايات المنجية لهم من سخط الله

стр. 9178

ولا ولاية بينه وبين الظالمين.

стр. 9179

ولما أوصل سبحانه إلى هذا الحد من البيان، الفائت لقوى الإنسان، قال مترجماً عنه: ﴿هذا﴾ أي الوحي المنزل. ولما كان في عظم بيانه وإزالة اللبس عن كل ملبس دق أو جل بحيث لا يلحقه شيء من خفاء، جعله نفس البصيرة، مجموعة جمع كثرة بصيغة منتهى الجموع كما جعله روحاً فقال: ﴿بصائر للناس﴾ أي الذين هم في أدنى المراتب، يبصرهم بما يضرهم وما ينفعهم، فما ظنك بمن فوقهم من الذين آمنوا ثم الذين يؤمنون ومن فوقهم. ولما بين ما هو لأهل السفول، بين ما هو لأهل العلو فقال تعالى: ﴿وهدى﴾ أي قائد إلى كل خير، مانع من كل زيغ ﴿ورحمة﴾ أي كرامة وفوز ونعمة ﴿لقوم يوقنون *﴾ أي ناس فيهم قوة القيام بالوصول إلى العلم الثابت وتجديد الترقي في درجاته إلى ما لا نهاية له أبداً. ولما كان التقدير بعد هذا البيان الذي لم يدع لبساً في أمر الحساب بما حده من الملك الذي يوجب ما له من العظمة والحكمة أن يحاسب عبيده لثواب المحسن وعقاب المسيء: أعلم هؤلاء المخاطبون - لأنهم

стр. 9180

لا يعدون أن يكونوا من الناس أو من الذين يوقنون بهذه البصائر لما لهم من حسن الغرائز المعلية لهم عن حضيض الحيوان إلى أوج الإنسان أنا نفرق بين المسيئين الذين بعضهم أولياء بعض وبين المحسنين الذين نحن أولياؤهم، عطف عليه قوله: ﴿أم﴾ قال الأصبهاني: قال الإمام: كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على آخر سواء كان المعطوف مذكوراً أو مضمراً - انتهى. وكان الأصل: حسبوا، ولكنه عدل عنه للتنبيه على أن ارتكاب السوء معم للبصيرة مضعف للعقل كما أفاده التعبير بالحسبان كما تقدم بيانه في البقرة فقال: ﴿حسب الذين اجترحوا﴾ أي فعلوا بغاية جهدهم ونزوع شهواتهم ﴿السيئات أن نجعلهم﴾ مع ما لنا من العظمة المانعة من الظلم المقتضية للحكمة ﴿كالذين آمنوا وعملوا﴾ تصديقاً لإقرارهم ظاهراً وباطناً وسراً وعلانية ﴿الصالحات﴾ بأن نتركهم بلا حساب للفصل بين المحسن والمسيء. ولما كانت المماثلة مجملة، بينهما استئنافاً بقوله مقدماً ما هو عين

стр. 9181

المقصود من الجملة الأولى: ﴿سواء﴾ أي مستو استواء عظيماً ﴿محياهم ومماتهم﴾ أي حياتهم وموتهم وزمان ذلك ومكانه في الارتفاع والسفول واللذة والكدر وغير ذلك من الأعيان والمعاني. ولما كان هذا مما لا يرضاه أحد لمن تحت يده ولا لغيره، قال معبراً بمجمع الذم: ﴿ساء ما يحكمون *﴾ أي بلغ حكمهم هذا في نفسه ولا سيما وهم بإصرارهم عليه في تجديد له كل ساعة أقصى نهايات السوء، فهو مما يتعجب منه، لأنه لا يدري الحامل عليه، وذلك أنه نسبوا الحكيم الذي لا حكيم في الحقيقة غيره إلى ما لا يفعله أقل الناس فيمن تحت يده. ولما أنكر التسوية وذمهم على الحكم بها، أتبع ذلك الدليل القطعي على أن الفريقين لا يستويان وإلا لما كان الخالق لهذا الوجود عزيزاً ولا حكيماً، فقال دالاً على إنكار التسوية وسوء حكمهم بها، عاطفاً على ما تقديره: فقد خلق الله الناس كلهم بالحق وهو الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، وهو ثبات أعمال المحسنين وبطلان أفعال المسيئين، عطف عليه قوله: ﴿وخلق الله﴾ أي الذي له جميع أوصاف الكمال ولا يصح ولا يتصور أن يحلقه نوع نقص ﴿السماوات والأرض﴾ اللتين هما ظرف لكم وابتدئت السورة بالتنبيه على آياتهما، خلقاً ملتبساً ﴿بالحق﴾ فلا يطابق الواقع فيهما أبداً شيئاً باطلاً،

стр. 9182

فمتى وجد سبب الشيء وانتفى مانعه وجد، ومتى وجد مانع الشيء وانتفى سببه انتفى، لا يتخلف ذلك أصلاً، ولذلك جملة ما وقع من خلقهما طابقه الواقع الذي هو قدرة الله وعلمه وحكمته وجميع ما له من صفات الكمال التي دل خلقهما عليها، فإذا كان الظرف على هذا الإحكام فما الظن بالمظروف الذي ما خلق الظرف إلا من أجله، هل يمكن في الحكمة أن يكون على غير ذلك فيكون الواقع الذي هو تفضيل المحسن على المسيء غير مطابق لأحوالهم، ومن جملة المظروف ما بينهما فلذا لم يذكر هنا، ولو كان ذلك من غير بعث ومجازاة بحسب الأعمال لما كان هذا الخلق العظيم بالحق بل بالباطل الذي تعالى عنه الحكيم فكيف وهو أحكم الحاكمين. ولما كان التقدير: ليكون كل مسبب مطابقاً لأسبابه، عطف عليه قوله: ﴿ولتجزى﴾ بأيسر أمر ﴿كل نفس﴾ أي منكم ومن غيركم ﴿بما﴾ أي بسبب الأمر الذي. ولما كان السياق للعموم، وكان المؤمن لا يجزى إلا بما عمله على عمد منه وقصد ليكتب في أعماله،

стр. 9183

عبر بالكسب الذي هو أخص من العمل فقال: ﴿كسبت﴾ أي كسبها من خير أو شر، فيكون ما وقع الوعد به مطابقاً لكسبها ﴿وهم﴾ أي والحال أنهم ﴿لا يظلمون *﴾ أي لا يوجد من موجد ما في وقت من الأوقات جزاء لهم في غير موضعه، وهذا على ما جرت به عوائدكم في العدل والفضل، ولو وجد منه سبحانه غير ذلك لم يكن ظلماً منه لأنه المالك المطلق والملك الأعظم، فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه كلهم لكان غير ظالم لهم في نفس الأمر، فهذا الخطاب إنما هو على ما نتعارفه من إقامة الحجة بمخالفة الأمر.

стр. 9184

ولما بين غاية البيان أنه الإله وحده بما له من الإحاطة بجميع صفات الكمال، وأنه لا بد من جمعه الخلائق ليوم الفصل للحكم بينهم بما له من الحكمة والقدرة، وحقر الهوى ونهى عن اتباعه، وكانوا هم قد عظموه بحيث جعلوه معبوداً، فلزم من ذلك تحقيرهم الإله، ولم يرجعوا عن ضلالهم، تسبب عن ذلك التعجيب ممن يظن أنه يقدر

стр. 9185

على رد أحد منهم عن غيه بشيء من الأشياء فقال: ﴿أفرءيت﴾ أي أعلمت علماً هو في تيقنه كالمحسوس بحاسة البصر التي هي أثبت الحواس ﴿من اتخذ﴾ أي بغاية جهده واجتهاده ﴿إلهه هواه﴾ أي حول وصف الإله حتى صار هوى لنفسه، فهو تابع لهواه ليس غير، فهو في أودية الضلال يهيم على غير سنن فهو معرّض لكل بلاء، فخسر أكثر من ربحه لكونه بلا دليل، والدليل على أنهم لا يعبدون إلا مجرد الهوى ما رواه البخاري في وفد بني حنيفة من المغازي من صحيحه عن أبي رجاء العطاردي وهو مخضرم ثقة أدرك الجاهلية ومات سنة خمس ومائة عن مائة وعشرين سنة، قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجراً أحسن منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجراً جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به - انتهى. ومع ذلك فكيفما قلبت أمرهم وجدته شعبة يسيرة من كفر الاتحادية، ولك متشبثات قريش التي عابهم الله بها تشبثت بها الاتحادية حتى قولهم ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] ولو قدم الهوى لكان المعنى أنه حول وصفه إلى الألوهية فاضمحل الهوى، ولم يبق إلا ما ينسب إلى

стр. 9186

الإلهية كما اضمحل الطين في: اتحدت الطين حرقاً، فصار المعنى أن العابد لا يتحرك إلا بحسب ما يأمره به الإله ويصير التركيب يفيد تعظيمه بغلبة الإثبات وإذهاب الهوى غاية الإذهاب، ولو كان التقديم في هذا بحسب السياق من غير اختلاف المعنى لقدم هنا الهوى لأن السياق والسباق له وقد تقدم في سورة الفرقان ما ينفع هنا ومفعول «رأى» الثاني مقدر يدل عليه قوله آخر الكلام ﴿فمن يهديه﴾ تقديره: أيمكن أحداً غير الله هدايته ما دام هواه موجوداً، وعن ابن عباس ﵄: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه - انتهى. ومعناه أنه يهوي بصاحبه في الهواء الممدود وهو الفضاء، أي ينزل به عن درجة عليا إلى ما دونها. فهو في سفول ما دام تابعاً له لأنه بحيث لا قرار ولا تمكن، فلذلك هو يوجب الهوان، قال الأصبهاني: سئل ابن المقفع عن الهوى، فقال: هوان سرقة نونه، فنظمه من قال:

стр. 9187

نون الهوان من الهوى مسروقة ... وأسير كل هوى أسير هوان وقال آخر ولم يخطىء المعنى وأجاد: إن الهوى لهو الهوان بعينه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا ﴿وأضله الله﴾ أي بما له من الإحاطة ﴿على علم﴾ منه بما فطر عليه من أنه لا يكون أثر بلا مؤثر، ومن أنه لا يكون منفرداً بالملك إلا وهو مستحق للتفرد بالعبادة، وهو أنه لم يخلق الكون إلا حكيم، وأن الحكيم لا يدع من تحت يده يبغي بعضهم على بعض من غير فصل بينهم لا سيما وقد وعد بذلك ولا سيما والوعد بذلك في أساليب الإعجاز التي هم أعرف الناس بها، أو على علم من المضل بأن الضال مستحق لذلك لأنه جبله جبلة شر. ولما كان الضال أحوج إلى سماع صوت الهادي منه إلى غيره، وكان من لا ينتفع بما هو له في حكم العادم له قال: ﴿وختم﴾ أي زيادة

стр. 9188

على الإضلال الحاضر ﴿على سمعه﴾ فلا فهم له في الآيات المسموعة. ولما كان الأصم قد يفهم بالإشارة قال: ﴿وقلبه﴾ أي فهو لا يعي ما من حقه وعيه. ولما كان المجنون الأصم قد يبصر مضاره ومنافعه فيباشرها مباشرة البهائم قال: ﴿وجعل على بصره غشاوة﴾ فصار لا يبصر الآيات المرئية، وترتيبها هكذا لأنها في سياق الإضلال كما تقدم في البقرة. ولما صار هذا الإنسان الذي صار لا يسمع الهادي فيقصده ولا يعي المعاني لينتفع بما تقدم له علمه، ولا يبصر حق البصر ليهتدي ببصره دون رتبة الحيوان، قال تعالى منكراً مسبباً للإنكار عما تقدمه: ﴿فمن يهديه﴾ وأشار إلى قدرة الله عليه بقوله: ﴿من بعد الله﴾ أي إضلال الذي له الإحاطة بكل شيء. ولما كان من المعلوم قطعاً أنه لا هادي له غيره، سبب عنه الإنكار لعدم التذكر حثاً على التذكر فقال مشيراً بإدغام تاء التفعل إلى عدم الاحتياج بسبب وضوحه إلى كثير

стр. 9189

تذكر: ﴿أفلا تذكرون *﴾ أي يكون لكم نوع تذكر فتذكرون أنهم لا يسمعون الآيات المتلوة ولا يعتبرون بالآيات المرئية مع ما لكل منهما من الظهور، وأن من كان هذا حاله فلا سبيل لمخلوق مثله إلى هدايته.

стр. 9190

ولما كان التقدير للدلالة على الختم على مشاعرهم، فقد قالوا مع اعترافهم بتفرده تعالى بخلقهم ورزقهم وخلق جميع الموجدات في إنكار الوحدانية: إن له شركاء، عطف عليه قوله: ﴿وقالوا﴾ أي في إنكارهم البعث مع اعترافهم بأنه قادر على كل شيء ومعرفتهم أنه قد وعد بذلك في الأساليب المعجزة وأنه لا يليق بحكيم أصلاً أن يدع من تحت يده يتهارجون من غير حكم بينهم: ﴿ما هي﴾ أي الحياة ﴿إلا حياتنا﴾ أي أيها الناس ﴿الدنيا﴾ أي هذه التي نحن فيها مع أن تذكر مدلول هذا الوصف الذي هو أمر نسي لا يعقل إلا بالإضافة إلى حياة أخرى بُعدى كافٍ في إثبات البعث. ولما أثبتوا بادعائهم الباطل هذه الحياة أتبعوها حالها فقالوا:

стр. 9191

﴿نموت ونحيا﴾ أي تنزع الروح من بعض فيموت، وتنفخ في بعض آخر فيحيى، وليس وراء الموت حياة أخرى للذي مات، فقد أسلخوا أنفسهم بهذا القول من الإنسانية إلى البهيمية لوقوفهم مع الجزئيات، ولما كان هلاكهم في زعمهم لا آخر له، عدوا الحياة في جنبه عدماً فلم يذكروها وقالوا بجهلهم: ﴿وما يهلكنا﴾ أي بعد هذه الحياة ﴿إلا الدهر﴾ أي الزمان الطويل بغلبته علينا بتجدد إقباله وتجدد إدبارنا بنزول الأمور المكروهة بنا، من دهره - إذا غلبة. ولما أسند إليهم هذا القول الواهي، بين حالهم عند قوله فقال تعالى: ﴿وما﴾ أي قالوه والحال أنه ما ﴿لهم بذلك﴾ أي القول البعيد من الصواب وهو أنه لا حياة بعد هذه، وأن الهلاك منسوب إلى الدهر على أنه مؤثر بنفسه، وأعرق في النفي فقال: ﴿من علم﴾ أي كثير ولا قليل ﴿إن﴾ أي ما ﴿هم إلا يظنون *﴾ بقرينة أن الإنسان كلما تقدم في السن ضعف، وأنه لم يرجع أحد من الموتى.

стр. 9192

ولما كان هذا من قولهم عجباً، زاده عجباً بحالهم عند سماعهم للبراهين القطعية، فقال عاطفاً على «قالوا» : ﴿وإذا تتلى﴾ أي تتابع بالقراءة من أيّ تال كان ﴿عليهم آياتنا﴾ أي على ما لها من العظمة في نفسها وبالإضافة إلينا حال كونها ﴿بينات﴾ أي في غاية المكنة في الدلالة على البعث، فلا عذر لهم في ردها ﴿ما كان﴾ أي بوجه من وجوه الكون ﴿حجتهم﴾ أي قولهم الذي ساقوه مساق الحجة، وهو لا يستحق أن يسمى شبهة ﴿إلا أن قالوا﴾ قولاً ذميماً ولم ينظروا إلى مبدئهم ﴿ائتوا﴾ أيها التالون للحجج البينة من النبي - صل الله عليه وسلم - وأتباعه الذين اهتدوا بهداه ﴿بآبائنا﴾ الموتى، وحاصل هذا أنه ما كان لهم حجة إلا أن أتوا بكلام معناه: ليس لنا حجة لأنه ليس فيه شبهة فضلاً عن حجة، وما كفاهم مناداتهم على أنفسهم بالجهل حتى عرضوا لأهل البينات بالكذب فقالوا: ﴿إن كنتم صادقين *﴾ أي عريقين في الكون في أهل الصدق الراسخين فيه من أنه يبعث الخلق بعد موتهم، وذلك استبعاد منهم لأن يقدر على

стр. 9193

جمع الجسم بعد ما يلي، وهم يقرون بأنه الذي خلق ذلك الجسم ابتداء، ومن المعلوم قطعاً أن من قدر على إنشاء شيء من العدم قدر على إعادته بطريق الأولى. ولما كان إنما يقبل الإيمان عند إمكان تصوره، وذلك إذا كان بالغيب لم يجبهم إلى إحياء آبائهم إكراماً لهذه الأمة لشرف نبيها عليه أفضل الصلاة والسلام لأن سنته الإلهية جرت بأن من لم يؤمن بعد كشف الأمر بإيجاد الآيات المقترحات أهلكه كما فعل بالأمم الماضية، فرفعهم عن الحس إلى التدريب على الحجج العقلية فقال آمراً له ﷺ بالجواب بقوله تعالى: ﴿قل الله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً وحكمة ﴿يحييكم﴾ أي يجدد هذا تجديداً لا يحصى كما أنتم به مقرون إحياء لأجساد يخترعها من غير أن يكون لها أصل في الحياة ﴿ثم يميتكم﴾ بأن يجمع أرواحكم من أجسادكم فيستلها منها لا يدع «شيئاً» منها في شيء من الجسد وما

стр. 9194

ذلك على الله بعزيز فإذا هو كما كان قبل الإحياء كما تشاهدون، ومن قدر على هذا الإبداء على هذا الوجه من التكرر ثم على تمييز ما بث من الروح في حال سلها من تلك الأعضاء الظاهر عادة مستمرة كان المخبر عنه بأنه يجمع الخلق بعد موتهم من العريقين في الصدق، فلذلك قال من غير تأكيد: ﴿ثم يجمعكم﴾ أي بعد التمزق فيعيد فيكم أرواحكم كما كانت بعد طول مدة الرقاد، منتهين ﴿إلى يوم القيامة﴾ أي القيام الأعظم لكونه عاماً لجميع الخلائق الذين أماتهم. ولما صح بهذا الدليل القطعي المدعى، أنتج قوله: ﴿لا ريب﴾ أي شك بوجه من الوجوه ﴿فيه﴾ بل هو معلوم علماً قطعياً ضرورياً ﴿ولكن أكثر الناس﴾ بما لهم من السفول بما ركبنا فيهم من الحظوظ والشهوات التي غلبت على غريزة العقل فردوا بها أسفل سافلين في حد النوس وهو التردد لم يرتقوا إلى الإيمان ﴿لا يعلمون *﴾ أي لا يتجدد لهم علم لما لهم من النوس والتردد والسفول عن

стр. 9195

أوج العقل إلى حضيض الجهل، فهم واقفون مع المحسوسات، لا يلوح لهم ذلك مع ما له من الظهور لتظهر قدرتنا ويتحقق اسمنا الباطن كما تحقق الظاهر عند من هديناه لعلم ذلك. ولما دل على قدرته على الإعادة بهذا الدليل الخاص الذي تقديره: فالله الذي ابتدأ خلقكم من الأرض على هذا الوجه قادر على إعادتكم، عطف عليه دليلاً آخر جامعاً فقال تعالى: ﴿ولله﴾ أي الملك الأعظم وحده ﴿ملك السماوات﴾ كلها ﴿والأرض﴾ التي ابتدأكم منها، ومن تصرف في ملكه بشيء من الأشياء، كان قادراً على مثله ما دام ملكاً. ولما كان التقدير: له ملك ذلك أبداً، فهو يفعل فيه اليوم ما تشاهدون مع رفع هذا وخفض هذا، فلو أن الناس سلموا لقضائه لوصلوا إلى جميع ما وصلوا إليه بالبغي والعدوان، فإنه لا يخرج شيء عن أمره ولكن أكثر الناس اليوم في ريبهم يترددون، بنى عليه قوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة﴾ أي توجد وتتحقق تحقق القائم الذي هو على كمال تمكنه وتمامه أمره الناهض بأعباء ما يريد، وكرر

стр. 9196

سبحانه للتهويل والتأكيد قوله: ﴿يومئذ﴾ أي إذا تقول يخسرون - هكذا كان الأصل، ولكنه قال للتعميم والتعليق بالوصف: ﴿يخسر المبطلون *﴾ أي الداخلون في الباطل العريقون في الاتصاف به، الذين كانوا لا يرضون بقضائي فيستعجلون فيتوصلون إلى مراداتهم بما لم آمر به، ولا يزالون يبغون إلى أن يأتي الوقت الذي قدرت وصلوهم إليها فيه، فيصلون ويظنون أنهم وصلوا بسعيهم، وأنهم لو تركوا لما كان لهم ذلك فيخسرون لأجل سعيهم بما جعلت لهم من الاختيار بمرادي فيهم على خلاف أمري، خسارة مستمرة التجدد لا انفكاك لهم عنها ويفوز المحقون.

стр. 9197

ولما كان ذلك من شأن اليوم مهولاً، عم في الهول بقوله مصوراً لحاله: ﴿وترى﴾ أي في ذلك اليوم ﴿كل أمة﴾ من الأمم الخاسرة فيها والفائزة ﴿جاثية﴾ أي مجتمعة لا يخلطها غيرها، وهي مع ذلك باركة على الركب رعباً واستيفازاً لما لعلها تؤمر به، جلسة المخاصم بين يدي الحاكم، ينتظروا القضاء الحاتم، والأمر الجازم اللازم، لشدة ما يظهر لها من هول ذلك اليوم. ولما كان كأن قيل: هم مستوفزون، قال: ﴿كل أمة﴾

стр. 9198

أي من الجاثين ﴿تدعى إلى كتابها﴾ أي الذي أنزل إليها وتعبدها الله به والذي نسخته الحفظة من أعمالها ليطبق أحدهما بالآخر، فمن وافق كتابه ما أمر به من كتاب ربه نجا، ومن خاله هلك، ويقال لهم حال الدعاء: ﴿اليوم تجزون﴾ على وفق الحكمة بأيسر أمر ﴿ما﴾ أي عين الذي ﴿كنتم﴾ بما هو لكم كالجبلات ﴿تعملون *﴾ أي مصرين عليه غير راجعين عنه من خير أو شر. ولما أخبر بالجزاء، بين كيفية ما به يطبق بين كتاب الإنزال وكتاب الأعمال، فما حكم به كتاب الإنزال أنفذه الكبير المتعال، فقال مشيراً إلى كتاب الإنزال بأداة القريب لقربه وسهولة فهمه: ﴿هذا كتابنا﴾ أي الذي أنزلناه على ألسنة رسلنا ﴿ينطق﴾ أي يشهد شهادة هي في بيانها كالنطق ﴿عليكم بالحق﴾ أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع من أعمالكم، ذلك بأن يقول: من عمل كذا فهو كافر، ومن عمل كذا فهو عاص، ومن عمل كذا فهو مطيع، فيطبق ذلك على ما عملتموه فإذا الذي أخبر به الكتاب مطابق لأعمالكم لا زيادة فيه ولا نقص، كل كلي ينطبق على جزئيه سواء بسواء كما نعطيكم علم ذلك في ذلك اليوم، فينكشف أمر جبلاتكم وما وقع منكم من جزئيات الأفعال لا يشذ عنه منه ذرة، وتعلمون أن هذا الواقع منكم مطابق

стр. 9199

لما أخبر به الكتاب الذي أنزلناه، فهو حق لأن الواقع طابقه، هذا نطقه عليكم، وأما نطقه لكم فالفضل: الحسنة بعشر أمثالها إلى ما فوق ذلك. ولما كانت العادة جارية في الدنيا بإقامة الحقوق بكتابة الوثائق، وكانوا كأنهم يقولون: من يحفظ أعمالنا على كثرتها مع طول المدة وبعد الزمان، وكانوا ينكرون أمر الحفظة وغيره مما أتت به الرسل، أكد قوله مجيباً بما يقرب إلى عقل من يسأل عن ذلك: ﴿إنا﴾ على ما لنا من القدرة والعظمة الغنية عن الكتابة ﴿كنا﴾ على الدوام ﴿نستنسخ﴾ أي نأمر ملائكتنا بنسخ أي نقل ﴿ما كنتم﴾ طبعاً لكم وخلقاً ﴿تعملون *﴾ قولاً وفعلاً ونية، فإن كان المراد بالنسخ مطلق النقل فهو واضح، وإن كان النقل من أصل فهو إشارة إلى لوح الجبلات المشار إليه بكنتم أو من اللوح المحفوظ ليطابق به ما يفعله العامل، ومن المشهور بين الناس أن كل أحد يسطر في جبينه ما يلقاه من خير أو شر. ولما صرح بالمبطلين حسب ما اقتضاه الحال كما تقدم، وأشار

стр. 9200

إلى المحقين، صرح بما لوح إيه من أمر المحقين وعطف عليهم أضدادهم، فقال بادئاً بهم على طريق النشر المشوش مفصلاً: ﴿فأما الذين آمنوا﴾ أي من الأمم الجاثية ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لدعواهم الإيمان ﴿الصالحات فيدخلهم﴾ أي في ذلك اليوم الذي ذكرنا عظمته وشدة هوله ﴿ربهم﴾ الذي أحسن إليهم بالتوفيق بالأعمال الصالحة المرضية الموصلة ﴿في رحمته﴾ أي تقريبه وإكرامه بجليل الثواب وحسن المآب، وتقول لهم الملائكة تشريفاً: سلام عليكم أيها المؤمنون، ودل على عظيم الرحمة بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الإحسان العالي المنزلة ﴿هو﴾ أي لا غيره ﴿الفوز﴾ . ولما كان السياق لغباوتهم وخفاء الأشياء عليهم قال تعالى: ﴿المبين *﴾ الذي لا يخفى على أحد شيء من أمره، لأنه لا يشوبه كدر أصلاً ولا نقص، بخلاف ما كان من أسبابه في الدنيا، فإنها - مع كونها كانت فوزاً - كانت خفية جداً على غير الموقنين ﴿وأما الذين كفروا﴾ أي ستروا ما جلته لهم مرائي عقولهم وفطرهم الأولى من الحق الذي أمر الله به ولو عملوا جميع الصالحات غير الإيمان، فيدخلهم الملك

стр. 9201

الأعظم في لعنته. ولما كان هذا الستر سبباً واضحاً في تبكيتهم قال: ﴿أفلم﴾ أي فيقال لهم: ألم يأتكم رسلي، وأخلق لكم عقولاً تدلكم على الصواب من التفكر في الآيات المرئية من المعجزات التي أتوكم بها وأنزل عليكم بواسطتهم آيات مسموعة فلم ﴿تكن آياتي﴾ على ما لها من عظمة الإضافة إليّ وعظمة الإتيان إليكم على ألسنة رسلي الذين هم أشرف خلقي. ولما كانت هذه الآيات توجب الإيمان لما لها من العظمة بمجرد تلاوتها، بني للمفعول قوله: ﴿تتلى﴾ أي تواصل قراءتها من أيّ تال كان، فكيف إذا كانت بواسطة الرسل، تلاوة مستعلية ﴿عليكم﴾ لا تقدرون على رفع شيء منها بشيء يرضاه منصف

стр. 9202

﴿فاستكبرتم﴾ أي فتسبب عن تلاوتها التي من شأنها إيراث الخشوع والإخبات والخضوع أن طلبتم الكبر لأنفسكم وأوجدتموه على رسلي وآياتي ﴿وكنتم﴾ خلقاً لازماً ﴿قوماً﴾ أي ذوي قيام وقدرة على ما تحاولونه ﴿مجرمين *﴾ أي عريقين في قطع ما يستحق الوصل، وذلك هو الخسران المبين، والآية من الاحتباك: ذكر الإدخال في الرحمة أولاً دليلاً على الإدخال في اللعنة ثانياً، وذكر التبكيت ثانياً دليلاً على التشريف أولاً، وسره أن ما ذكره أدل على شرف الولي وحقارة العدو ﴿وإذا﴾ أي وكنتم إذا ﴿قيل﴾ من أيّ قائل كان ولو على سبيل التأكيد: ﴿إن وعد الله﴾ الذي كل أحد يعلم أنه محيط بصفات الكمال ﴿حق﴾ أي ثابت لا محيد عنه يطابقه الواقع من البعث وغيره لأن أقل الملوك لا يرضى بأن يخلف وعده فكيف به فكيف إذا كان الإخلاف فيه مناقضاً للحكمة ﴿والساعة﴾ التي هي مما وعد به وهي محط الحكمة فهي أعظم ما تعلق

стр. 9203

به الوعد ﴿لا ريب فيها﴾ بوجه من الوجوه لأنها محل إظهار الملك لما له من الجلال والجمال أتم إظهار ﴿قلتم﴾ راضين لأنفسكم بحضيض الجهل: ﴿ما ندري﴾ أي الآن دراية علم ولو بذلنا جهدنا في محاولة الوصول إليه ﴿ما الساعة﴾ أي نعرف حقيقتها فضلاً عما تخبروننا به من أحوالها. ولما كان أمرها مركوزاً في الفطر لا يحتاج إلى كبير نظر، بما يعلم كل أحد من تمام قدرة الله تعالى، فمتى نبه عليها نوع تنبيه سبق إلى القلب علمها، سموا ذلك ظناً عناداً واستكباراً، فقالوا مستأنفين في جواب من كأنه يقول: أفلم تفدكم تلاوة هذه الآيات البينات علماً بها: ﴿إن﴾ أي ما ﴿نظن﴾ أي نعتقد ما تخبروننا به عنها ﴿إلا ظناً﴾ وأما وصوله إلى درجة العلم فلا. ولما كان المحصور لا بد وأن يكون أخص من المحصور فيه كان الظن الأول بمعنى الاعتقاد، ولعله عبر عنه بلفظ الظن تأكيداً لمعنى الحصر، ولذلك عطفوا عليه - تصريحاً بالمراد لأن الظن قد يطلق على العلم - قولهم: ﴿وما نحن﴾ وأكدوا النفي فقالوا: ﴿بمستيقنين *﴾ أي بموجود عندنا اليقين في أمرها ولا بطالبين

стр. 9204

له - هذا مع ما تشاهدونه من الآيات في الآفاق وفي أنفسكم وما يبث من دابة وما ينبهكم على ذلك من الآيات المسموعة، وهذا لا ينافي آية ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾ لأن آخرها مثبت للظن، فكأنهم كانوا تارة يقوى عندهم ما في جبلاتهم وفطرهم الأولى من أمرها فيظنونها، وتارة تقوى عليهم الحظوظ مع ما يقترن بها من الشبهة المبنية على الجهل فيظنون عدمها فيقطعون به لما للنفس إليه من الميل، أو كانوا فرقتين - والله أعلم.

стр. 9205

ولما وصلوا إلى حد عظيم من العناد، التفت إلى أسلوب الغيبة إعراضاً عنهم إيذاناً بشديد الغضب فقال تعالى: ﴿وبدا﴾ أي ولم يزالوا يقولون ذلك إلى أن بدت لهم الساعة بما فيها من الأوجال، والزلازل والأهوال، وظهر ﴿لهم﴾ غاية الظهور ﴿سيئات ما﴾ ولما كان السياق للكفرة، وكانوا مؤاخذين بجميع أعمالهم فإنه ليس

стр. 9206

لهم أساس صالح يكون سبباً لتكفير شيء مما تقلبوا فيه ولم يقتض السياق خصوصاً مثل الزمر، عبر بالعمل الذي هو أعم من الكسب فقال: ﴿عملوا﴾ فتمثلت لهم وعرفوا مقدار جزائها واطلعوا على جميع ما يلزم على ذلك ﴿وحاق بهم﴾ أي أحاط على حال القهر والغلبة، قال أبو حيان: ولا يستعمل إلا في إلا في المكروه. ﴿ما كانوا﴾ جبلة وخلقاً ﴿به يستهزءون *﴾ أي يوجدون الهزء به على غاية الشهوة واللذة إيجاد من هو طالب لذلك ﴿وقيل﴾ أي لهم على قطع الأحوال وأشدها قولاً لا معقب له، فكأنه بلسان كل قائل: ﴿اليوم ننساكم﴾ أي نفعل معكم بالترك من جميع ما يصلحكم فعل المنسي الذي نقطع عنه جميع إحساننا فيأتيه كل شر ﴿كما نسيتم﴾ وأضاف المصدر إلى ظرفه لما فيه من الرشاقة والبلاغة فقال تعالى: ﴿لقاء يومكم هذا﴾ أي الذي عملتم في أمره عمل الناسي له، ومن نسي لقاء اليوم نسيء لقاء الكائن فيه بطريق الأولى، وقد عابهم الله سبحانه تعالى بذلك أشد

стр. 9207

العيب لأن ما عملوه ليس من فعل الحزمة أن يتركوا ما ضرره محتمل لا يعتدون له، وإنما هذا فعل الحمق الذين هم عندهم أسقال لا عبرة لهم ولا وزن لهم، وعبر بالنسيان لأن علمه مركوز في طبائعهم، وعبر في فعله بالمضارع ليدل على الاستمرار، وفي فعلهم بالماضي ليدل على أن من وقع منه ذلك وقتاً ما وإن قل كان على خطر عظيم بتعريض نفسه لاستمرار الإعراض عنه. ولما كان تركه على هذا الحال يلزم منه استمرار العذاب، صرح به إيضاحاً له لئلا يظن غير ذلك، فقال مبيناً لحالهم: ﴿ومأواكم النار﴾ ليس لكم براح عنها أصلاً، لأن أعمالكم أدخلتكموها، ولا يخرج منها إلا من أذنا في إخراجه، نحن قد جعلناكم في عداد المنسي فلا يكون من قبلنا لكم فرج ﴿وما لكم﴾ في نفس الأمر سواء أفكرتم وأنتم مكذبون في مدافعة هذا اليوم أو تركتموه ترك المنسي ﴿من ناصرين *﴾ ينقذونكم من ذلك بشفاعة ولا مقاهرة. ولما ذكر جزاءهم على ما هو الحق المساوي لأعمالهم طبق الفعل بالفعل، علله بما لزم على أعمالهم فقال: ﴿ذلكم﴾ أي العذاب العظيم ﴿بأنكم اتخذتم﴾ أي بتكليف منكم لأنفسكم وقسر على خلاف

стр. 9208

ما أدى إليه العقل، وجاءت به الرسل، وساعدت عليه الفطر الأول ﴿آيات الله﴾ أي الملك الأعظم الذي لا شيء أعظم منه ﴿هزواً﴾ أي جعلتموها عين ما أنزلت للإبعاد منه ﴿وغرتكم﴾ لضعف عقولكم ﴿الحياة الدنيا﴾ أي الدنية فآثرتموها لكونها حاضرة وأنت كالبهائم لا يعدو نظركم المحسوس فقلتم: لا حياة غيرها ولا بعث ولا حساب، ولو تعقلتم وصفكم لها لأداكم إلى الإقرار بالأخرى. ولما أوصلهم إلى هذا الحد من الإهانة، سبب عنه زيادة في إهانتهم وتلذيذاً لأوليائه الذين عادوهم فيه وإشماتاً لهم بهم: ﴿فاليوم﴾ بعد إيوائهم فيها ﴿لا يخرجون﴾ بمخرج ما ﴿منها﴾ لأن الله لا يخرجهم ولا يقدر غيره على ذلك ﴿ولا هم﴾ خاصة ﴿يستعتبون *﴾ أي يطلب من طالب ما منهم الإعتاب، وهو الاعتذار بما يثبت لهم العذر ويزيل عنهم العتب الموجب للغضب بعمل من الأعمال الصالحات لأنهم في دار الجزاء لا دار العمل.

стр. 9209

ولما أثبت سبحانه بعده بإثبات الآيات المرئية والمسموعة وإعزاز أوليائه وإدلال أعدائه من غير مبالاة بشيء ولا عجز عن شيء مع الإحاطة التامة بكل شيء قدرة وعلماً، تسبب عن ذلك حتماً قوله تعالى:

стр. 9210

﴿فلله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿الحمد﴾ أي الإحاطة بجميع صفات الكمال. ولما أبان سبحانه أن ذلك ثابت له لذاته لا لشيء آخر، أثبت أنه لا بالإحسان والتدبير فقال تعالى: ﴿رب السماوات﴾ أي ذات العلو والاتساع والبركات. ولما كان السياق لإثبات الاختصاص بالكمال، وكانوا قد جعلوا له سبحانه ما دل على أنهم لا شبهة لهم في عبادتهم بحصر أمرهم في الهوى، أعاد ذكر الرب تأكيداً وإعلاماً أن له في كل واحد من الخافقين أسراراً غير ما له في الآخر، فالتربية متفاوتة بحسب ذلك، وأثبت العاطف إعلاماً بأن كمال قدرته في ربوبيته للأعلى والأسفل على حد سواء دفعاً لتوهم أن حكمه في الأعلى أمكن لتوهم الاحتياج إلى مسافة فقال تعالى: ﴿ورب الأرض﴾ أي ذات القبول للواردات. ولما خص الخافقين تنبيهاً على الاعتبار بما فيهما من الآيات لظهورها، عم تنبيهاً على أن له وراء ذلك من الخلائق ما لا يعلمه إلا لله فقال مسقطاً العاطف لعدم الاحتياج إليه بعد إثبات استواء الكونين الأعلى والأسفل في حكمه من حيث العلم والقدرة للتنزه عن المسافة،
следующие страницы →