← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ولما كان المراد بما مضى من قتالهم كف أذاهم بأي فعل كان حققه بقوله: ﴿وقاتلوهم﴾ أي هؤلاء الذين نسبناهم إلى قتالكم وإخراجكم وفتنتكم أعم من أن يكونوا كفاراً أو لا ﴿حتى لا تكون فتنة﴾ أي توجد فتنة بأن لا يقدروا أن يؤذوا أحداً من أهل الإسلام ليردوه عن دينه أو يخرجوه من داره أو يخلعوه من ماله أو يغلبوه على حقه، فقتال كل من وقع منه ذلك كفراً أو بغياً في سبيل الله حتى يفيء إلى أمر الله ﴿ويكون الدين﴾ أي الطاعة والعبادة. ولما كان

стр. 982

هذا في أوائل ما بعد الهجرة قبل أن يروا من نصر الله لهم ما يقوي عزائمهم أعراه من التأكيد فقال: ﴿الله﴾ أي الذي لا كفوء له خاصاً به بأن يكون أمر المسلمين ظاهراً، ليس للشيطان فيه نصيب، لا يقدر أحد من أهل الكفر ولا أهل البغي على التظاهر بأذى أحد منهم، وذلك بأن لا يبقى مشرك أصلاً ولا يبقى كتابي إلا ألزم الصغار بالجزية، والحكمة في إبقائهم دون المشركين أن لهم كتباً أمهلوا لحرمتها ولينظروا فيها فيقفوا على الحق منها فإنها وإن كانت قد وقع فيها التحريف قد بقي فيها ما يهدي الموفق لأنها لم يعمها التحريف، وأما أهل الأوثان فليس لهم ما يرشدهم إلى الحق فكان إمهالهم زيادة في شركهم مقطوعاً بها من غير فائدة تنتظر. قال الحرالي: ففي طيه إشعار بما وقع وهو واقع وسيقع من قتال طائفة الحق لطائفة البغي سائر اليوم المحمدي بما تخلص من الفتنة

стр. 983

ويخلص الدين لله توحيداً ورضى وثباتاً على حال السلف الصالح وزمان الخلافة والنبوة - انتهى. ﴿فإن انتهوا﴾ أي كلفوا أنفسهم الرجوع عما استوجبوا به القتال فقد تركوا الظلم، والنهي قال الحرالي الحكم المانع من الفعل المترامي إليه بمنزلة أثر العقل المسمى نُهى لمنعه عما تهوي إليه النفس مما يستبصر فيه النهى، قال ﵊: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى» فمن لم يكن من أهل النهى كان نهاه النهى وهو الحكم المذكور - انتهى. ﴿فلا عدوان﴾ أي فلا سبيل يقع فيه العدو الشديد للقتال عليهم، فإنه لا عدوان ﴿إلا على الظالمين *﴾ قال الحرالي: فذكر الظلم الشامل

стр. 984

لوجوه إيقاع الأمر في غير موضعه من أعلى الدين إلى أدناه - انتهى. ويجوز أن يكون التقدير: فإن انتهوا عن الشرك فقد انتفى عنهم اسم الظلم فلا تعتدوا عليهم، فإن اعتديتم عليهم سلطاناً عليكم لظلمكم لهم من يعتدي عليكم، فإنه لا عدوان إلا على الظالمين الذين دخلتم في مسماهم وخرجوا من مسماهم بالانتهاء، فلا عدوان إلاّ عليكم لا عليهم، ومعنى العدوان القتال بغاية العدو والشدة والعزم. ولما أباح تعالى القتال في كل مكان حتى في الحرم وكان فعله في الأشهر الحرم عندهم شديداً جداً ثار - العزم للسؤال عنه فقال معلماً لهم ما يفعلون في عمرة القضاء إن احتاجوا على وجه عام: ﴿الشهر الحرام﴾ وهو ذو القعدة من سنة سبع إن قاتلتموهم فيه لكونهم قاتلوكم في شهر حرام ﴿بالشهر الحرام﴾ الذي قاتلوكم فيه وهو ذو القعدة سنة ست حيث صدوكم فيه عن عمرة الحديبية. ولما أشعر ما مضى بالقصاص أفصح به على وجه أعم فقال: ﴿والحرمات﴾ أي كلها وهي جمع حرمة وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك

стр. 985

﴿قصاص﴾ أي تتبع للمساواة والمماثلة ﴿فمن﴾ أي فتسبب عن هذا أنه من ﴿اعتدى عليكم﴾ أي تعمد أذاكم في شيء من الأشياء في أي زمان أو مكان كان ﴿فاعتدوا عليه﴾ أي فجاوزوه، سمي اعتداء مشاكلة تقوية لعزائمهم وتوطيناً لهممهم أي افعلوا وإن سماه المتعنت بغير ما يحق له ﴿بمثل ما اعتدى﴾ أي عدوانه ﴿عليكم﴾ أي بمثل الذي اعتدى عليكم به، ولعله أعاد الظرف وإن أفهمه الأول لدفع تعنت من لعله يقول: الكلام شامل لاعتدائه علي وعلى غيري فلي أن أقابله بأعلى ما وقع له من ذلك، لأن المراد ردعه ولو لم يرد الحكم هذا لقيد بما ينفيه. ولما جعل المماثلة حداً وكان أمرها خفياً والوقوف عنده بعد استرسال النفس بإرسالها صعباً حذر من تعديه بعد الإذن في القصاص الذي جر أغلبه

стр. 986

بتسميته اعتداء على وجه نادب إلى العفو للمستبصر فقال: ﴿واتقوا الله﴾ أي المحيط علماً بكل شيء بالتحري في القصاص حتى لا تتجاوزوا ﴿واعلموا﴾ وأظهر ولم يضمر لئلا يقيد بالتقوى في باب الاعتداء مثلاً فقال: ﴿أن الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال معكم إن اتقيتم بالتحري فيه أو بالعفو فإن الله ﴿مع المتقين *﴾ ومن كان الله معه أفلح كل الفلاح «وما زاد الله عبداً بعفو إلاّ عزاً» . قال الحرالي: ففي ضمنه إشعار وتطريق لمقصد السماح الذي هو خير الفضائل من وصل القاطع والفعو عن الظالم، ولما كان في هذه

стр. 987

التقوى خروج عن حظ النفس أعلمهم أنه تعالى يكون عوضاً لهم من أنفسهم بما اتقوا وداوموا على التقوى حتى كانت وصفاً لهم فأعلمهم بصحبته لهم - انتهى. ولما كانت النفقة من أعظم دعائم الجهاد وكان العيش في أول الإسلام ضيقاً والمال قليلاً فكان ذلك موجباً لكل أحد أن يتمسك بما في يده ظناً أن في التمسك به النجاة وفي إنفاقه الهلاك أخبرهم أن الأمر على غير ما يسول به الشيطان من ذلك ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ [البقرة: ٢٦٨] وقال الحرالي: ولمكان ما لزم العفو من العز الذي جاء على خلاف غرض النفس نظم به تعالى ما يجيء على خلاف مدرك الحس في الإنفاق الذي يحصل به الزكاء والنماء، وأيضاً لما أسس تعالى حكم الجهاد الذي هو أشق الأعمال على النفس نظم به أمر الجود والإنفاق الذي هو أشق منه على الأنفس، ومن حيث إن القتال مدافعة يشتمل على عدة وزاد لم يكن أمره يتم إلاّ

стр. 988

بأعمال الغريزتين: الشجاعة والجود، ولذلك كان أشد الآفات في الدين البخل والجبن، انتهى - فقال تعالى: ﴿وأنفقوا﴾ وأظهر ولم يضمر إظهاراً للاعتناء بأمر النفقة ولئلا يقيد بحيثية من الحيثيات فقال: ﴿في سبيل الله﴾ أي الملك الذي كل شيء تحت قهره كما قال: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ [البقرة: ١٩٠] وهو كل ما أمر به الله وإن كان استعماله في الجهاد أكثر، أي ولا تخافوا العيلة والضيعة فإن الله ربّكم هو الذي أمركم بذلك ﴿والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً﴾ [البقرة: ٢٦٥] قال الحرالي: فالنظر للأموال بإنفاقها لا بإصلاحها وإثباتها فانتظم الخطابان ما في العفو من العز وما في الإنفاق من النماء، وأكد ذلك بالإعلام بما لا تصل إليه مدارك الأنفس من أن إصلاح الأموال وإمساكها تهلكة - انتهى. فقال تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم﴾ أي تسرعوا بوضعها إسراع من

стр. 989

يلقي الشيء بعدم الإنفاق ﴿إلى التهلكة﴾ من الهلاك وهو تداعي الشيء إلى أن يبطل ويفنى فإن في ذلك الإخلاد إلى الدعة والتواكل فيجترىء عليكم العدو فلا يقوم لكم قائمة فإنّ البخل أسرع شيء إلى الهلاك، وهي تفعلة بضم العين مصدر هلك، وقيل: إنه لا ثاني له في كلامهم، وحقيقة أوقع الإلقاء لما ينفعه من نفسه وغيرها بيده أي بنفسه فجعل التهلكة آخذة بها مالكة لصاحبها. وقال الحرالي: إحاطة الخطاب تقتضي أن التهلكة تضييع القتال والإنفاق اللذين بتركهما تقع الاستطالة على مبنى الإسلام فيتطرق إلى هدمه، ولما كان

стр. 990

أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال لتجرد المهاجرين عنها كان في ضمنه أن أكثر فصل الخطاب فيه للأنصار - انتهى. وقد روى أبو داود والترمذي - وهذا لفظه وقال: حسن صحيح - والنسائي عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه: «إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه وقال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا في أموالنا! فأنزل الله هذه الآية، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو» وروى البخاري في التفسير عن حذيفة رضي الله تعالى عنه ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ قال: نزلت في النفقة «. ولما كانت التوسعة في أمر القتال قد تجر إلى الاعتداء فختمه بالنهي عنه وبأن الله لا يحب المعتدين وكانت التوسعة في الإنفاق في سبيل الله من أعلى خلال الإيمان قال تعالى: ﴿وأحسنوا﴾ أي أوقعوا الإحسان على العموم بما أفهمه قصر الفعل

стр. 991

وترك المتعلق بالإكثار من الإنفاق وظنوا بالله الحسن الجميل، وأظهر من غير إضمار لطول الفصل ولنحو ما تقدم ﴿إن الله﴾ الملك العظيم ﴿يحب المحسنين﴾ أي يفعل معهم كل ما يفعله المحب مع من يحبه من الإكرام والإعلاء والنصر والإغناء وغير ذلك من جميع ما يحتاجه كما أنه لا يحب المعتدين. قال الحرالي: فانتظم ختم الخطابين بأن لا يقع الاعتداء في القتل وأن يقع الإحسان في المال، وفي إشعاره حض الأنصار على إنفاق أموالهم يتلون به حال المهاجرين في التجرد عنها، فكما كان أمر المهاجرين أن لا ينقضوا الهجرة كان أمر الأنصار أن لا يلتفتوا إلى الدنيا، فما خرج المهاجرون عن أصله خرج الأنصار عند التمسك به عن وصفه، فكان إعراضهم

стр. 992

تابعاً لترك المهاجرين أموالهم. ولما ختم آيات القتال بالنفقة في سبيل الله لشدة حاجة الجهاد إليها وكان سبيل الله اسماً يقع على الحج كما يقع على الجهاد كما ورد في الحديث «الحج من سبيل الله» رجع إلى الحج والعمرة المشير إليهما ﴿مثابة للناس﴾ [البقرة: ١٢٥] و ﴿إن الصفا والمروة﴾ [البقرة: ١٥٨] الآية، و ﴿مواقيت للناس والحج﴾ ولا سيما وآيات القتال هذه إنما نظمت ههنا بسببهما توصيلاً إليهما وبعضها سببه عمرة الحديبية التي صدّ المشركون عنها، فكان كأنه قيل: مواقيت للناس والحج فحجوا واعتمروا أي تلبسوا بذلك وإن صددتم عنه وقاتلوا في سبيل الله من قاتلكم في وجهكم ذلك لينفتح لكم السبيل، ولما كان ذلك بعد الفتح ممكناً لا صاد عنه عبر بالإتمام فقال: ﴿وأتموا *﴾ أي بعد فتح السبيل بالفتح

стр. 993

﴿الحج والعمرة﴾ بمناسكهما وحدودهما وشرائطهما وسننهما. ولما تقدم الإنفاق في سبيل الله والقتال في سبيل الله نبه هنا على أن ذلك كلّه إنما هو لتقام العبادات التي هي مبنى الإسلام له فقال: ﴿لله﴾ الملك الذي لا كفوء له أي لذاته، ولم يضمر لئلا يتقيد بقيد. ولما كان قد أعز هذه الأمة إكراماً لنبيها ﷺ فلا يهلكها بعامة ولا يسلط عليها عدواً من غيرها بل جعل كفارة ذنوبها في إلقاء بأسها بينها أومأ إلى أنه ربما يقطعها عن الإتمام قاطع من ذلك بقوله بانياً للمفعول لأن الحكم دائر مع وجود الفعل من غير نظر إلى فاعل معين معبراً بأداة الشك إشارة إلى أن هذا مما يقل وقوعه: ﴿فإن أحصرتم﴾ أي منعتم وحبستم عن إتمامها، من الإحصار وهو منع العدو المحصر عن متصرفه

стр. 994

كالمرض يحصره عن التصرف في شأنه - قاله الحرالي ﴿فما﴾ أي فالواجب على المحصر الذي منع عن إكماله تلافياً لما وقع له من الخلل في عملهما ﴿استيسر﴾ أي وجد يسرة على غاية السهولة حتى كأنه طالب يسر نفسه، واليسر حصول الشيء عفواً بلا كلفة ﴿من الهدي﴾ إذا أراد التحلل من الحج والعمرة من الإبل والبقر والغنم يذبحه حيث أحصر ويتصدق به وقد رجع حلالاً

стр. 995

ولما كان الحاج هو الشعث التفل أشار إلى حرمة التعرض لشعره بقوله: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ أي شعرها إذا كنتم محرمين بحج أو عمرة، من الحلق. قال الحرالي: وهو إزالة ما يتأتى للزوال بالقطع من الآلة الماضية في عمله، والرأس مجتمع الخلقة ومجتمع كل شيء رأسه - انتهى. ﴿حتى يبلغ﴾ من البلاغ وهو الانتهاء إلى الغاية ﴿الهدي﴾ أي إن كان معكم هدي ﴿محله﴾ أي الموضع الذي يحل ذبحه فيه، إن كنتم محصرين فحيث أحصرتم وإلا فعند المروة أو في منى ونحوهما. قال الحرالي: والهدي ما تقرب به الأدنى للأعلى وهو اسم ما يتخذ فداء من الأنعام بتقديمه إلى الله وتوجيهه إلى البيت العتيق، وفي تعقيب الحلق بالهدي إشعار باشتراكهما في معنى واحد وهو الفداء، والهدي في الأصل فداء لذبح الناسك نفسه لله سنة إبراهيم في ولده عليهما الصلاة والسلام، وإزالة الشعر فداء من جزاء لرأس لله، ولذلك لما سئل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 996

عن تقديم أحدهما على الآخر قال: «افعل ولا حرج» ، لأن الجميع غاية بالمعنى الشامل للفداء - انتهى. ولما كان الإنسان محلاً لعوارض المشقة وكان الله قد وضع عنا الآصار ببركة النبي المختار ﷺ فجعل دينه يسراً قال: ﴿فمن كان﴾ وقيده بقوله: ﴿منكم﴾ أيها المحرمون ﴿مريضاً﴾ يرجى له بالحلق خير ﴿أو به أذى﴾ ولو قل، والأذى ما تعلق النفس أثره ﴿من رأسه﴾ بقمل أو غيره ﴿ففدية﴾ أي فعلية بحلق رأسه أو المداواة بما نهى المحرم عنه فدية ﴿من صيام﴾ لثلاثة أيام ﴿أو صدقة﴾ لثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين، لأن الصدقة كما قال الحرالي عدل الصيام عند فقده كما

стр. 997

تقدم. ولليوم وجبتا فطر وسحور، لكل وجبة مُدَّان فلكل يوم صاع ﴿أو نسك﴾ أي تقرب بذبح شيء من الأنعام وهذه فدية مخيرة. ولما كان الله بسعة حمله وعظيم قدرته وشمول علمه قد أقام أسباباً تمنع المفسدين على كثرتهم من التمكن من الفساد أشار إلى ذلك بأداة التحقيق بعد تعبيره عن الإحصار بأداة الشك فقال: ﴿فإذا أمنتم﴾ أي حصلتم في الأمن فزال الإحصار

стр. 998

والمرض، وبني الفعل هنا للفاعل إشارة إلى أنه كأنه آت بنفسه تنبيهاً على أنه الأصل بخلاف الإحصار حثاً على الشكر ﴿فمن تمتع﴾ أي تلذذ باستباحة دخوله إلى الحرم بإحرامه في أشهر الحج على مسافة القصر من الحرم ﴿بالعمرة﴾ ليستفيد الحل حين وصوله إلى البيت ويستمر حلالاً في سفره ذلك ﴿إلى الحج﴾ أي إحرامه به من عامة ذلك من مكة المشرفة من غير رجوع إلى الميقات ﴿فما﴾ أي فعليه ما ﴿استيسر﴾ وجد اليسر به ﴿من الهدي﴾ من النعم يكون هذا الهدي لأجل ما تمتع به بين النسكين من الحل وهو مسافر، هذا للمتمتع وأما القارن فلجمعه بين النسكين في سفر واحد وشأنهما أن يكونا في وقتين وقت حل ووقت حرم، وفي العبارة إشعار بصحة إرداف الحج على العمرة لأنه ترق من إحرام أدنى إلى إحرام أعلى. ولما أفهم التقييد باليسر حالة عسر بينها بقوله: ﴿فمن لم

стр. 999

يجد﴾ أي هدياً، من الوجد وهو الطول والقدرة ﴿فصيام﴾ أي فعليه بدل الهدي صيام ﴿ثلاثة أيام في الحج﴾ أي في أيام تلبسه به فلا يصح قبله ويجب أن يكون قبل يوم عرفة بحيث يكون فيه مفطراً، ﴿و﴾ صيام ﴿سبعة﴾ أي من الأيام ﴿إذا رجعتم﴾ إلى بلادكم فلا تصح قبل الوصول، ولم يفرد ليفهم أن العبرة إمكان الرجوع لا حقيقة رجوعه، فلو أقام بمكة مثلاً صام بها، ولو فاتته الثلاثة في الحج فرق بينها وبين السبعة في الوطن بقدر مدة إمكان العود وزيادة أربعة أيام التشريق والعيد ليحكي القضاء الأداء. قال الحرالي: فيكون الصوم عدلاً للهدي الذي يطعمه المهدي كما كان الإطعام عدلاً للصوم في آية ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ انتهى. ولما كان للتصريح مزية ليست لغيره قال: ﴿تلك﴾

стр. 1000

أي العدة النفسية المأمور بصومها ﴿عشرة﴾ دفعاً لاحتمال أن تكون الواو بمعنى «أو» أو أن يكون المراد بالسبع المبالغة دون الحقيقة وليحضر العدد في الذهن جملة كما أحضره تفصيلاً؛ والعشرة: قال الحرالي: معاد عد الآحاد إلى أوله. ولما كان زمن الصومين مختلفاً قال: ﴿كاملة﴾ نفياً لتوهم أن الصوم بعد الإحلال دون ما في الإحرام، والكمال: قال الحرالي: الانتهاء إلى الغاية التي ليس وراءها مزيد من كل وجه، وقال: فكما استوى حال الهدي في انتهائه إلى الحرم أو الحل كذلك استوى حال الصوم في البلد الحرام والبلد الحلال ليكون في إشارته إشعار بأن الأرض لله مسجد كما أن البيت الحرام لله مسجد فأظهر معنى استوائهما في الكمال في حكم الأجر لأهل الأجور والقبول لأهل القبول والرضاء لأهل الرضاء

стр. 1001

والوصول لأهل الوجهة كل عامل على رتبة عمله - انتهى. ولو قال: تامة، لم يفد هذا لأن التمام قد يكون في العدد مع خلل بعض الأوصاف. ولما كان ربما وقع في الفكر السؤال عن هذا الحكم هل هو خاص أو عام استأنف تخصيصه بمن هو غائب عن حرم مكة على مسافة القصر فقال: ﴿ذلك﴾ أي الحكم المذكور العلي في نفعه الحكيم في وضعه ﴿لمن لم يكن أهله﴾ من زوجته أو أقاربه أو سكان وطنه. وقال الحرالي: والأهل سكن المرء من زوج ومستوطن ﴿حاضري﴾ على مسافة الحضر بأن يكون ساكناً

стр. 1002

في الحرم أو من الحرم على دون مسافة القصر وكل من كان هكذا فهو حاضر من الحضور وهو ملازمة الوطن لا على مسافة السفر من ﴿المسجد الحرام﴾ أي الحرم بل كان أهله على مسافة الغيبة منه وهي مسافة القصر. قال الحرالي إفصاحاً بما أفهمه معنى المتعة: وذلك لأن الله إذا تولى إبانة عمل أنهاه إلى الغاية في الإفصاح - انتهى. وعبر عن الحرم بالمسجد إجلالاً وتعظيماً لما قرب من الحرم، كما عظم الحرم بقربه من المسجد، وعظم المسجد بمجاورة الكعبة؛ لأنه جرت عادة الأكابر أن يكون لبيوتهم دور، ولدورهم أفنية، وحول تلك الأفنية بيوت خواصهم؛ وأما حاضروه فلا دم عليهم في تمتع ولا قران فرقاً بين خاصة الملك وغيرهم. ولما كثرت الأوامر في هذه الآيات وكان لا يحمل على

стр. 1003

امتثالها إلا التقوى أكثر تعالى فيها من الأمر بها. قال الحرالي: لما تجره النفوس من مداخل نقص في النيات والأعمال والتنقلات من الأحكام إلى أبدالها فما انبنى على التقوى خلص ولو قصر - انتهى. ولما كان من الأوامر ما هو معقول المعنى ومنها ما هو تعبدي وكان عقل المعنى يساعد على النفس في الحمل على امتثال الأمر ناسب اقتران الأمر به بالترغيب كما قال: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ [البقرة: ١٩٦] ولما كان امتثال ما ليس بمعقول المعنى من عند قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] شديداً على النفس مع جماحها عن جميع الأوامر ناسب اقترانه بالتهديد فكان ختامه بقوله: ﴿واتقوا﴾ أي فافعلوا جميع ذلك واحملوا أنفسكم على التحري فيه والوقوف عند حدوده ظاهراً وباطناً واتقوا ﴿الله﴾ أي اجعلوا بينكم وبين غضب هذا الملك الأعظم وقاية، وأكد تعظيم المقام بالأمر

стр. 1004

بالعلم وتكرير الاسم الأعظم ولئلا يفهم الإضمار تقييد شديد عقابه بخشية مما مضى فقال: ﴿واعلموا﴾ تنبيهاً على أن الباعث على المخافة إنما هو العلم، ﴿أن الله﴾ أي الذي لا يداني عظمته شيء ﴿شديد العقاب﴾ وهو الإيلام الذي يتعقب به جرم سابق؛ هذا مع مناسبة هذا الختام لما بعده من النهي عن الرفث وما في حيزه، ومن تدبر الابتداء عرف الختم ومن تأمل الختم لاح له الابتداء. قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب المفتاح في الباب الخامس في تنزلات القرآن بحسب الأسماء: اعلم أن خطاب الله يرد بيانه بحسب أسمائه ويجمعها جوامع أظهرها ما ترى آياته وهو اسمه الملك وما يتفصل إليه من الأسماء القيمة لأمر الحكم والقضاء والجزاء نحو العزيز الحكيم الذي يختم به آيات الأحكام ﴿نكالاً من الله والله عزيز حكيم﴾ [المائدة: ٣٨] ثم ما تسمع آياته من اسمه الرحمن الرحيم وما يتفصل من الأسماء من

стр. 1005

معنى الرحمة المنبئة عن الصفح والمغفرة الذي تختم به آيات الرحمة ﴿ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفوراً رحيماً﴾ [الأحزاب: ٧٣] فلكل تفصيل في مورد وجهي العدل والفضل أسماء يختص به بناؤها ولذلك قال ﵊ ما لم يختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة، ثم ما توجد آياته وجداناً في النفس وهي الربوبية وما ينتهي إليه معنى سواء أمرها من ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] وما يتفصل إليه من الأسماء الواردة في ختم الإحاطات نحو ﴿الواسع العليم﴾ ، فمن تفطن لذلك استوضح من التفصيل الختم واستشرح من الختم التفصيل. وقد كان ذلك واضحاً عند العرب فاستعجم عند المتعربين إلا ما كان ظاهر الوضوح منه ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان متين الإفهام في القرآن - انتهى.

стр. 1006

ولما ذكر أن الحج موقت بالأهلة ولم يعين له وقتاً من شهور السنة وختم ذلك بالتفرقة في بعض أحكام الحج بسبب الأماكن تشوفت النفس إلى تعيين وقته وأنه هل هو كالمكان

стр. 1007

أو عام الحكم فقال ﴿الحج﴾ أي وقته ﴿أشهر﴾ فذكره بصيغة من جموع القلة الذي أدناه ثلاث وهي ثلاث بجر المنكسر: شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وليلة العيد بدليل أنه يفوت بطلوع الفجر يوم النحر؛ ولما أبهم عين فقال: ﴿معلومات﴾ أي قبل نزول الشرع فأذن هذا أن الأمر بعد الشرع على ما كان عليه ولا شك أن في الإبهام ثم التعيين إجلالاً وإعظاماً للمحدث عنه. ولما ختم الآية التي قبلها بالتحذير من سطواته أمر بإخلاص الحج عن الشوائب ناهياً بصيغة النفي تفخيماً له وتأكيداً للنهي ولما كان الحج لا يقع إلا فرضاً قال: ﴿فمن فرض﴾ أي أوجب بالإحرام، وهو من الفرض وهو الحز في الشيء لينزل فيه ما يسد فرضته حساً

стр. 1008

أو معنى فمن تعظيمه له أنه جعله دون سائر العبادات لا نفل فيه بعد التلبس به. قال الحرالي: لأن الفرائض من لم يقمها تساقط عضواً عضواً قائم دينه كما أن النوافل من لم يأت بها عري نم زينتها فكانت الفروض صحة والنوافل زينة. وفي قوله: ﴿فيهن﴾ إشعار بصحة وقوع الحج في بعضهن وأن الحج ليس كالصوم طبق زمانه، فكان من العبادات ما هو طبق زمانه كالصوم، وما يتسع فيه كالصلاة، وما لا بد أن ينتهي إلى خاتمته كالحج وتقع التوسعة في الشروع - انتهى ﴿الحج﴾ أي تلبس به كيف كان. ولما كان في الإنسان قوى أربع: شهوانية بهيمية، وغضبية سَبُعية ووهمية شيطانية تبعث مع مساعدة القوتين الأخريين على المنازعة والمغالبة في كل شيء، وعقلية ملكية؛ وكان المقصود من جميع العبادات قهر القوى الثلاث لأن منشأ الشرور كلها محصور فيها بالعقلية قال دالاً عليها محذراً منها مرتبة: ﴿فلا رفث﴾ أي مواجهة للنساء بشيء من أمور النكاح. ولما كان الرفث هو داعياً إلى الوقاع

стр. 1009

الذي هو فسق بالخروج عن الإحرام الصحيح قال ضاماً إليه كل ما دخل في هذا الاسم: ﴿ولا فسوق﴾ قال الحرالي: هو الخروج عن إحاطة العلم والعقل والطبع - انتهى. ولما كان المراء قد يجر إلى الفسق بما يثير من الإحن وتوعير الصدور فكان فسقاً خاصاً عظيماً ضرره قال: ﴿ولا جدال﴾ أي مدافعة بالقول بفتل عن القصد كمدافعة الجلاد باليد أو السيف ولعله عبر بهذا المصدر الذي شأنه أن يكون مزيداً دون الجدل الذي معناه الدرء في الخصومة لأن

стр. 1010

ينصب النفي على المبالغة فيفهم العفو عن أصله لأنه لا يكاد يسلم منه أحد، وكذا الحال في الفسوق ﴿في الحج﴾ فصار الفسق واسطة بين أمرين جارين إليه والجدال لكونه قد يفسد ذات البين أعظمها خطراً ويجمع ما في الرفث من الشهوة وقد يكون فسقاً فقد اشتمل على قبائح الكل؛ فلذلك أجمع القراء السبعة على بنائه مع لا على الفتح دون ما قبله لأن البناء دال على نفي الماهية ونفيها موجب لنفي جميع أفرادها، وأما الرفع فإنما يدل على نفي فرد منكر من تلك الماهية وهو لا يوجب نفي جميع الأفراد، ولأن العرب كانوا يبنون الحج على النسيء ويتخالفون فيه في الموقف، فزال الجدال فيه بعد البيان بكل اعتبار من جهة الخدم والعيال وغيرهم والنسيء والموقف وغيرهما من حيث إنه قد علمت مشاعره

стр. 1011

وتقررت شرائعه وأحكمت شعائره وأوضحت جميع معالمه فارتفع النزاع أصلاً في أمره. قال الحرالي: فمنع في الحج من الإقبال على الخلق بما فيه كره من رفث ومسابّة وجدال حتى لا يقبل الخلق على الخلق في الحج إلا بما الإقبال فيه إقبال على الحق بالحقيقة فما ينزه الحق تعالى عن مواجهته بما يتحامى مع الخلق في زمن الحج كما تحومي ما يختص بالنفس من الأحداث في عمل الصلاة؛ وفي وروده نفياً لا نهياً إعلام بأنه مناقض لحال الحج حين نفى لأن شأن ما يناقض أن ينفى وشأن ما لا يناقض ويخالف أن ينهى عنه، كما قال فيما هو قابل للجدال ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ [العنكبوت: ٤٦]

стр. 1012

وبين خطاب النهي والنفي فوت في الأحكام الشرعية ينبني الفقه في الأحكام على تحقيقه في تأصيلها والتفريع عليها - انتهى. ولما كانت هذه المنفيات شراً وكان التقدير: فما فعلتم من هذه المنهيات على هذا الوجه الأبلغ عوقبتم عليه عطف عليه: ﴿وما﴾ وقال الحرالي: ولما حمي من سوء معاملة الخلق مع الخلق عرض بأن يوضع موضع ذلك الإحسان فيقع في محل إخراج الأنفس أن يتودد إليها بإسداء الخير وهو الإحسان من خير الدنيا، ففي إعلامه تحريض على إحسان الحج بعضهم لبعض لما يجمع وفده من الضعيف والمنقطع فقال: وما ﴿تفعلوا﴾ انتهى. أي يوجد لكم فعله في وقت من الأوقات ﴿من خير﴾ في الحج أو غيره بتوكل في تجرد

стр. 1013

أو تزود في تزهد أو غير ذلك من القول الحسن عوض الرفث، والبر والتقوى مكان الفسق، والأخلاق الجميلة واليسر والوفاق مكان الجدال ﴿يعلمه الله﴾ الذي له جميع صفات الكمال فيجازيكم عليه فهو أشد ترغيب وترهيب. ولما عمم في الحث على الخير على وجه شامل للتزود وتركه بعد التخصيص أشار إلى أن الخير هو الزاد على وجه يعم الحسي والمعنوي زيادة في الحث عليه إذ لا أضر من إعواز الزاد لأكثر - العباد فقال: ﴿وتزودوا﴾ أي التقوى لمعادكم الحاملة على التزود الحسي لمعاشكم الحامل على الزهد فيما في أيدي الناس، والمواساة لمحتاجهم الواقية للعبد من عذاب الله «اتقوا النار ولو بشق تمرة» وذلك هو ثمرة التقوى؛ والزاد هو متعة المسافر. ثم علل ذلك بما أنتجه بقوله ﴿فإن خير﴾ ، ويجوز أن يكون التقدير: وتزودوا واتقوا الله في

стр. 1014

تزودكم ﴿فإن خير الزاد التقوى﴾ وفي التجرد مداخل خلل في بعض نيات الملتبسين بالمتوكلين من الاتكال على الخلق، فأمر الكل بالتزود ستراً للصنفين، إذ كل جمع لا بد فيه من كلا الطرفين - قاله الحرالي وقال: وفي ضمنه تصنيفهم ثلاثة أصناف: متكل لا زاد معه فمعه خير الزادين، ومتمتع لم يتحقق تقواه فلا زاد له في الحقيقة، وجامع بين التقوى والمتعة فذلك على كمال السنة؛ كما قال ﵊: «قيّدها وتوكل» لأن ذلك أستر للطرفين؛ وحقيقة التقوى في أمر التزود النظر إلى الله تعالى في إقامة خلقه وأمره، قال بعض أهل المعرفة: من عوده الله دوام النظر إليه بالغيبة عما سواه فقد ملك الزاد فليذهب حيث شاء فقد استطاع سبيلاً - انتهى.

стр. 1015

ولما علم من ذلك أن التقدير: فأكثروا من الزاد مصحوباً بالتقوى وكان الإنسان محل النقصان فكان الإكثار حاملاً له في العادة على الطغيان إلاّ من عصم الله وقليل ما هم قال مؤكداً لأمر التقوى مشرفاً لها بالإضافة إلى نفسه الشريفة تنبيهاً على الإخلاص لأجل ذاته السنية لا بالنظر إلى شيء من رجاء أو خوف أو اتصاف بحج

стр. 1016

أو غيره عاطفاً على ما أرشد إلى تقديره السياق: ﴿واتقون﴾ أي في تقواكم بالتزود، وزاد الترغيب فيها بقوله: ﴿يا أولي الألباب *﴾ أي العقول الصافية والأفهام النيرة الخالصة التي تجردت عن جميع العلائق الجسمانية فأبصرت جلالة التقوى فلزمتها. ولما فهم من هذا الحث على الإكثار من الزاد تحركت نفوس أولي الهمم الزاكية القابلة للتجرد عن الأعراض الفانية إلى السؤال عن المتجر لإنفاقه في وجوه الخير هل يكره في زمان أو مكان لا سيما عند تذكر أن أناساً كانوا في الجاهلية يكرهون التجارة للحاج فأجيب بقوله معلماً أن قطع العلائق لمن صدق عزمه وشرفت همته أولى: ﴿ليس عليكم جناح﴾ أي إثم في ﴿أن تبتغوا﴾ أي تطلبوا بجد واجتهاد ﴿فضلاً﴾ أي إفادة بالمتجر في مواسم الحج وغيرها ﴿من

стр. 1017

ربكم﴾ المحسن إليكم في كل حال فلا تعتمدوا في الفضل إلا عليه، وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «كانت عكاظُ وَمَجِنَّةُ وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأثموا أن يتَّجروا في المواسم فنزلت ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ في مواسم الحج» . ولما كان الاستكثار من المال إنما يكره للشغل عن ذكر الله سبب عنه الآمر بالذكر في قوله ﴿فإذا﴾ أي فاطلبوا الفضل من ربكم بالمتجر ﴿أفضتم﴾ أي أوقعتم الإفاضة، ترك مفعوله للعلم به أي دفعتم ركابكم عند غروب الشمس ففاضت في تلك الوهاد كما يفيض الماء المنساب في منحدر الشعاب، وأصل الإفاضة الدفع بكثرة

стр. 1018

﴿من عرفات﴾ الجبل الذي وقفتم فيه بباب ربكم الموقف الأعظم الذي لا يدرك الحج إلا به من معنى التعرف لما تقدمته نكرة، وليست تاؤه للتأنيث فتمنعه الصرف بل هي علامة جمع المؤنث، قاصدي المبيت بالمزدلفة، وهو علم على الموقف سمي بجمع ﴿فاذكروا الله﴾ ذا الجلال لذاته بأنواع الذكر ﴿عند﴾ أي قريباً من ﴿المشعر﴾ أي المعلم ولما كان بالحرم، قال: ﴿الحرام﴾ وهو الجبل المسمى قزح، وهو من الشعور وهو خفي الإدراك الباطن فالموقف الأول آية على نغوض الدنيا ومحوها وزوالها، والثاني دال بفجره وشمسه

стр. 1019

على البعث لمجازاة الخلائق بأعمالها؛ والتعبير بعند للإعلام بأن مزدلفة كلها موقف غير محسر فإنها كلها تقاربه، ويفهم ذلك صحة الوقوف عليه بطريق الأولى. قال الحرالي: وذلك حظ من الوقوف هنيهة وقت في البلد الحرام عند إقبال النهار معادلة للوقوف بعرفة من الحل إلى إقبال الليل ليتثنى الوقوف في الحل والحرم. فكان فيه موقف نهار ينتهي إلى الليل في عرفة وموقف ليل ينتهي إلى النهار في المشعر؛ فوقف فيه ﷺ بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس، وهو ذكره عنده، لأن الذكر بحسب الذاكر، فذكر اللسان القول، وذكر البدن العمل، وذكر النفس الحال والانفعال، وذكر القلب المعرفة والعلم واليقين ونحو ذلك، ولكل شيء ذكر بحسبه؛ وفي جمع الموقفين في الحل والحرم في معلم الحج الذي هو آية الحشر إيذان وبشرى بأن أهل الموقف صنفان: صنف يقفون في موطن

стр. 1020

روع ومخافة وقوفاً طويلاً اعتباراً بوقوف الواقفين بعرفة من حين زوال الشمس إلى غروبها ست ساعات، وصنف حظهم من الوقوف قرار في أمنة ظل العرش الذي هو حرم يوم القيامة وكعبته فتشعر خفة الوقوف بالمشعر الحرام أن أمد طول ذلك اليوم يمر على المستظلين بظل العرش فيه كأيسر مدة كما قال ﵊ بمقدار صلاة مكتوبة، فكان في ذلك فضل ما بين موقف الحرم على موقف الحل - انتهى. ولما - علم من ذكر الاسم الأعظم أن التقدير: كما هو مستحق للذكر لذاته، عطف عليه قوله ﴿واذكروه﴾ أي عند المشعر وغيره ﴿كما﴾ أي على ما ولأجل ما ﴿هداكم﴾ أيها الناس كافة للإسلام وأيها الخمس خاصة لترك الوقوف به والوقوف مع الناس في موقف
следующие страницы →