← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 9381–9420 · переход к 9386.

стр. 9381

وتجرع مرارات المشقة: ﴿إنما الحياة﴾ وأشار إلى دناءتها تنفيراً عنها بقوله: ﴿الدنيا﴾ ولما كان مطلق العلو موجباً لأعظم اللذاذة فكيف إذا كان موجبه الدين الضامن لدوام اللذة موصولاً دنيويها بأخرويها، وكان اللعب ما ينشأ من زيادة البسط وينقضي بسرعة مع دلالته على الخفة كالرقص، قدمه إشارة إلى أن العاقل من يسعى في زيادة بسط يحمل على الرزانة ويدوم، وأتبعه اللهو لأنه ما يستجلب به السرور كالغنا إشارة إلى أنه إن كان المراد بالدنيا زيادة بسطها فهو ينقضي بسرعة، مع ما فيه من الرعونة، وإن كان المراد أصل البسط والسرور فعندكم منه بالعلو الحاصل لكم بالجهاد ما هو في غاية العظمة والجد والثبات فلا سفه أعظم من العدول عنه إلى ما إن سر حمل على الطيش وانقضى بسرعة، فقال: ﴿لعب﴾ أي أعمال ضائعة سافلة تزيد في السرور ويسرع اضمحلاله، فيبطل من غير ثمرة ﴿ولهو﴾ أي مشغلة يطلب بها إثارة اللذة كالغنا وحيرة وغفلة، فإن

стр. 9382

تتبعوها تكفروا وتبطروا وتجترئوا على الله، وإن تكفروا به وتجترئوا عليه تبطل أجوركم فلا يكون لكم أجر ولا مال لأنه يبطل أعمالكم وأموالكم بكونها تصير صوراً لا معاني لها. ولما صور سبحانه الدنيا بألذ صورها عند الجاهل وأمضها عند العاقل، وحاصله أنها زيادة سرور لمن كان مسروراً، واستجلاب له لمن كان مضروراً، لكنه سريع الانصرام بخلاف ثمرة الاجتماع على الدين من سرور العلو بالإسلام، فإنه باق على الدوام، علم أن التقدير بناء على ما تبع وصف الدنيا، والآخرة جد وعمل وحضور فإن تقبلوا عليها تؤمنوا وتتقوا فلا تخدعنكم الدنيا على دناءتها عن نيل الآخرة بالجهاد الأكبر والأصغر على شرفها وشرفه، قال بانياً على ما أرشد السياق إلى تقديره: ﴿وإن تؤمنوا وتتقوا﴾ أي تخافوا فتجعلوا بينكم وبين غضبه سبحانه وقاية من جهاد أعدائه ومقاساة لفح إيقاد الحروب وحر الأمر بالمعروف وإنفاق الأموال في ذلك، فتكونوا جادين فتتركوا اللهو واللعب القائدين إلى الكفر ﴿يؤتكم﴾ أي الله الذي فعلتم ذلك من أجله في الدار الآخرة ﴿أجوركم﴾ أي

стр. 9383

ثواب كل أعمالكم لبنائها على الأساس ولأنه غني لا ينقصه إلا عطاء، والآية من الاحتباك: ذكر الحياة الدنيا واللهو واللعب أولاً دال على ذكر الآخرة والجد ثانياً، وذكر الإيمان والتقوى ثانياً دال على حذف ضدهما الكفران والجرأة أولاً، وسره أن تصوير الشيء بحال الصبي والسفيه أشد في الزجر عنه عند ذوي الهمم العالية، وذكر الأجر المرتب على الخوف الذي هو فعل الحزمة أعون على تركه. ولما كان الملعوب به الملهو منه يسأل اللاعب اللاهي من ماله، ولا يقنع عند سؤاله، فيكون سبباً لضياع أعماله وأمواله، بين أن المعبود بخلاف ذلك في الأمرين، وأنه يعطي ولا يأخذ لنفسه شيئاً وإنما أخذه أمره بمواصلة بعضكم لبعض فقال تعالى: ﴿ولا يسئلكم﴾ أي الله في الدنيا ﴿أموالكم *﴾ أي لنفسه ولا كلها، وهذا مفهم لأنهم إن لم يتقوا بما ذكر سلط عليه من يأخذ أموالهم بما يخرج أضغانهم، قال ابن برجان: ومتى سئلوا أموالهم بخلوا، فإن أكرهوا على ذلك أشحنوا ضغائن وحقائد، ولم يكن من الإمام لهم نصيحة ولا منهم للإمام ولا لبعضهم لبعض، وكان الخلاف، وفي ذلك

стр. 9384

الحالقة، وهو إنذار منه سبحانه بما يكون بعد، وما أنذر شيئاً إلا كان منه ما شاء الله.

стр. 9385

ولما كان الإنسان، لما جبل عليه من النقصان، قد يهلك جميع أمواله لهواً ولعباً بالمقامرة ونحوها، ولا ينهاه ذلك بل لا يزيده إلا إقبالاً رجاء أن يظفر، ولو سئل جميع ماله في الطاعة لبخل، قال تعالى ذاكراً لهم ذلك تنبيهاً عليه وإيماء إلى حلمه تعالى عنهم وتحببه إليه معللاً ما قبله: ﴿أن يسئلكموها﴾ أي الأموال كلها، ولما كانت الأموال قد تطلق على معظمها، حقق المعنى بقوله: ﴿فيحفكم﴾ أي يبالغ في سؤالكم ويبلغ فيه الغاية حتى يستأصلها فيجهدكم بذلك ﴿تبخلوا﴾ فلا تعطوا شيئاً ﴿ويخرج﴾ أي الله أو المصدر المفهوم من «تبخلوا» بذلك السؤال ﴿أضغانكم *﴾ أي ميلكم عنه حتى يكون آخر ذلك عداوة وحقداً، وقد دل إضافة الأضغان إلى ضميرهم أن كل إنسان ينطوي بما له من النقصان، على ما جبل عليه من الإضغان، إلا من عصم الرحيم الرحمن، قال الرازي: وهذا دليل على أن العبد إذا منع في مواسم الخيرات سوى الزكاة لم يخرج من البخل، فحد البخل منع ما يرتضيه الشرع والمروءة فلا بد من مراعاة المروءة ورفع قبح الأحدوثة، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وقدم المادة مهما ظهر له أن فائدة البذل

стр. 9386

أعظم من فائدة الإمساك ثم يشق عليه البذل فهو بخيل محب للمال، والمال لا ينبغي أن يحب لذاته بل لفائدته، وحفظ المروءة أعظم وأفضل وأقوى من التنعم بالأكل الكثير مثلاً. ولما أخبر ببخلهم لو سئلوا جميع أموالهم أو أكثرها، دل عليه بمن يبخل منهم عما سأله منهم وهو جزء يسير جداً من أموالهم، فقال منبهاً لهم على حسن تدبيره لهم وعفوه عنهم عند من جعل «ها» للتنبيه، ومن جعل الهاء بدلاً من همزة استفهام جعلها للتوبيخ والتقريع، لأن من حق من دعاه مولاه أن يبادر للإجابة مسروراً فضلاً أن يبخل، وفي هاء التنبيه ولا سيما عند من يرى تكررها تأكيد لأجل استبعادهم أن أحداً يبخل عما يأمر الله به سبحانه: ﴿هأنتم﴾ وحقر أمرهم أو أحضره في الذهن وصوره بقوله: ﴿هؤلاء تدعون﴾ أي إلى ربكم الذي لا يريد بدعائكم إلا نفعكم وأما هو فلا يلحقه نفع ولا ضر ﴿لتنفقوا﴾ شيئاً يسيراً من الزكاة وهي ربع العشر ونحوه، ومن نفقة الغزو وقد يحصل من الغنيمة أضعافها وقد يحصل من المتجر أو أكثر، وقد عم ذلك وغيره

стр. 9387

قوله: ﴿في سبيل الله﴾ أي الملك الأعظم الذي يرجى خيره ويخشى ضيره، بخلاف من يكون وما يكون به اللهو اللعب. ولما أخبر بدعائهم، فصلهم فقال تعالى: ﴿فمنكم﴾ أي أيها المدعون ﴿من يبخل﴾ وهو منكم لا شك فيه، وحذف القسم الآخر وهو «ومنكم من يجود» لأن المراد الاستدلال على ما قبله من البخل. ولما كان بخله عمن أعطاه المال بجزء يسير منه إنما طلبه ليقع المطلوب منه فقط زاد العجب بقوله: ﴿ومن﴾ أي والحال أنه من ﴿يبخل﴾ بذلك ﴿فإنما يبخل﴾ أي بماله بخلاً صادراً ﴿عن نفسه﴾ التي هي منبع الدنايا، فلا تنفس ولا تنافس إلا في الشيء الخسيس، فإن نفع ذلك الذي طلب منه فبخل به إنما هو له، وأكده لأنه لا يكاد أحد يصدق أن عاقلاً يتجاوز بماله عن نفع نفسه، ولذا حذف «ومن يجد فإنما يجد على نفسه» لفهمه عن السياق واستغناء الدليل عنه، هذا والأحسن أن يكون «يبخل» متضمناً «يمسك» ثم حذف «يمسك» ودل عليه بحال محذوفة دل عليها التعدية بعن. ولما كان سؤال المال قد يوهم شيئاً، قال مزيلاً له مقرراً لأن بخل الإنسان إنما هو عن نفسه عطفاً على ما تقديره: لأن ضرر بخله إنما

стр. 9388

يعود عليه وهو سبحانه لم يسألكم ذلك لحاجته إليه ولا إلى شيء منكم، بل لحاجتكم إلى الثواب، وهو سبحانه قد بنى أمور هذه الدار كما اقتضته الحكمة على الأسباب: ﴿والله﴾ أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ﴿الغني﴾ أي وحده ﴿وأنتم﴾ أيها المكلفون خاصة ﴿الفقراء﴾ لأن العطاء ينفعكم والمنع يضركم. فمن افتقر منكم إلى فقير مثله وقع في الذل والهوان، وقد جرت عادتكم أن يداخلكم من السرور ما لا يجد إذا طلب من أحد منكم أحد من الأجواد الأغنياء شيئاً طمعاً في جزائه، فكونوا كذلك وأعظم إذا طلب منكم الغنى المطلق. ولما كان التقدير: فإن تقبلوا بنولكم تفلحوا عطف عليه قوله مرهباً لأن الترهيب أردع: ﴿وإن تتولوا﴾ أي توقعوا التولي عنه تكلفوا أنفسكم ضد ما تدعو إليه الفطرة الأولى من السماح بذلك الجزاء اليسير جداً الموجب للثواب الخطير والفوز الدائم، ومن الجهاد في سبيله، والقيام بطاعته، لكونه المحسن الذي لا محسن في الحقيقة غيره ﴿يستبدل﴾ أي يوجد ﴿قوماً﴾ فيهم قوة وكفاية لما يطلب منهم محاولته.

стр. 9389

ولما كان ذلك مفهماً أنهم غيرهم، لكنه لا يمنع أن يكونوا - مع كونهم غير أعيانهم - من قومهم أو أن يشأ دونهم في الصفات وإن كانوا من غير قومهم، نبه على أنهم يكونون من غير قومهم وعلى غير صفاتهم، بل هم أعلى منهم درجة وأكرم خليقة وأحسن فعلاً فقال تعالى: ﴿غيركم﴾ أي بدلاً منكم وهو على غير صفة التولي. ولما كان الناس متقاربين في الجبلات، وكان المال محبوباً، كان من المستبعد جداً أن يكون هذا البذل على غير ما هم عليه، قال تعالى مشيراً إلى ذلك بحرف التراخي تأكيداً لما أفهمه ما قلته من التعبير ب «غير» وتثبيتاً له: ﴿ثم﴾ أي بعد استبعاد من يستبعد وعلو الهمة في مجاوزة جميع عقبات النفس والشيطان: ﴿لا يكونوا أمثالكم *﴾ في التولي عنه بترك شيء مما أمر به أو فعل شيء مما نهى عنه، ومن قدر على الإيجاد قدر على الإعدام. بل هو أهون في مجاري العادات، فقد ثبت أنه سبحانه لو شاء لانتصر من الكفار، إما بإهلاكهم أو إما بناس غيركم بضرب رقابهم وأسرهم، وغير ذلك من أمرهم، وثبت بمواصلة ذم الكفار مع قدرته عليهم

стр. 9390

أنه أبطل أعمالهم، فرجع بذلك أول السورة إلى آخرها، وعانق موصله ما ترى من مفصلها، وعلم أن معنى هذا الآخر وذلك الأول أنه سبحانه لا بد من إذلاله للكافرين وإعزازه للمؤمنين لأنهم إن أقبلوا على ما يرضيه فجاهدوا نصرهم نصراً عزيزاً بما ضمنه قوله تعالى ﴿إن تنصروا الله ينصركم وثبت أقدامكم﴾ وإن تتولوا أتى بقوم غيركم يقبلون عليه فيصدقهم وعده، فصار خذلانهم أمراً متحتماً، وهو معنى أول سورة محمد - والله الموفق لما يريد من الصواب.

стр. 9391

سورة الفتح مقصودها مدلول اسمها الذي يعم فتح مكة وما تقدمه من صلح الحديبية وفتح خيبر ونحوهما، وما وقع تصديق الخبر به من غلب الروم على أهل فارس وما تفرع من فتح مكة المشرفة من إسلام أهل جزيرة العرب وقتال أهل الردة وفتوح جميع البلاد الذي يجمعه كله إظهار الذين على الدين كله، وهذا كله في غاية الظهور بما نطق ابتداؤها) ليظهر على الدين كله () محمد رسول الله (إلى قوله) ليغيظ بهم الكفار) أي بالفتح الأعظم وما دونه من الفتوحات) وعد الله الذين آمنوا وعملوةا الصالحات منهم مغفرة (كما كان في أولهاع للرسول ﷺ ) وأجرا عظيما (كذلك بسائر الفتوحات وما حوت من اللغنائم للثواب الجزيل على ذلك في دار الجزاء) بسم الله (الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة وعلما) الرحمن (الذي عم المكلفين بنعمة الوعد والوعيد) الرحيم (الذي اختص أهل حزبه لأقامة دينه الحق فأظهرهم على سائر العبيد

стр. 9392

لما كانت تلك سورة الجهاد وكانت هذه سورة محمد بشارة

стр. 9393

للمجاهدين من أهل هذا الدين بالفوز والنصر والظفر على كل من كفر، وهذا كما سيأتي من إيلاء سورة النصر لسورة الكافرون، فأخبرت القتال عن الكافرين بإبطال الأعمال والتدمير وإهلاكهم بالتقال، وإفساد جميع الأحوال، وعن الذين آمنوا بما نزل على محمد ﷺ بالهداية وإصلاح البال، وختمها بالتحريض على مجاهدتهم بعد أن ضمن لمن نصره منهم النصر وتثبيت الأقدام، وهدد من أعرض باستبدال غيره به، وإن ذلك البدل لا يتولى عن العدو ولا ينكل عنه، فكان ذلك محتماً لسفول الكفر وعلو الإيمان، وذلك بعينه هو الفتح المبين، فافتتح هذه بقوله على طريق النتيجة لذلك بقوله مؤكداً إعلاماً بأنه لا بد منه وأنه مما ينبغي أن يؤكد لابتهاج النفوس الفاضلة به، وتكذيب من في قلبه مرض وهم أغلب الناس في ذلك الوقت. ﴿إنا﴾ أي بما لنا من العظمة التي لا تثبت لها الجبال ﴿فتحنا﴾ أي أوقعنا الفتح المناسب لعظمتنا لكل متعلق بإتقان الأسباب المنتجة له من غير شك، ولذلك عبر عنه بالماضي. ولما كانت منفعة ذلك له ﷺ لأن إعلاء كلمة الله يكون به فيعليه ويمتلىء الأرض من أمنه، فلا يعمل منهم أحد حسنة

стр. 9394

إلا كان له مثل أجرها ويكونون على قصر زمنهم ثلثي أهل الجنة، فيكون ذلك شرفاً له - إلى غير ذلك الأسرار، التي يعيى دون أيسرها الكفار، قال: ﴿لك﴾ أي بصلح الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة التي نزلت هذه السورة في شأنه، يصحبان في الرجوع منه إلى المدينة المشرفة، قال الأزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فرأوا ما لا أعدل منه ولا أحسن، فاستولى الإسلام على قلوبهم وتمكن منهم فأسلم منهم في ثلاث سنين خلق كثير، وكذا كان من الفتح تقوية أمره ﷺ بالتصديق فيما أنزل عليه من سورة من غلبهم على أهل فارس في رواية من قال: إنه كان في زمن الحديبية، ثم زاده تأكيداً بقوله: ﴿فتحاً﴾ وزاد في إعظامه بقوله: ﴿مبيناً *﴾ أي لا لبس فيه على أحد، بل يعلم كل ذي عقل به أنك ظاهر على جميع أهل الأرض لأنك كنت وحدك، وكان عند أهل الكفر أنك في أيديهم، وأن أمرك لا يعدو فمك، فتبعك ناس ضعفاء فعذبوهم وكانوا معهم في أسوأ الأحوال، وتقرر ذلك في إذهانهم مدداً طوالاً ثلاث عشرة سنة، ثم انقذ الله أتباعك منهم بالهجرة إلى النجاشي رحمه الله تعالى أولاً، وإلى

стр. 9395

المدينة الشريفة ثانياً، وهم مطمئنون بأنك أنت - وأنت رأسهم - لا ينتظم لهم بدونك أمر، ولا يحصل لكسرهم ما لم تكن معهم جبر، بأنك في قبضتهم لا خلاص لك أبداً منهم ولا انفكاك من بلدتهم، فاستخرجك الله من عندهم بعد أن حماك على خلاف القياس وأنت بينهم من أن يقتلوك، مع اجتهادهم في ذلك واستفراغهم قواهم في أذاك، ثم بذلوا جهدهم في منعك من الهجرة فما قدروا، ثم في ردك فما أطاقوا ولا فازوا ولا ظفروا. بل غلبوا وقهروا، ثم أيدك بأنصار أبرار أخيار فكنتم على قلتكم كالليوث الكواسر والبحار الزواخر، ما ملتم على جهة إلا غمرتموها، وفزتم بالنصف من أربابها قتلتموها أو أسرتموها ولم تزالوا تزدادون وتقوون، وهم ينقصون ويضعفون، حتى أتيتموهم في بلادهم التي هم قاطعون بأنهم ملوكها، يتعذر على غيرهم غلبهم عليها بل سلوكها، فما دافعوكم عن دخول عليهم إلا بالراح، وسألوكم في وضع الحرب للدعة والإصلاح، فقد ظهرت أعلام الفتح أتم ظهور، وعلم أرباب القلوب أنه لا بد أن تكون في امتطائكم الذرى وسموكم إلى رتب المعالي

стр. 9396

وأيّ أمور، وروى الإمام أحمد عن مجمع بن جارية الأنصاري ﵁ قال: «شهدنا الحديبية مع النبي ﷺ ، فلما انصرفنا منها إذا الناس يهزون الأباعر فقال بعضهم: ما بال الناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله ﷺ ، قال: فخرجنا نوجف، فوجدنا النبي ﷺ واقفاً على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس قرأ ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ فقال عمر ﵁: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده» . وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ارتباط هذه السورة بالتي قبلها واضح من جهات - وقد يغمض بعضها - منها أن سورة القتال لما أمروا فيها بقتال عدوهم في قوله تعالى ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ الآية، وأشعروا بالمعونة عند وقوع الصدق في قوله ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ استدعى ذلك تشوف النفوس إلى حالة العاقبة فعرفوا ذلك في هذه السورة فقال تعالى ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ - الآيات، فعرف تعالى نبيه ﷺ بعظيم صنعه له، وأتبع ذلك بشارة المؤمنين العامة فقال ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين﴾ - الآيات، والتحمت إلى التعريف بحال من نكث من مبايعته ﷺ ،

стр. 9397

وحكم المخلفين من الأعراب، والحض على الجهاد، وبيان حال ذوي الأعذار، وعظيم نعمته سبحانه على أهل بيعته ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ وأثابهم الفتح وأخذ المغانم وبشارتهم بفتح مكة ﴿لتدخلن المسجد الحرام﴾ إلى ما ذكر سبحانه من عظيم نعمته عليهم وذكرهم في التوراة والإنجيل ما تضمنت هذه السورة الكريمة، ووجه آخر وهو أنه لما قال الله تعالى في آخر سورة القتال ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم﴾ كان هذا إجمالاً في عظيم ما منحهم وجليل ما أعطاهم، فتضمنت سورة محمد تفسير هذا الإجمال وبسطه، وهذا يستدعي من بسط الكلام ما لم تعتمده في هذا التعليق، وهو بعد مفهوم مما سبق من الإشارات في الوجه الأول، ووجه آخر مما يغمض وهو أن قوله تعالى ﴿وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ إشارة إلى من يدخل في ملة الإسلام من الفرس وغيرهم عند تولي العرب، وقد أشار أيضاً إلى هذا قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤] وأشار إلى ذلك ﵊: «ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا» - وعقد السبابة بالإبهام، أشار عليه الصلاة والسلام

стр. 9398

إلى تولي العرب واستيلاء غيرهم الواقع في الآيتين، وإنما أشار ﵊ بقوله «اليوم» إلى التقديم والتأخير، وفرغ هذا الأمر إلى أيام أبي جعفر المنصور، فغلبت الفرس والأكراد وأهل الصين وصين الصين - وهو ما يلي يأجوج ومأجوج - وكان فتحاً وعزاً وظهوراً لكلمة الإسلام، وغلب هؤلاء في الخطط والتدبير الإماري وسادوا غيرهم، ولهذا جعل ﷺ مجيئهم فتحاً فقال: «فتح اليوم» ولو أراد غير هذا لم يعبر بفتح، ألا ترى قول عمر لحذيفة ﵄ في حديث الفتن حين قال له «إن بينك وبينها باباً مغلقاً» فقال عمر: أيفتح ذلك الباب أم يكسر؟ فقال: بل يكسر. ففرق بين الفتح والكسر، وإنما أشار إلى قتل عمر ﵁، ولذا قال ﵊ «فتح» وقال: «من ردم يأجوج ومأجوج» وأراد من نحوهم وجهتهم وأقاليمهم، لأن الفرس ومن أتى معهم هم أهل الجهات التي تلي الردم، فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم﴾ إشارة إلى غلبة من ذكرنا وانتشارهم في الولايات والخطط الدينية والمناصب العلمية. ولما كان هذا قبل أن يوضح أمره يوهم نقصاً وخطأ، بين أنه تجديد فتح وإعزاز منه تعالى لكلمة الإسلام، فقال تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ الآيات، ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في تلخيض التلخيض علماء المالكية مشيراً إلى تفاوت درجاتهم ثم قال: وأمضاهم في النظر عزيمة وأقواهم فيه شكيمة أهل خراسان: العجم أنساباً وبلداناً، والعرب عقائد وإيماناً، الذين ينجز فيهم وعد الصادق المصدوق، وملكهم الله مقاليد التحقيق حين أعرضت العرب عن العلوم وتولت عنها، وأقبلت على الدنيا واستوثقت منها، «قال أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله! من هؤلاء الذين قال الله ﴿وإن تتولوا

стр. 9399

يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ فأشار ﵊ إلى سلمان وقال: لو كان الإيمان في الثريا لناله رجال من هؤلاء» - انتهى. ولما أخبر سبحانه بالفتح عقب سورة ﴿الذين كفروا﴾ بشارة بظهور أهل هذا الدين وإدبار الكافرين - كما سيأتي في إيلاء سورة النصر بسورة الكافرين، لذلك علل الفتح بالمغفرة وما بعدها رمزاً إلى وفاة النبي ﷺ بروحي هو وأبي وأمي - وإيماء إلى أن المراد من إخراجه إلى دار الفناء إنما هو إظهار الدين

стр. 9400

القيم وإزهاق الباطل لتعلو درجته وتعظم رفعته، فعند حصول الفتح ثم المراد كما كانت سورة النصر الوالية للكافرين رامزة إلى ذلك كما هو مشهور ومذكور ومسطور، فالفتح الذي هو أحد العلامات الثلاث المذكورة كما في سورة النصر على جميع المناوين، الذي هو السبب الأعظم في ظهور دينه على الدين كله الذي هو العلامة العظمى على اقتراب أجله - نفسي فداؤه وإنسان عيني من كل سوء وقاؤه - فقال تعالى: ﴿ليغفر لك الله﴾ مشيراً بالانتقال من أسلوب العظمة بالنون إلى أسلوب الغيبة المشير إلى غاية الكبرياء بالإسناد إلى الاسم الأعظم إلى أن هذه المغفرة بحسب إحاطة هذا الاسم الجامع لجميع الأسماء الحسنى: ﴿ما تقدم من ذنبك﴾ أي الذي تقدم في القتال أمرك بالاستغفار له وهو مما ينتقل به من مقام كامل إلى مقام فوقه أكمل منه، فتراه بالنسبة إلى أكملية المقام الثاني ذنباً، وكذا قوله: ﴿وما تأخر﴾ قال الرازي: المغفرة المعتبرة لها درجات كما أن الذنوب لها درجات «حسنات الأبرار سيئات المقربين» انتهى. ويجوز أن يكون المراد: لتشاهد المغفرة بالنقلة إلينا بعد علم اليقين بعين اليقين وحق اليقين، فالمعنى أن الله يتوفاه ﷺ عقب الفتح ودخول جميع العرب الذين

стр. 9401

يفتتحون جميع البلاد ويهدي الله بهم سائر العباد في دينه، ويأس الشيطان من أن يعبد في جزيرتهم إلا بالمحقرات لوجود المقصود من امتلاء الأكوان بحسناته ﷺ ، وعموم ما دل عليه اسمه المذكور في هاتين السورتين من حمده تعالى بكماله في ذاته وصفاته ببلوغ أتباعه إلى حد لا يحصرون فيه بعد، ولا يقف لهم مخلوق على حد. ولما كان تمام النعمة يتحقق بشيئين: إظهار الدين والتقلة إلى مرافقة النبيين، قال تعالى مخبراً بالشيئين: ﴿ويتم نعمته عليك﴾ بنقلك من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ومن عالم الكون والفساد إلى عالم الثبات والصلاح، الذي هو أخص بحضرته وأولى برحمته وإظهار أصحابك من بعدك على جميع أهل الملل، ويدحضون شبه الشيطان، ويدمغون كل كفران، وينشرون رايات الإيمان في جميع البلدان، بعد إذلال أهل العدوان، ومحو كل طغيان. ولما كانت هدايتهم من هدايته، أضافها سبحانه إليه إعلاماً له أنها هداية تليق بجانبه الشريف سروراً له فقال: ﴿ويهديك﴾ أي بهداية جميع قومك ﴿صراطاً مستقيماً *﴾ أي واضحاً جليلاً جلياً موصلاً إلى

стр. 9402

المراد من كتاب لا عوج فيه بوجه، هداية تقتضي لزومه والثبات عليه ﴿وينصرك الله﴾ بنصرهم على ملوك الأمم وجلائهم لسائر الغمم، نصراً يليق إسناده إلى اسمه المحيط بسائر العظم ﴿نصراً عزيزاً﴾ أي يغلب المنصور به كل من ناواه ولا يغلبه شيء مع دوامه فلا ذل بعده لأن الأمة التي تنصف به لا يظهر عليها أحد، والدين الذي قضاه لأجله لا ينسخه شيء. ولما كان ﷺ قد أخبر المؤمنين برؤياه أنه يطوف بالكعبة الشريفة، وعز على العمرة عام الحديبية، وخرج ﷺ وخرج معه خلاصة أصحابه ألف وخمسمائة، فكانوا مؤقنين أنهم يعتمرون في وجههم ذلك، وقر ذلك في صدورهم وأشربته قلوبهم، فصار نزعه منها أشق شيء يكون، قصدهم المشركون بعد أن بركت ناقته وصالحهم ﷺ على أن يرجع عنهم في ذلك العام ويعتمر في مثل ذلك الوقت من القابل، وكان ذلك - بل أدنى منه - مزلزلاً للاعتقاد مطرقاً للشيطان الوسوسة في الدين، وقد كان مثله في الإسراء ولم يكن ﷺ أخبر بما يوهم في أمره فارتد ناس كثير بسببه، قال تعالى دالاً على النصر بتثبيت المؤمنين في هذا المحل الضنك إظهاراً لتمام قدرته ولطيف حكمته:

стр. 9403

﴿هو﴾ أي وحده ﴿الذي أنزل﴾ في يوم الحديبية ﴿السكينة﴾ أي الثبات على الدين ﴿في قلوب المؤمنين﴾ أي الراسخين في الإيمان وهم أهل الحديبية بعد أن دهمهم فيها ما من شأنه أن يزعج النفوس ويزيغ القلوب من صد الكفار ورجوع الصحابة رضي الله تعالى عنهم دون مقصودهم، فلم يرجع أحد منهم عن الإيمان بعد أن ماج الناس وزلزلوا حتى عمر ﵁ مع أنه الفاروق ومع وصفه في الكتب السالفة بأنه قرن من حديد - فما الظن بغيره في فلق نفسه وتزلزل قلبه، وكان للصديق ﵁ من القدم الثابت والأصل الراسخ ما علم به ﵁ أنه لا يسابق، ثم ثبتهم الله أجمعين، قال الرازي: والسكينة الثقة بوعد الله، والصبر على حكم الله، بل السكينة ههنا معين بجمع فوزاً وقوة وروحاً، يسكن إليه الخائف ويتسلى به الحزين، وأثر هذه السكينة الوقار والخشوع وظهور الحزم في الأمور - انتهى. وكل من رسخ في الإيمان، له في هذه الآية نصيب جناه دان. ولما أخبر بما لا يقدر عليه غيره، علله بقوله: ﴿ليزدادوا﴾ أي بتصديق الرسول حين قال لهم: إنهم لا بد أن يدخلوا مكة ويطوفوا بالبيت العتيق، وحلهم الله به من الشبهة بتذكرهم أنه لم يقل لهم: إنهم

стр. 9404

يدخلون العام ﴿إيماناً﴾ بهذا التصديق بالغيب من أن صلحهم للكفار ورجوعهم من غير بلوغ قصدهم هو عين الفتح لترتب الصلح عليه وترتب فشو الإسلام على الصلح كما كشف عنه الوجود بعد ذلك ليقيسوا عليه غيره من الأوامر ﴿مع إيمانهم﴾ الثابت من قبل هذه الواقعة، قال القشيري ﵀: بطلوع أقمار اليقين على نجوم علم اليقين، ثم بطلوع شمس حق اليقين على بدر عين اليقين. ولما كان ربما ظن شقي من أخذ الأمور بالتدريج شيئاً في القدرة قال: ﴿ولله﴾ أي الذي أنزل السكينة عليهم ليكون نصرهم في هذه العمرة بالقوة ثم يكون عن قريب بالفعل والحال أنه له وحده ﴿جنود السماوات والأرض﴾ أي جميعها، ومنها السكينة، يدبرهم بلطيف صنعه وعجيب تدبيره، فلو شاء لنصر المؤمنين الآن بالفعل، ودمر على أعدائهم بجنود من جنوده أو بغير سبب، لكنه فعل ذلك ليكون النصر بكم، فيعلوا أمركم ويعظم أجركم، ويظهر الصادق في نصره من الكاذب، فإن الدار دار البلاء، وبناء المسببات على الأسباب على وجه الأغلب فيه الحكمة، لا القهر وظهور الكلمة، فاسمه الباطن هو الظاهر في هذه الدار، فلذلك ترى المسببات مستورات بأسبابها، فلا يعلم الحقائق إلا البصراء ألا ترى أنه ﷺ لما نزلت عليه هذه السورة فتلاها

стр. 9405

عليه قال بعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين: أي رسول الله وفتح هو؟ قال بعضهم: لقد صدونا عن البيت وصدوا هدينا، فقال رسول الله ﷺ : «بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتح، أما رضيتم أن تطرقوهم في بلادهم فيدفعوكم عنها بالراح ويسألوكم التضير ويرغبون إلكم في الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا وأظفركم الله عليهم وردكم سالمين مأجورين، فهو أعظم الفتوح، أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم، أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون» ، فقال المسلمون: صدق الله ورسوله فهو أعظم الفتوح. والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه لأنت أعلم بالله وأمره منا. وأنزل الله تأكيدا لأمر الرؤيا لمن أشكل عليهم حالها ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام﴾ الآية، فهذه الأشياء كلها كما ترى راجعة إلى الخفاء بالتعجب في أستار الأسباب، فلا يبصرها إلا أرباب التدقيق في النظر في حكمة الله سبحانه. ولما كان مبنى ما مضى كله على القدرة بأمور خفية يظهر منها

стр. 9406

من الضعف غير ما كشف عنه الزمان من القوة، وكان تمام القدرة متوقفاً على شمول العلم، قال تعالى: ﴿وكان الله﴾ أي الملك الأعظم أزلاً وأبداً ﴿عليماً﴾ بالذوات والمعاني ﴿حكيماً *﴾ في إتقان ما يصنع، فرده لهم عن هذه العمرة بعد أن دبر أمر الصلح ليأمن الناس فيداخل بعضهم بعضاً لما علم من أنه لا يسمع القرآن أحد له عقل مستقيم ويرى ما عليه أهله من شدة الاستمساك به والبغض لما كانوا فيه من متابعة الآباء إلا بادر إلى المتابعة ودخل في الدين برغبة، وأدخل سبحانه خزاعة في صلح النبي ﷺ وبني بكر وهم أعداؤهم في صلح قريش ليبغوا عليهم فتعينهم قريش الصلح بعد أن كثرت جنود الله وعز ناصر الدين، فيفتح الله بهم مكة المشرفة، فتنشر أعلام الدين، وتخفق ألوية النصر المبين، ويدخل الناس في الدين أفواجاً، فيظهر دين الإسلام على جميع الأديان.

стр. 9407

ولما دل على الفتح بالنصر وما معه، وعلل الدين بالسكينة، علل علة الدليل وهي ﴿ليزدادوا إيماناً﴾ وعلل ما دل عليه ملك الجنود من تدبيرهم وتدبير الأكوان بهم بقوله تعالى زيادة في السكينة: ﴿ليدخل﴾ أي بما أوقع في السكينة ﴿المؤمنين والمؤمنات﴾ الذين جبلهم جبلة خير بجهاد بعضهم ودخول بعضهم في الدين بجهاد

стр. 9408

المجاهدين، ولو سلط على الكفار جنوده من أول الأمر فأهلكوهم أو دمر عليهم بغير واسطة لفات دخول أكثرهم الجنة، وهم من آمن منهم بعد صلح الحديبية ﴿جنات﴾ أي بساتين لا يصل إلى عقولكم من وصفها إلا ما تعرفونه بعقولكم وإن كان الأمر أعظم من ذلك ﴿تجري﴾ ودل وقرب وبعض بقوله: ﴿من تحتها الأنهار﴾ فأي موضع أردت أن تجري منه نهراً قدرت على ذلك، لأن الماء قريب من وجه الأرض مع صلابتها وحسنها. ولما كان الماء لا يطيب إلا بالقرار تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ أي لا إلى آخر. ولما كان السامع لهذا ربما ظن أن فعله ذلك باستحقاق، قال إشارة إلى أنه لا سبب إلا رحمته: ﴿ويكفر﴾ أي يستر ستراً بليغاً شاملاً ﴿عنهم سيئاتهم﴾ التي ليس من الحكمة دخول الجنة دار القدس قبل تكفيرها، بسبب ما كانوا متلبسين به منها من الكفر وغيره، فكان ذلك التكفير سبباً لدخولهم الجنة ﴿وكان ذلك﴾ أي الأمر العظيم من الإدخال والتكفير المهيىء له، وقدم الظرف تعظيماً لها فقال تعالى: ﴿عند الله﴾ أي الملك الأعظم ذي الجلال والإكرام ﴿فوزاً عظيماً *﴾

стр. 9409

يملأ جميع الجهات. ولما كان من أعظم الفوز إقرار العين بالانتقام من العدو وكان العدو المكاتم أشد من العدو المجاهر المراغم قال تعالى: ﴿ويعذب المنافقين﴾ أي يزيل كل ما لهم من العذوبة ﴿والمنافقات﴾ بما غاظهم من ازدياد الإيمان ﴿والمشركين والمشركات﴾ بصدهم الذي كان سبباً للمقام الدحض الذي كان سبباً لإنزال السكينة الذي كان سبباً لقوة أهل الإسلام بما تأثر عنه من كثرة الداخلين فيه، الذي كان سبباً لتدمير أهل الكفران، ثم بعد ذلك عذاب النيران. ولما أخبر بعذابهم، أتبعه وصفهم بما سبب لهم ذلك فقال تعالى: ﴿الظانين بالله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال ﴿ظن السوء﴾ من أنه لا يفي بوعده في أنه ينصره رسوله ﷺ وأتباعه المؤمنين أو أنه لا يبعثهم. أو أنه لا يعذبهم لمخالفة رسوله ﷺ . ومشاققة أتباعه. ولما أخبر بعذابهم فسره بقوله: ﴿عليهم﴾ أي في الدنيا والآخرة بما يخزيهم الله به من كثرة جنوده وغيظهم منهم وقهرهم بهم ﴿دائرة السوء﴾ التي دبروها وقدروها للمسلمين لا خلاص لهم منها، فهم مخذولون في كل موطن خذلاناً ظاهراً يدركه

стр. 9410

كل أحد، وباطناً يدركه من أراد الله تعالى من أرباب البصائر كما اتفق في هذه العمرة، والسوء - بالفتح والضم: ما يسوء كالكره إلا أنه غلب في أن يضاف إلى ما يراد ذمه، والمضموم جار مجرى الشر الذي هو ضد الخير - قاله في الكشاف. ولما كان من دار عليه السوء قد لا يكون مغضوباً عيه، قال: ﴿وغضب الله﴾ أي الملك الأعظم بما له من صفات الجلال والجمال فاستعلى غضبه ﴿عليهم﴾ ، وهو عبارة عن أنه يعاملهم معاملة الغضبان بما لا طاقة لهم به. ولما كان الغضب قد لا يوجب الإهانة والإبعاد قال: ﴿ولعنهم﴾ أي طردهم طرداً سفلوا به أسفل سافلين، فبعدوا به عن كل خير. ولما قرر ما لهم في الدارين، وكان قد يظن أنه يخص الدنيا فلا يوجب عذاب الآخرة، أتبعه بما يخصها فقال: ﴿وأعد﴾ أي هيأ الآن ﴿لهم جهنم﴾ تلقاهم بالعبوسة والغيظ والزفير والتجهم كما كانوا يتجهمون عباد الله مع ما فيها من العذاب بالحر والبرد والإحراق، وغير ذلك من أنواع المشاق. ولما كان التقدير: فساءت معداً، عطف عليه قوله: ﴿وساءت مصيراً *﴾ . ولما كان هذا معلماً بأن الكفار - مع ما يشاهد منهم من الكثرة الظاهرة والقوة المتضافرة المتوافرة - لا اعتبار لهم لأن البلاء

стр. 9411

محيط بهم في الدارين، وكان ذلك أمراً يوجب تشعب الفكر في المؤثر فيهم ذلك، عطف على ما تقديره إعلاماً بأن التدبير على هذا الوجه لحكم ومصالح يكل عنها الوصف، ودفعاً لما قد يتوهمه من لم يرسخ إيمانه مما يجب التنزيه عنه: فلله القوة جميعاً يفعل ما يشاء فيمن يشاء من غير سبب ترونه: ﴿ولله﴾ أي الملك الأعظم ﴿جنود السماوات والأرض﴾ فهو يسلط ما يشاء منها على من يشاء. ولما كان ما ذكر من عذاب الأعداء وثواب الأولياء متوقفاً على تمام العلم ونهاية القدرة التي يكون بها الانتقام والسطوة قال تعالى: ﴿وكان الله﴾ الملك الذي لا أمر لأحد مع أزلاً وأبداً ﴿عزيزاً﴾ يغلب ولا يغلب ﴿حكيماً *﴾ يضع الشيء في أحكم مواضعه، فلا يستطاع نقض شيء مما ينسب إليه . ولما تبين أنه ليس لغيره مدخل في إيجاد النصر، وكانت السورة من أولها حضرة مخاطبة وإقبال فلم يدع أمر إلى نداء بياء ولا غيرها. وكان كأنه قيل: فما فائدة الرسالة إلى الناس؟ أجيب بقوله تقريراً لما ختم به من صفتي العزة والحكمة. ﴿إنا﴾ بما لنا من العزة والحكمة ﴿أرسلناك﴾ أي بما لنا من العظمة التي هي معنى العزة

стр. 9412

والحكمة إلى الخلق كافة ﴿شاهداً﴾ على أفعالهم من كفر وإيمان وطاعة وعصيان، من كان بحضرتك فبنفسك ومن كان بعد موتك أو غائباً عنك فبكتابك، مع ما أيدناك به من الحفظة من الملائكة. ولما كانت البشارة محبوبة إلى النفوس رغبهم فيما عنده من الخيرات وحببهم فيه بصوغ اسم الفاعل منها مبالغة فيه فقال تعالى: ﴿ومبشراً﴾ أي لمن أطاع بأنواع البشائر. ولما كانت لنذارة كريهة جداً، لا يقدم على إبلاغها إلا من كمل عرفانه بما فيها من المنافع الموجبة لتجشم مرارة الإقدام على الصدع بها، أتى بصيغة المبالغة فقال تعالى: ﴿ونذيراً *﴾ .

стр. 9413

ولما ذكر حال الرسالة، ذكر علتها فقال: ﴿لتؤمنوا﴾ أي الذين حكمنا بإيمانهم ممن أرسلناك إليهم - هذا على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيب، وعلى قراءة الباقين بالخطاب المعنى. أيها الرسول ومن قضينا بهداه من أمته، مجددين لذلك في كل لحظة مستمرين عليه، وكذا الأفعال بعده، وذلك أعظم لطفاً لما في الأنس بالخطاب من رجاء الاقتراب ﴿بالله﴾ أي الذي لا يسوغ لأحد من خلقه - والكل خلقه - التوجه إلى غيره لاستجماعه لصفات الجلال والإكرام ﴿ورسوله﴾

стр. 9414

الذي أرسله من له كل شيء ملكاً وملكاً إلى جميع خلقه. ولما كان الإيمان أمراً باطناً، فلا يقبل عند الله إلا بدليل، وكان الإيمان بالرسول إيماناً بمن أرسله، والإيمان بالمرسل إيماناً بالرسول، وحد الضمير فقال: ﴿ويعزروه﴾ أي يعينوه ويقووه وينصروه على كل من ناواه ويمنعوه عن كل من يكيده، مبالغين في ذلك باليد واللسان والسيف، وغير ذلك من الشأن فيؤثروه على أنفسهم وغيرها، تعظيماً له وتفخيماً - هذا حقيقة المادة، وما خالفه فهو إما من باب الإزالة كالعزور بمعنى الديوث، وإما من باب الأول كاللوم والضرب دون الحد، فإنه يوجب للملوم والمضروب وتجنب ما نقم عليه فيعظم، فهو من إطلاق الملزوم على اللازم، وهو من وادي ما قيل: عداي لهم فضل عليّ ومنة ... فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاقتنيت المعاليا ولما كان المعنى يحتمل الإزالة كما ذكر، خلص المراد بقوله: ﴿ويوقروه﴾ أي يجتهدوا في حسن اتباعه في تبجيله وإجلاله بأن يحملوا عنه جميع الأثقال، ليلزم السكينة باجتماع همه وكبر عزمه لزوال ما كان يشعب فكره من كل ما يهمه ﴿ويسبحوه﴾ أي ينزهوه عن

стр. 9415

كل وصمة من إخلاف الوعد بدخول مكة والطواف بالبيت الحرام ونحو ذلك، ويعتقدوا فيه الكمال المطلق، والأفعال الثلاثة يحتمل أن يراد بها الله تعالى، لأن من سعى في قمع الكفار فقد فعل فعل المعزر الموقر، فيكون إما عائداً على المذكور وإما أن يكون جعل الاسمين واحداً إشارة إلى اتحاد المسميين، في الأمر فلما اتحد أمرها وحد الضمير إشارة إلى ذلك. ولما كانت محبة الله ورسوله ترضى منها بدون النهاية قال كائناً عن ذلك: ﴿بكرة وأصيلاً *﴾ أي وعشياً إيصاناً لما بين النهار والليل بذلك. ولما ذكر الرسول ﷺ ما أرسله له، وختم الآية بأنه لا يرضى من ذكره وذكر رسوله إلا بالمداومة بالفعل أو بالقوة مع توحيده الضمير إشارة إلى وحدة الإرادة والمداوة بالفعل أو بالقوة مع توحيده الضمير إشارة إلى وحدة الإرادة والمحبة من الرسول والمرسل، أوضح المراد بتوحيد الضمير بقوله مرغباً في اتباعه ومرهباً لأتباعه عن أدنى فترة أو توان فيما دخلوا فيه من الإيمان

стр. 9416

الذي هو علة الرسال، وما ذكره معه في جواب من يسأل: ما سبب توحيد الضمير والمذكور اثنان؟ مؤكداً لأجل ما غلب على الطباع البشرية من التقيد بالوهم والنكوص عما غاب ولا مرشد إليه سوى العقل: ﴿إن الذين﴾ . ولما كان المضارع قد يراد به مطلق الوقوع لا بقيد زمن معين كما نقلته في أول سورة البقرة عن أبي حيان وغيره، عبر به ترغيباً في تجديد مثل ذلك والاستمرار عليه فقال: ﴿يبايعونك﴾ أي في بيعة الرضوان وقبلها وبعدها على ما جئت به من الرسالة التي مقصودها الأعظم النذارة التي مبناها على المخالفة التي تتقاضى الشدائد التي عمادها الثبات والصبر، وسميت «مبايعة» لأنهم بايعوا أنفسهم فيها من الله بالجنة وهذا معنى الإسلام، فكل من أسلم فقد باع نفسه سبحانه منه ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم﴾ [التوبة: ١١١] ، الآية. ﴿إنما يبايعون الله﴾ أي الملك الأعظم لأن عملك كله من قول وفعل له ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ [النجم: ٣] . ولما عظم بيعته بما رغب فيها ترغيباً مشعراً بالترهيب، زادها تعظيماً بما الترهيب فيه أظهر من الأول، فقال مبيناً للأول: ﴿يد الله﴾ أي

стр. 9417

المتردي بالكبرياء. ولما كان منزهاً. عما قد يتوهم من الجارحة مما فيه شائبة نقص، أومأ إلى نفي ذلك بالفوقية مع ما فيه من الدلالة على تعظيم البيعة فقال: ﴿فوق أيديهم﴾ أي في المبايعة عالية عليهم بالقدرة والقوة والقهر والعزة، والتنزه عن كل شائبة نقص، ولذلك كرر الاسم الأعظم في هذه ثلاث مرات إشارة إلى العظمة الفائتة للوصف والغيب العالي عن الإدراك، ثم أعاد ذكره بالضمير إيذاناً بالغيب المحض، هذا هو المراد من تعظيم البيعة وإجلال الرسول ﷺ مع العلم القطعي بتنزيه الله سبحانه عن كل شائبة نقص من حلول أو اتحاد كما هو واضح في مجاري عادات العرب ظاهر جداً في دأبهم في محاوراتهم، لا يشك فيه منهم عاقل عالم أو جاهل أصلاً، فلعنة الله على من حمله على الظاهر من أهل العناد ببدعة الاتحاد على من تبعهم على ذلك من الرعاع الطغام الذي شاقوا الله ورسوله ﵊، وجميع الأئمة الأعلام، وسائر أهل الإسلام: ورضوا لأنفسهم بأن يكونوا أتباع فرعون اللعين، وناهيك به في ضلال مبين. ولما كان كلام الله تعالى - وإن جرى مجرى الشرط والتهديد لا بد أن يقع منه شيء وإن قل، وكان من سر التعبير بالمضارع «يبايعونك» الإشارة إلى نكث الجد بن قيس أصل بيعته على الإسلام

стр. 9418

فإنه اختبأ في الحديبية وقت البيعة في وقت من الأوقات، فلم يبايع، سبب عن ذلك وفصل ترغيباً وترهيباً، فقال معبراً بالماضي إيذاناً بأنه لا ينكث أحد من أهل هذه البيعة: ﴿فمن نكث﴾ أي نقض في وقت من الأوقات فجعلها كالكساء الخلق والحبل البالي الذي ينقض ﴿فإنما ينكث﴾ وعبر بالمضارع إشارة إلى أن من فعل النكث فهو في كل لحظة ناكث نكثاً جديداً ﴿على نفسه﴾ لا على غيرها فإنه بمرأى من الله ومسمع وهو قادر عليه جدير بأن يعاقبه بعد ما عجل لنفسه من العار العظيم في الدنيا ويستحل به على نكثه عذاباً أليماً، ولا يضر ذلك رسول الله ﷺ شيئاً فإن الله ناصره لا محالة، وكذا كل منكوث به إذا أراد الله نصرته فإن يده سبحانه فوق كل يد. ولما أتم الترهيب لأنه مقامه للحث على الوفاء الذي به قيام الدين على أبلغ وجه، أتبعه على عادته الترغيب إتماماً للحث فقال تعالى: ﴿ومن أوفى﴾ أي فعل الإتمام والإكثار والإطالة ﴿بما عهد﴾ وقدم الظرف اهتماماً به فقال: ﴿عليه الله﴾ أي الملك المحيط بكل

стр. 9419

شيء قدرة وعلماً من هذه المبايعة وغيرها فإنما وفاؤه لنفسه ﴿فسيؤتيه﴾ أي بوعد لا خلف فيه ﴿أجراً عظيماً *﴾ لا يسع عقولكم شرح وصفه، ومن قرأ بالنون أظهر ما ستر في الجلالة من التعظيم، والآية من الاحتباك: ذكر أولاً أن النكث عليه دليلاً على أن الوفاء له ثانياً، وإيتاء الأجر ثانياً دليلاً على إحلال العقاب أولاً وسره أنه بين أن ما يرديه الناكث من الأذى لغيره إنما هو واقع به، لأن ذلك أعظم في الترهيب عن النكث لما جبل الإنسان عليه من النفرة عن ضر نفسه وبعده عنه، وذكر الأجر للموفي لأنه أعظم في الترغيب، وسبب بيعة الرضوان هذه «أن النبي ﷺ لما فهم من بروك ناقته في الحديبية الإشارة من الله إلى أنه لم يأذن في دخولهم البلد الحرام في هذه السفرة، فمشى مع إرادته لأنه ليس فيها مخالفة لما أمر به سبحانه إلى أن وقع الصلح الذي كان الفتح هو بعينه، وكان في غضون ذلك أن أرسل عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه إلى مكة المشرفة ليخبر قريشاً أن النبي ﷺ لم يجئ لقتال وأنه لا يريد إلا الاعتمار، فأرجف مرجفون بأنه قد قتل، فعزم النبي ﷺ على مناجزتهم فبايع الصحابة

стр. 9420

رضي الله عنهم على أن لا يفروا عنه، فبايع كل من كان معه إلا جد بن قيس، فإنه اختبأ تحت إبط بعيره فلم يبايع، وقال النبي ﷺ :» كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر «.
следующие страницы →