← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.

стр. 9276

وجمع لكثرة التفاوت في أنوار الأبصار، وكذا في قوله: ﴿وأفئدة﴾ أي قلوباً ليعرفوا بها الحق فيتبعوه والباطل فيجتنبوه ويشكروا من وهبها لهم، وختم بها لأنها الغاية التي ليس بعد الإدراك منتهى ولا وراءها مرمى، وعبر بما هو من التفود وهو التجرد إشارة إلى أنها في غاية الذكاء ﴿فما أغنى عنهم﴾ في حال إرسالنا إليهم الرحمة على لسان نبينا هود ﵊ ثم النقمة بيد الريح ﴿سمعهم﴾ وأكد النفي بتكرير النافي فقال: ﴿ولا أبصارهم﴾ وكذا في قوله: ﴿ولا أفئدتهم﴾ أي لما أردنا إهلاكهم، وأكد بإثبات الجار فقال: ﴿من شيء﴾ أي من الإغناء، وإن قلّ لا في دفع العذاب، ولا في معرفة الصواب، بل صرفوا ما وهبنا لهم من القوى فيما لا ينبعي تعليق الهمم به من أمور الدنيا حتى فاقوا في ذلك الأمم وعملوا أعمال من تخلد كما قيل: والخلد قد حاولت ... عاد فما خلدوا ولما ذكر نفي الإغناء، ذكر ظرفه على وجه يفهم التعليل، فإنه إذا ذكر الانتقام في وقت فعل الشيء علم أن علته فعل ذلك الشيء فقال:

стр. 9277

﴿إذ كانوا﴾ أي طبعاً لهم وخلقاً ﴿يجحدون﴾ أي يكررون على مر الزمان الجحد ﴿بآيات الله﴾ أي الإنكار لما يعرف من دلائل الملك الأعظم ﴿وحاق﴾ أي أحاط على جهة الإحراق والعظم بأمور لا يدري وجه المخلص منها ﴿بهم ما﴾ أي عقاب الذي ﴿كانوا﴾ على جهة الدوام لكونه خلقاً لهم ﴿به يستهزءون *﴾ أي يوجدونه على سبيل الاستمرار إيجاد من هو طالب له عاشق فيه. ولما تم المراد من الإخبار بهلاكهم على ما لهم من المكنة العظيمة ليتعظ بهم من سمع أمرهم، أتبعهم من كان مشاركاً لهم في التكذيب فشاركهم في الهلاك، فقال مكرراً لتخويفهم دالاً على إحاطة قدرته بإحاطة علمه: ﴿ولقد أهلكنا﴾ بما لنا من العظمة والقدرة المحيطتين الماضيتين بكل ما نريد ﴿ما حولكم﴾ أي يا أهل مكة ﴿من القرى﴾ كأهل الحجر وسبا ومدين والأيكة وقوم لوط وفرعون وأصحاب الرس وثمود وغيرهم ممن فيهم معتبر. ولما كان الموعوظ به الإهلاك ذكر مقدماً، فتشوف السامع إلى السؤال عن حالهم في الآيات، فقال

стр. 9278

عاطفاً بالواو التي لا يمنع معطوفها التقدم على ما عطف عليه: ﴿وصرفنا الآيات﴾ أي حولنا الحجج البينات وكررناها موصلة مفصلة مزينة محسنة على وجوه شتى من الدلالات، خالصة عن كل شبهة. ولما كان تصريف الآيات لا يخص أحداً بعينه، بل هو لكل من رآه أو سمع به لم يقيدها بهم وذكر العلة الشاملة لغيرهم فقال: ﴿لعلهم﴾ أي الكفار ﴿يرجعون *﴾ أي ليكونوا عند من يعرف حالهم في رؤية الآيات حال من يرجع عن الغي الذي كان يركبه لتقليد أو شبهة كشفته الآيات وفضحته الدلالات فلم يرجعوا، فكان عدم رجوعهم سبب إهلاكنا لهم. ولما كانوا قد جعلوا محط حالهم في الشركاء أنهم سبب التواصل بينهم والتفاوت، وادعوا أنهم يشفعون فيهم فيقربونهم إلى الله زلفى ويمنعونهم من العذاب في الآخرة، وكان أدنى الأمور التسوية بينه

стр. 9279

وبين عذاب الدنيا، سبب عن أخباره عن إهلاك الأمم الماضية قوله مقدماً للعلة التي جعلها محط نظرهم منكراً عليهم موبخاً لهم: ﴿فلولا﴾ أي فهل لا ولم لا ﴿نصرهم﴾ أي هؤلاء المهلكين ﴿الذين اتخذوا﴾ أي اجتهدوا في صرف أنفسهم عن دواعي العقل والفطر الأولى حتى أخذوا، وأشار إلى قلة عقولهم ببيان سفولهم فقال: ﴿من دون الله﴾ أي الملك الذي هو أعظم من كل عظيم ﴿قرباناً﴾ أي لأجل القربة التقريب العظيم يتقربون إليها ويزعمون أنها تقربهم إلى الله ﴿آلهة﴾ أشركوهم مع الملك الأعظم لأجل ذلك - قاتلهم الله وأخزاهم. ولما كان التخصيص يفهم أنهم ما نصروهم، أضرب عنه فقال: ﴿بل ضلوا﴾ أي غابوا وعموا عن الطريق الأقوم وبعدوا ﴿عنهم﴾ وقت بروك النقمة وقروع المثلة حساً ومعنى. ولما كان التقدير: فذلك الاتخاذ الذي أدتهم إليه عقولهم السافل جداً البعيد من الصواب كان الموصل إلى مآلهم هذا، عطف عليه قوله: ﴿وذلك﴾ أي الضلال البعيد من السداد الذي تحصل من هذه القصة من إخلاف ما كانوا يقولون: إن أوثانهم آلهة، وإنها تضر وتنفع وتقربهم إلى الله وتشفع لهم عنده ﴿إفكهم﴾ أي صرفهم الأمور عن وجهها إلى أقفائها، ويجوز أن تكون الإشارة إلى العذاب، أي وهذا العذاب

стр. 9280

جزاؤهم في مقابلة إفكهم ﴿وما كانوا﴾ أي على وجه الدوام لكونه في طباعهم ﴿يفترون *﴾ أي يتعمدون كذبه لأن إصرارهم عليه بعد مجيء الآيات لا يكون إلا لذلك لأن من نظر فيها مجرداً نفسه عن الهوى اهتدى. ولما كان ما ذكر من البعد من الإيمان مع تصريف العظات والعبر والآيات يكاد أن يؤنس السامع من إيمان هؤلاء المدعوين، قربه دلالة على عزته وحكمته بالتذكير بالإيمان من هم أعلى منهم عتواً وأشد نفرة وأبعد إجابة وأخفى شخصاً، فقال جواباً عما وقع له ﷺ في عرض نفسه الشريفة على القبائل وإبعادهم عنه لا سيما أهل الطائف، دالاً على تمام القدرة بشارة للمنزل عليه ﷺ وتوبيخاً لما تأخر عن إجابته من قومه عاطفاً على ما تقديره: اذكر هذه الأخبار: ﴿وإذ﴾ أي واذكر حين ﴿صرفنا إليك﴾ أي وجهنا توجيهاً خالصاً حسناً متقناً فيه ميل إليك وإقبال عليك، وإعراض عن غيرك، بوادي نخلة عند انصرافك من الطائف حين عرضت نفسك الشريفة عليهم بعد موت النصيرين فردوك

стр. 9281

رداً تكاد تنشق منه المرائر، وتسل من تذكاره النواظر. ولما كان استعطاف من جبل على النفرة وإظهار من بني على الاجتنان أعظم في النعمة، عبر بما يدل على ذلك فقال: ﴿نفراً﴾ وهو اسم يطلق على ما دون العشرة، وهو المراد هنا، ويطلق على الناس كلهم، وحسن التعبير به أن هؤلاء لما خصوا بشرف السبق وحسن المتابعة كانوا كأنهم هم النفر لا غيرهم ﴿من الجن﴾ من أهل نصيبين من الناحية التي منها عداس الذي جبرناك به في الطائف بما شهد به لسيديه عتبة وشيبة ابني ربيعة أنك خير أهل الأرض مع أنه ليس لهؤلاء النفر من جبلاتهم إلا النفرة والاجتنان وهو الاختفاء والستر فجعلناهم ألفين لك ظاهرين عندك لتبلغهم ما أرسلناك به فإنا أرسلناك إلى جميع الخلائق، وهذا جبر لك وبشارة بإيمان النافرين من الإنس كما أيدناك منهم بعد نفرة أهل الطائف بعداس، ثم وصفهم بقوله: ﴿يستمعون القرآن﴾ أي يطلبون سماع الذكر الجامع لكل خير، الفارق بين كل ملبس وأنت في صلاة الفجر في نخلة تصلي بأصحابك، ودل

стр. 9282

على قرب زمن الصرف من زمن الحضور بتعبيره سبحانه بالفاء في قوله تعالى مفصلاً لحالهم: ﴿فلما حضروه﴾ أي صاروا بحيث يسمعونه ﴿قالوا﴾ أي قال بعضهم ورضي الآخرون: ﴿أنصتوا﴾ أي اسكتوا وميلوا بكلياتكم واستمعوا حفظاً للأدب على بساط الخدمة، وفيه تأدب مع العلم في تعلمه وأيضاً مع معلمه، قال القشيري: فأهل الحضور صفتهم الذبول والسكون والهيبة والوقار، والثوران والانزعاج يدل على غيبة أو قلة تيفظ ونقصان من الاطلاع، ودل على أن ما استمعوه كان يسيراً وزمنه قصيراً، وعلى تفصيل حالهم بعد انقضائه بالفاء في قوله تعالى: ﴿فلما﴾ أي فأنصتوا فحين ﴿قضي﴾ أي حصل الفراغ من قراءته الدالة على عظمته من أيّ قارئ كان ﴿ولوا﴾ أي أوقعوا

стр. 9283

التولية - أي القرب - بتوجيه الوجوه والهمم والعزائم ﴿إلى قومهم﴾ الذين فيهم قوة القيام بما يحاولونه، ودل على حسن تقبلهم لما سمعوه ورسوخهم في اعتقاده بقوله تعالى: ﴿منذرين *﴾ أي مخوفين لهم ومحذرين عواقب الضلال بأمر من رسول الله ﷺ ، قال ابن عباس ﵄: جعلهم رسول الله ﷺ رسلاً إلى قومهم.

стр. 9284

ولما كان كأنه قيل: ما قالوا لهم في إنذارهم؟ قيل: ﴿قالوا﴾ أي لقومهم حين أقبلوا عليهم: ﴿يا قومنا﴾ مترققين لهم ومشفقين بهم بذكر ما يدل على أنهم منهم يهمهم ما يهمهم ويكربهم ما يكربهم كما قيل: وإن أخاك الحق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك ولما كانوا - بنزول ما في أسفار الأنبياء من بني إسرائيل والزبور والإنجيل خالية من الأحكام والحدود إلا يسيراً من ذلك في الإنجيل - قاطعين أو كالقاطعين بأنه لا ينزل كتاب يناظر التوراة في الأحكام والحدود

стр. 9285

وغيرها، فكان قومهم ربما توقفوا في الإخبار بإنزال ما هو أشرف من ذلك، أكدوا قولهم: ﴿إنا سمعنا﴾ أي بيننا وبين القارئ واسطة، وأشاروا إلى أنه لم ينزل بعد التوراة شيء جامع لجميع ما يراد منه، مغن عن جميع الكتب غير هذا، وبذلك عرفوا أنه ناسخ لجميع الشرائع فقالوا على سبيل التبيين لما سمعوا: ﴿كتاباً﴾ أي ذكراً جامعاً، لا كما نزل بعد التوراة على بني إسرائيل ﴿أنزل﴾ أي ممن لا منزل في الحقيقة غيره، وهو مالك الملك وملك الملوك لأن عليه من رونق الكتب الإلهية ما يوجب القطع لسامعه بأنه منها فكيف إذا انضم إلى ذلك الإعجاز، وعلموا قطعاً بعربيته أنه عربي وبأنهم كانوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ويسمعون قراءة الناس لما يحدثونه من الحكم والخطب والكهانة والرسائل والأشعار، وبأنه مباين لجميع ذلك أنه قريب العهد بالنزول من محل العظمة، فقالوا مثبتين للجار: ﴿من بعد موسى﴾ ﵊، فلم يعتدوا بما أنزل بين هذا الكتاب وبين التوراة من الإنجيل وما قبله، لأنه لا يساوي التوراة في الجمع، ولا يعشر هذا الكتاب في الأحكام والحكم واللطائف والمواعظ مع ما زاد

стр. 9286

به من الإعجاز وغيره. ولما أخبروا بأنه منزل، أتبعوه ما يشهد له بالصحة فقالوا: ﴿مصدقاً لم بين يديه﴾ أي من جميع كتب بني إسرائيل الإنجيل وما قبله؛ ثم بينوا تصديقه بقولهم: ﴿يهدي إلى الحق﴾ أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع فلا يقدر أحد على إزالة شيء مما يخبر به، الكامل في جميع ذلك ﴿وإلى طريق﴾ موصل إلى المقصود الأعظم وهو الإيمان بمنزله ﴿مستقيم *﴾ فهو يوصل بغاية ما يمكن من السرعة، لا يمكن أن يكون فيه عوج، فيقدر السالك فيه على أن يختصر طريقاً يكون وتراً لما تقوس منه. ولما أخبروهم بالكتاب وبينوا أنه من عند الله وأنه أقرب موصل إليه، فكان قومهم جديرين بأن يقولوا: فما الذي ينبغي أن نفعل؟ أجابوهم بقوله: ﴿يا قومنا﴾ الذين لهم قوة العلم والعمل ﴿أجيبوا داعي الله﴾ أي الملك الأعظم المحيط بصفات الجلال والجمال والكمال، فإن دعوة هذا الداعي عامة لجميع الخلق، فالإجابة واجبة على كل من بلغه أمره. ولما كنا المجيب قد يجيب في شيء دون شيء كما كان أبو طالب عم النبي ﷺ ، عطفوا في خطابهم لهم في الدعوة أن قالوا: ﴿وآمنوا به﴾ أي أوقعوا التصديق بسبب الداعي لا بسبب آخر، فإن

стр. 9287

المفعول معه مفعول مع من أرسله وهو الله الذي جلت قدرته وآمنوه من كل تكذيب، أو الضمير للمضاف إليه وهو الله بدليل قولهم: ﴿يغفر لكم﴾ : فإنه يستر ويسامح ﴿من ذنوبكم﴾ أي الشرك وما شابهه مما هو حق لله تعالى أي وذلك الستر لا يكون إلا إذا حصل منكم الإجابة التامة والتصديق التام وأدخلوا «من» إعلاماً بأن مظالم العباد لا تغفر إلا بإرضاء أهلها وكذا ما يجازى به صاحبه في الدنيا بالعقوبات والنكبات والهموم ونحوها مما أشار إيه قوله تعالى ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿ويجركم﴾ أي يمنعكم «إذا أجبتم» منع الجار لجاره لكونكم بالتحيز إلى داعيه صرتم من حزبه ﴿من عذاب أليم *﴾ واقتصارهم على المغفرة تذكير بذنوبهم لأن مقصودهم الإنذار لا ينافي صريح قوله ي هذه السورة ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ [الأنعام: ١٣٢] في إثبات الثواب، ونقله أبو حيان عن ابن عباس ﵄ قال: لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها. ولما فرغوا من التعريف بالحق والدلالة عليه والدعاء إليه والإنذار

стр. 9288

بالرفق بما أفهم كلامهم من أنهم إن لم يجيبوا انتقم منهم بالعذاب الأليم، أتبعوه ما هو أغلظ إنذاراً منه فقالوا: ﴿ومن لا يجب﴾ أي لا يتجدد منه أن يجيب ﴿داعي الله﴾ أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء الذي لا كفوء له ولا طاقة لأحد بسخطه فعم بدعوة هذا الرسول ﷺ جميع الخلق. ولما دل الكتاب والسنة كما قدمته في سورتي الأنعام والفرقان على عموم الرسالة، وكان التارك لإجابة من عمت رسالته عاصياً مستحقاً للعذاب، عبر عن عذابه، بما دل على تحتمه فقال تعالى: ﴿فليس بمعجز﴾ أي لما يقضي به عليه ﴿في الأرض﴾ فإنه آية سلك فيها فهو في ملكه وملكه وقدرته محيطة به ﴿وليس له من دونه﴾ أي الله الذي لا يجير إلا هو ﴿أولياء﴾ يفعلون لأجله ما يفعل القريب مع قريبه من الذب عنه والاستشفاع له والافتداء والمناصبة لأجله. ولما انتفى عنه الخلاص من كل وجه، وكان ذلك لا يختلف سواء كان العاصي واحداً أو أكثر، أنتج قوله معبراً بالجمع

стр. 9289

لأنه أدل على القدرة ودلالة على أن العصاة كثيرة لملاءمة المعاصي لأكثر الطبائع: ﴿أولئك﴾ أي البعيدون من كل خير ﴿في ضلال مبين *﴾ أي ظاهر في نفسه أنه ضلال، مظهر لكل أحد قبح إحاطتهم به، قال القشيري: ويقال: الإجابة على ضربين: إجابة الله، وإجابة الداعي، فإجابة الداعي بشهود الواسطة وهو الرسول ﷺ ، وإجابة الله بالجهر إذا بلغت المدعو رسالته ﷺ على لسان السفير، وبالسر إذا حصلت التعريفات من الواردات على القلب، فمستجيب بنفسه، ومستجيب بقلبه، ومستجيب بروحه، ومستجيب بسره، ومن توقف عن دعاء الداعي إياه هجر فما كان يخاطب به.

стр. 9290

ولما أتم ما اقتضاه مقصود هذه السورة من أصول الدين وفروعه والتحذير من سطواته بذكر بعض مثلاته، وختم بضلال من لم يجب الداعي، نبه على أن أوضح الأدلة على إحاطته بالجلال والجمال وقدرته على الأجل المسمى الذي خلق الخلق لأجله ما جلى به مطلع السورة من إبداع الخافقين وما فيهما من الآيات الظاهرة للأذن والعين، فقال مبكتاً لهم على ضلالهم عن إجابة الداعي ومنكراً عليهم وموبخاً لهم مرشداً بالعطف على غير مذكور إلى أن التقدير: ألم ير

стр. 9291

هؤلاء الضلال ما نصبنا في هذه السورة من أعلام الدلائل وواضح الرسائل في المقاصد والوسائل، عاطفاً عليه قوله تعالى رداً لمقطع السورة بتقرير المعاد على مطلعها المقرر للبدء بخلق الكونين بالحق: ﴿أو لم يروا﴾ أي يعلموا علماً هو في الوضوح كالرؤية ﴿أن الله﴾ ودل على هذا الاسم الأعظم بقوله: ﴿الذي خلق السماوات﴾ على ما احتوت عليه مما يعجز الوصف من العبر ﴿والأرض﴾ على ما اشتملت عليه من الآيات المدركة بالعيان والخبر ﴿ولم يعي﴾ أي يعجز، يقال: عيي بالأمر - إذ لم يهتد لوجه مراده أو عجز عنه ولم يطق إحكامه، قال الزجاج: يقال: عييت بالأمر - إذ لم تعرف وجهه، وأعييت: تعبت، وفي القاموس: وأعيى بالأمر: كل ﴿بخلقهن﴾ أي بسببه فإنه لو حصل له شيء من ذلك لأدى إلى نقصان فيهما أو في

стр. 9292

إحدهما، وأكد الإنكار المتضمن للنفي بزيادة الجار في حيز «أن» فقال تعالى: ﴿بقادر﴾ أي قدرة عظيمة تامة بليغة ﴿على أن يحيي﴾ أي على سبيل التجديد مستمراً ﴿الموتى﴾ والأمر فيهم لكونه إعادة ولكونهم جزاء يسيراً منها ذكر اختراعه أصغر شأناً وأسهل صنعاً. ولما كان هذا الاستفهام الإنكاري في معنى النفي، أجابه بقوله تعالى ﴿بلى﴾ قد علموا أنه قادر على ذلك علماً هو في إتقانه كالرؤية بالبصر لأنهم يعلمون أنه المخترع لذلك، وأن الإعادة أهون من الابتداء في مجاري عاداتهم، ولكنهم عن ذلك، غافلون لأنهم عنه معرضون، ولما كانوا مع هذه الأدلة الواضحة التي هي أعظم من المشاهدة بالبصر ينكرون ما دلت عليه هذه الصنعة من إحاطة القدرة، علل ذلك مؤكداً له بقوله مقرراً للقدرة على وجه عام يدخل فيه البعث الذي ذكر أول السورة أنه ما خلق هذا الخلق إلا لأجله ليختم بما بدأ به ﴿إنه على كل شيء﴾ أي هو أهل لأن تتعلق القدرة به ﴿قدير *﴾ . ولما ثبت البعث بما قام من الدلائل ذكر ببعض ما يحصل في يومه من الأهوال تحذيراً منه، فقال عاطفاً على ما تقديره: اذكر لهم هذا

стр. 9293

القياس الناطق بالمراد وما مضى في هذه السورة من الزواجر ﴿ويوم﴾ أي واذكر يوم ﴿يعرض﴾ بأيسر أمر من أوامرنا ﴿الذين كفروا﴾ أي ستروا بغفلتهم وتماديهم عليه هذه الأدلة الظاهرة ﴿على النار﴾ عرض الجند على الملك فيسمعوا من تغيظها وزفيرها ويروا من لهيبها واضطرامها وسعيرها ما لو قدر أن أحداً يموت من ذلك لماتوا من معاينته وهائل رؤيته. ولما كان كأنه قيل: ماذا يصنع بهم في حال عرضهم؟ قيل: يقال على سبيل التبكيت والتقريع والتوبيخ: ﴿أليس هذا﴾ أي الأمر العظيم الذي كنتم به توعدون ولرسلنا في أخبارهم تكذبون ﴿بالحق﴾ أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، فلا قدرة لكم على صليه أمر هو خيال وسحر، فلا تبالون بوروده. ولما اشتد تشوف السامع العالم بما كانوا يبدون من الشماخة والعتو إلى جوابهم، قال في جوابه مستأنفاً: ﴿قالوا﴾ أي مصدقين

стр. 9294

حيث لا ينفع التصديق: ﴿بلى﴾ وما كفاهم البدار إلى تكذيب أنفسهم حتى أقسموا عليه لأن حالهم كان مباعداً للإقرار، وذكروا صفة الإحسان زيادة في الخضوع والإذعان ﴿وربنا﴾ أي إنه لحق هو من أثبت الأشياء، وليس فيه شيء مما يقارب السحر، ثم استأنف جواب من سأل عن جوابه لهم بقوله تعالى: ﴿قال﴾ مبكتاً لهم بياناً لذلهم موضع كبرهم الذي كان في الدنيا مسبباً عن تصديقهم هذا الذي أوقعوه في غير موضعه وجعلوه في دار العمل التي مبناها على الإيمان بالغيب تكذيباً معبراً بما يفهم غاية الاستهانة لهم: ﴿فذوقوا العذاب﴾ أي باشروه مباشرة الذائق باللسان، ثم صرح بالسبب فقال: ﴿بما كنتم﴾ أي خلقاً وخلقاً مستمراً دائماً أبداً ﴿تكفرون *﴾ في دار العمل. ولما علم بما قام من الأدلة وانتصب من القواطع أن هذا مآلهم، سبب عنه قوله رداً على ما بعد خلق الخافقين في مطلعها من أمر الرسول ﷺ ونسبتهم له إلى الافتراء وما بعده: ﴿فاصبر﴾ أي على مشاق ما ترى في تبليغ الرسالة، قال القشيري: والصبر

стр. 9295

هو الوقوف بحكمِ الله والثبات من غير بث ولا استكراه. ﴿كما صبر أولوا العزم﴾ أي الجد في الأمر والحزم في الجد والإرادة المقطوع بها والثبات الذي لا محيد عنه، الذين مضوا في أمر الله مضياً كأنهم أقسموا عليه فصاروا كالأسد في جبلته والرجل الشديد الشجاع المحفوف بقبيلته، قال الرازي في اللوامع: فارقت نفوسهم الشهوات والمنى فبذلوا نفوسهم لله صدقاً لاتفاق النفس القلب على البذل. ولما تشوف السامع إلى بيانهم قال: ﴿من الرسل﴾ عليهم الصلاة والسلام، وقيل وهو ظاهر جداً: أن «من» للتبعيض، والمراد بهم أصحاب الشرائع الذين اجتهدوا في تأسيس قواعدها وتثبيت معاقدها، ومشاهيرهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقد نظمهم بعضهم في قوله: أولو العزم نوح والخليل بن آزر ... وموسى وعيسى والحبيب محمد والخلاف في تعيينهم كثير منتشر هذا القول أشهر ما فيه، وكله مبني على أن «من» للتبعيض وهو الظاهر، والقول بأنهم جميع الرسل -

стр. 9296

قال ابن الجوزي - قاله ابن زيد واختاره ابن الأنباري وقال: «من» للتجنيس لا للتبعيض، وفي قول أنهم جميع الأنبياء إلا يونس ﵊ قال ابن الجوزي: حكاه الثعلبي. ولما أمره بالصبر الذي من أعلى الفضائل، نهاه عن العجلة التي هي من أمهات الرذائل، ليصح التحلي بفضيلة الصبر الضامنة للفوز والنصر فقال: ﴿ولا تستعجل لهم﴾ أي تطلب العجلة وتوجدها بأن تفعل شيئاً مما يسوءهم في غير حينه الأليق به. ولما كان ما أمر به ونهى عنه في غاية الصعوبة، سهله بقوله مستأنفاً: ﴿كأنهم يوم يرون﴾ أي في الدنيا عند الموت مثلاً أو في الآخرة وقت العرض والحساب والهول الأعظم الأكبر الذي تقدمت الإشارة إليه جداً والتحذير منه لأهل المعاصي والبشارة فيه لأهل الطاعة، فأما هذه الطائفة فإذا رأوا ﴿ما يوعدون﴾ من ظهور الدين في الدنيا والبعث في الآخرة، وبناه للمفعول لأن المنكىء هو الإيعاد لا كونه من معين ﴿لم يلبثوا﴾ أي في الدنيا حيث كانوا عالين ﴿إلا ساعة﴾ . ولما كانت الساعة قد يراد بها الجنس وقد تطلق على الزمن الطويل، حقق أمرها وحقرها بقوله: ﴿من نهار﴾ ولما تكفل ما ذكر في هذه السورة من الحجج الظاهرة والبراهين الباهرة ببيان ما هو

стр. 9297

مقصودها بحيث لم يبق فيه لبس، وكان مقصودها آئلاً إلى سورة إبراهيم ﵊، وهو التوحيد اللازم منه إحاطة العلم بكل شيء وشمول القدرة لكل شيء ختمت بما ختمت به إبراهيم إلا أن لحواميم لباباً، حذف المبتدأ ومتعلق الخبر وقيل: ﴿بلاغ﴾ أي هذا الذي ذكر هنا هو من الظهور وانتشار النور بحيث يرد المنذرين ويوصلهم إلى رضى العزيز الحكيم الكافل بالنور الدائم والنعيم المقيم، ومن لم يوصله فذلك الذي حكم العزيز بشقائه فلا حيلة لغيره في شفائه من عظيم دائه، ولذلك سبب عن كونه بلاغاً قوله زيادة على ختام إبراهيم ما يناسب مطلعها: ﴿فهل يهلك﴾ بني للمفعول من أهلك، لأن المحذور الهلاك وإن لم يعين المهلك، وللدلالة على أن إهلاكهم عليه يسير جداً ﴿إلا القوم﴾ الذين فيهم أهلية القيام بما يحاولونه من اللدد ﴿الفاسقون *﴾ أي العريقون في إدامة الخروج من محيط ما يدعو إليه هادي العقل والفطرة الأولى من الطاعة الآتي بها النقل إلى مضل المعصية الناهي عنها والعقل، وأما الذين فسقوا والذين يفسقون فإن هادي هذه السورة يردهم ويوصلهم إلى المقصود، فهذا الآخر نتيجة قوله أولها ﴿والذين كفروا عما أنذروا

стр. 9298

معرضون﴾ وذكر اليوم الموعود هو الأجل الذي أوجد الخافقان لأجله وبسببه والدلالة على القدرة بخلقهما من غير إعياء هو ذكره أولهما أنهما ما خلقا إلا بالحق، وذكر البلاغ هو تنزيل الكتاب من الله وحكمه على العريق بالفسق بالهلاك مع الهادي الشفيق ولغيره بالنجاة بعد انسيابه في الفسق مع التكرر هو من ثمرات العزة والحكمة، فقد التحم هذا الآخر بذاك الأول أيّ التحام، واتصل بمعناه اتصال الجوهر النفيس في متين النظام، والتأم بأول التي تليها أحسن التئام فسبحان من جعله أشرف الكلام، لكونه صفة الملك العلام، منزلاً على خاتم الرسل الكرام، ورسول - الملك العلام - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأهل بيته الكرام وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 9299

مقصودها التقدم إلى المؤمنين في حفظ حظيرة الدين بإدامة الجهادة للكفار، حتى يلزموهم الصغار، أو يبطلوا ضلالهم كما أصل الله أعمالهم، لا سيما أهل الردة الذين فسقوا عن محيط الدين إلى أودية الضلال المبين، والتزام هذا الخلق الشريف إلى أن تضع الحرب أوزارها بإسلام أهل الأرض كلهم بنزول عيسى ﵊، وعلى ذلك دل اسمها) الذين كفروا (لأن من المعلوم أن من صدك عن سبيلك قاتلته وأنك إن لم تقاتله كن مثله، واسمعها محمد واضح في ذلك لأن الجهاد كان خلقه عليه أفضل الصلاة والسلام إلى أن توفاه الله تعالى وهو نبي الرحمة بالملحمة لأنه لا يكون حمد وثم نوع ذم كما تقدم تحقيقه في سورة فاطر وفي سبإ وفي الفاتحة، ومتى كان كف عن أعداء الله كان الذم، وأوضح أسمائها في

стр. 9300

هذا المقصد القتال، فإن من المعلوم أنه لأهل الضلال) بسم الله (الملك الأعظم الذي أقام جنده للذب عن حماه) الرحمن (الذي عمت رحمته تارة بالبيان وأخرى بالسيف والسنان) الرحيم (الذي خص حزبه بالحفظ في طريق الجنان. لما أقام سبحانه الأدلة في الحواميم حتى صارت كالشمس، لا يزيغ عنها إلا هالك، وختم بأنه يهلك بعد هذه الأدلة القوم الفاسقون، افتتح هذه بالتعريف بهم

стр. 9301

فقال : ﴿الذين كفروا﴾ أي ستروا أنوار الأدلة فضلوا على علم ﴿وصدوا﴾ أي امتنعوا بأنفسهم ومنعوا غيرهم لعراقتهم في الكفر ﴿عن سبيل الله﴾ أي الطريق الرحب المستقيم الذي شرعه الملك الأعظم ﴿أضل﴾ أي أبطل إبطَّالاً عظيماً يزيل العين والأثر ﴿أعمالهم *﴾ التي هي أرواحهم المعنوية وهي كل شيء يقصدون به نفع أنفسهم من جلب نفع أو دفع ضر بعد أن وفر سيئاتهم وأفسد بالهم، ومن جملة أعمالهم ما يكيدونكم به لأنها إذا ضلت عما قصدوا بها بجعله سبحانه لها ضالة ضائعة هلكت من جهة أنها ذهبت في المهالك ومن جهة أنها ذهبت في غير الجهة التي قصدت لها فبطلت منفعتها المقصودة منها فصارت هي باطلة فأذهبوا أنتم أرواحهم الحسية بأن تبطلوا صورهم وأشباحهم بأن تقطعوا أوصالهم

стр. 9302

وأنتم في غاية الاجتراء عليهم، فإن ربهم الذي أوجدهم قد أبطلهم وأذن لكم في إبطالهم، فإنه قد علم أن لا صلاح لهم والمؤذي طبعاً يقتل شرعاً، فمن قدرتم على قتله فهو محكوم بكفره، محتوم بخيبته وخسره. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما انبنت سورة الأحقاف على ما ذكر من مآل من كذب وافترى وكفر وفجر، وافتتحت السورة بإعراضهم، ختمت بما قد تكرر من تقريعهم وتوبيخهم، فقال تعالى: ﴿ألم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى﴾ أي لو اعتبروا بالبداءة لتيسر عليهم أمر العودة، ثم ذكر عرضهم على النار إلى قوله ﴿فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ فلما ختم بذكر هلاكهم، افتتح السورة الأخرى بعاجل ذلك اللاحق لهم في دنياهم فقال تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّاً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها﴾ الآية بعد ابتداء السورة بقوله ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم﴾ فنبه على أن أصل محنتهم إنما هو

стр. 9303

بما أراده تعالى بهم في سابق علمه ليعلم المؤمنون أن الهدى والضلال بيده، فنبه على الطريقين بقوله ﴿أضل أعمالهم﴾ وقوله في الآخر ﴿كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم﴾ ثم بين أنه تعالى لو شاء لانتصر منهم ولكن أمر المؤمنين بقتالهم ابتلاء واختباراً، ثم حض المؤمنين على ما أمرهم به من ذلك فقال: ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ ثم التحمت الآي - انتهى. ولما ذكر أهل الكفر معبراً عنهم بأدنى طبقاتهم ليشمل من فوقهم، ذكر أضدادهم كذلك ليعم من كان منهم من جميع الفرق فقال تعالى: ﴿والذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان باللسان ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لدعواهم ذلك ﴿الصالحات﴾ أي الأعمال الكاملة في الصلاة بتأسيسها على الإيمان. ولما كان هذا الوصف لا يخص أتباع محمد ﷺ ، خصهم بقوله تعالى: ﴿وآمنوا﴾ أي مع ذلك. ولما كان بعضهم كحيي بن أخطب ومن نحا نحوه قد طعن في القرآن بنزوله منجماً مع أن التوراة ما نزلت إلا كذلك، وليس أحد منهم يقدر أن ينكره قال: ﴿بما نزل﴾ أي ممن لا منزل إلا هو منجماً مفرقاً ليجددوا بعد

стр. 9304

الإيمان به إجمالاً الإيمان بكل نجم منه ﴿على محمد﴾ النبي الأمي العربي القرشي المكي ثم المدني الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ﷺ ، ولما كان هذا معلماً بأن كل إيمان لم يقترن بالإيمان به ﷺ لم يعتد به، اعترض بين المبتدأ وجوابه بما يفهم علته حثاً عليه وتأكيداً له فقال تعالى: ﴿وهو﴾ أي هذا الذي نزل عليه ﷺ مختص بأنه ﴿الحق﴾ أي الكامل في الحقية لأن ينسخ ولا ينسخ كائناً ﴿من ربهم﴾ المحسن إليهم بإرساله، أما إحسانه إلى أمته فواضح، وأما سائر الأمم فبكونه هو الشافع فيهم الشفاعة العظمى يوم القيامة، وأمته هي الشاهدة لهم. ولما ثبت بهذا أنهم أحق الناس بالحق، بين ما أثمر لهم ذلك دالاً على أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره، فلا يسع الخلق إلا العفو لأنهم وإن اجتهدوا في الإصلاح بدا لهم لنقصانهم من سيئات أو هفوات فقال تعالى: ﴿كفر﴾ أي غطى تغطية عظيمة ﴿عنهم﴾ في الدارين بتوبتهم وإيمانهم لأن التوبة تجب ما كان قبلها كالإيمان ﴿سيئاتهم﴾ أي الأعمال السيئة التي لحقتهم قبل ذلك بما يظهر لهم من

стр. 9305

المحاسن وهدى أعمالهم. ولما كان من يعمل سوءاً يخاف عاقبته فيتفرق فكره، إذ لا عشية لخائف قال تعالى: ﴿وأصلح بالهم *﴾ أي موضع سرهم وفكرهم بالأمن والتوفيق والسداد وقوة الفهم والرشاد لما يوفقهم له من محاسن الأعمال ويطيب به اسمهم في الدارين، قال ابن برجان: وإذا أصلح ذلك من العبد صلح ما يدخل إليه وما يخرج عنه وما يثبت فيه، وإذا فسد فبالضد من ذلك. ولذلك إذا اشتغل البال لم ينتفع من صفات الباطن بشيء، وقد علم أن الآية من الاحتباك: ذكر ضلال الكفار أولاً دليلاً على إرادة الهدى للمؤمنين ثانياً، وإصلاح البال ثانياً دليلاً على حذف إفساده أولاً. ولما كان الجزاء من جنس العمل، علل ما تقدم من فعله بالفريقين بقوله: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العظيم الذي ذكر هنا من جزاء الطائفتين ﴿بأن﴾ أي بسبب أن ﴿الذين كفروا﴾ أي ستروا مرائي عقولهم ﴿اتبعوا﴾ أي بغاية جهدهم ومعالجتهم لما قادتهم إليه فطرهم الأولى ﴿الباطل﴾ من العمل الذي لا حقيقة له في الخارج يطابقه، وذلك هو الابتداع والميل مع الهوى إيثاراً للحظوظ فضلوا ﴿وأن الذين آمنوا﴾ أي ولو كانوا في أقل درجات الإيمان ﴿اتبعوا﴾

стр. 9306

أي بغاية جهدهم متابعين لما تدعو إليه الفطرة الأولى مخالفين لنوازع الشهوات ودواعي الحظوظ على كثرتها وقوتها ﴿الحق﴾ أي الذي له واقع يطابقه وذلك هو الحكمة وهي العمل بموافقة العلم وهو معرفة المعلوم على ما هو عليه ﴿من ربهم﴾ الذي أحسن إليهم بإيجادهم وما سببه من حسن اعتقادهم فاهتدوا. ولما علم من هذا أن باطن حال الذين كفروا الباطل، وباطن حال الذين آمنوا الحق، وتقدم في البقرة أن المثل هو ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة، فيكون ألطف من الشيء المحسوس، وأن ذلك هو وجه الشبه، علم أن مثل كل من الفريقين ماعلم من باطن حاله فمثل الأول الباطل ومثل الثاني الحق، فلذلك قال سبحانه استئنافاً جواباً لمن كأن قال لما أدركه من دهش العقل لما راعه من علو هذا المقال: هل يضرب مثل مثل هذا: ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا الضرب العظيم الشأن ﴿يضرب الله﴾ أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ﴿للناس﴾ أي كل من فيه قوة الاضطراب والحركة ﴿أمثالهم *﴾ أي أمثال أنفسهم وأمثال

стр. 9307

الفريقين المتقدمين أو أمثال جميع الأشياء التي يحتاجون إلى بيان أمثالها مبيناً لها مثل هذا البيان ليأخذ كل واحد من ذلك جزاء حاله، فقد علم من هذا المثل أن من اتبع الباطل أضل الله عمله ووفر سيئاته وأفسد باله، ومن اتبع الحق عمل به ضد ذلك كائناً من كان، وهو غاية الحث على طلب العلم في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والعمل بهما.

стр. 9308

ولما تحرر أن الكفار أحق الخلق بالعدم لأن الباطل مثلهم وحقيقة حالهم، سبب عنه قوله: ﴿فإذا لقيتم﴾ أي أيها المؤمنون ﴿الذين كفروا﴾ ولو بأدنى أنواع الكفر في أيّ مكان كان وأيّ زمان اتفق. ولما كان المراد القتل المجهر بغاية التحقق، عبر عنه مؤكداً له من الاختصار بذكر المصدر الدال على الفعل مصوراً له بأشنع صوره مع ما فيه من الغلظة على الكفار والاستهانة

стр. 9309

بهم فقال تعالى: ﴿فضرب الرقاب﴾ أي عقبوا لقيكم لهم من غير مهلة بأن تضربوا رقابهم ضرباً بالصدق في الضرب بما يزهق أرواحهم، فإن ذلك انتهاز للفرصة وعمل بالأحوط، وكذلك النفس التي هي أعدى العدو إذا ظفرت بها وجب عليك أن لا تدع لها بقية، قال القشيري: فالحية إذا بقيت منها بقية فوضعت عليها إصبع ثبت فيها سمها. ولما كان التقدير: ولا يزال ذلك فعلكم، غياه بقوله: ﴿حتى﴾ وبشرهم بالتعبير بأداة التحقق فقال تعالى: ﴿إذا أثخنتموهم﴾ أي أغلظتم القتل فيهم وأكثرتموه بحيث صاروا لا حراك بهم كالذي ثخن فأفرط ثخنه؛ فجعل ذلك شرطاً للأسر كما قال تعالى ﴿وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ [الأنفال: ٦٧] ثم قال تعالى مبيناً لما بعد الثخن: ﴿فشدوا﴾ أي لأنه لا مانع لكم الآن من الأسر ﴿الوثاق﴾ أي

стр. 9310

الرباط الذي يستوثق به من الأسر بالربط على أيديهم مجموعة إلى أعناقهم - مجاز عن الأسر بغاية الاستيلاء والقهر. ولما كان الإمام مخيراً في أسراهم بين أربعة أشياء: القتل والإطلاق مجاناً والإطلاق بالفدية وهي شيء يأخذه عوضاً عن رقابهم والاسترقاق، عبر عن ذلك بقوله مفصلاً: ﴿فإما منّاً﴾ أي أن ينعموا عليهم إنعاماً ﴿بعد﴾ أي في جميع أزمان ما بعد الأسر باستبقائهم ثم بعد الإنعام باستبقائهم إما أن يكون ذلك مع الاسترقاق أو مع الإطلاق ثم الإطلاق إما مجاناً ﴿وإما فداء﴾ بمال أو بأسرى من المسلمين ونحو ذلك، فأفهم التعبير بالمن الذي معناه الإنعام أن الإبقاء غير واجب بكل جائز، ودخل في الإبقاء ثلاث صور: الاسترقاق والإطلاق مجاناً وبالفداء فصرح بالفداء الذي معناه الأخذ

стр. 9311

على وجه أن قسيم للمن، فعلم أن المراد به الإبقاء مع عدم الأخذ فدخل فيه الإطلاق مجاناً وهو واضح والاسترقاق لأنه إنعام بالنسبة إلى القتل، وأفهم التعبير بالمن الذي معناه الإنعام من المنان الذي هو اسمه تعالى ومعناه المعطي ابتداء جواز القتل لأن الإنعام مخير فيه لا واجب لأنه لو كان واجباً كان حقاً لا نعمة، فقد دخلت السور الأربع في التعبير بهاتين الكلمتين - والله الهادي، وكل هذا على ما يراه الإمام أو نائبه مصلحة، قال القشيري: كذلك حال المجاهدة مع النفس إذا كان في إغفاء ساعة وإفطار يوم ترويح للنفس من الكد وقوة على الجهد فيما يستقبل من الأمر على ما يحصل به الاستصواب من شيخ المريد وفتوى لسان الوقت أو فراسة صاحب المجاهدة - انتهى. وقد أفهم هذا السياق أن هذا الحكم ثابت غير منسوخ والأمر بالقتل وحده في غيرها من الآيات عام غير مخصوص بما أفهمته الغاية من أن التقدير: والجهاد على هذه الصفة باق وماض مع كل أمير براً كان أو فاجراً، لا يزال طائفة من الأمة قائمين به ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهو - والله أعلم - المراد بقوله تعالى: ﴿حتى﴾ أي افعلوا ما أمرتكم به على ما جددت لكم إلى أن ﴿تضع الحرب أوزارها﴾

стр. 9312

وهي أثقالها أي الآلات التي تثقل القائمين بها من النفقات والسلاح والكراع ونحوه، وذلك لا يكون وفي الأرض كافر، وذلك على زمن عيسى ﵊ حين تخرج الأرض بركاتها، وتكون الملة واحدة وهي الإسلام لله رب العالمين، فيتخذ الناس حديد السلاح سككاً ومناجل وفؤوساً ينتفعون بها في معاشهم كما ورد في الحديث: «الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال» - رواه في الفردوس عن أنس ﵁ «الجهاد واجب عليكم مع كل بر وفاجر» رواه أبو داود عن أبي هريرة ﵁. ولما كانت الحرب كريهة إلى النفوس شديدة المشقة، أكد أمرها بما معناه: إن هذا أمر قد فرغ منه، فقال تعالى: ﴿ذلك﴾ أي الأمر العظيم العالي الحسن النافع الموجب لكل خير. ولما كان هذا ربما أوهم أن التأكيد في هذا الأمر لكون الحال لا يمكن انتظامه إلا به، أتبعه ما يزيل هذا الإيهام فقال: ﴿ولو﴾ ولما كان لو عبر بالماضي أفاد أنه كان ولم يبق، عبر بالمضارع الدال على الحال وما بعده

стр. 9313

فقال: ﴿يشاء الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال والقدرة على ما يمكن ﴿لانتصر منهم﴾ أي بنفسه من غير أحد انتصاراً عظيماً بأن لا يبقى منهم أحداً ﴿ولكن﴾ أوجب ذلك عليكم ﴿ليبلوا﴾ . ولما كان الابتلاء ليس خاصاً بفريق منهم بل عاماً للفريقين لأنه يكشف عن أهل المحاسن وأهل المساوئ من كل منهم، قال تعالى: ﴿بعضكم﴾ من الفرقة المؤمنين بالإنكار عليهم من الفرقة الطاغين حتى يكون لهم بذلك اليد البيضاء ﴿ببعض﴾ أي يفعل في ذلك فعل المختبر ليترتب عليه الجواء على حسب ما تألفونه من العوائد. ولما أفهم هذا أن الابتلاء بين فريقين بالجهاد، قال عاطفاً على ما تقديره: فالذين قاتلوا أو قتلوا في سبيل الشيطان أضل أعمالهم: ﴿والذين قتلوا﴾ وفي قراءة البصريين وحفص ﴿قتلوا﴾ وهي أكثر ترغيباً والأولى أعظم ترجية ﴿في سبيل الله﴾ أي لأجل تسهيل

стр. 9314

طريق الملك الأعظم المتصف بجميع صفات الكمال. ولما كان في سياق الترغيب، قرن الخبر بالفاء إعلاماً بأن أعمالهم سببه فقال تعالى: ﴿فلن يضل﴾ أي يضيع ويبطل ﴿أعمالهم *﴾ لكونها غير تابعة لدليل بل يبصرهكم بالأدلة ويوفقهم لاتباعها، وهو معنى قوله تعالى تعليلاً: ﴿سيهديهم﴾ أي في الدارين بوعد لا خلف فيه بعد المجاهدة إلى كل ما ينفعهم مجدداً ذلك على سبيل الاستمرار ﴿ويصلح بالهم﴾ أي موضع فكرهم فيجعله مهيأ لكل خير بعيداً عن كل شر آمناً من المخاوف مطمئناً بالإيمان بما فيه من السكينة، فإذا قتل أحد في سبيله تولى ورثته بأحسن من تولي المقتول لو كان حياً.

стр. 9315

ولما كان هذا ثواباً عظيماً ونوالاً جسيماً، أتبعه ثواباً أعظم منه فقال تعالى: ﴿ويدخلهم الجنة﴾ أي دار القرار الكاملة في النعيم، وأجاب من كأنه يسأل عن كيفية إدخالهم إياها وكيفيتها عند ذلك بقوله تعالى: ﴿عرفها لهم *﴾ أي بتعريف الأعمال الموصلة
следующие страницы →