Полный текст (11 765 стр.). Показаны 9416–9455 · переход к 9421.
стр. 9416
الذي هو علة الرسال، وما ذكره معه في جواب من يسأل: ما سبب توحيد الضمير والمذكور اثنان؟ مؤكداً لأجل ما غلب على الطباع البشرية من التقيد بالوهم والنكوص عما غاب ولا مرشد إليه سوى العقل: ﴿إن الذين﴾ .
ولما كان المضارع قد يراد به مطلق الوقوع لا بقيد زمن معين كما نقلته في أول سورة البقرة عن أبي حيان وغيره، عبر به ترغيباً في تجديد مثل ذلك والاستمرار عليه فقال: ﴿يبايعونك﴾ أي في بيعة الرضوان وقبلها وبعدها على ما جئت به من الرسالة التي مقصودها الأعظم النذارة التي مبناها على المخالفة التي تتقاضى الشدائد التي عمادها الثبات والصبر، وسميت «مبايعة» لأنهم بايعوا أنفسهم فيها من الله بالجنة وهذا معنى الإسلام، فكل من أسلم فقد باع نفسه سبحانه منه ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم﴾ [التوبة: ١١١] ، الآية. ﴿إنما يبايعون الله﴾ أي الملك الأعظم لأن عملك كله من قول وفعل له ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ [النجم: ٣] .
ولما عظم بيعته بما رغب فيها ترغيباً مشعراً بالترهيب، زادها تعظيماً بما الترهيب فيه أظهر من الأول، فقال مبيناً للأول: ﴿يد الله﴾ أي
стр. 9417
المتردي بالكبرياء. ولما كان منزهاً. عما قد يتوهم من الجارحة مما فيه شائبة نقص، أومأ إلى نفي ذلك بالفوقية مع ما فيه من الدلالة على تعظيم البيعة فقال: ﴿فوق أيديهم﴾ أي في المبايعة عالية عليهم بالقدرة والقوة والقهر والعزة، والتنزه عن كل شائبة نقص، ولذلك كرر الاسم الأعظم في هذه ثلاث مرات إشارة إلى العظمة الفائتة للوصف والغيب العالي عن الإدراك، ثم أعاد ذكره بالضمير إيذاناً بالغيب المحض، هذا هو المراد من تعظيم البيعة وإجلال الرسول ﷺ مع العلم القطعي بتنزيه الله سبحانه عن كل شائبة نقص من حلول أو اتحاد كما هو واضح في مجاري عادات العرب ظاهر جداً في دأبهم في محاوراتهم، لا يشك فيه منهم عاقل عالم أو جاهل أصلاً، فلعنة الله على من حمله على الظاهر من أهل العناد ببدعة الاتحاد على من تبعهم على ذلك من الرعاع الطغام الذي شاقوا الله ورسوله ﵊، وجميع الأئمة الأعلام، وسائر أهل الإسلام: ورضوا لأنفسهم بأن يكونوا أتباع فرعون اللعين، وناهيك به في ضلال مبين.
ولما كان كلام الله تعالى - وإن جرى مجرى الشرط والتهديد لا بد أن يقع منه شيء وإن قل، وكان من سر التعبير بالمضارع «يبايعونك» الإشارة إلى نكث الجد بن قيس أصل بيعته على الإسلام
стр. 9418
فإنه اختبأ في الحديبية وقت البيعة في وقت من الأوقات، فلم يبايع، سبب عن ذلك وفصل ترغيباً وترهيباً، فقال معبراً بالماضي إيذاناً بأنه لا ينكث أحد من أهل هذه البيعة: ﴿فمن نكث﴾ أي نقض في وقت من الأوقات فجعلها كالكساء الخلق والحبل البالي الذي ينقض ﴿فإنما ينكث﴾ وعبر بالمضارع إشارة إلى أن من فعل النكث فهو في كل لحظة ناكث نكثاً جديداً ﴿على نفسه﴾ لا على غيرها فإنه بمرأى من الله ومسمع وهو قادر عليه جدير بأن يعاقبه بعد ما عجل لنفسه من العار العظيم في الدنيا ويستحل به على نكثه عذاباً أليماً، ولا يضر ذلك رسول الله ﷺ شيئاً فإن الله ناصره لا محالة، وكذا كل منكوث به إذا أراد الله نصرته فإن يده سبحانه فوق كل يد.
ولما أتم الترهيب لأنه مقامه للحث على الوفاء الذي به قيام الدين على أبلغ وجه، أتبعه على عادته الترغيب إتماماً للحث فقال تعالى: ﴿ومن أوفى﴾ أي فعل الإتمام والإكثار والإطالة ﴿بما عهد﴾ وقدم الظرف اهتماماً به فقال: ﴿عليه الله﴾ أي الملك المحيط بكل
стр. 9419
شيء قدرة وعلماً من هذه المبايعة وغيرها فإنما وفاؤه لنفسه ﴿فسيؤتيه﴾ أي بوعد لا خلف فيه ﴿أجراً عظيماً *﴾ لا يسع عقولكم شرح وصفه، ومن قرأ بالنون أظهر ما ستر في الجلالة من التعظيم، والآية من الاحتباك: ذكر أولاً أن النكث عليه دليلاً على أن الوفاء له ثانياً، وإيتاء الأجر ثانياً دليلاً على إحلال العقاب أولاً وسره أنه بين أن ما يرديه الناكث من الأذى لغيره إنما هو واقع به، لأن ذلك أعظم في الترهيب عن النكث لما جبل الإنسان عليه من النفرة عن ضر نفسه وبعده عنه، وذكر الأجر للموفي لأنه أعظم في الترغيب، وسبب بيعة الرضوان هذه «أن النبي ﷺ لما فهم من بروك ناقته في الحديبية الإشارة من الله إلى أنه لم يأذن في دخولهم البلد الحرام في هذه السفرة، فمشى مع إرادته لأنه ليس فيها مخالفة لما أمر به سبحانه إلى أن وقع الصلح الذي كان الفتح هو بعينه، وكان في غضون ذلك أن أرسل عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه إلى مكة المشرفة ليخبر قريشاً أن النبي ﷺ لم يجئ لقتال وأنه لا يريد إلا الاعتمار، فأرجف مرجفون بأنه قد قتل، فعزم النبي ﷺ على مناجزتهم فبايع الصحابة
стр. 9420
رضي الله عنهم على أن لا يفروا عنه، فبايع كل من كان معه إلا جد بن قيس، فإنه اختبأ تحت إبط بعيره فلم يبايع، وقال النبي ﷺ :» كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر «.
стр. 9421
ولما ذكر أهل بيعة الرضوان، وأضافهم إلى حضرة الرحمن، تشوف السامع إلى الخبر عمن غاب عن ذلك الجناب، وأبطأ عن حضرة تلك العمرة، فاستؤنف الإخبار عما ينافقون به بقوله تعالى: ﴿سيقول﴾ أي بوعد لا خلف فيه، وأكد أمر نفاقهم تنبيهاً على جلدهم فيه ووقاصهم به ولطف النبي ﷺ وشدة رحمته ورفقه وشفقته فقال: ﴿لك﴾ أي لأنهم يعلمون أنك ألطف الخلق عشرة وأعظمهم شفقة على عباد لله، فهم يطمعون في قبولك من فساد عذرهم ما لا يطمعون فيه من غيرك من خلص المؤمنين، وغاب عنهم - لما عندهم من غلظ الأكباد أن الكذب بحضرتك في غاية القباحة لأنك أعظم الخلق وأفطنهم، مع ما يأتيك من الأنباء عن علام الغيوب، وحقر أمرهم بسلب العقل عنهم وجعلهم مفعولين لا فاعلين إشارة إلى أنهم طردوا عن هذا المقام، لأنهم أشرار لئام، فقال تعالى ﴿المخلفون﴾ أي الذين - خلفهم الله عنك ولم يرضهم
стр. 9422
لصحبتك في هذه العمرة، فجعلهم كالشيء التافه الذي يخلفه الإنسان، لأنه لا فائدة فيه فلا يؤبه له ولا يعبأ به، وذلك إنه ﷺ لما أراد الاعتمار ندب أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين لذلك، وندب من الأعراب الذين حول المدينة الشريفة من كان قد أقر بالإسلام، فلم يرد الله حضورهم لأن إسلامهم لم يكن خالصاً فلو حضروا لفسد بهم الحال، وإن حفظ الله بحوله وقوته من الفساد، أعقب ذلك فساداً آخر وهو أن يقال: إنه لم يكف عنهم الأعداء إلا الكثرة، فتخلفوا لما علم الله في تخلفهم من الحكم.
ولما كان قد تخلف بالجسد من خلص الأنصار وغيرهم من كان حاضراً معه ﷺ بالقلب أخرجهم بقوله: ﴿من الأعراب﴾ أي أهل البادية كذباً وبهتاناً جرأة على الله ورسوله ﴿شغلتنا﴾ أي عن إجابتك في هذه العمرة ﴿أموالنا وأهلونا﴾ أي لأنا لو تركناها ضاعت، لأنه لم يكن لنا من يقوم بها وأنت قد نهيت عن إضاعة المال والتفريط في العيال، ثم سببوا عن هذا القول المراد به السوء قولهم: ﴿فاستغفر﴾ أي اطلب المغفرة ﴿لنا﴾ من الله إن كنا أخطأنا أو قصرنا.
ولما كان هذا ربما يغتر به من لا خبرة له، رده تعالى بقوله منبهاً
стр. 9423
على أن من صدق مع الله لم يشغله عن شاغل، ومن شغله عنه شيء كان شوماً عليه: ﴿يقولون﴾ وعبر بالمضارع إشارة إلى أن هذا ديدن لهم لا ينفكون عنه. ولما صح بعد ذلك إيمان، لم يعبر بالأفواه دأبه، في المنافقين، بل قال: ﴿بألسنتهم﴾ أي في الشغل والاستغفار، وأكد ما أفهمه ذكر اللسان من أنه قول ظاهري نفياً للكلام الحقيقي الذي هو النفسي بكل اعتبار بقوله: ﴿ما ليس في قلوبهم﴾ لأنهم لم يكن شغل ولا كانت لهم نية في سؤال الاستغفار.
ولما كان فعلهم هذا من تخلفهم واعتلالهم وسؤالهم الاستغفار ظناً منهم أنهم يدفعون عن أنفسهم بذلك المكروه ويحصلون لها المحبوب وكان كأنه قيل: قد علم كذبهم، فماذا يقال لهم؟ استأنف سبحانه الجواب بقوله: ﴿قل﴾ أي لهؤلاء الأغبياء واعظاً لهم مسبباً عن مخادعتهم لمن لا يخفى عليه خافية إشارة إلى أن العاقل يقبح عليه أن يقدم على ما هو بحيث تخشى عاقبته: ﴿فمن يملك لكم﴾ أيها المخادعون ﴿من الله﴾ أي الملك الذي لا أمر لأحد معه لأنه لا كفوء له ﴿شيئاً﴾ يمنعكم منه ﴿إن أراد بكم﴾ أي خاصة ﴿ضراً﴾ أي نوعاً من أنواع الضرر عظيماً أو حقيراً، فأهلك الأموال والأهلين وأنتم محتاطون في حفظهما
стр. 9424
فلا ينفعها حضوركم أو أهلككم أنتم ﴿أو أراد بكم نفعاً﴾ بحفظهما به مع غيبتكم فلا يضرها بعدكم عنها، ويحفظكم في أنفسكم، وقد علم من تصنيفه سبحانه حالهم إلى صنفين مع الإبهام أنه يكون لبعضهم الضر لأن منهم من ارتد في زمن الردة، ولبعضهم النفع لأنه ثبت على الإسلام.
ولما كان التقدير قطعاً: لا أحد يملك منه سبحانه لهم شيئاً من ذلك بل هو قادر على كل ما يريد منه، فعلكم لما عندكم من الجلافة والغباوة والكثافة فعل من يظن أنه لا يقدر عليكم ولا يعلم كثيراً مما تعملون، فيخفى عليه كذبكم، وليس الأمر كما ظننتم فإنه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، بنى عليه ما أرشد إلى تقديره فقال تعالى: ﴿بل كان الله﴾ أي المحيط أزلاً وأبداً بكل شيء قدرة علماً ﴿بما تعملون﴾ أي الجهلة ﴿خبيراً *﴾ أي يعلم بواطن أموركم هذه وغيرها كما يعلم ظواهرها.
ولما أضرب عن ظنهم أن كذبهم يخفى عليه بأمر عام، وقدمه لأنه أعم نفعاً بما فيه من الشمول، أتبعه الإضراب عن مضمون كلامهم فقال: ﴿بل﴾ أي ليس تخلفكم لما أخبرتم به من الاشتغال بالأهل والأموال ﴿ظننتم﴾ وأنتم واقفون مع الظنون الظاهرة، ليس لكم نفوذ إلى البواطن، وأشار إلى تأكد ظنهم على زعمهم فقال: ﴿أن لن ينقلب﴾ ولما كان الكلام فيما هو شأن الرسول من الانبعاث
стр. 9425
والمسير، قال مشيراً إلى أن من أرسل رسولاً إلى شيء وهو لا يقدر على نصره ليبلغ ذلك الشيء إلى الغاية التي أرادها منه كان عاجزاً عما يريد: ﴿الرسول﴾ وعظم التابعين فقال: ﴿والمؤمنون﴾ معبراً بما يحق لهم من الوصف المفهم للرسوخ وأفهم تأكيد ذلك عندهم بقوله تعالى: ﴿إلى أهليهم أبداً﴾ أي لما في قلوبكم من عظمة المشركين وحقارة المؤمنين فحملكم ذلك على أن قلتم: ما هم في قريش إلا أكلة رأس.
ولما كان الإنسان قد يظن ما لا يجب، قال مشيراً بالبناء للمفعول إلى أن ما حوته قلوبهم مما ينبغي أن ينزه عن نسبته إليه وإن كان هو الفاعل له في الحقيقة: ﴿وزين ذلك﴾ أي الأمر القبيح الذي خراب الدنيا ﴿في قلوبكم﴾ حتى أحببتموه.
ولما علم أن ذلك سوء، صرح به على وجه يعم غيره فقال: ﴿وظننتم﴾ أي بذلك وغيره مما يترتب عليه من إظهار الكفر وما يتفرع منه ﴿ظن السوء﴾ أي الذي لم يدع شيئاً مما يكره غاية الكراهة إلا أحاط به. ولما انكشف جميع أمره كشف أثره فقال: ﴿وكنتم﴾ أي بالنظر إلى جمعكم من حيث هو جمع في علمنا قبل ذلك بما جبلناكم عليه وعلى ما كشفه الحال عنه من له بصيرة ﴿قوماً﴾
стр. 9426
أي مع قوتكم على ما تحاولونه ﴿بوراً *﴾ أي في غاية الهلاك والكساد والفساد، وعدم الخير لأنكم جبلتم على ذلك الفساد، فلا انفكاك لهم عنه، وهذا كما مضى بالنظر إلى الجميع من حيث هو جمع لا بالنسبة إلى كل فرد فإنه قد أخلص منهم بعد ذلك كثير، وثبتوا فلم يرتدوا.
ولما كان التقدير: ذلك لأنكم لم تؤمنوا، فمن آمن منكم ومن غيركم وأخلص، أبحناه جنة وحريراً، عطف عليه قوله معمماً: ﴿ومن لم يؤمن﴾ منكم ومن غيركم ﴿بالله﴾ أي الذي لا موجود في الحقيقة سواه ﴿ورسوله﴾ أي الذي أرسله لإظهار دينه وهو الحقيق بالإضافة إليه، معبراً عنه بالاسم الأعظم، وللزيادة في تعظيمه وتحقير شانئه وتوهية كيد التفت إلى مقام التكلم بمظهر العظمة فقال: ﴿فإنا﴾ أي على ما لنا من العظمة ﴿أعتدنا﴾ له أو لهم هكذا كان الأصل، ولكنه قال معلقاً للحكم بالوصف إيذاناً بأن من لم يجمع الإيمان بهما فهو كافر، وإن السعير لمن كان كفره راسخاً فقال تعالى: ﴿للكافرين﴾ أي الذين لا يجمعون الإيمان بالمرسل والرسول فيكونون بذلك كفاراً، ويستمرون على وصف الكفر لأنهم جبلوا عليه ﴿سعيراً *﴾ أي ناراً شديدة الإيقاد والتلهب، فهي عظيمة الحر توجب الجنون
стр. 9427
وإيقاد الباطن بالجوع بحيث لا يشبع صاحبه والانتشار بكل شر، فإن التنكير هنا للتهويل والتعظيم، وهذه الآية مع ما أرشد السياق إلى عطفها عليه ممن يؤمن دالة - وإن كانت في سياق الشرط - على أن أكثرهم يخلص إيمانه بعد ذلك.
ولما انقضى حديث الجنود عامة ثم خاصة من المنتدبين والمخلصين وختم بعذاب الكافرين، وكان المتصرف في الجنود ربما كان بعض خواص الملك، فلا يكون تصرفه فيهم تاماً، وكان الملك قد لا يقدر على عذاب من أراد من جنوده، وكان إذا قدر قد لا يقدر على العذاب بكل ما يريده من السعير الموصوف وغيره لعدم عموم ملكه قال تعالى عاطفاً على آية الجنود: ﴿ولله﴾ أي الملك الأعظم وحده ﴿ملك السماوات والأرض﴾ أي من الجنود وغيرها، يدبر ذلك كله كيف يشاء لا راد لحكمه ولا معقب.
ولما لم يكن في هؤلاء من عذب بما عذب الأمم الماضية من الريح وغيرها، لم يذكر ما بين الخافقين، وذكر نتيجة التفرد بالملك
стр. 9428
بما يقتضيه الحال من الترغيب والترهيب: ﴿يغفر لمن يشاء﴾ أي لا اعتراض لأحد عليه بوجه ما ﴿ويعذب من يشاء﴾ أي لأنه لا يجب عليه شيء ولا يكافيه شيء، وليس هو كالملوك الذين لا يتمكنون من مثل ذلك لكثرة الأكفاء المعارضين لهم في الجملة، وعلم من هذا التقسيم المبهم أيضاً أن منهم من يرتد فيعذبه، ومنهم من يثبت على الإسلام فيغفر له لأنه لا يعذب بغير ذنب وإن كان له أن يفعل ذلك، لأنه لا يسأل عما يفعل وملكه تام، فتصرفه فيه عدل كيفما كان. ولما كان من يفعل الشيء في وقت قد لا يستمر على وصف القدرة عليه قال تعالى: ﴿وكان الله﴾ أي المحيط بصفات الكمال أزلاً وأبداً، لم يتجدد له شيء لم يكن. ولما ابتدأ الآية بالمغفرة ترغيباً في التوبة، ختم بذلك لأن المقام له، وزاد الرحمة تشريفاً لنبي المرحمة بالترغيب والدلالة على أن رحمته غلبت غضبه فقال: ﴿غفوراً﴾ أي لذنوب المسيئين ﴿رحيماً *﴾ أي مكرماً بعد الستر بما لا تسعه العقول، وقدرته على الإنعام كقدرته على الانتقام. ولما ذم المخلفين بما منه - أي من الذم - أنهم هالكون بعد أن قدم أنه لعنهم، وكان قد وعد
стр. 9429
سبحانه أهل الحديبية فتح خيبر جبراً لهم بما منعهم من الاستيلاء على مكة المشرفة لما له في ذلك من الحكم البالغة الدقيقة، وختم بأنه نافذ الأمر، وكان ذلك مستلزماً لإحاطة العلم، دل على كلا الأمرين بقوله استئنافاً، جواباً لمن كأنه قال: هل يغفر للمخلفين حتى يكونوا كأنهم ما تخلفوا؟ : ﴿سيقول﴾ أي بوعد لا خلف فيه.
ولما كان النبي ﷺ بحيث لا مطمع لأحد فى أن يظفر منه بشيء من خلاف الأمر الله، أسقط ما عبر به في ذكرهم أولاً من خطابه وقال: ﴿المخلفون﴾ أي لمن يطمعون فيه من الصحابة أن يسعى في تمكينهم من المسير في جيشه ﷺ لخفاء الحكم عليه ونحو ذلك، ولم يقيدهم بالأعراب ليعم كل من كان يتخلف من غيرهم ﴿إذا انطلقتم﴾ بتمكين الله لكم ﴿إلى مغانم﴾ .
ولما أفهم اللفظ الأخذ، والتعبير بصيغة منتهى الجموع كثرتها، صرح بالأول رفعاً للمجاز فقال: ﴿لتأخذوها﴾ أي من خيبر ﴿ذرونا﴾ أي على أي حالة شئتم من الأحوال الدنية ﴿نتبعكم﴾ ولما كان يلزم من تمكينهم من ذلك إخلاف وعد الله بأنها تخص أهل الحديبية، وأنه طرد المنافقين وخيب قصدهم، علل تعالى قولهم بقوله: ﴿يريدون﴾ أي بذهابكم معكم ﴿أن يبدلوا كلام الله﴾ أي المحيط بكل شيء قدرة
стр. 9430
وعلماً في الإخبار بلعنهم وإبارتهم، وأن فتح خيبر مختص بأهل الحديبية، لا يشركهم فيه إلا من وافقهم في النية والهجرة، ليتوصلوا بذلك إلى تشكيك أهل الإسلام فيه، والمراد أن فعلهم فعل من يريد ذلك، ولا يبعد أن يكونوا صنفين: منهم من يريد ذلك، ومنهم من لم يرده ولكن فعل من يريده.
ولما كان السامع جديراً بأن يسأل عما يقال لهم، قال مخاطباً لأصدق الخلق ﵊: ﴿قل﴾ أي يا حبيب لهم إذا بلغك كلامهم أنت بنفسك، فإن غيرك لا يقوم مقامك في هذا الأمر المهم، قولاً مؤكداً: ﴿لن تتبعونا﴾ وإن اجتهدتم في ذلك، وساقه مساق النفي وإن كان المراد به النهي، لأنه مع كونه آكد يكون علماً من أعلام النبوة، وهو أزجر وأدل على الاستهانة.
ولما أذن هذا التأكيد أنه من عند من لا يخالف أصلاً في مراده، بينه تعالى بقوله: ﴿كذلكم﴾ أي مثل هذا القول البديع الشأن العلي الرتبة ﴿قال الله﴾ أي الذي لا يكون إلا ما يريد وليس هو كالملوك الذين لا قدرة لهم على الغفران لمن شاؤوا والعقاب لمن شاؤوا ﴿من قبل﴾ هذا الوقت، وهو الذي لا يمكن الخلف في قوله، فإنه قضى أن لا يحضر «خيبر» المرادة بهذه الغنائم إلا من حضر الحديبية،
стр. 9431
وأمر بذلك فكان ما قال بعد اجتهاد بعض المخلفين في إخلافه فإنهم غيّرهم الطمع بعد سماعهم قول الله هذا، فطلبوا أن يخرجوا معه ﷺ فمنعوا فلم يحضرها غيرهم أحد، وذلك أنه ﷺ رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست، فأقام إلى أثناء محرم سنة سبع، وخرج بأهل الحديبية إلى خيبر ففتحها الله عليه، وأخذ جميع أموالها من المنقولات والعقارات، وأتى إليه ﷺ وهو بها بعد فتحها ابن عمه جعفر بن أبي طالب ﵁ وبعض من معهم من مهاجرة الحبشة، فأشركهم النبي ﷺ مع أهل الحديبية لأنهم لم يكونوا مخلفين بل كانوا متخلفين لعذر عدم الإدراك.
ولما كانوا منافقين لا يعتقدون شيئاً من هذه الأقوال، بل يظنون أنها حيل على التوصل إلى المرادات الدنيوية، سبب عن قولهم له ذلك تنبيهاً على جلافتهم وفساد ظنونهم: ﴿فسيقولون﴾ : ليس الأمر كما ذكر مما ادعى أنه قول الله ﴿بل﴾ إنما ذلكم لأنكم ﴿تحسدوننا﴾ فلا تريدون أن يصل إلينا من مال الغنائم شيء. ولما كان التقدير: وليس الأمر كما زعموا، رتب عليه قوله: ﴿بل كانوا﴾ أي جبلة وطبعاً ﴿لا يفقهون﴾ أي لا يفهمون فهم الحاذق الماهر ﴿إلا قليلاً *﴾ في أمر دنياهم، ومن ذلك إقرارهم بالإيمان لأجلها، وأما أمور الآخرة فلا يفهمون منها شيئاً.
стр. 9432
ولما كان ذلك يوقع في نفس السامع السؤال عن هذا الطرد: هل يستمر؟ أجيب بأنهم سيمتحنون بأمر شاق يحدثه الله للتمييز بين الخلص وغيرهم، فقال مكرراً لوصفهم بالتخلف إعلاماً بأنهم في الحقيقة ما تخلفوا، بل منعوا طرداً لهم وإبعاداً معذباً لهم بما خلفهم عن اتباع النبي ﷺ في هذه العمرة من الخوف من قتال قريش لشدة بأسهم كما أثاب المحبين له ﷺ بضد ما عزموا عليه من القتال إلى النصر أو الموت من كف أيديهم عنهم بما جعله الله سبباً للفتح الأعظم والتفرغ لفتح خيبر وأخذ غنائمها الكثيرة من غير كبير كلفة ﴿قل﴾ يا أعظم الخلف ﴿للمخلفين﴾ وزاد في ذمهم بنسبتهم إلى الجلافة فقال: ﴿من الأعراب﴾ أي أهل غلظ الأكباد، ويجوز أن يكون هذا القيد للاحتراز عن المخلفين من أهل المدينة فيكون إشارة إلى أن الأعراب ينقسمون عند هذا الدعاء إلى مطيع وعاص - كما أشار إليه تقسيمه سبحانه لهم - وأن المخلفين من أهل المدينة لمثل ما اعتل به الأعراب لا مطمع في صلاحهم: ﴿ستدعون﴾ بوعد لا خلف فيه بإخبار محيط العلم والقدرة دعوة محيطة ونفيراً عاماً لما أفهمه الإسناد إلى جميعهم من داع صحت إمامته
стр. 9433
فوجبت طاعته، ودل على بعدهم من أرضهم بقوله تعالى: ﴿إلى قوم﴾ .
ولما أفهم التعبير بذلك أن لهم قوة وشدة على ما يحاولونه، أوضح المعنى بقوله: ﴿أولي بأس﴾ أي شدة في الحرب وشجاعة مع مكر ودهاء ﴿شديد﴾ . ولما كان المعنى كأنه قيل: لماذا؟ قال تعالى: ﴿تقاتلونهم﴾ أي بأمر إمامكم ﴿أو يسلمون﴾ أي يدعوكم إليهم ليكون أحد الأمرين المظهرين لأن كلمة الله هي العليا: المقاتلة منكم أو الإسلام منهم، فإن لم يسلموا كان القتال لا غير، وإن أسلموا لم يكن قتال، لأن الإمام لا غرض له إلا إعلاء كلمة الله، ولا يكون شيء غير هذين الأمرين من إبقاء بجزية أو مصالحة أو متاركة إلى مدة، ونحو ذلك، وهذا الداعي هو أبو بكر الصديق ﵁ والقوم بنو حنيفة وغيرهم من أهل الردة الذين كان الدعاء لهم أول خلافة الصديق ﵁، وأما قول من قال: إنهم ثقيف، فضعيف، لأن الدعاء لم يكن إليهم إنما كان المقصود بالذات فتح مكة، وكان أمر هوازن وثقيف وغيرهما تبعاً له في غزوته، لم يكن بينهم شيء، وأيضاً فإن ثقيف لما عسر أمرهم تركهم النبي ﷺ حتى أسلموا بعد ذلك، وترك أيضاً فلاّل هوازن فلم يتبعهم ولم يؤمر باتباعهم، فظاهر الآية أنه إذا انتشب القتال لم يترك إلا أن حصل الإسلام، والقول بأنهم فارس والروم ضعيف أيضاً، فإن كلاًّ منهم
стр. 9434
تقبل منه الجزية، وتأويله بأنه إسلام لغوي لا داع له مع إمكان الحقيقة، وقد كان ما أشار إليه التقسيم فإنهم لما دعوا إليهم انقسموا إلى مجيب وهم الأكثر، وقد آتاهم الله الأجر الحسن في الدنيا بالغنيمة والذكر الجميل وهو المرجو في الآخرة، ومرتد وهم قليل وقد أذاقهم الله العذاب الأليم في الدنيا بالقتل على أقبح حال، وهو يذيقهم في الآخرة أعظم النكال، وأما قتال غير العرب فأطاع فيه الكل ولم يحصل فيه ما أشير إليه من التقسيم، فتحقق بهذا أنهم أهل الردة - والله الموفق، ولذلك سبب عن دعوة الحق قوله مردداً القول في حالهم مبهماً له إشارة إلى أنهم عند الدعاء ينقسمون إلى مقبل ومتول: ﴿فإن تطيعوا﴾ أي توقعوا الطاعة للداعي إلى ذلك، وهو أبو بكر ﵁ ﴿يؤتكم الله﴾ أي الذي له الإحاطة والقدرة على الإعطاء والمنع، لا راد لأمره ﴿أجراً حسناً﴾ دنيا وأخرى، جعل الله طاعة أبي بكر ﵁ في هذا الأمر بالخصوص كطاعة رسول الله ﷺ الذي طاعته طاعة الله، جزاء له على خصوصه في مزيد تسليمه لما فعله النبي ﷺ من الصلح وثباته بما أجاب به عمر ﵄ بمثل جواب النبي ﷺ من غير أن يكون حاضراً له كما هو معلوم من السيرة.
стр. 9435
ولما كانت مخالفة الرسول ﷺ ومن يقوم مقامه لا تكون إلا من منازعة في الفطرة الأولى ومعالجة لها، عبر بالتفعل فقال: ﴿وإن تتولوا﴾ عن قبول دعوته عصياناً ﴿كما توليتم﴾ أي عالجتم أنفسكم وكلفتموها التولي بالتخلف عن الرسول ﷺ ﴿من قبل﴾ أي بعض الأزمان التي تقدمت على هذا الدعاء، وذلك في الحديبية ﴿يعذبكم﴾ أي يخالطكم بعقوبة تزيل العذوبة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما ﴿عذاباً أليماً *﴾ لأجل تكرر ذلك منكم.
ولما توعد المتخلفين بتخلفهم عن رسول الله ﷺ ثم توعدهم في التقاعد عن هذا الإمام القائم بعده بالحق، وكان أهل الأعذار لا يتيسر لهم ما أريد بهذا الدعاء، وكان الدين مبنياً على الحنيفية السمحة، استأنف قوله تعالى مسكناً لما اشتثاره الوعيد من روعهم: ﴿ليس على الأعمى﴾ أي في تخلفه عن الدعاء إلى الخروج مع النبي ﷺ أو مع غيره من أئمة الدعاء ﴿حرج﴾ أي ميل بثقل الإثم لأجل أن عماه موهن لسعيه وجميع بطشه، ولأجل تأكيد المعنى تسكيناً لما ثار من روع المؤمن كرر النافي والحرج في كل جملة مستقلة تأكيداً لهذا الأمر فقال: ﴿ولا على الأعرج﴾ وإن كان
стр. 9436
نقصه أدنى من نقص العمى ﴿حرج﴾ وجعل كل جملة مستقلة تأكيداً لهذا الحكم.
ولما ذكر هذين الأثرين الخاصين المزيد ضررهما في العاقة عن كمال الجهاد، عم بقوله: ﴿ولا على المريض﴾ أي بأيّ مرض ﴿حرج﴾ فلم يخرج أهل هذه الأعذار الذين لم يمنعهم إلا إعذارهم عن أهل الحديبية، وأطلب الحرج المنفي ليقبل التقدير بالتخلف ولا حاجة لأن حضورهم لا يخلو عن نفع في الجهاد، وذكر هكذا دون أسلوب الاستثناء إيذاناً بأنهم لم يدخلوا في الوعيد أصلاً حتى يخرجوا منه.
ولما بشر المطيعين لتلك الدعوة وتوعد القاعدين عنها وعذر المعذورين، وكانت إجابة المعذورين جائزة، بل أرفع من قعودهم، ولذلك لم ينف إجابتهم إنما نفى الحرج، قال معمماً عاطفاً على ما تقديره: فمن تخلف منهم فتخلفه مباح له: ﴿ومن يطع الله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال المفيض من آثار صفاته على من يشاء ولو كان ضعيفاً، المانع منها من يشاء وإن كان قوياً ﴿ورسوله﴾ من المعذورين وغيرهم فيما ندبا إليه من أي طاعة كانت إجابته ﴿يدخله﴾ أي الله الملك الأعظم جزاء له ﴿جنات تجري﴾ ونبه على قرب منال الماء بإثبات الجار في قوله: ﴿من تحتها الأنهار﴾ أي ففي أي موضع أردت أجريت نهراً ﴿ومن يتول﴾ أي كائناً من كان من المخاطبين الآن وغيرهم، عن
стр. 9437
طاعة من الطاعات التي أمرا بها من أي طاعة كانت ﴿يعذبه﴾ أي على توليه في الدارين أو إحداهما ﴿عذاباً أليماً *﴾ وقراءة أهل المدينة والشام ﴿ندخله ونعذبه﴾ بالنون أظهر في إرادة العظمة لأجل تعظيم النعمة والنقمة.
стр. 9438
ولما وعد المطيع وأوعد العاصي، وكانت النفوس إلى الوعد أشد التفاتاً، دل عليه بثواب عظيم منه أمر محسوس يعظم جذبه للنفوس القاصرة عن النفوذ في عالم الغيب، فقال مؤكداً لأن أعظم المراد به المذبذبون، مفتتحاً بقد لأن السياق موجب للتوقع لما جرى من السنة الإلهية أنها إذا شوقت إلى شيء دلت عليه بمشهود يقرب الغائب الموعود: ﴿لقد رضي الله﴾ أي الذي له الجلال والجمال ﴿عن المؤمنين﴾ أي الراسخين في الإيمان، أي فعل معهم فعل الراضي بما جعل لهم من الفتح وما قدر له من الثواب، وأفهم ذلك أنه لم يرض عن الكافرين فخذلهم في الدنيا مع ما أعد لهم في الآخرة، فالآيات تقرير لما ذكر من جزاء الفريقين بأمور مشاهدة.
ولما ذكر الرضى، ذكر وقته للدلالة على سببه فقال: ﴿إذ﴾ أي حين، وصور حالهم إعلاماً بأنها سارة معجبة شديدة الرسوخ في الرضى فقال: ﴿يبايعونك﴾ في عمرة الحديبية لما صد المشركون عن الوصول إلى البيت، فبعثت عثمان ﵁ إليهم ليخبرهم بأنك لم تجىء
стр. 9439
لقتال وإنما جئت للعمرة، فبلغك أنهم قتلوه فندبت إلى البيعة لمناجزتهم فبايعك كل من كان معك على أن لا يفروا لتناجز بهم القوم؛ وزاد الأمر بياناً وقيده تفضيلاً لأهل البيعة بقوله: ﴿تحت الشجرة﴾ واللام للعهد الذهني، وكانت شجرة في الموضع الذي كان النبي ﷺ نازلاً به في الحديبية، ولأجل هذا الرضى سميت بيعة الرضوان، وروى البغوى من طريق الثعلبي عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» .
ولما دل على إخلاصهم بما وصفهم، سبب عنه قوله: ﴿فعلم﴾ أي لما له من الإحاطة ﴿ما في قلوبهم﴾ أي من مطابقته لما قالوا بألسنتهم في البيعة، وأن ما حصل لبعضهم من الاضطراب في قبول الصلح والكآبة منه إنما هو لمحبة الله ورسوله ﷺ وإيثار ما يريد من إعلاء دينه وإظهاره لا عن شك في الدين، وسبب عن هذا العلم ترغيباً في مثل هذا المحدث عنهم قوله: ﴿فأنزل السكينة﴾ أي بثبات القلوب وطمأنيتها في كل حالة ترضي الله ورسوله، ودل على عظمها بحيث إنها تغلب الخوف وإن عظم بقوله: ﴿عليهم﴾ فأثر ذلك أنهم لم يخافوا عاقبة القتال لما ندبوا إليه وإن كانوا في كثرة الكفار كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، لا أثر الصلح بما يتراءى فيه من الضعف وغيره من مخايل النقص في قلوبهم في ذلك المقام الدحض
стр. 9440
والمواطن الضنك إلا ريثما رأوا صدق عزيمة الرسول ﷺ ومضى أمره في ذلك بما يفعل ويقول.
ولما ذكر منّه عليهم بما هو الأصل الذي لا يبنى إلا عليه، أتبعه آثاره فقال: ﴿وأثابهم﴾ أي أعطاهم جزاء لهم على ما وهبهم من الطاعة والسكينة فيها جزاء، مقبلاً عليهم، يملأ مواضع احتياجهم، هو أهل لأن يقصده الإنسان ويتردد في طلبه لما له من الإقبال والمكنة والشمول ﴿فتحاً﴾ بما أوقع سبحانه من الصلح المترتب على تعجيز قريش عن القتال ﴿قريباً *﴾ بترك القتال الموجب بعد راحتهم وقوتهم وجمومهم لاختلاط بعض الناس ببعض فيدخل في الدين من كان مباعداً له لما يرى من محاسنه، فسيكون الفتح الأعظم فتح المكة المشرفة الذي هو سبب لفتح جميع البلاد.
ولما ذكر الفتح ذكر بعض ثمرته فقال: ﴿ومغانم﴾ فنبه بصيغة منتهى الجموع إلى أنها عظيمة، ثم صرح بذلك في قوله: ﴿كثيرة﴾ ولما كان الشيء ربما أطلق على ما هو بالقوة دون الفعل، أزال ذلك بقوله تعالى ﴿يأخذونها﴾ وهي خيبر. ولما كان ذلك مستبعداً لكثرة الكفار وقلة المؤمنين، بين سببه فقال عاطفاً على ما تقديره: بعزة الله وحكمته: ﴿وكان الله﴾ أي الذي لا كفوء له ﴿عزيزاً﴾ أي يغلب ولا يغلب ﴿حكيماً *﴾ يتقن ما يريد فلا ينقض.
стр. 9441
ولما قرب ذلك وتأكد وتحرر وتقرر، أقبل عليهم بالخطاب تأكيداً لمسامعهم فقال مزيلاً لكل احتمال يتردد في خواطر المخلفين: ﴿وعدكم الله﴾ أي الملك الأعظم ﴿مغانم﴾ وحقق معناها بقوله: ﴿كثيرة تأخذونها﴾ أي فيما يأتي من بلدان شتى لا تدخل تحت حصر، ثم سبب عن هذا الوعد قوله: ﴿فعجل لكم﴾ أي منها ﴿هذه﴾ أي القضية التي أوقعها بينكم وبين قريش من وضع الحرب عشر سنين، ومن أنكم تأتون في العام المقبل في مثل هذا الشهر معتمرين فإنها سبب ذلك كله، عزاه أبو حيان لابن عباس ﵄ وهو في غاية الظهور، ويمكن أن يكون المعنى: التي فتحها عليكم من خيبر من سببها وأموالها المنقولات وغيرها ﴿وكف أيدي الناس﴾ أي من أهل خيبر وحلفائهم أسد وغطفان أن يعينوا أهل خيبر أو يغيروا على عيالاتكم بعد ما وهموا بذلك بعد ما كف أيدي قريش ومن دخل في عهدهم بالصلح ﴿عنكم﴾ على ما أنتم فيه من القلة والضعف.
ولما كان التقدير: رحمة لكم على طاعتكم لله ورسوله وجزاء لتقوى أيديكم، وتروا أسباب الفتح القريبة بما يدخل من الناس في دينكم عند المخاطبة بسبب الإيمان، عطف عليه قوله: ﴿ولتكون﴾ أي هذه
стр. 9442
الأسباب من الفتح والإسلام ﴿آية﴾ أي علامة هي في غاية الوضوح ﴿للمؤمنين﴾ أي منكم على دخول المسجد الحرام آمنين في العمرة ثم في الفتح ومنكم ومن غيركم من الراسخين في الإيمان إلى يوم القيامة على جميع ما يخبر الله به على ما وقع التدريب عليه في هذا التدبير الذي دبره لكم من أنه لطيف يوصل إلى الأشياء العظيمة بأضداد أسبابها فيما يرى الناس فلا يرتاع مؤمن لكثرة المخالفين وقوة المنابذين أبداً، فإن سبب كون الله مع العبد هو الاتباع بالإحسان الذي عماده الرسوخ في الإيمان الذي علق الحكم به، فحيث ما وجد عليه وجد المعلق وهو النصر بأسباب جلية أو خفية ﴿ويهديكم﴾ في نحو هذا الأمر الذي دهمكم فأزعجكم بالثبات عند سماع الموعد والوعيد والثقة بمضمونه لأنه قادر حكيم، فهو لا يخلف الميعاد بأن يهديكم ﴿صراطاً مستقيماً﴾ أي طريقاً واسعاً واضحاً موصلاً إلى الكرامة من غير شك، وهذا من أعلام النبوة فإنه لم يزغ أحد من المخاطبين بهذه الآية وهم أهل الحديبية وكأنه والله أعلم لذلك لم يقل: ويهديهم - بالغيب على ما اقتضاه السياق لئلا يغم غيرهم ممن يظهر صدقه في الإيمان ثم يزيغ، ولذا أكثر تفاصيل هذه السورة من أعلام النبوة، فإنه وقع الإخبار به قبل وقوعه.
ولما سرهم سبحانه بما بشرهم به من كون القضية فتحاً
стр. 9443
ومن غنائم خيبر، أتبع ذلك البشارة دالاً على أنها لا مطمع لهم في حوزه ولا علاجه لولا معونته فقال: ﴿وأخرى﴾ أي ووعدكم مغانم كثيرة غير هذه وهي - والله أعلم - مغانم هوازن التي لم يحصل قبلها ما يقاربها. ولما كان في علمه أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم مقرون فيها إلا من لا يمكنه في العادة أن يهزمهم ليحوي الغنائم، فكان ما في علمه تعالى لتحققه كالذي وقع وانقضى، قال تعالى: ﴿لم تقدروا﴾ أي بما علمتم من قراركم ﴿عليها﴾ ولما توقع السامع بعد علمه بعجزهم عنها الإخبار عن السبب الموصل إلى أخذها بما تقرر عند من صدق الوعد بها، قال مفتتحاً بحرف التوقع: ﴿قد أحاط الله﴾ أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة ﴿بها﴾ فكانت بمنزلة ما أدير عليه سورة مانع من أن يغلب منها شيء عن حوزتكم أو يقدر غيركم أن يأخذ منها شيئاً، ولذلك وللتعميم ختم الآية بقوله: ﴿وكان الله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال أزلاً وأبداً ﴿على كل شيء﴾ منها ومن غيرها ﴿قديراً *﴾ بالغ القدرة لأنه بكل شيء عليم.
стр. 9444
ولما قدم سبحانه أنه كف أيدي الناس عنكم أجمعين، ذكر حكمهم لو وقع قتال، فقال مقرراً لقدرته عاطفاً على نحو: فلو أراد لمكنكم من الاعتمار، مؤكداً لأجل استبعاد من يستبعد ذلك من الأعراب وغيرهم:
стр. 9445
﴿ولو قاتلكم﴾ أي في هذا الوجه ﴿الذين كفروا﴾ أي أوقعوا هذا الوصف من الناس عموماً الراسخ فيه ومن دونه، وهم أهل مكة ومن لاقهم، وكانوا قد اجتمعوا وجمعوا الأحابيش ومن أطاعهم وقدموا خالد بن الوليد طليعة لهم إلى كراع الغميم، ولم يكن أسلم بعد ﴿لولوا﴾ أي بغاية جهدهم ﴿الأدبار﴾ منهزمين.
ولما كان عدم نصرهم بعد التولية مستبعداً أيضاً لما لهم من كثرة الإمداد وقوة الحمية، قال معبراً بأداة البعد: ﴿ثم﴾ أي بعد طول الزمان وكثرة الأعوان ﴿لا يجدون﴾ في وقت من الأوقات ﴿ولياً﴾ أي يفعل معهم فعل القريب من الحياطة والشفقة والحراسة من عظيم ما يحصل من رعب تلك التولية ﴿ولا نصيراً *﴾ .
ولما كانت هذه عادة جارية قديمة مع أولياء الله تعالى حيثما كانوا من الرسل وأتباعهم، وأن جندنا لهم الغالبون، قال تعالى: ﴿سنة الله﴾ أي سن المحيط بهذا الخلق في هذا الزمان وما بعده كما كان محيطاً بالخلق في قديم الدهر، ولذلك قال: ﴿التي قد خلت﴾ أي سنة مؤكدة لا تتغير، وأكد الجار لأجل أن القتال ما وقع الزمان الماضي إلا بعد نزول التوراة فقال: ﴿من قبل﴾ وأما قبل ذلك فإنما كان يحصل الهلاك بأمر من عند الله بغير أيدي المؤمنين ﴿ولن تجد﴾ أيها
стр. 9446
السامع ﴿لسنة الله﴾ الذي لا يخلف قولاً لأنه محيط بجميع صفات الكمال ﴿تبديلاً *﴾ أي تغيراً من مغير ما، يغيرها بما يكون بدلها.
ولما تقرر أن الكفار مغلوبون وإن قاتلوا، وكان ذلك من خوارق العادات مع كثرتهم دائماً وقلة المؤمنين حتى يأتي أمر الله موقعاً للعلم القطعي بأنه ما دبره إلا الواحد القهار القادر المختار، عطف عليه عجباً آخر وهو عدم تغير أهل مكة في هذه العمرة للقتال بعد تعاهدهم وتعاقدهم عليه مع ما لهم من قوة العزائم وشدة الشكائم، فقال عاطفاً على ما تقديره: هو الذي سن هذه السنة العامة: ﴿وهو الذي كف﴾ أي وحده من غير معين له على ذلك ﴿أيديهم﴾ أي الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم، فإن الكل شرع واحد ﴿عنكم وأيديكم﴾ أيها المؤمنون ﴿عنهم﴾ .
ولما كان الكفار لو بسطوا أيديهم مع ما حتمه الله وسنه من تولية الكفار دخلوا مكة قال: ﴿ببطن مكة﴾ أي كائناً كل منكم ومنهم في داخل مكة هم حالاً وأنت مآلاً، وعن القفال أنه قال: يجوز أن يراد به الحديبية لأنها من الحرم - انتهى.
وعبر بالميم دون الباء كما في آل عمران إشارة إلى أنه فعل هنا ما اقتضاه مدلول هذا الاسم من الجمع والنقض والتنقية، فسبب لهم أسباب الاجتماع والتنقية من الذنوب -
стр. 9447
بما أشارت إليه آية العمرة حالاً وآيات الفتح مآلاً، ووفى بما يدل عليه اسمها من الأهل على خلاف القياس.
ولما كان هذا ليس مستغرقاً لجميع الزمان الآتي، بل لا بد أن يبسط أيدي المؤمنين بها يوم الفتح، أدخل الجار فقال تعالى: ﴿من بعد أن أظفركم﴾ أي أوجد فوزكم بكل ما طلبتم منهم وجعل لكم الطول والعز ﴿عليهم﴾ وذلك فيما رواه أصحاب. السير قالوا: ودعا رسول الله ﷺ خراش بن أمية الخزاعي ﵁ فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على بعير له فقال له التغلب: ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا جمل رسول الله ﷺ وأرادوا قتله، فمنعه الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله ﷺ وبعثت قريش أربعين رجلاً منهم أو خمسين وأمروهم أن يطوفوا بعسكر رسول الله ﷺ ليصيبوا لهم من أصحابه أحداً فأخذوا أخذاً فأتى بهم رسول الله ﷺ فعفا عنهم وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكره بالحجارة والنبل، ثم ذكروا إرساله صلّى الله عليه وسلم
стр. 9448
لعثمان ﵁ إلى مكة ثم إرسال قريش لسهيل بن عمرو في الصلح، وروى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: لما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فاضطجعت في أصلها فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في النبي ﷺ فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا آل المهاجرين: قتل ابن زنيم، فاخترطت سيفي ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم، فجعلته ضغثاً في يدي، ثم قلت والذي كرم وجه محمد ﷺ ! لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ وجاء عمي عامر ﵁ برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله ﷺ على فرس مجفف في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﷺ فقال: دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه، فعفا عنهم فأنزل الله تعالى
стр. 9449
﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم﴾ الآية - انتهى. وروى مسلم والنسائي عن أنس بن مالك ﵁ أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من قبل التنعيم متسلحين، يريدون غرة النبي ﷺ وأصحابه ﵃، وفي رواية النسائي: قالوا: نأخذ محمداً ﷺ وأصحابه، فأخذهم النبي ﷺ سلماً فاستحياهم فأنزل الله ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم﴾ الآية.
ولما كان هذا ونحوه من عنف أهل مكة وغلظتهم وصلابتهم وشدتهم ورفق النبي ﷺ ولينه لهم مما أحزن أغلب الصحابة رضي الله تعالى عنهم قال تعالى يسليهم: ﴿وكان الله﴾ أي المحيط بالجلال والإكرام ﴿بما يعملون﴾ أي الكفار - على قراءة أبي عمرو بالغيب، وأنتم - على قراءة الباقين بالخطاب في ذلك الوقت وفيما بعده كما كان قبله ﴿بصيراً *﴾ أي محيط العلم ببواطن ذلك كما هو محيط بظواهره فهو يجريه في هذه الدار التي ربط فيها المسببات بأسبابها على أوثق الأسباب في نصركم وغلبكم لهم وقسركم، وستعلمون ما دبره من دخولكم مكة المشرفة آمنين لا تخافون في عمرة القضاء صلحاً ثم في الفتح بجحفل جرار قد نيطت أظفار المنايا بأسنة رماحه، وعادت
стр. 9450
كؤوس الحمام طوعاً لبيض صفاحه، فيؤمن أكثر أهل مكة وغيرهم ممن هو الآن جاهد عليكم، ويصيرون أحب الناس فيكم يقدمون أنفسهم في جهاد الكفار دونكم، فيفتح الله بكم البلاد، ويظهركم - وهو أعظم المحامين عنكم - على سائر العباد.
ولما كان ما مضى من وصفهم على وجه يشمل غيرهم من جميع الكفار، عينهم مبيناً لسبب كفهم عنهم مع استحقاقهم في ذلك الوقت للبوار والنكال والدمار فقال: ﴿هم﴾ أي أهل مكة ومن لافهم ﴿الذين كفروا﴾ أي أوغلوا في هذا الوصف بجميع بواطنهم وتمام ظواهرهم ﴿وصدوكم﴾ زيادة على كفرهم في عمرة الحديبية هذه ﴿عن المسجد الحرام﴾ أي مكة، ونفس المسجد الحرام، والكعبة، للإخلال بما أنتم فيه من شعائر الإحرام بالعمرة ﴿والهدي﴾ أي وصدوا ما أهديتموه إلى مكة المشرفة لتذبحوه بها وتفرقوه على الفقراء، ومنه أربعون، وفي رواية: سبعون بدنة، كان أهداها النبي ﷺ ﴿معكوفاً﴾ أي حال كونه مجموعاً محبوساً مع رعيكم له وإصلاحه لما أهدى لأجله ﴿أن يبلغ محله﴾ أي الموضع الذي هو أولى المواضع لنحره، وهو الذي إذا أطلق انصرف الذهن إليه، وهو في العمرة المروة، ويجوز الذبح في الحج والعمرة في أي موضع كان من الحرم، فالموضع الذي نحر فيه النبي ﷺ في هذه
стр. 9451
المرة عند الإحصار ليس محله المطلق.
ولما كان التقدير: فلولا ما أشار إليه من ربط المسببات بأسبابها لسلطكم عليهم فغلبتموهم على المسجد وأتممتم عمرتكم على ما أردتم، ثم عطف عليه أمراً أخص منه فقال: ﴿ولولا رجال﴾ أي مقيمون بين أظهر الكفار بمكة ﴿مؤمنون﴾ أي عريقون في الإيمان فكانوا لذلك أهلاً للوصف بالرجولية ﴿ونساء مؤمنات﴾ أي كذلك حبس الكل عن الهجرة العذر لأن الكفار لكثرتهم استضعفوهم فمنعوهم الهجرة، على أن ذلك شامل لمن جبله الله على الخير وعلم منه الإيمان وإن كان في ذلك الوقت مشركاً ﴿لم تعلموهم﴾ أي لم يحط علمكم بهم من جميع الوجوه لتميزوهم بأعيانهم عن المشركين لأنهم ليس لهم قوة التمييز زمنهم بأنفسهم وأنتم لا تعرفون أماكنهم لتعاملوهم بما هم له أهل ولا سيما في حال الحرب والطعن والضرب، ثم أبدل من «الرجال والنساء» قوله: ﴿أن تطؤهم﴾ أي تؤذوهم بالقتل أو ما يقاربه من الجراح والضرب والنهب ونحوه من الوطء الذي هو الإيقاع بالحرب منه قوله ﷺ
«آخر وطأة وطئها الله بوج» يكون ذلك الأذى منكم لهم على ظن أنهم مشركون أذى الدائس لمدوس
стр. 9452
وتضغطوهم وتأخذوهم أخذاً شديداً بقهر وغلبة تصيرون به لا تردون يد لامس ولا تقدرون على مدافعة ﴿فتصيبكم﴾ أي فيتسبب عن هذا الوطء أن يصيبكم ﴿منهم﴾ أي من جهتهم وبسببهم ﴿معرة﴾ أي مكروه وأذى هو كالحرب في انتشاره وأذاه، وإثم وخيانة بقتال دون إذن خاص، وبعدم الإمعان في البحث، وغرم وكفارة ودية وتأسف وتعيير ممن لا علم له، ثم علق بالوطء المسبب عنه إصابة المعرة إتماماً للمعنى قوله: ﴿بغير علم﴾ أي بأنهم من المؤمنين.
ولما دل السياق على أن جواب «لولا» محذوف تقديره: لسلطكم عليهم وما كف أيديكم عنهم، ولكنه علم ذلك، وعلم أنه سيؤمن ناس من المشركين فمن عليكم بأن رفع حرج إصابتهم بغير علم عنكم، وسبب لكم أسباب الفتح الذي كان يتوقع بسبب تسليطكم عليهم بأمر سهل، وكف أيديكم ولم يسلطكم عليه ﴿ليدخل الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿في رحمته﴾ أي إكرامه وإنعامه ﴿من يشاء﴾ من المشركين بأن يعطفهم إلى الإسلام، ومن المؤمنين بأن يستنقذهم منهم على أرفق وجه، ولما كان ذلك، أنتج قوله تعالى: ﴿لو تزيلوا﴾ أي تفرقوا فزال أحد الفريقين عن الآخر زوالاً عظيماً بحيث لا يختلط صنف
стр. 9453
بغيره فيؤمن وطء المؤمنين له بغير علم ﴿لعذبنا﴾ أي بأيديكم بتسليطنا أبو بمجرد أيدنا من غير واسطة ﴿الذين كفروا﴾ أي أوقعوا ستر الإيمان.
ولما كان هذا عاماً لجميع من اتصف بالكفر من أهل الأرض، صرح بما دل عليه السياق فقال: ﴿منهم﴾ أي الفريقين وهم الصادون ﴿عذاباً أليماً *﴾ أي شديد الإيجاع بأيديكم أو من عندنا لنوصلكم إلى قصدكم من الاعتمار والظهر على الكفار، ففيه اعتذار وتدريب على تأدب بعضهم مع بعض، وفي الإشارة إلى بيان سر من أسرار منع الله تعالى لهم من التسليط عليهم حث للعبد على أن لا يتهم الله في قضائه فربما عسر عليه أمراً يظهر له أن السعادة كانت فيه وفي باطنه سم قاتل، فيكون منع الله له منه رحمة في الباطن وإن كان نقمة في الظاهر، فألزم التسليم مع الاجتهاد في الخير والحرص عليه والندم على فواته وإياك والاعتراض، وفي الآية أيضاً أن الله تعالى قد يدفع عن الكافر لأجل المؤمن.
стр. 9454
ولما بين شرط استحقاقهم للعذاب، بين وقته، وفيه بيان لعلته، فقال: ﴿إذ﴾ أي حين ﴿جعل الذين كفروا﴾ أي ستروا ما تراءى من الحق في مرأى عقولهم ﴿في قلوبهم﴾ أي قلوب أنفسهم ﴿الحمية﴾ أي
стр. 9455
المنع الشديد والأنفة والإباء الذي هو في شدة حره ونفوذه في أشد الأجسام كالسم والنار، ولما كان مثل هذه الحمية قد تكون موجبة للرحمة بأن تكون لله، قال مبيناً معظماً لجرمها، ﴿حمية الجاهلية﴾ التي مدارها مطلق المنع أي سواء كان بحق أو بباطل، فتمنع من الإذعان للحق، ومبناها التشفي على مقتضى الغضب لغير الله فتوجب تخطي حدود الشرع، ولذلك أنفوا من دخول المسلمين مكة المشرفة لزيارة البيت العتيق الذي الناس فيه سواء، ومن الإقرار بالبسملة، فأنتجت لهم هذه الحمية أن تكبروا عن كلمة التقوى وطاشوا وخفوا إلى الشرك الذي هو أبطل الباطل.
ولما كانت هذه الحمية مع الكثرة موجبة ولا بد ذل من تصوب إليه ولا سيما إن كان قليلاً، بين دلالة على أن الأمر تابع لمشيئته لا لجاري العادة أنه تأثر عنها ضد ما تقتضيه عادة، فقال مسبباً عن هذه الحمية: ﴿فأنزل الله﴾ أي الذي لا يغلبة شيء وهو يغلب كل شيء بسبب حميتهم ﴿سكينته﴾ أي الشيء اللائق إضافته إليه سبحانه من الفهم عن الله والروح الموجب لسكون القلب المؤثر للإقدام على العدو والنصر عليه، إنزالاً كائناً ﴿على رسوله﴾ ﷺ الذي عظمته من عظمته،
следующие страницы →