← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 9241–9280 · переход к 9246.

стр. 9241

فقد صاروا بذلك مصدقين بما كذبوا به، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وهذا﴾ أي القرآن المبين المبيّن ﴿كتاب﴾ أي جامع لجميع الخيرات. ولما أريد تعميم التصديق بجميع الكتب الإلهية والحقوق الشرعية، حذف المتعلق فقال: ﴿مصدق﴾ أي لكتاب موسى ﵊ وغيره من الكتب التي تصح نسبتها إلى الله تعالى فإن جميع الكتب التي جاءت به الرسل ناطقة بتوحد الله وأن هذا الكتاب لم يخرج عن هذا فأنّى يصح فيما هذا شأنه أن يكون إفكاً، إنما الإفك ما كذب كتب الله التي أتت بها أنبياؤه وتوارثها أولياؤه. ولما كان الكتاب قد تقوم الأدلة على مصادقته لكتب الله ويكون بغير لسان المكذب به فيكون في التكذيب أقل ملامة، احترز عن ذلك بقوله: ﴿لساناً﴾ أي أشير إلى هذا المصدق القريب منكم زماناً ومكاناً وفهماً حال كونه ﴿عربياً﴾ في أعلى طبقات اللسان العربي مع كونه أسهل الكتب تناولاً وأبعدها عن التكليف، ليس هو بحيث يمنعه علوه بفخامة الألفاظ وجلالة المعاني وعلو النظم ورصافة السبك ووجازة

стр. 9242

العبارة، وظهور المهاني ودقة الإشارة مع سهولة الفهم وقرب المتناول بعد بعد المغزى. ولما دل على أن الكتاب حق، بين ثمرته فقال: ﴿لينذر﴾ أي أشير إلى الكتاب في هذا الحال لينذر الكتاب بحسن بيانه وعظيم شأنه ﴿الذين ظلموا﴾ سواء كانوا عريقين في الظلم أم لا، فأما العريقون فهو لهم نذري كاملة، فإنهم لا يهتدون كما تقدم، وأما غيرهم فيهتدي بنذارته ويسعد بعبارته وإشارته، وليبشر الذين أحسنوا في وقت ما ﴿ما﴾ هو ﴿بشرى﴾ كاملة ﴿للمحسنين *﴾ لا نذارة لهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالآية من الاحتباك: أثبت أولاً ﴿ينذر﴾ و ﴿الذين ظلموا﴾ دلالة على حذف نحوه ثانياً، ﴿وبشرى﴾ و ﴿للمحسنين﴾ ثانياً دلالة على ﴿نذري﴾ ﴿وللظالمين﴾ أولاً. ولما بين حالة المحسنين شرح أمرهم فقال مستأنفاً في جواب من سأل عنهم وعن بشراهم: ﴿إن الذين قالوا ربنا﴾ أي خالقنا ومولانا والمحسن إلينا ﴿الله﴾ لا غيره. ولما كانت الاستقامة - وهي الثبات على كل ما يرضي الله مع ترتبها على التوحيد - عزيزة المنال عليه الرتبة، وكانت في الغالب لا تنال إلا بعد منازلات طويلة ومجاهدات شديدة، أشار إلى كل من بعدها وعلو رتبتها بأداة التراخي فقال: ﴿ثم﴾ أي بعد قولهم ذلك الذي وحدوا به ﴿استقاموا﴾

стр. 9243

أي طلبوا القوم طلباً عظيماً وأوجدوه. ولما كان الوصف لرؤوس المؤمنين، عد أعمالهم أسباباً فأخبر عنهم بقوله: ﴿فلا خوف عليهم﴾ أي يعلوهم بغلبة الضرر، ولعله يعبر في مثل هذا بالاسم إشارة إلى أن هيبته بالنظر إلى جلاله وقهره وجبروته وكبره وكماله لا تنتفي، ويحصل للأنسان باستحضارها إخبات وطمأنينة ووقار وسكينة يزيده في نفسه جلالاً ورفعة وكمالاً، فالمنفي خوف يقلق النفس ﴿ولا هم﴾ في ضمائرهم ولا في ظواهرهم ﴿يحزنون *﴾ أي يتجدد لهم شيء من حزن أصلاً.

стр. 9244

ولما نفى عنهم المحذور، مدهم بإيثار السرور، فقال تعالى: ﴿أولئك﴾ أي العالو الدرجات ﴿أصحاب الجنة﴾ ولما دلت الصحبة على الملازمة، صرح بها بقوله تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ خلوداً لا آخراً له، جوزوا بذلك ﴿جزاء﴾ ولما كانوا محسنين فكانت أعمالهم في غاية الخلوص جعلها تعالى أسباباً أولاً وثانياً، فقال مشيراً إلى دوامها لأنها في جبلاتهم ﴿بما كانوا﴾ أي طبعاً وخلقاً ﴿يعملون *﴾ على سبيل التجديد المستمر. ولما تفضل على الإنسان بعد الأعمال التي هيأه لها وأقدره عليها ووفقه لها أسباباً قرن بالوصية بطاعته - لكونه المبدع - الوصية بالوالدين لكونه تعالى جعله سبب الإيجاد، فقال في هذا السياق

стр. 9245

الذي عد فيه الأعمال لكونه سياق الإحسان التي أفضلها الصلاة على ميقاتها، وثانيها في الرتبة بر الوالدين كما في الصحيح، وفي الترمذي: «رضى الله في رضى الوالدين وسخطه في سخطهما» وعلى هذا المنوال جرت عادة القرآن يوصي بطاعة الوالدين بعد الأمر بعبادته ﴿وإذ أخذ الله ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً﴾ [البقرة: ٨٣] ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً﴾ [النساء: ٣٦] وكذا ما بعدهما عاطفاً على ما قدرته أو السورة من نحو أن يقال: وأمرنا الناس أجميعن أن يكونوا بطاعتنا في مهلة الأجل عاملين ولمعصيتنا مجتنبين: ﴿ووصينا الإنسان﴾ أي هذا النوع الذي أنس بنفسه ﴿بوالديه﴾ ولما استوفى ﴿وصى﴾ مفعوليه كان التقدير: ليأتي إليهما حسناً، وقرأ الكوفيون: ﴿إحساناً﴾ وهو أوفق للسياق. ولما كان حق الأب ظاهراً لا له من الكسب والإنفاق والذب والتأديب لم يذكره، وذكر ما للأم لأن أمده يسير، فربما استهين به فقال مستأنفاً أو معللاً: ﴿حملته أمه﴾ أي بعد أن وضعه أبوه

стр. 9246

بمشاركتها في أحشائها، حملاً ﴿كرهاً﴾ بثقل الحبل وأمراضه وأوصابه وأعراضه ﴿ووضعته﴾ أي بعد تمام مدة حمله ﴿كرهاً﴾ فدل هذا - مع دلالته على وجوب حق الأم - على أن الأمر في تكوينه لله وحده، وذكر أوسط ما للأم من مدة التعب بذكر أقل مدة الحمل وأنهى مدة الرضاع لانضباطها فقال تعالى: ﴿وحمله وفصاله﴾ أي ومدة حمله وغاية فطامه من الرضاع، وعبر بالفصال لإرادة النهاية لأن الفطام قد يكون قبل النهاية لغرض ثم تظهر الحاجة فتعاد الرضاعة ﴿ثلاثون شهراً﴾ فانصرف الفصال إلى الكامل الذي تقدم في البقرة فعرف أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وبه قال الأطباء، وربما أشعر بأن أقل مدة الرضاع سنة وتسعة أشهر لأن أغلب الحمل تسعة أشهر. ولما كان ما بعد ذلك تارة يشترك في مؤنته الأبوان وتارة ينفرد أحدهما، طوي ذكرهما، وذكر حرف الغاية مقسماً للموصي إلى قسمين: مطيع وعاصي، ذاكراً ما لكل من الجزاء بشارة ونذارة، إرشاداً إلى أن المعنى: واستمر كلاًّ على أبويه أو أحدهما ﴿حتى إذا بلغ أشده﴾ قال في القاموس: قوته، وهو ما بين ثماني

стр. 9247

عشرة سنة إلى ثلاثين، واحد جاء على بناء الجمع كأنك ولا نظير لهما، أو جمع لا واحد له من لفظه، أو واحده شدة بالكسر مع أن فعلة لا تجمع على أفعل، أو شد ككلب وأكلب أو شد كذئب وأذؤب، وما هما بمسموعين بل قياس - انتهى، وقد مضى في سورة يوسف ما ينفع هنا جداً، وروى الطبراني في ترجمة ابن أحمد بن لبيد البيروتي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، وهو الذي رفع عليه عيسى ابن مريم - قال الهيثمي: وفيه صدقة بن يزيد وثقه أبو زرعة وأبو حاتم وضعفه أحمد وجماعة وبقية رجاله ثقات، قال الزمخشري: وهو أول الأشد وغايته الأربعون. ولما كانت أيام الصبى والشباب وإن كانت صفوة عمر الإنسان وأوقات لذاذته ومجتمع شمله وراحاته فيها يظهِر له سر عمره في الغالب لغلبة الأنفس الخبيثة عليه البهيمية والسبعية لما يحملانه عليه من نتائج الشهوات ونوازع

стр. 9248

الغضب والبطالات، عبر بما يدل على القحط والشؤم والضيق تنبيهاً على ذلك، فقال شارحاً للاستواء ومعبراً عنه: ﴿وبلغ أربعين سنة﴾ فاجتمع أشده وتم حزمه وجده، وزالت عنه شرة الشباب وطيش الصبا ورعونة الجهل، ولذلك كان هذا السن وقت بعثة الأنبياء، وهو يشعر بأن أوقات الصبى أخف في المؤاخذة مما بعدها وكذا ما بين أول الأشد والأربعين ﴿قال﴾ إن كان محسناً قابلاً لوصية ربه: ﴿رب﴾ أي أيها المحسن إليّ بالإيجاد وتيسير الأبوين وغيرهما وتسخيره ﴿أوزعني﴾ أي اجعلني أطيق ﴿أن أشكر نعمتك﴾ أي وازعاً للشكر أي كافاً مرتبطاً حتى لا يغلبني في وقت من الأوقات، وذلك الشكر بالتوحيد في العبادة كما أنه يوحد بنعمة الإيجاد والترزيق، ووحدها تعظيماً للأمر بالإشارة إلى أن النعمة الواحدة لا يبلغ شكرها إلا بمعونة الله مع أن ذكر الأبوين يعرف أن المراد بها الجنس. ولما كان ربما ظن ظان أن المراد بنعمته قدرته على الإنعام ليكون المعنى: أن أشكر لك لكونك قادراً على الإنعام، قال: ﴿التي أنعمت عليّ﴾

стр. 9249

أي بالفعل لوجوب ذلك عليّ لخصوصه بي ﴿وعلى والديّ﴾ ولو بمطلق الإيجاد والعافية في البدن، لأن النعمة عليهما نعمة عليّ، وقد مضى في النمل ما يتعين استحضاره هنا. ولما كان المقصود الأعظم من النعمة الماضية نعمة الإيجاد المراد من شكرها التوحيد، أتبعها تمام الشكر فقال: ﴿وأن أعمل﴾ أي أنا في خاصة نفسي ﴿صالحاً﴾ . ولما كان الصالح في نفسه قد يقع الموقع لعدم الإذن فيه قال: ﴿ترضاه﴾ والتنكير إشارة إلى العجز عن بلوغ الغاية فإنه لن يقّدر الله حق قدره أحد. ولما دعا لنفسه بعد أن أوصى برعاية حق أبيه، لقنه سبحانه الدعاء لمن يتفرع منه، حثاً على رعاية حقوقهم لئلا يسلطهم على عقوقه فقال: ﴿وأصلح﴾ أي أوقع الإصلاح، وقال: ﴿لي في ذريتي﴾ لأن صلاحهم يلحقه نفعه، والمراد بقصر الفعل وجعلهم ظرفاً له أن يكون ثابتاً راسخاً سارياً فيهم وهم محيطون به فيكونوا صالحين. ولما استحضر عند كمال العقل في الأربعين أن ما مضى من العمر كان أغلبه ضائعاً فدعا، وكان من شرط قبول الدعاء التوبة، علله بقوله: ﴿إني تبت﴾ أي رجعت ﴿إليك﴾ أي عن كل ما يقدح في الإقبال

стр. 9250

عليك، وأكده إعلاماً بأن حاله في الإقبال على الشهوات حال من يبعد منه الإقلاع فينكر إخباره به، وكذا قوله: ﴿وإني من المسلمين *﴾ أي الذين أسلموا ظواهرهم وبواطنهم لك فانقادوا أتم انقياد وأحسنه. ولما وصف هذا المؤمن بادئاً به لكونه في سياق الإحسان، وكان المراد بالإنسان الجنس، قال مادحاً له بصيغة الجمع منبهاً على أن قبول الطاعات مشروط ببر الوالدين لأن ما ظهر دليل ما بطن، ومن لا يشكر من كان من جنسه لا سيما وهو أقرب الناس إليه لا سيما وهو السبب في إيجاده لم يشكر الله كما في الحديث «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» ومن صلح ما بينه وبين الله صلح ما بينه وبين الناس عامة لا سيما الأقارب نسباً أو مكاناً لا سيما الوالدين: ﴿أولئك﴾ أي العالو الرتبة ﴿الذين نتقبل﴾ بأسهل وجه ﴿عنهم﴾ وأشار سبحانه بصيغة التفعل إلى أنه عمل في قبوله عمل المعتني، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون فيه وفي الذي بعده، ويدل على ذلك قوله تعالى:

стр. 9251

﴿أحسن﴾ ويجوز أن يراد به مطلق الدعاء أو الطاعات ويكون ما دون الأحسن مقبولاً، قبولاً مطلقاً على مقدار النية فيه، وتكون التعدية بعن إشارة إلى أن جبلاتهم مبنية على الترقي في معارج الكمال في كل وقت إلى غير نهاية، فتكون هذه المحاسن ليست منهم بمعنى أنهم مجبولون على أعلى منها في نهاياتهم والعبرة بالنهايات ولذلك قال تعالى: ﴿ما عملوا﴾ ولم يقل: أعمالهم. ولما كان الإنسان محل النقصان وإن كان محسناً، نبه على ذلك وعلى أن شرط تكفير السيئات التوبة بقوله تعالى: ﴿ونتجاوز﴾ أي بوعد مقبول لا بد من كونه، وهو معنى قراءة حمزة والكسائي بالنون في الفعلين ﴿عن سيئاتهم﴾ أي فلا يعابهم عليها. ولما كان هذا مفهماً لأنهم من أهل الجنة، صرح به زيادة في مدحهم بقوله: ﴿في أصحاب الجنة﴾ أي أنه فعل بهم ذلك وهم في عدادهم لأنهم لم يزالوا فيه لأنهم ما برحوا بعين الرضا. ولما كان هذا وعداً، أكد مضمونه بقوله: ﴿وعد الصدق﴾ لكونه مطابقاً

стр. 9252

للواقع ﴿الذي كانوا﴾ بكون ثابت جداً ﴿يوعدون *﴾ أي يقطع لهم الوعد به في الدنيا ممن لا أصدق منهم، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام.

стр. 9253

ولما ذكر سبحانه هذا المحسن بادئاً به لكون المقام للإحسان، أتبعه المسيء المناسب لمقصود السورة المذكور صريحاً في مطلعها فقال تعالى: ﴿والذي قال لوالديه﴾ مع اجتماعهما كافراً لنعمهما نابذاً لوصيتنا بهما فكان كافراً بنعمة أعظم منعم محسوس بعد الكفر بنعم أعظم منعم مطلقاً، والتثنية مشيرة إلى أنه أغلظ الناس كبداً، لأن العادة جرت بقبول الإنسان كلام أصله ولو كان واحداً، وأن الاجتماع مطلقاً له تأثير فكيف إذا كان والداً: ﴿أف﴾ أي تضجر وتقذر واسترذال وتكره مني ولغاتها أربعون - حكاها في القاموس، المتواتر منها عن القراء ثلاث: الكسر بغير تنوين وهو قراءة الجمهور، والمراد به أن المعنى الذي قصده مقترن بسفول ثابت، ومع التنوين وهو قراءة

стр. 9254

المدنيين وحفص والمراد به أنه سفول عظيم سائر مع الدهر بالغلبة والقهر، والفتح من غير تنوين وهو قراءة ابن كثير وابن عامر ويعقوب، والمراد به اقتران المعنى المقصود بالاشتهار بالعلو والانتشار مع الدوام، وقد تقدم في الإسراء عن الحرالي - وهو الحق - أن التأفيف أنهى الأذى وأشده، فإن معناه أن المؤفف به لا خطر له ولا وزن أصلاً، ولا يصلح لشيء بل هو عدم بل العدم خير منه مع أنهى القذر. ولما كان كأنه قيل: لمن هذا التأفيف؟ قال: ﴿لكما﴾ ولما كانا كأنهما قالا له: لم هذا التقذير العظيم بعد الإحسان لا تقدر على جزائنا به، قال مبكتاً موبخاً منكراً على تقدير كونه وعداً: ﴿أتعدانني﴾ أي على سبيل الاستمرار بالتجديد في كل وقت ﴿أن أخرج﴾ أي من مخرج ما يخرجني من الأرض بعد أن غبت فيها وصرت تراباً أحيى كما كنت أول مرة ﴿وقد﴾ أي والحال أنه قد ﴿خلت﴾ أي تقدمت وسبقت ومضت على

стр. 9255

سنن الموت ﴿القرون﴾ أي الأجيال الكثيرة من صلابتهم، وأثبت الجار لأن القرن لا ينخرم إلا بعد مدة طويلة، فالانخرام في ذلك غير مستغرق للزمان فقال: ﴿من قبلي﴾ أي قرناً بعد قرن وأمة بعد أمة وتطاولت الأزمان وأغلبهم يكذب بهذا الحديث فأنا مع الأغلب، وتأيد ذلك بأنه لم يرجع أحد منهم ﴿وهما﴾ أي والحال أنهما كلما قال لهما ذلك ﴿يستغيثان الله﴾ أي يطلبان بدعائهما من له جميع الكمال أن يعينهما بإلهامة قبول كلامهما، قائلين لولدهما مجتهدين بالنصيحة له بعد الاجتهاد بالدعاء: ﴿ويلك﴾ كما يقول المشفق إذا زاد به الكرب وبلغ منه الغم، إشارة إلى أنه لم يبق له إن أعرض إلا الويل وهو الهلاك ﴿آمن﴾ أي أوقع الإيمان الذي لا إيمان غيره، وهو الذي ينقذ من كل هلكة، ويوجب كل فوز بالتصديق بالعبث وبكل ما جاء عن الله، ثم عللا أمرهما على هذا الوجه مؤكدين في مقابلة إنكاره فقالا: ﴿إن وعد الله﴾ أي الملك الأعظم المحيط بجميع صفات المهابة والكمال الموصوف بالعزة والحكمة ﴿حق﴾ أي ثابت أعظم ثبات لانه لو لم يكن حقاً لكان نقصاً من جهة الإخلاف الذي لا يرضاه لنفسه أقل العرب فكيف وهو يلزم منه منافاة الحكمة بكون

стр. 9256

الخلق حينئذ على وجه العبث لأنهم عباد ورعايا لا يعرضون على ملكهم الذي أبدعهم مع علمه بما هم عليه من ظلم بعضهم لبعض وبغي بعضهم على بعض ﴿فيقول﴾ مسبباً عن قولهما ومعقباً له: ﴿ما هذا﴾ أي الذي ذكرتماه لي من البعث ﴿إلا أساطير الأولين *﴾ أي خرافات كتبها على وجه الكذب الأولائل وتناقلها منهم الأعمار جيلاً بعد جيل فصارت بحيث يظن الضعفاء أنها صحيحة - هذا والعجب كل العجب أنه بتصديقه لا يلزمه فساد على تقدير من التقادير الممكنة، بل يحمله التصديق على محاسن الأعمال ومعالي الأخلاق التي هو مقر بأنها محاسن من لزوم طريق الخير وترك طريق الشر، وتكذيبه يجره إلى المرح والأشر، والطبر وأفعال الشر، ودنايا الأخلاق مع احتمال الهلاك الذي يخوفانه به وهو لا ينفي أنه محتمل وإن استبعده فما دعوه إليه كما ترى لا يأباه عاقل ولكنها عقول كادها باريها.

стр. 9257

ولما كان هذا الكلام، ومع بلوغ النهاية في حسن الانتظام، وقد حصر الإنسان هذين القسمين مثلاً بليغاً لكفار العرب ومؤمنيهم، فالأول للمؤمنين التابعين لملة إبراهيم ﵊، الآتي بها أعظم أنبيائه الكرام محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، والثاني للكفار المنابذين لأعظم آبائهم إبراهيم ﵊ الذي يعرفونه منه نقلاً يتوارثونه من آبائهم، وقرآناً معجزاً كأنهم سمعوه من خالقهم أنه موحد لله مقر بالبعث محذر من غوائله، وكان قد ابتدأ سبحانه الحديث عنهم بما ذكر مما كفروا فيه المنعمين واستحقوا كلتا السوءتين، خزي الدنيا وعذاب الآخرة، أخبر عنهم بما أنتجه تكذيبهم بموعود ربهم وعقوقهم لوالديهم حقيقة أو تعليماً بقوله: ﴿أولئك﴾ أي البعداء من العقل والمروءة وكل خير ﴿الذين حق﴾ أي ثبت ووجب. ولما كان هذا وعيداً، دل عليه بأداة الاستعلاء فقال: ﴿عليهم القول﴾ أي الكامل في بابه بأنهم أسفل السافلين، وهذا يكذب من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄، فإنه أسلم وصار من أكابر الصحابة ﵃ أجمعين، فحقت له الجنة.

стр. 9258

ولما أثبت لهم هذه الشنيعة، عرف بكثرة من شاركهم فيها فقال: ﴿في﴾ أي كائنين في ﴿أمم﴾ أي خلائق كانوا بحيث يقصدهم الناس ويتبع بعضهم بعضاً ﴿قد خلت﴾ تلك الأمم. ولما كان المحكوم عليه بعض السالفين، أدخل الجار فقال: ﴿من قبلهم﴾ فكانوا قدوتهم ﴿من الجن﴾ بدأ بهم لأن العرب تستعظمهم وتستجير بهم، وذلك لأنهم يتظاهرون لهم يؤذونهم ولم يقطع أذاهم لهم وتسلطهم عليهم ظاهراً وباطناً إلا القرآن، فإنه أحرقهم بأنواره وجلاهم عن تلك البلاد بجلي آثاره ﴿والإنس﴾ وما نفعتهم كثرتهم ولا أغنت عنهم قوتهم، ثم علل حقوق الأمر عليهم أو استأنف بقوله مؤكداً تكذيباً لظن هذا القسم الذي الكلام فيه أن الصواب مع الأكثر: ﴿إنهم﴾ أي كلهم ﴿كانوا﴾ أي جبلة وطبعاً وخلقاً لا يقدرون على الانفكاك عنه ﴿خاسرين *﴾ أي عريقين في هذا الوصف.

стр. 9259

ولما قسمهم في الأعمال، جمعهم في العدل والإفضال فقال: ﴿ولكل﴾ أي من فريقي السعداء والبعداء من القبيلتين: الجن

стр. 9260

والإنس، في الدنيا والآخرة ﴿درجات﴾ أي دركات أي منازل ومراتب متفاضلين فيها ﴿من﴾ أجل ﴿ما عملوا﴾ أو من جوهره ونوعه من الأعمال الصالحة والطالحة. ولما كان التقدير: ليظهر ظهوراً بيناً أنه سبحانه فاعل بالاختيار بالمفاوته بين العقلاء ويظهر بيناً لا وقفة فيه أن الحقائق على غير ما كان يتراءى لهم في الدنيا، فإن حجب المكاره والشهوات كانت ترى الأمور على خلاف ما هي عليه، عطف عليه قوله في قراءة البصريين وعاصم وهشام عن ابن عامر بخلاف عنه: ﴿وليوفيهم﴾ أي ربهم الذي تقدم إقبال المحسن عليه ودعاؤه له، وقراءة الباقين بالنون أنسب لمطلع السورة ولما يشير إليه من كشف حجب الكبرياء في يوم الفصل. ولما كان سبحانه يعلم مثاقيل الذر وما دونها وما فوقها ويجعل الجزاء على حسبها في المقدار والشبه والجنس والنوع والشخص حتى يكاد يظن العامل أن الجزاء هو العمل قال: ﴿أعمالهم﴾ أي جزاءها من خير وشر وجنة ونار - وهذا ظاهر، أو نص في أن الجن يثابون بالإحسان كما يعاقبون بالعصيان، وسورة الرحمن كلها خطاب للثقلين

стр. 9261

بالثواب لأهل الطاعة، والعقاب لأهل المعصية من كل من القبيلتين؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه، ويجزى مطيعهم بالثواب كما يجازى عاصيهم بالعقاب - قاله مالك وابن أبي ليلى والضحاك وغيرهم كما نقله البغوي ﴿وهم﴾ أي والحال أنهم ﴿لا يظلمون *﴾ أي لا يتجدد لهم شىء من ظالم ما من ظلم في جزاء أعمالهم بزيادة في عقاب أو نقص من ثواب، بل الرحمانية كما كانت لهم في الدنيا فهي لهم في الآخرة فلا يظلم ربك أحداً بأن يعذبه فوق ما يستحقه من العقاب، أو ينقصه عما يستأهل من الثواب. ولما كان الظاهر في هذه السورة الإنذار كما يشهد به مطلعها، قال ذاكراً بعض ما يبكت به المجرمون يوم البعث الذي كانوا به يكذبون ويكون فيه توفية جزاء الأعمال، عاطفاً على ما تقديره: اذكر لهم هذا لعلهم يأنفون أن يكونوا المسيئين فيكونوا من المحسنين: ﴿ويوم﴾ أي واذكر لهم يوم يعرضون - هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف الذي أوجب لهم الجزاء إشارة إلى أن الأمر كان ظاهراً لهم ولكنهم ستروا، أنوار عقولهم فقال: ﴿يعرض الذين كفروا﴾ أي من الفريقين المذكورين ﴿على النار﴾ أي يصلون لهبها ويقلبون فيها كما يعرض اللحم الذي يشوى، مقولاً لهم على سبيل التنديم والتقريع والتوبيخ والتشنيع

стр. 9262

لأنهم لم يذكروا الله حق ذكره عند شهواتهم بل نالوها مع مخالفة أمره سبحانه ونهيه: ﴿أذهبتم﴾ في قراءة نافع وأبي عمرو والكوفيين بالإخبار، وقراءة الباقين بالاستفهام لزيادة الإنكار والتوبيخ ﴿طيباتكم﴾ أي لذاتكم باتباعكم الشهوات ﴿في حياتكم﴾ ونفر منها بقوله تعالى: ﴿الدنيا﴾ أي القريبة الدنية المؤذن وصفها لمن يعقل بحياة أخرى بعدها، فكان سعيكم في حركاتكم وسكناتكم لأجلها حتى نلتموها ﴿واستمتعتم﴾ أي طلبتم وأوجدتم انتفاعكم ﴿بها﴾ وجعلتموها غاية حظكم في رفعتكم ونعمتكم. ولما كان ذلك استهانة بالأوامر والنواهي للاستهانة بيوم الجزاء، سبب عنه قوله تعالى: ﴿فاليوم تجزون﴾ أي على إعراضكم عنا بجزاء من لا تقدرون التقصي من جزائه بأيسر أمر منه ﴿عذاب الهون﴾ أي الهوان العظيم المجتمع الشديد الذي فيه ذلك وخزي ﴿بما كنتم﴾ جبلة وطبعاً ﴿تستكبرون﴾ أي تطلبون الترفع وتوجدونه على الاستمرار ﴿في الأرض﴾ التي هي لكونها تراباً وموضوعة على الزوال والخراب،

стр. 9263

أحق شيء بالتواضع والذل والهوان. ولما كان الاستكبار يكون بالحق لكونه على الظالمين فيكون ممدوحاً، قيده بقوله: ﴿بغير الحق﴾ أي الأمر الذي يطابقه الواقع وهو أوامرنا ونواهينا، ودل بأداة الكمال على أنه لا يعاقب على الاستكبار مع الشبهة ﴿وبما كنتم﴾ على الاستمرار ﴿تفسقون *﴾ أي تجددون الخروج عن محيط الطاعة الذي تدعو إليه الفطرة الأولى العقل إلى نوازع المعاصي. ولما هددهم سبحانه بالأمور الأخروية، وستر الأمر بالتذكير بها لكونها مستورة وهم بها يكذبون في قوله «ويوم» ، وختم بالعذاب على الاستكبار المذموم والفسق، عطف عليه تهديهم بالأمور المحسوسة لأنهم متقيدون بها مصرحاً بالأمر بالذكر فقال تعالى: ﴿واذكر﴾ أي لهؤلاء الذين لا يتعظون بمحط الحكمة الذي لا يخفى على ذي لب، وهو البعث. ولما كان أقعد ما يهددون به في هذه السورة وأنسبه لمقصودها عاد لكونهم أقوى الناس أبداناً وأعتاهم رقاباً وأشدهم قلوباً وأوسعهم ملكاً وأعظمهم استكباراً بحيث كانوا يقولون ﴿من أشد منا قوة﴾ وبنوا البنيان الذي يفني الدهر ولا يفنى، فلا يعمله إلا من نسي الموت أو رجا الخلود واصطنعوا جنة على وجه الأرض لأن ملكهم

стр. 9264

عمها كلها مع قرب بلادهم لكونها في بلاد العرب من قريش ومعرفتهم بأخبارهم ورؤيتهم لديارهم وكون عذابهم نشأ من بلدهم بدعاء من دعا منهم، ذكر أمرهم على وجه دل على مقصود السورة، وعبر بالأخوة تسلية لنبيه ﷺ لأن فظيعة القوم لمن هو منهم ويعلمون مناقبه ومفاخره أنكأ فقال: ﴿أخا عاد﴾ وهو أخو هود ﵊ الذي كان بين قوم لا يعشرهم قومك في قوة ولا مكنة، وصدعهم مع ذلك بمر الحق وبادأهم بأمر الله، لم يخف عاقبتهم ونجيته منهم، فهو لك قدوة وفيه أسوة، ولقومك في قصدهم إياك بالأذى من أمره موعظة. ولما ذكره ﵊ لمثل هذه المقاصد الجليلة، أبدل منه قصته زيادة في البيان، فقال مبيناً أن الإنذار هو المقصد الأعظم من الرسالة: ﴿إذ﴾ أي حين ﴿أنذر قومه﴾ أي الذين لهم قوة زائدة على القيام فيما يحاولونه ﴿بالأحقاف﴾ قال الأصبهاني: قال ابن عباس: واد بين عمان ومهرة، قال: وقال مقاتل: كانت منازل

стр. 9265

عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له مهرة، إليه ينسب الإبل المهرية، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا من قبيلة إرم. وقال قتادة: كانوا مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشجر، والأحقاف جمع حقف بالكسر، وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء، وقال ابن زيد: هو ما استطال من الرمل كهيئة الجبل ولم يبلغ أن يكون جبلاً، وقال في القاموس: وهو الرمل العظيم المستدير، وأصل الرمل، واحقوقف الرمل والظهر والهلال: طال واعوج. ومن الأمر الجلي أن هذه الهيئة لا تكون في بلاد الريح بها غالبة شديدة لأنه لو كان ذلك انسف الجبل نسفاً بخلاف بلاد الجبال كمكة المشرفة، فإن الريح تكون بها غاية في الشدة لأنها إما أن تصك الجبل فتنعكس راجعة بقوة شديدة، أو يكون هناك جبال فتراد بينها أو تنضغط فتخرج مما تجد من الفروج على هيئة مزعجة فينبغي أن يكون أهل الجبال أشد من ذلك حذراً. ولما ذكر النذير والمنذرين ومكانهم لما ذكر من المقاصد، ذكر

стр. 9266

أنهم أعرضوا عنه ولم يكن بدعاً من الرسل ولا كان قومه جاهلين بأحوالهم، فاستحقوا العذاب تحذيراً من مثل حالهم، فقال: ﴿وقد﴾ أي والحال أنه قد ﴿خلت﴾ أي مرت ومضت وماتت ﴿النذر﴾ أي الرسل الكثيرون الذين محط أمرهم الإنذار. ولما لم يكن إرسالهم بالفعل مستغرقاً لجميع الأزمنة، أدخل الجار فقال: ﴿من بين يديه﴾ أي قبله كنوح وشيث وآدم ﵊ فما كان بدعاً منها ﴿ومن خلفه﴾ أي الذين أتوا من بعده فما كنت أنت بدعاً منهم. ولما أشار إلى كثرة الرسل، ذكر وحدتهم في أصل الدعاء، فقال مفسراً للإنذار معبراً بالنهي: ﴿ألا تعبدوا﴾ أي أيها العباد المنذرون، بوجه من الوجوه، شيئاً من الأشياء ﴿إلا الله﴾ الملك الذي لا ملك غيره ولا خالق سواه ولا منعم إلا هو، فإني أراكم تشركون به من لم يشركه في شيء من تدبيركم، والملك لا يقر على مثل هذا. ولما أمرهم ونهاهم، علل ذلك فقال محذراً لهم من العذاب مؤكداً لما لهم من الإنكار لاعتمادهم على قوة أبدانهم وعظيم شأنهم: ﴿إني أخاف عليكم﴾ لكونكم قومي وأعز الناس علي ﴿عذاب يوم عظيم *﴾ لا يدع جهة إلا ملأها عذابه، إن أصررتم على ما أنتم فيه من الشرك.

стр. 9267

ولما تشوف السامع إلى جوابهم عن هذه الحكمة، أجيب بقوله تعالى: ﴿قالوا﴾ أي منكرين عليه: ﴿أجئتنا﴾ أي يا هود ﴿لتأفكنا﴾ أي تصرفنا عن وجه أمرنا إلى قفاه ﴿عن آلهتنا﴾ فلا نعبدها ولا نعتد بها. ولما كان معنى الإنكار النفي، فكان المعنى: إنا لا ننصرف عنها، سببوا عنه قولهم ﴿فأتنا بما تعدنا﴾ سموا الوعيد وعداً استهزاء به. ولما كان ذلك معناه تكذيبه، زادوه وضوحاً بقولهم معبرين بأداة الشك إشارة إلى أن صدقه في ذلك من فرض المحال: ﴿إن كنت﴾ أي كما يقال عنك. كوناً ثابتاً ﴿من الصادقين *﴾ في أنك رسول من الله وأنه يأتينا بما تخافه علينا من العذاب إن أصررنا. ولما تضمن قولهم هذا نسبة داعيهم ﵊ إلى ما لا دلالة لكلامه عليه بوجه، وهو ادعاء العلم بعذابهم والقدرة عليه وتكذبيه في كل منهما اللازم منه أمنهم اللازم منه ادعاؤهم العلم بأنهم لا يعذبون، وكانوا كاذبين في جميع ذلك كان كأنه قيل:

стр. 9268

بم أجابهم؟ فقيل: ﴿قال﴾ مصدقاً لهم في سلب علمه بذلك وقدرته عليه، مكذباً لهم في نسبتهم إليه ادعاء شيء منهما وإلى أنفسهم بأنه لا يقع: ﴿إنما العلم﴾ أي المحيط بكل شيء عذابكم وغيره ﴿عند الله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال، فهو ينزل علم ما توعدون على من يشاء إن شاء ولا علم لي الآن ولا لكم بشيء من ذلك ولا قدرة. ولما كان العلم المحيط يستلزم القدرة، فكان التقدير: فليست القدرة على الإتيان بعذابكم إلا له لا لي ولا لغيري، وليس عليّ إلا البلاغ كما أوحى إليّ ربي بقوله سبحانه ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ [الشورى: ٤٨] وقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم من الوعظ بأن أعمالكم أعمال من قد أعرض عن سيده وعرض نفسه للهلاك والعذاب بإشراكه بالمحسن المطلق من لا يكافئه بوجه فهو بحيث يخشى عليه الأخذ، عطف عليه قوله: ﴿وأبلغكم﴾ أي أيضاً في الحال والاستقبال ﴿ما أرسلت﴾ أي ممن لا مرسل في الحقيقة غيره، فإنه يقدر على نصر رسوله ﴿به﴾

стр. 9269

أي من التوحيد وغيره، سواء كان وعداً أو وعيداً أو غيرهما لو لم يذكر الغاية لأن ما أرسل به صالح لهم ولغيرهم. ولما كان معنى الإخبار بالإبلاغ أنه ليس عليّ إلا ذلك، وكان معنى قصر العلم المطلق على الله تصديقهم في نفي علمه ﵊ بذلك، حسن قوله مستدركاً علمه بجهلهم: ﴿ولكني أراكم﴾ أي أعلمكم علماً هو كالرؤية ﴿قوماً﴾ غلاظاً شداداً عاسين ﴿تجهلون *﴾ أي بكم مع ذلك صفة الجهل، وهو الغلظة في غير موضعها مع قلة العلم، تجددون لك على سبيل الاستمرار بسبب أنكم تفعلون بإشراككم بالمحسن المطلق وهو الملك الأعظم من لا إحسان له بوجه أفعال من يستحق العذاب ثم لا تجوزون وقوعه وتكذبون من ينبهكم على أن ذلك أمر يحق أن يحترز منه، وتنسبونه إلى غير ما أرسل له من الإنذار من ادعاء القدرة على العذاب ونحوه. ولما تسبب عن قولهم هذا إتيان العذاب فأتاهم في سحاب أسود، استمروا على جهلهم وعادتهم في الأمن وعدم تجويز

стр. 9270

الانتقام، وكأن إتيانه كان قريباً من استعجالهم به، فلذلك أتى بالفاء في قوله مسبباً عن تكذيبهم مبيناً لعظيم جهلهم بجهلهم في المحسوسات، مفصلاً لما كان من حالهم عند رؤية البأس: ﴿فلما رأوه﴾ أي العذاب الذي يعدهم به ﴿عارضاً﴾ أي سحاباً أسود بارزاً في الأفق ظاهر الأمر عند من له أهلية النظر، حال كونه قاصداً إليهم ﴿مستقبل أوديتهم﴾ أي طالباً لأن يكون مقابلاً لها وموجداً لذلك، وهو وصف لعارضاً فهو نكرة إضافته لفظية وإن كان مضافاً إلى معرفة، وكذا «ممطرنا» ﴿قالوا﴾ علىعادة جهلهم مشيرين إليه بأداة القرب الدالة على أنهم في غاية الجهل، لأن جهلهم به استمر حتى كاد أن يواقعهم: ﴿هذا عارض﴾ أي سحاب معترض في عرض السماء أي ناحيتها ﴿ممطرنا﴾ لكونهم رأوه أسود مرتاداً فظنوه ممتلئاً ماء يغاثون به بعد طول القحط وإرسال رسلهم إلى مكة المشرفة ليدعوا لهم هنالك الله الذي استخفوا به بالقدح في ملكه بأن أشركوا به من هو دونهم، علماً منهم بأن شركاءهم لا تغني عنهم في الإمطار شيئاً، غافلين عن ذنوبهم الموجبة لعذابهم، فلذلك قال الله تعالى مضرباً عن كلامهم، والظاهر أنه حكاية

стр. 9271

لقول هود ﵊ في جواب كلامهم: ﴿بل هو﴾ أي هذا العارض الذي ترونه ﴿ما استعجلتم به﴾ أي طلتم العجلة في إتيانه إليكم من العذاب. ولما اشتد تشوف السامع إلى معرفته قال: ﴿ريح﴾ أي ركمت هذا السحاب الذي رأيتموه ﴿فيها عذاب أليم *﴾ أي شديد الإيلام، كانت تحمل الظعينة في الجو تحملها وهودجها حى ترى كأنها جرادة، وكانوا يرون ما كان خارجاً عن منازلهم من الناس والمواشي تطير بهم الريح بين السماء والأرض ثم تقذف بهم ﴿تدمر﴾ أي تهلك إهلاكاً عظيماً شديداً سريعاً تأتي بغتة على طريق الهجوم ﴿كل شيء﴾ أي أتت عليه، هذا شأنها فمن سلم منها كهود ﵊ ومن آمن به ﵃ فسلامته أمر خارق للعادة كما أن أمرها في إهلاك كل ما مرت عليه أمر خارق للعادة، والجملتان يحتمل أن تكونا وصفاً لريح ويحتمل وهو أعذب وأهز للنفس وأعجب أن تكونا استئنافاً، ولما كان ربما ظن ظان أنها مؤثرة بنفسها قال:

стр. 9272

﴿بأمر ربها﴾ أي المبدع لها والمربي والمحسن بالانتقام بها من أعدائه. ولما ذكرها بهذا الذكر الهائل، وكان التقدير: جاءتهم فدمرتهم لم تترك منهم أحداً، سبب عن ذلك زيادة في التهويل قوله: ﴿فأصبحوا﴾ ولما اشتد إصغاء السامع إلى كيفية إصباحهم، قال مترجماً لهلاكهم: ﴿لا ترى﴾ أي أيها الرائي، فلما عظمت روعة القلب وهول النفس قال تعالى: ﴿إلا مساكنهم﴾ أي جزاء على إجرامهم، فانطبقت العبارة على المعنى، وعلم أن المراد بالإصباح مطلق الكون، ولكنه عبر به لأن المصيبة فيه أعظم، وعلم أنه لم يبق من المكذبين ديار ولا نافخ نار، وهذا كناية عن عموم الهلاك لهم سواء كان الرمل دفنهم أو على وجه الأرض مرتبين كما في الآية الأخرى ﴿فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾ [الحاقة: ٧] وروي أن هوداً ﵊ لما أحس بالريح اعتزل بمن آمن معه في حظيرة فأمالت الريح على الكفرة الأحقاف التي كانت مجتمعهم إذا تحدثوا ومحل بسطهم إذا لعبوا، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام، ثم كشفت عنهم فاحتملتهم فقذفتهم في البحر وكذا أهلكت مواشيهم وكل شيء لهم فيه روح ولم يصب هوداً

стр. 9273

عليه الصلاة والسلام ومن معه ﵃ منها إلا ما لين أبشارهم ونعش أرواحهم، والآية على هذا على حقيقتها في أنه لم يصبح الصباح ومنهم أحد يرى. ولما طارت لهذا الهول الأفئدة واندهشت الألباب، قال تعالى منبهاً على زبدة المراد بطريق الاستئناف: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا الجزاء الهائل في أصله أو جنسه أو نوعه أو شخصه من الإهلاك ﴿نجزي﴾ بعظمتنا دائماً إذا شئنا ﴿القوم﴾ وإن كانوا أقوى ما يكون ﴿المجرمين *﴾ أي العريقين في الإجرام الذين يقطعون ما حقه الوصل فيصلون ما حقه القطع، وذلك الجزاء هو الإهلاك على هذا الوجه الشنيع، فاحذروا أيها العرب مثل ذلك إن لم ترجعوا.

стр. 9274

ولما كان هذا محلاً يتوقع فيه الإخبار عن حال مكنتهم ليعلم هل تركوا الدفع لمانع فيهم أو لأن ما أتاهم بحيث لا يمكن لأحد دفاعه، قال ذاكراً حرف التوقع مخوفاً للعرب مقسماً لأن قريشاً قد قال قائلهم: إنهم يدفعون العذاب بدفع الزبانية، ونحوها: ﴿ولقد﴾ أي فعل بهم ذلك والحال أنا وعزتنا قد ﴿مكناهم﴾ تمكيناً تظهر به عظمتنا

стр. 9275

﴿فيما إن﴾ أي الذي ما ﴿مكناكم فيه﴾ من قوة الأبدان وكثرة الأموال وغيرها، وجعل النافي «أن» لأنها أبلغ من «ما» لأن «ما» تنفي تمام الفوت لتركبها من الميم والألف التي حقيقة إدراكها فوت تمام الإدراك و «أن» تنفي أدنى مظاهر مدخولها فكيف بما وراءه من تمامه لأن الهمزة أول مظهر لفوت الألف والنون لمطلق الإظهار - هذا إلى ما في ذلك من عذوبة اللفظ وصونه عن ثقل التكرار إلى غير ذلك من بدائع الأسرار. ولما كانت قريش تفتخر بعقولها فربما ظنت أنها في العقل ومقدماته من الحواس أمكن منهم، وأنهم ما أتى عليهم إلا من عدم فهمهم، قال تعالى: ﴿وجعلنا﴾ أي جعلاً يليق بما «زدناهم عليكم» من المكنة على ما اقتضته عظمتنا ﴿لهم سمعاً﴾ بدأ به لأن المقام للإنذار المنبه بحاسة السمع على ما في الآيات المرئيات من المواعظ، فهو أنفع لأنه أوضح، ووحده لقلة التفاوت فيه ﴿وأبصاراً﴾ أي منبهة على ما في الآيات المرئيات من مطابقة واقعها لأخبار السمع،

стр. 9276

وجمع لكثرة التفاوت في أنوار الأبصار، وكذا في قوله: ﴿وأفئدة﴾ أي قلوباً ليعرفوا بها الحق فيتبعوه والباطل فيجتنبوه ويشكروا من وهبها لهم، وختم بها لأنها الغاية التي ليس بعد الإدراك منتهى ولا وراءها مرمى، وعبر بما هو من التفود وهو التجرد إشارة إلى أنها في غاية الذكاء ﴿فما أغنى عنهم﴾ في حال إرسالنا إليهم الرحمة على لسان نبينا هود ﵊ ثم النقمة بيد الريح ﴿سمعهم﴾ وأكد النفي بتكرير النافي فقال: ﴿ولا أبصارهم﴾ وكذا في قوله: ﴿ولا أفئدتهم﴾ أي لما أردنا إهلاكهم، وأكد بإثبات الجار فقال: ﴿من شيء﴾ أي من الإغناء، وإن قلّ لا في دفع العذاب، ولا في معرفة الصواب، بل صرفوا ما وهبنا لهم من القوى فيما لا ينبعي تعليق الهمم به من أمور الدنيا حتى فاقوا في ذلك الأمم وعملوا أعمال من تخلد كما قيل: والخلد قد حاولت ... عاد فما خلدوا ولما ذكر نفي الإغناء، ذكر ظرفه على وجه يفهم التعليل، فإنه إذا ذكر الانتقام في وقت فعل الشيء علم أن علته فعل ذلك الشيء فقال:

стр. 9277

﴿إذ كانوا﴾ أي طبعاً لهم وخلقاً ﴿يجحدون﴾ أي يكررون على مر الزمان الجحد ﴿بآيات الله﴾ أي الإنكار لما يعرف من دلائل الملك الأعظم ﴿وحاق﴾ أي أحاط على جهة الإحراق والعظم بأمور لا يدري وجه المخلص منها ﴿بهم ما﴾ أي عقاب الذي ﴿كانوا﴾ على جهة الدوام لكونه خلقاً لهم ﴿به يستهزءون *﴾ أي يوجدونه على سبيل الاستمرار إيجاد من هو طالب له عاشق فيه. ولما تم المراد من الإخبار بهلاكهم على ما لهم من المكنة العظيمة ليتعظ بهم من سمع أمرهم، أتبعهم من كان مشاركاً لهم في التكذيب فشاركهم في الهلاك، فقال مكرراً لتخويفهم دالاً على إحاطة قدرته بإحاطة علمه: ﴿ولقد أهلكنا﴾ بما لنا من العظمة والقدرة المحيطتين الماضيتين بكل ما نريد ﴿ما حولكم﴾ أي يا أهل مكة ﴿من القرى﴾ كأهل الحجر وسبا ومدين والأيكة وقوم لوط وفرعون وأصحاب الرس وثمود وغيرهم ممن فيهم معتبر. ولما كان الموعوظ به الإهلاك ذكر مقدماً، فتشوف السامع إلى السؤال عن حالهم في الآيات، فقال

стр. 9278

عاطفاً بالواو التي لا يمنع معطوفها التقدم على ما عطف عليه: ﴿وصرفنا الآيات﴾ أي حولنا الحجج البينات وكررناها موصلة مفصلة مزينة محسنة على وجوه شتى من الدلالات، خالصة عن كل شبهة. ولما كان تصريف الآيات لا يخص أحداً بعينه، بل هو لكل من رآه أو سمع به لم يقيدها بهم وذكر العلة الشاملة لغيرهم فقال: ﴿لعلهم﴾ أي الكفار ﴿يرجعون *﴾ أي ليكونوا عند من يعرف حالهم في رؤية الآيات حال من يرجع عن الغي الذي كان يركبه لتقليد أو شبهة كشفته الآيات وفضحته الدلالات فلم يرجعوا، فكان عدم رجوعهم سبب إهلاكنا لهم. ولما كانوا قد جعلوا محط حالهم في الشركاء أنهم سبب التواصل بينهم والتفاوت، وادعوا أنهم يشفعون فيهم فيقربونهم إلى الله زلفى ويمنعونهم من العذاب في الآخرة، وكان أدنى الأمور التسوية بينه

стр. 9279

وبين عذاب الدنيا، سبب عن أخباره عن إهلاك الأمم الماضية قوله مقدماً للعلة التي جعلها محط نظرهم منكراً عليهم موبخاً لهم: ﴿فلولا﴾ أي فهل لا ولم لا ﴿نصرهم﴾ أي هؤلاء المهلكين ﴿الذين اتخذوا﴾ أي اجتهدوا في صرف أنفسهم عن دواعي العقل والفطر الأولى حتى أخذوا، وأشار إلى قلة عقولهم ببيان سفولهم فقال: ﴿من دون الله﴾ أي الملك الذي هو أعظم من كل عظيم ﴿قرباناً﴾ أي لأجل القربة التقريب العظيم يتقربون إليها ويزعمون أنها تقربهم إلى الله ﴿آلهة﴾ أشركوهم مع الملك الأعظم لأجل ذلك - قاتلهم الله وأخزاهم. ولما كان التخصيص يفهم أنهم ما نصروهم، أضرب عنه فقال: ﴿بل ضلوا﴾ أي غابوا وعموا عن الطريق الأقوم وبعدوا ﴿عنهم﴾ وقت بروك النقمة وقروع المثلة حساً ومعنى. ولما كان التقدير: فذلك الاتخاذ الذي أدتهم إليه عقولهم السافل جداً البعيد من الصواب كان الموصل إلى مآلهم هذا، عطف عليه قوله: ﴿وذلك﴾ أي الضلال البعيد من السداد الذي تحصل من هذه القصة من إخلاف ما كانوا يقولون: إن أوثانهم آلهة، وإنها تضر وتنفع وتقربهم إلى الله وتشفع لهم عنده ﴿إفكهم﴾ أي صرفهم الأمور عن وجهها إلى أقفائها، ويجوز أن تكون الإشارة إلى العذاب، أي وهذا العذاب

стр. 9280

جزاؤهم في مقابلة إفكهم ﴿وما كانوا﴾ أي على وجه الدوام لكونه في طباعهم ﴿يفترون *﴾ أي يتعمدون كذبه لأن إصرارهم عليه بعد مجيء الآيات لا يكون إلا لذلك لأن من نظر فيها مجرداً نفسه عن الهوى اهتدى. ولما كان ما ذكر من البعد من الإيمان مع تصريف العظات والعبر والآيات يكاد أن يؤنس السامع من إيمان هؤلاء المدعوين، قربه دلالة على عزته وحكمته بالتذكير بالإيمان من هم أعلى منهم عتواً وأشد نفرة وأبعد إجابة وأخفى شخصاً، فقال جواباً عما وقع له ﷺ في عرض نفسه الشريفة على القبائل وإبعادهم عنه لا سيما أهل الطائف، دالاً على تمام القدرة بشارة للمنزل عليه ﷺ وتوبيخاً لما تأخر عن إجابته من قومه عاطفاً على ما تقديره: اذكر هذه الأخبار: ﴿وإذ﴾ أي واذكر حين ﴿صرفنا إليك﴾ أي وجهنا توجيهاً خالصاً حسناً متقناً فيه ميل إليك وإقبال عليك، وإعراض عن غيرك، بوادي نخلة عند انصرافك من الطائف حين عرضت نفسك الشريفة عليهم بعد موت النصيرين فردوك
следующие страницы →