← Тафсир

Тафсир · id 9098

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

برهان الدين البقاعي

Полный текст (11 765 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

أو غيره عاطفاً على ما أرشد إلى تقديره السياق: ﴿واتقون﴾ أي في تقواكم بالتزود، وزاد الترغيب فيها بقوله: ﴿يا أولي الألباب *﴾ أي العقول الصافية والأفهام النيرة الخالصة التي تجردت عن جميع العلائق الجسمانية فأبصرت جلالة التقوى فلزمتها. ولما فهم من هذا الحث على الإكثار من الزاد تحركت نفوس أولي الهمم الزاكية القابلة للتجرد عن الأعراض الفانية إلى السؤال عن المتجر لإنفاقه في وجوه الخير هل يكره في زمان أو مكان لا سيما عند تذكر أن أناساً كانوا في الجاهلية يكرهون التجارة للحاج فأجيب بقوله معلماً أن قطع العلائق لمن صدق عزمه وشرفت همته أولى: ﴿ليس عليكم جناح﴾ أي إثم في ﴿أن تبتغوا﴾ أي تطلبوا بجد واجتهاد ﴿فضلاً﴾ أي إفادة بالمتجر في مواسم الحج وغيرها ﴿من

стр. 1017

ربكم﴾ المحسن إليكم في كل حال فلا تعتمدوا في الفضل إلا عليه، وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «كانت عكاظُ وَمَجِنَّةُ وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأثموا أن يتَّجروا في المواسم فنزلت ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ في مواسم الحج» . ولما كان الاستكثار من المال إنما يكره للشغل عن ذكر الله سبب عنه الآمر بالذكر في قوله ﴿فإذا﴾ أي فاطلبوا الفضل من ربكم بالمتجر ﴿أفضتم﴾ أي أوقعتم الإفاضة، ترك مفعوله للعلم به أي دفعتم ركابكم عند غروب الشمس ففاضت في تلك الوهاد كما يفيض الماء المنساب في منحدر الشعاب، وأصل الإفاضة الدفع بكثرة

стр. 1018

﴿من عرفات﴾ الجبل الذي وقفتم فيه بباب ربكم الموقف الأعظم الذي لا يدرك الحج إلا به من معنى التعرف لما تقدمته نكرة، وليست تاؤه للتأنيث فتمنعه الصرف بل هي علامة جمع المؤنث، قاصدي المبيت بالمزدلفة، وهو علم على الموقف سمي بجمع ﴿فاذكروا الله﴾ ذا الجلال لذاته بأنواع الذكر ﴿عند﴾ أي قريباً من ﴿المشعر﴾ أي المعلم ولما كان بالحرم، قال: ﴿الحرام﴾ وهو الجبل المسمى قزح، وهو من الشعور وهو خفي الإدراك الباطن فالموقف الأول آية على نغوض الدنيا ومحوها وزوالها، والثاني دال بفجره وشمسه

стр. 1019

على البعث لمجازاة الخلائق بأعمالها؛ والتعبير بعند للإعلام بأن مزدلفة كلها موقف غير محسر فإنها كلها تقاربه، ويفهم ذلك صحة الوقوف عليه بطريق الأولى. قال الحرالي: وذلك حظ من الوقوف هنيهة وقت في البلد الحرام عند إقبال النهار معادلة للوقوف بعرفة من الحل إلى إقبال الليل ليتثنى الوقوف في الحل والحرم. فكان فيه موقف نهار ينتهي إلى الليل في عرفة وموقف ليل ينتهي إلى النهار في المشعر؛ فوقف فيه ﷺ بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس، وهو ذكره عنده، لأن الذكر بحسب الذاكر، فذكر اللسان القول، وذكر البدن العمل، وذكر النفس الحال والانفعال، وذكر القلب المعرفة والعلم واليقين ونحو ذلك، ولكل شيء ذكر بحسبه؛ وفي جمع الموقفين في الحل والحرم في معلم الحج الذي هو آية الحشر إيذان وبشرى بأن أهل الموقف صنفان: صنف يقفون في موطن

стр. 1020

روع ومخافة وقوفاً طويلاً اعتباراً بوقوف الواقفين بعرفة من حين زوال الشمس إلى غروبها ست ساعات، وصنف حظهم من الوقوف قرار في أمنة ظل العرش الذي هو حرم يوم القيامة وكعبته فتشعر خفة الوقوف بالمشعر الحرام أن أمد طول ذلك اليوم يمر على المستظلين بظل العرش فيه كأيسر مدة كما قال ﵊ بمقدار صلاة مكتوبة، فكان في ذلك فضل ما بين موقف الحرم على موقف الحل - انتهى. ولما - علم من ذكر الاسم الأعظم أن التقدير: كما هو مستحق للذكر لذاته، عطف عليه قوله ﴿واذكروه﴾ أي عند المشعر وغيره ﴿كما﴾ أي على ما ولأجل ما ﴿هداكم﴾ أيها الناس كافة للإسلام وأيها الخمس خاصة لترك الوقوف به والوقوف مع الناس في موقف

стр. 1021

أبيكم إبراهيم ﵊. ولما كان التقدير: فإنه بين لكم بياناً لم يبينه لأحد كان قبلكم ووفقكم للعمل عطف عليه قوله: ﴿وإن﴾ أي فإنكم ﴿كنتم﴾ ولما كانوا قبل عمرو بن لُحَيّ على هدى فكان منهم بعد ذلك المهتدي كزيد ابن عمرو وورقة بن نوفل فلم يستغرق زمانهم بالضلال أثبت الجار فقال: ﴿من قبله﴾ أي الهدى الذي جاءكم به محمد ﷺ ﴿لمن الضآلين *﴾ عن سنن الهدى ومواقف الأنبياء علماً وعملاً حيث كنتم تفيضون من المشعر الحرام. ولما قبح عليهم ما كانوا عليه من المخالفة في الوقوف بالنسبة إلى الضلال بالجملة الاسمية مؤكدة بأنواع التأكيد وكان ما مضى من ذكر الإفاضة ليس بقاطع في الوجوب أشار لهم إلى تعظيم ما هداهم له من الموافقة بأداة التراخي فقال عاطفاً على ما تقديره: فلا تفيضوا من المشعر الحرام الإفاضة التي كنتم تخالفون فيها الناس دالاً على تفاوت الإفاضتين وبعد ما بينهما على وجه معلم بالوجوب: ﴿ثم﴾ أي بعد طول تلبسكم بالضلال أنزلت عليكم في هذا الذكر الحكيم

стр. 1022

الذي أبيتموه وهو عزكم وشرفكم لا ما ظننتم أنه شرف لكم بالتعظم على الناس بمخالفة الهدى في الوقوف بالمزدلفة والإفاضة منها ﴿أفيضوا﴾ أي إذا قضيتم الوقوف. وقال الحرالي: لما كان للخطاب ترتيب للأهم فالأهم كما كان للكيان ترتيب للأسبق فالأسبق كان حرف المهلة الذي هو ثم، يقع تارة لترتيب الكيان وتارة لترتيب الإخبار فيقول القائل مثلاً: امش إلى حاجة كذا - تقديماً في الخبر الأهم - ثم ليكن خروجك من موضع كذا، فيكون السابق في الكيان متأخراً بالمهلة في الإخبار، فمن معنى ذلك قوله - انتهى. ثم أفيضوا أيها الحمس! ﴿من حيث أفاض الناس﴾ أي معظمهم وهو عرفات، إلى المشعر الحرام لتبيتوا به، وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمعون الحمس وكان سائر العرب

стр. 1023

يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله ﴿ثم أفيضوا﴾ » الآية، ﴿واستغفروا الله﴾ أي اطلبوا من ذي الجلال والإكرام أن يغفر لكم ما كنتم تفعلونه أيام جاهليتكم من مخالفة الهدى في الوقوف وما يبقى في الأنفس من آثار تلك العادة ومن غير ذلك من النقائص التي يعلمها الله منكم. قال الحرالي: والعادات أشد ما على المتعبدين والطريق إلى الله تعالى بخلعها، وقد كان جدالهم أي في وقوفهم في الحرم بغير علم لأن العلم يقتضي أن الواقف خائف والخائف لا يخاف في الحرم لأن الله جعل الحرم آمناً، فمن حق الوقوف أن يكون في الحل فإذا أمن دخل الحرم وإذا دخل الحرم أمن - انتهى. وأظهر الاسم الشريف تعريفاً للمقام وإعلاماً بأنه

стр. 1024

موصوف بما يصفه به على وجه العموم من غير نظر إلى قيد ولا حيثية فقال: ﴿إن الله﴾ ذا الكمال ﴿غفور﴾ أي ستور ذنب من استغفره ﴿رحيم *﴾ أي بليغ الرحمة يدخل المستغفر في جملة المرحومين الذين لم يبد منهم ذنب فهو يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم ليكون التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ولما أمرهم بالذكر في المناسك وكان الإنسان فيها بصدد الذكر أمرهم بالذكر بعد قضائها لأن من فرغ من العبادة كان بصدد أن يستريح فيفتر عن الذكر إلى غيره وكانت عادتهم أن يذكروا بعد فراغهم مفاخر آبائهم فقال: ﴿فإذا قضيتم﴾ أي أنهيتم إنهاء بيناً لا شبهة فيه ﴿مناسككم﴾ أي أركان الحج، وأعاد الاسم الأعظم بمثل ما مضى من التعظيم وتعميم الذكر في جميع الوجوه فقال: ﴿فاذكروا الله﴾ الذي لا نعمة عليكم إلا منه وهو الذي هداكم،

стр. 1025

ذكراً ﴿كذكركم آباءكم﴾ لكونهم أحسنوا إليكم بالتربية التي هي في الحقيقة من فضل الله تعالى، على أنهم فعلوا بكم كل محنة لا توازيها نعمة فإنهم أضلوكم، فسبحان من رضي وهو المنعم المطلق الهادي بأن يذكر مثل ذكر من كان سبباً لنعمة خاصة هو سبحان الذي أفاضها عليه مع أنه كان سبباً في الضلال! قال الحرالي: فانتظم ذكر إخراجهم عن قولهم المعهود بإخراجهم عن موقفهم المعهود إخراجاً لهم عن معتادهم في أعمالهم وأحوالهم، وفي إعلامه أخذ للخلق بأن يعاملوا الحق معاملة من يجلونه من الخلق وذلك عن بلية ما غلب عليهم من التقيد بما يرون وضعف الإيمان بما سمعوا أو علموا. ولما كان في هذه التربية بخس جرى عليه هذا الخطاب كما ورد «استحي من الله كما تستحيي رجلاً جليلاً من قومك» قال تعالى: ﴿أو أشد ذكراً﴾ انتهى. أي اذكروا الله ذكراً أعلى من ذلك

стр. 1026

بأن تذكروه ذكراً أشد من ذكركم لآبائكم لما له من الفضل العام، ومما يدخل تحت هذا الذكر أن يأنف من أن يكون لله في عبادته أو شيء من أموره شريك كما يستنكف ابن أن يكون لأبيه فيه شريك بل يكون في أمر الشرك أشد أنفة. قال الحرالي: فرفع الخطاب إلى ما هو أليق بالحق من إيثار ما يرجع إليه على ما يرجع إلى الخلق انتهى. ولما أمر تعالى بما أمر من ذكره لذاته ثم لإحسانه على الإطلاق ثم قيد بإفراده بذلك وترك ذكر الغير سبب عنه تقسيم الناس في قبول الأمر فقال صارفاً من القول عن الخطاب دلالة على العموم: ﴿فمن الناس من﴾ تكون الدنيا أكبر همه فلا التفات

стр. 1027

له إلى غيرها فهو ﴿يقول﴾ أفرد الضمير رعاية للفظ من بشارة بأن الهالك في هذه الأمة إن شاء الله قليل ﴿ربنا﴾ أيها المحسن إلينا ﴿آتنا في الدنيا﴾ ومفعوله محذوف تقديره: ما نريد - ﴿و﴾ الحال أنه ﴿ما له﴾ ويجوز أن يكون عطفاً على ما تقديره: فيعطيه ما شاء سبحانه منها لا ما طلب هو، وليس له ﴿في الآخرة من خلاق *﴾ أي نصيب لأنه لا رغبة له فيها فهو لا يطلبها ولا يسعى لها سعيها. قال الحرالي: والخلاق الحظ اللائق بالخَلق والخُلق. ﴿ومنهم من﴾ يجعل عبادته وحجه وسيلة إلى الرغبة إلى ربه ويذكر الله تعالى كما أمر فهو ﴿يقول ربنا﴾ بإحسانك ﴿آتنا في الدنيا﴾ حالة وعيشة ﴿حسنة﴾ لا توصل بها إلى الآخرة على ما يرضيك. قال الحرالي: وهي الكفاف من المطعم والمشرب والملبس

стр. 1028

والمأوى والزوجة على ما كانت لا شرف فيها - انتهى. ﴿وفي الآخرة حسنة﴾ أي من رحمتك التي تدخلنا بها الجنة. ولما كان الرجاء لا يصلح إلا بالخوف وإعطاء الحسنة لا ينفي المس بالسيئة قال: ﴿وقنا عذاب النار *﴾ أي بعفوك ومغفرتك. ولما كان هؤلاء على منهاج الرسل لأنهم عبدوا الله أولاً كما أشار إليه السياق فانكسرت نفوسهم ثم ذكروه على تلك المراتب الثلاث فنارت قلوبهم بتجلي نور جلاله فتأهلوا بذلك للدعاء فكان دعاؤهم كاملاً، كما فعل الخليل ﵊ حيث قال: ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ [الشعراء: ٧٨] الآيات حتى قال ﴿رب هب لي حكماً وألحقني

стр. 1029

بالصالحين﴾ [الشعراء: ٨٣] فقدم الذكر على الدعاء وكما هدى إليه آخر آل عمران في قوله: ﴿ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا﴾ [آل عمران: ١٩٣] الآيات، فقدموا الطاعة عظم شأنهم بقوله على سبيل الاستئناف جامعاً على معنى من بشارة بكثرة الناجي في هذه الأمة أو يكون الجمع لعظم صفاتهم: ﴿أولئك﴾ أي العالو المراتب العظيمو المطالب ﴿لهم﴾ أي هذا القسم فقط لأن الأول قد أخبر أن الأمر عليه لا له. ولما كان غالب أفعال العباد على غير السداد وأقل ما فيها أن تكون خالية عن نية حسنة قال مشيراً إلى ذلك: ﴿نصيب﴾ وهو اسم للحظ الذي أتت عليه القسمة بين جماعة، كائن ﴿مما﴾ لو

стр. 1030

قال: طلبوا - مثلاً، لم يعم جميع أفعالهم؛ ولو قال: فعلوا، لظُن خروج القول فعدل إلى قوله: ﴿كسبوا﴾ أي طلبوا وأصابوا وتصرفوا واجتهدوا فيه وجمعوا من خلاصة أعمالهم القولية والفعلية ومنها الاعتقادية وهو ما أخلصوا فيه فهو الذي يثابون عليه وهو قليل بالنسبة إلى باقي أعمالهم. ولما كان أسرع الناس حساباً أعلمهم بفنونه خطأ وصواباً وكان التقدير: فالله عالم بخفي أعمالهم وجليها وتمييز جيدها من رديئها فهو يجازيهم على حسب ذلك عطف عليه قوله: ﴿والله﴾ أي المحيط علماً وقدرة ﴿سريع الحساب *﴾ وهو أحصى الأعمال وبيان ما يجب لكل منها الجزاء واتصاله إلى العامل لما له من سعة العلم وشمول القدرة، قيل لبعضهم: كيف يحاسب الله الخلق في وقت واحد؟ قال: كما يرزقهم في وقت واحد، وفيه ترغيب بأنه لا ينسى عملاً، وترهيب بأنّه لا يمشي عليه باطل ولا يقدر على مدافعته مطاول.

стр. 1031

ولما كان قد أمرهم بذكره عند قضاء الأركان وكان ربما فهم اقتصارهم عليه في الوقت الذي كانوا يذكرون فيه آباءهم قال معمّماً وليكون الحث عليه آكد لتكرير الندب إليه بصيغة الأمر فيكون أضخم لشأنه: ﴿واذكروا﴾ بالرمي، أمر بالرمي وعبر عنه بالذكر ليشمل كل ذكر لسانياً كان أو غيره ﴿الله﴾ أي لما يستحقه في ذاته من الكمال ﴿في أيام﴾ ولما كانت لا تحتاج إلى غير العد لكونها قليلة وبعد الأيام التي يحتاط في أمرها بالرأي وغيره حتى تكون معلومات قال جامعاً صفة ما لا يعقل بما اطرد فيها من الألف والتاء إذا كان موصوفها جمع قلة: ﴿معدودات﴾ وهي أيام إقامتكم بمنى في ضيافته سبحانه لفعل بقية ما عليكم من تتمات العبادات الحجية أولها

стр. 1032

يوم القر، وهو الحادي عشر ليستقر الناس فيه بمنى، ثانيها يوم النفر الأول، ثالثها يوم النفر الأعظم، والثلاثة تسمى أيام التشريق، وهى مع يوم العيد تسمى أيام النحر. والأربعة مع يوم عرفة أيام التكبير والذكر، ولما فهم من هذا أنه لا بد من الإقامة بها - في مدة الثلاثة الأيام نفى ذلك ميسراً لأنّ الحج يجمع القوي والضعيف والخادم والمخدوم، والضعيف في هذا الدين أمير على القوي فقال مشيراً إلى أن الإنسان في ذلك الجمع الأعظم له نازعان نازع ينزع إلى الإقامة في تلك الأماكن المرضية والجماعات المغفورة ونازع ينزعه إلى أهله وأوطانه وعشائره وإخوانه: ﴿فمن تعجل﴾ منكم النفر للرجوع إلى أوطانه ﴿في يومين﴾ منها ﴿فلآ إثم عليه﴾ والعجلة فعل الشيء

стр. 1033

قبل وقته الأليق به، وقيد باليومين إعلاماً بأن من أدركه غروب اليوم الثاني بمنى وهو مقيم لزمه مبيت الليلة الثالثة ورمى اليوم الثالث، فإن نفر قبل غروبه سقط عنه المبيت والرمي، قال في شرح المهذب: بلا خلاف، وكذا إن أدركه الغروب وهو راحل قبل أن ينفصل

стр. 1034

منها، ولم يقيد التأخر لأن نهايته باليوم الثالث معروفة من أن الأيام ثلاثة. ولما كان ذلك ربما أفهم أن المتأخر يلحقه إثم كما كان أهل الجاهلية يقولون وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم قوماً يسابقون إلى المعالي وكان يريد الرفق بأهل هذا الدين ستر التصريح بالترغيب في التأخر فعبر عنه أيضاً بنفي الإثم كالأول بعد أن أشار إلى الترغيب فيه بالتعبير عن النفر الأول بالتعجل فقال: ﴿ومن تأخر﴾ أي فأقام في منى إلى تمام الثلاثة فرمى اليوم الثالث ﴿فلآ إثم عليه﴾ والتأخر إبعاد الفعل من الآن الكائن. قال الشيخ محيي الدين في شرح المهذب: قال الشافعي رضي الله تعالى عنه والأصحاب: يجوز النفر في اليوم الثاني من التشريق ويجوز في الثالث، وهذا مجمع عليه لقوله تعالى: ﴿فمن تعجل﴾ - الآية، قالوا: والتأخر إلى اليوم الثالث أفضل للأحاديث الصحيحة «أن رسول الله ﷺ نفر في اليوم الثالث» .

стр. 1035

ولما كان مدار الأعمال البدنيات على النيات قيد ذلك بقوله: ﴿لمن﴾ أي هذا النفي للإثم عن القسمين لمن ﴿اتقى﴾ من أهلهما فأدار أفعاله على ما يرضي الله. ولما كان التقدير: فافعلوا ما شئتم من التعجل والتأخر عطف عليه ما علم أنه روحه فقال: ﴿واتقوا الله﴾ أي الذي له الإحاطة الشاملة. ولما كان الحج حشراً في الدنيا والانصراف منه يشبه انصراف أهل الموقف بعد الحشر عن الدنيا فريقاً إلى الجنّة وفريقاً إلى السعير ذكرهم بذلك بقوله: ﴿واعلموا أنَّكم﴾ جميعاً ﴿إليه﴾ لا إلى غيره ﴿تحشرون *﴾ بعد البعث، والحشر الجمع بكره، وهو واقع على أول خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف، فاعلموا لما يكون سبباً في انصرافكم منه إلى دار كرامته

стр. 1036

لا إلى دار إهانته. قال الحرالي: وكلية الحج ومناسكه مطابق في الاعتبار لأمر يوم الحشر ومواقفه من خروج الحاج من وطنه متزوداً كخروج الميت من الدنيا متزوداً بزاد العمل، ووصوله إلى الميقات وإهلاله متجرداً كانبعاثه من القبر متعرياً، وتلبيته في حجه كتلبيته في حشره ﴿مهطعين إلى الداع﴾ [القمر: ٨٠] كذلك اعتباره موطناً إلى غاية الإفاضة والحلول بحرم الله في الآخرة التي هي الجنة، والشرب من ماء زمزم التي هي آية نزل الله لأهل الجنة على وجوه من الاعتبارات يطالعها أهل الفهم واليقين، فلأجل ذلك كان أتم ختم لأحكام الحج ذكر الحشر - انتهى. وهنا تم ما أراد من بيان قواعد الإسلام الخمس: الإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج، المشار إلى الثلاث الأول منها بقوله تعالى أول السورة: ﴿يؤمنون

стр. 1037

بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ [البقرة: ٣] وذكر الحج لمزيد الاعتناء به لاحقاً للصوم بعد ذكره سابقاً عليه، ولعل ذلك هو السبب في تقديم الصوم على الحج تارة وتأخيره أخرى في روايات حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيح «بني الإسلام على خمس» . ولما كان قد ذكر الراغب في الدنيا وحدها والراغب في الدارين وكان قد بقي من الأقسام العقلية المعرض عنهما وهو مفقود فلم يذكره والراغب في الآخرة فقط، وكل من الأقسام تارة يكون مسرّاً وتارة يكون معلناً وكان المحذور منها - إنما هو المسر لإرادة الدنيا بإظهاره لإرادة الآخرة وكان هذا هو المنافق بدأ به بعد ذكر التقوى والحشر ليكون مصدوعاً بادىء بدء بذلك الأمر مقصوداً بالتهديد بالحشر وساقه بصيغة ما في أول السورة من ذكر المنافقين ليتذكر السامع تلك القصص ويستحضرها بتلك الأحوال وحسن ذلك طول الفصل وبعد العهد فقال: ﴿ومن الناس من﴾

стр. 1038

أي شخص أو الذي ﴿يعجبك﴾ أي يروقك ويأخذ بمجامع قلبك أيها المخاطب ﴿قوله﴾ كما ذكرنا أول السورة أنه يخادع، ويعجب من الإعجاب وهو من العجب وهو كون الشيء خارجاً عن نظائره من جنسه حتى يكون ندرة في صنعه - قاله الحرالي. وقال الأصبهاني: حالة تغشى الإنسان عند إدراك كمال مجهول السبب، وعن الراغب أنه قال: وليس هو شيئاً له في ذاته حالة بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا:

стр. 1039

ظهر لي ظهوراً لم أعرف سببه. ولما كان ذكر هذا بعد ذكر الحشر ربما أوهم أن يكون القول أو الإعجاب واقعاً في تلك الحالة قيده بقوله: ﴿في﴾ أي الكائن في ﴿الحياة الدنيا﴾ لا يزداد في طول مدته فيها إلا تحسيناً لقوله وتقبيحاً لما يخفى من فعله وأما في الآخرة فكلامه غير حسن ولا معجب ﴿ويشهد الله﴾ المستجمع لصفات الكمال

стр. 1040

﴿على ما في قلبه﴾ أنه مطابق لما أظهره بلسانه ﴿وهو﴾ أي والحال أنه ﴿ألدّ الخصام *﴾ أي يتمادى في الخصام بالباطل لا ينقطع جداله كل ذلك وهو يظهر أنه على الحسن الجميل ويوجه لكل شيء من خصامه وجهاً يصرفه عما أراد به من القباحة إلى الملاحة، واللدد شدة الخصومة، والخصام القول الذي يسمع المصيح ويولج في صماخه ما يكفه عن مزعمه ودعواه - قاله الحرالي. وقال الأصبهاني: هو التعمق في البحث عن الشيء والمضايقة فيه ويجوز أن يجعل الخصام ألد على المبالغة - انتهى. ولما ذكر أنه ألد شرع يذكر وجه لدده فقال عاطفاً على ما

стр. 1041

تقديره: فإذا واجهك اجتهد في إظهار أنه مصلح أو تكون جملة حالية ﴿وإذا تولى﴾ أي أعرض بقلبه أو قاله عمن خدعه بكلامه، وكنى بالتعبير بالسعي عن الإسراع في إيقاع الفتنة بغاية الجهد فقال: ﴿سعى﴾ ونبه على كثرة فساده بقوله: ﴿في الأرض﴾ أي كلها بفعله وقوله عند من يوافقه ﴿ليفسد﴾ أي ليوقع الفساد وهو اسم لجميع المعاصي ﴿فيها﴾ أي في الأرض في ذات البين لأجل الإهلاك والناس أسرع شيء إليه فيصير له مشاركون في أفعال الفساد، فإذا فعل منه ما يريد كان معروفاً عندهم فكان له عليه أعوان وبين أنه يصل بإفساده إلى الغاية بقوله مسمياً المحروث حرثاً

стр. 1042

مبالغة: ﴿ويهلك الحرث﴾ أي المحروث الذي يعيش به الحيوان، قال الحرالي سماه حرثاً لأنه الذي نسبه إلى الخلق، ولم يسمه زرعاً لأن ذلك منسوب إلى الحق - انتهى. ولأنه إذا هلك السبب هلك المسبب من غير عكس ﴿والنسل﴾ أي المنسول الذي به بقاء نوع الحيوان. قال الحرالي: وهو استخراج لطيف الشيء من جملته - انتهى. وفعله ذلك للإفساد ونظمت الآية هكذا إفهاماً لأن المعنى أن غرضه أولاً بإفساد ذات البين التوصل إلى الإهلاك وثانياً بالإهلاك التوصل إلى الإفساد ﴿والله﴾ أي والحال أن الملك الأعظم ﴿لا يحب الفساد *﴾ أي لا يفعل فيه فعل المحب فلا يأمر به بل ينهى عنه ولا يقر عليه بل يغيره وإن طال المدى ويعاقب عليه، ولم يقل: الهلاك، لأنه قد يكون صورة فقط فيكون صلاحاً كما إذا كان قصاصاً ولا

стр. 1043

قال: الإفساد يشمل ما إذا كان الفساد عن غير قصد، والآية من الاحتباك، ذكر أولاً الإفساد ليدل على حذفه ثانياً وثانياً الإهلاك ليدل على حذفه أولاً، وذكر الحرث الذي هو السبب دلالة على الناسل والنسل الذي هو المسبب دلالة على الزرع فهو احتباك ثان. ولما كان من الناس من يفعل الفساد فإذا نهى عنه انتهى بين أن هذا على غير ذلك تحقيقاً لألديته فقال مبشراً بأداة التحقيق بأنه لا يزال في الناس من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿وإذا قيل له﴾ من أي قائل كان ﴿اتق الله﴾ أي الملك الأعظم الذي كل شيء تحت قهره واترك ما أنت عليه من الفساد ﴿أخذته﴾ أي قهرته لما له من ملكة الكبر ﴿العزة﴾ في نفسه

стр. 1044

لما فيها من الكبرياء والاستهانة بأمر الله، وليس من شأن الخلق الاتصاف بذلك فإن العزة لله جميعاً ﴿بالإثم﴾ أي مصاحباً للذنب، وهو العمل الرذل السافل وما - لا يحل ويوجب العقوبة باحتقار الغير والاستكبار عليه. ولما كان هذا الشأن الخبيث شأنه دائماً يمهد به لنفسه التمكين مما يريد سبب عنه قوله: ﴿فحسبه﴾ أي كفايته ﴿جهنم﴾ تكون مهاداً له كما مهد للفساد، وتخصيص هذا الاسم المنبىء عن الجهامة في المواجهة أي الاستقبال بوجه كريه لما وقع منه من المواجهة لمن أمره من مثله. قال الحرالي: فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي تعالى

стр. 1045

النار باسم من أسمائها - انتهى. ﴿ولبئس المهاد *﴾ هي والمهاد موطن الهدوء والمستطاب مما يستفرش ويوطأ - قاله الحرالي، وقال: فيه إشعار بإمهال الله لهذه الأمة رعاية لنبيها فأحسب فاجرها وكافرها بعذاب الآخرة، ولو عاجل مؤمنها بعقوبة الدينا فخلص لكافرها الدنيا ولمؤمنها الآخرة وأنبأ بطول المقام والخلود فيها. ولما أتم الخبر عن هذا القسم الذي هو شر الأقسام أتبعه خيرها ليكون ختاماً وبينهما تباين فإن الأول من يهلك الناس لاستبقاء نفسه وهذا يهلك نفسه لاستصلاح الناس فقال: ﴿ومن الناس من﴾ أي شخص أو الذي ﴿يشري﴾ أي يفعل هذا الفعل كلما لاح له وهو أنه يبيع بغاية الرغبة والانبعاث ﴿نفسه﴾ فيقدم على إهلاكها

стр. 1046

أو يشتريها بما يكون سبب إعتاقها وإحيائها بالاجتهاد في أوامر الله بالنهي لمثل هذا الألد عن فعله الخبيث والأمر له بالتقوى والتذكير بالله، وروي أنها نزلت في صهيب رضي الله تعالى عنه لأنه لما هاجر أرادت قريش رده فجعل لهم ماله حتى خلوا سبيله فقال له النبي ﷺ : «ربح البيع» فعلى هذا يكون شرى بمعنى اشترى، ثم علل ذلك بقوله: ﴿ابتغآء﴾ أي تطلب وتسهل وتيسر بغاية ما يمكن أن يكون كل من ذلك ﴿مرضات الله﴾ أي رضى المحيط بجميع صفات الكمال وزمان الرضى ومكانه بما دل عليه كون المصدر ميمياً ويكون ذلك غاية في بابه بما دل عليه من وقفه بالتاء الممدودة لما يعلم من شدّة رحمة الله تعالى به ﴿والله رؤوف﴾ أي بالغ الرحمة،

стр. 1047

وأظهر موضع الإضمار دلالة على العموم وعلى الوصف المقتضي للرحمة والشرف فقال: ﴿بالعباد *﴾ كلهم حيث أسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة مع كفرهم به أو تقصيرهم في أمره، وبين لهم الطريق غاية البيان بالعقل أولاً والرسل ثانياً والشرائع ثالثاً والكتب الحافظة لها رابعاً، ولعل الفصل بين الأقسام الأربعة بالأيام المعدودات اهتماماً بأمرها لكونها من فعل الحج وتأخيرها عن أخواتها إشارة إلى أنها ليست من دعائم المناسك بل تجبر بدم. ولما ختم هذين القسمين بالساعي في رضى الله عنه مشاكلة للأولين حسن جداً تعقيبه بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾

стр. 1048

ليكون هذا النداء واقعاً بادىء بدء في أذن هذا الواعي كما كان المنافق مصدوعاً بما سبقه من التقوى والحشر مع كونه دليلاً على صفة الرأفة، وتكرير الأمر بالإيمان بين طوائف الأعمال من أعظم دليل على حكمة الآمر به فإنه مع كونه آكد لأمره وأمكن لمجده وفخره يفهم أنه العماد في الرشاد الموجب للإسعاد يوم التناد فقال: ﴿ادخلوا في السلم﴾ أي الإيمان الذي هو ملزم لسهولة الانقياد إلى كل خير، وهو في الأصل بالفتح والكسر الموادعة في الظاهر بالقول والفعل أي يا من آمن بلسانه كهذا الألد ليكن الإيمان أو الاستلام بكلية الباطن والظاهر ظرفاً محيطاً بكم من جميع الجوانب فيحيط بالقلب والقالب كما أحاط باللسان ولا يكون لغرامة الجهل وجلافة الكفر إليكم سبيل ﴿كآفة﴾ أي وليكن جميعكم في ذلك شرعاً

стр. 1049

واحداً كهذا الذي يشري نفسه، ولا تنقسموا فيكون بعضكم هكذا وبعضكم كذلك الألد، فإن ذلك دليل الكذب في دعوى الإيمان. ولما كان الإباء والعناد الذي يحمل عليه الأنفة والكبر فعل الشيطان وثمرة كونه من نار قال: ﴿ولا تتبعوا﴾ أي تكلفوا أنفسكم من أمر الضلال ضد ما فطرها الله تعالى عليه وسهله لها من الهدى ﴿خطوات الشيطان﴾ أي طرق المبعد المحترق في الكبر عن الحق. قال الحرالي: ففي إفهامه أن التسليط في هذا اليوم له، وفيه إشعار وإنذار بما وقع في هذه الأمة وهو واقع وسيقع من خروجهم من السلم إلى الاحتراب بوقوع الفتنة في الألسنة والأسنة على أمر الدنيا وعودهم إلى أمور جاهليتهم، لأن الدنيا أقطاع الشيطان كما أن الآخرة خلاصة الرحمن، فكان ابتداء الفتنة منذ كسر الباب الموصد على السلم وهو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فلم يزل الهرج ولا يزال إلى أن تضع الحرب أوزارها.

стр. 1050

ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنه لكم عدو مبين *﴾ أي بما أخبرناكم به في أمر أبيكم آدم ﵊ وغير ذلك مما شواهده ظاهرة، وما أحسن هذا الختم المضاد لختم التي قبلها! فإن تذكر الرأفة منه سبحانه على عظمته والعبودية منا الذي هو معنى الولاية التي روحها الانقياد لكل ما يحبه الولي وتذكر عداوة المضل أعظم منفر منه وداع إلى الله . ولما أقام الأدلة على عظمته التي منها الوحدانية وأزال الشبه ومحا الشكوك وذكر بأنواع اللطف والبر إلى أن ختم الآيتين بما ذكر من ولايته وعداوة المضل عن طريقه سبب عن ذلك قوله ﴿فإن زللتم﴾ مشيراً بأداة الشك إلى أنهم صاروا إلى حالة من وضوح الطريق الواسع الأمكن الأمين المستقيم الأسلم يبعد معها كل البعد أن يزلوا عنه ولذلك قال: ﴿من بعد ما جاءتكم

стр. 1051

البينات﴾ أي بهذا الكتاب الذي لا ريب فيه. قال الحرالي: بينات التجربة شهوداً ونبأ عما مضى وتحققاً بما وقع، وقال: إن التعبير بأن يشعر بأنهم يستزلون، والتعبير بالماضي إشعار بالرجوع عنه رحمة من الله لهم كرحمته قبل لأبويهم حين أزلهما الشيطان فكما أزل أبويهم في الجنة عن محرم الشجرة أزلهم في الدنيا عن شجرة المحرمات من الدماء والأموال والأعراض - انتهى. ولما كان الخوف حاملاً على لزوم طريق السلامة قال: ﴿فاعلموا﴾ فإن العلم أعون شيء على المقاصد ﴿أن الله﴾ الحاوي لصفات الكمال ﴿عزيز﴾ لا يعجزه من زل ولا يفوته من ضل ﴿حكيم﴾ يبرم ما لا يقدر أحد على نقض شيء منه.

стр. 1052

ولما كان هذا الختم مؤذناً بالعذاب وكان إتيان العذاب من محل تتوقع منه الرحمة أفظع وكان أنفع الأشياء السحاب لحمله الغيث والملائكة الذين هم خير محض وكان الذين شاهدوا العذاب من السحاب الذي هو مظنة الرحمة ليكون أهول عاداً وبني إسرائيل وكان عاد قد مضوا فلا يمكن عادة سؤالهم وكان من زل بعد هذا البيان قد أشبه بني إسرائيل في هذا الحال فكان جديراً بأن يشبههم في المآل فيما صاروا إليه من ضرب الذلة والمسكنة وحلول الغضب والوقوع في العطب قال تعالى: ﴿هل ينظرون﴾ أي ينتظرون إذا زلوا. سائقاً له في أسلوب الإنكار، وصيغة الغيبة مجردة عن الافتعال تنبيهاً على أن الزالين في غاية البعد عن مواطن الرأفة والاستحقاق بمظهر الكبر والنقمة بإعراض السيد عن خطابهم وإقباله من عذابهم على ما لم يكن في حسابهم ﴿إلا أن يأتيهم الله﴾ أي مجد الذي

стр. 1053

لا يحتمل شيء تجلى عظمته وظهور جلاله، كائناً مجده ﴿في ظلل من الغمام﴾ ظلة في داخل ظلة، وهي ما يستر من الشمس فهي في غاية الإظلام والهول والمهابة لما لها من الكثافة التي تغم على الرائي ما فيها وتدمر ما أتت عليه - إلى غير ذلك من أنواع المجد الذي لا يقدره حق قدره إلا الله ﴿والملائكة﴾ أي ويأتي جنده الذين لا يعصون الله ما أمرهم، هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة أبي جعفر بالخفض، المعنى وظلل من الملائكة أي جماعات يملؤون الأقطار ليتبادروا إلى امتثال أوامره؛ وهل ينتظرون

стр. 1054

من القوي المحكم لما يفعل العزيز الذي يعلو أمره كل أمر إلا إتيانه بالبأس إذا غضب بعد طول الحلم وتمادي الأناة فلا يرد بأسه ولا يعارض أمره وهو المراد من قوله: ﴿وقضي﴾ أي والحال أنه قد قضي ﴿الأمر﴾ أي نفذ بإهلاكهم سريعاً فرجعوا إلى الله بأسرهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً ﴿وإلى الله﴾ الذي له الإحاطة الكاملة وحده ﴿ترجع الأمور﴾ كلها دنيا وأخرى، فإن حكمه لا يرد وقدرته لا تحد. قال الحرالي: وإتيان الله في محل الإيمان أمر مبهم لا يناله علم العالمين ويقف دونه إيمان المؤمنين، لا يأخذونه بكيف ولا يتوهمونه بوهم، وإتيان الله في أوائل فهم

стр. 1055

الفاهمين بدو أمره وخطابه في محل ما من السماء والأرض أو العرش أو الكرسي أو ما شاء من خلقه؛ فهو تعالى يجل أن يحجبه كون، فحيث ما بدأ خطابه كفاحاً لا بواسطة فهناك هو ﴿وناديناه من جانب الطور الأيمن﴾ [مريم: ٥٢] إلى: ﴿إني أنا الله﴾ [طه: ١٤] وفي الكتاب الأول: جاء الله من سيناء - انتهى. وتمامه: وشرق من جبل ساعير وظهر لنا من جبال فاران؛ والمراد بالأول نبوة موسى ﵊ وهو واضح، وبالثاني نبوة عيسى ﵊، فإن جبل ساعير هو جبل الجليل وهو الذي بين طبرية ومرج بني عامر، وبالثالث نبوة محمد ﷺ فإن فاران هي مكة المشرفة.
следующие страницы →