بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بين يدي الكتاب
الحمد لله والصلاة والسلام على محمد رسول الله وعلى آله وصحابته ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، وبعد:
فقد حصلت علي نسختين من كتاب المحاضرات والمحاورات للسيوطي قبل اثنتي عشرة سنة، وقد استهواني ما وجدت فيه من مادة أدبية ومن رسائل ومقامات ومختارات شعرية مشرقية وأندلسية ونقول من كتب نفيسة منها المخطوط ومنها المفقود، واخترت الكتاب ليكون مادة تدريس مقرر (علم المخطوطات ومنهج التحقيق) في جامعة قار يونس ببنغازي، ثم باشرت بتحقيقه وإخراجه لجمهرة الأدباء والقارئين من المعنيين بالتراث، سنة ١٩٩٢ م وقطعت شوطا كبيرا جاوز نصف الكتاب، ثم طوحت بي المقادير من بلد إلى آخر ومن دار إلى دار، أذرع الأرض سعيا للأمن والأمان والرغيف الكريم الحلال، وأرسلت ما أنجز من الكتاب مع جملة من مصادره ضمن مجموعة من الطرود فيها ما استطعت أن أرسله من مكتبتي عن طريق الشحن البحري- يوم كان الحصار الجوي مفروضا على ليبيا:- ووصل قسم قليل من الطرود، وضلت الطريق بقية الطرود، أو لنقل غيّبت، وكان الكتاب ومخطوطاته من جملة ما غاب أو غيّب، ولما استقر بي المقام في البلد الجديد، عاودني الحنين إلى الكتاب، ونفضت عن نفسي هموم الاحباط واليأس، وعاودت البحث عن مخطوطات الكتاب وتوافرت لدي ثلاث نسخ، ثم كلما قاربت من انجاز تحقيق الكتاب، ظهرت أمامي نسخ جديدة، فأعيد دراستها ومقابلتها، حتى أمكن الحصول علي ست نسخ تم بموجبها تحقيق الكتاب بعون من الله وتوفيقه، ولا شك أن هناك نسخا في بطون المكتبات لم أستطع الوصول إليها.
كتاب المحاضرات والمحاورات لم ينشر من قبل، وهو موسوعة أدبية، فيه نقول كثرة عن كتب تراثية نفيسة، منها المفقود، ومنها الذي ما زال مخطوطا، وقد حفظ كثيرا من الأخبار الأدبية والدينية والتاريخية والحضارية، وحوى شعرا لشعراء لم تصل دواوينهم، وأشعارا لشعراء خلت منها دواوينهم المطبوعة، وقد بلغ عدد الأبيات المذكورة في الكتاب حوالي الفين ومائتي بيت.
стр. 2
لقد استقى السيوطي مادة كتابه من مجموعة كبيرة من مصادر التراث، واختار فنونا من ثمار الفكر، فيجد فيه الدارس المجاميع الأدبية، والرسائل، والمقامات، والأخبار، والأحاديث النبوية، وتراجم الرجال، وآداب العلم والتعلم، وكتب التهذيب، وتعلم الأخلاق، وما إلى ذلك من نفائس المعرفة، وقد نخل السيوطي عشرات الكتب ونقل منها واختار ما يصلح منها في المحاضرات، وحفظ ما ضاع من كتب التراث، والكتاب بجملته مكتبة رائعة نفيسة يتطلع إليها العالم والمتعلم، وقد بذلت في درسه وتحقيقه واستقصاء ما استطعت الوصول إليه من مصادره سنوات طويلة عزيزة من سني العمر الفاني، ويسرني في هذا المقام أن أزجي أطيب التحيات وخالص الشكر والتقدير لكل من أعانني للحصول على مخطوطات الكتاب، وأخص منهم الأستاذ الدكتور طاهر عمران الطير الأستاد في جامعة قاريونس الذي زودني بنسختين؛ نسخة الأصل، ونسخة مكتبة الأوقاف العراقية، وأشكر أخي الأستاذ الدكتور سمير الدروبي الأستاذ في جامعة مؤتة على تزويدي بنسخة الرباط ونسخة المكتبة الظاهرية، وشكري الجزيل لأخي الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن ناصر المانع الأستاذ بجامعة الملك سعود الذي أتاح لي الحصول على نسختي المكتبة الوطنية بباريس، وشكري وامتناني لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، والقائمين عليه، الذين أهدوني هدية كريمة هما نسختا باريس المحفوظة صورتهما في المركز، وأخص بالشكر والتحية الأستاذ الفاضل يحيى محمود بن جنيد الأمين العام لمركز الملك فيصل.
وبعد، فالحمد لله على توفيقه وعونه، وما التوفيق إلا من عند الله ، وكم منيت النفس أن تبلغ أعمالي غايتها من الصحة والكمال، وهيهات، فان الوسائل لمثلي قاصرة، مهما بذلت من جهد واجتهاد، ولذلك لا أزكي عملي من النقص والوهم والنسيان، رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
والحمد لله أولا وآخرا.
١٧ ربيع الثاني ١٤٢٣ هـ ٢٨ حزيران ٢٠٠٢ م يحيى بن وهيب الجبوري
стр. 3
جلال الدين السيوطي
حياته
السيوطي عالم جليل، متعدد المواهب، كثير التأليف، بعيد الصيت، طرق مختلف الموضوعات والعلوم، فأجاد فيها وبرز، وكان أحد كبار الموسوعيين في عصره، ونحاول أن نتعرف على السيوطي الإنسان، والسيوطي العالم المؤلف، في شيء من الإيجاز، ذلك لأن الدراسات التي تحدثت عن السيوطي وكتبه كثيرة، لدى القدامى والمحدثين.
اسمه عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق، جلال الدين الخضيري السيوطي، ولد سنة ٨٤٩ هـ/ ١٤٤٥ م، وتوفي سنة ٩١١ هـ/ ١٥٠٥ م، وقد ترجم السيوطي لنفسه مرتين؛ الأولى في كتابه (التحدث بنعمة الله) سنة ٨٩٦ هـ[١] ، وهي ترجمة واسعة، تحدث فيها عن والده ومكانته وعلمه، وعن نفسه، ورحلاته، ومسموعاته، ومؤلفاته، وعلمه، وتبحره في العلوم، وبلوغه رتبة الاجتهاد فيها، وخلافاته مع بعض معاصريه، ولهذه الترجمة قيمة كبيرة في التعريف بحياته، والجوانب التي لا يدركها من ترجم له من معاصريه.
والترجمة الثانية، في كتابه (حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة) ، كتبها سنة ٩٠٣ هـ، أي قبل وفاته بقليل، وهي ترجمة ليست وافية كالأولى، ولكنها عبرت عن حياته العلمية وثقافته خير تعبير، فقد تحدث فيها عن حياته وأصله ونسبه وعلمه، وحفظه القرآن في صغره، وقراءته على الشيوخ، والكتب التي قرأها، وبدء تأليفه، ومقدار ما ألف في ذلك الوقت، ثم ذكر رحلاته وحجه لبيت الله، والعلوم التي برع فيها، والعلوم التي نهل منها ولم يبلغ فيها شأوا بعيدا، وكذلك العلوم التي عزف عنها كالفلسفة والرياضيات، وذكر مسردا بمؤلفاته موزعة حسب الفروع.
وخير من يرسم معالم حياته هو السيوطي نفسه، وقد أعجبتني هذه الترجمة الصريحة المباشرة، ولذلك أدون طرفا منها، وإليك حديثه عن نفسه في كتاب (حسن المحاضرة) ، وفي بدء كلامه يمهد لذلك بتبرير لهذه الترجمة، وبأنه ليس مبتدعا في هذا الأمر، بل هو يقتدي بمن قبله من العلماء الذين ترجموا لأنفسهم، وأشهر هؤلاء: الإمام عبد الغافر الفارسي في تاريخ نيسابور، وياقوت الحموي في معجم الأدباء، ولسان الدين ابن الخطيب في تاريخ غرناطة، والحافظ تقي الدين الفارسي في تاريخ مكة، والحافظ أبو الفضل ابن حجر في قضاة مصر، وأبو شامة في الروضتين، ويقول:
стр. 4
«أما جدي الأعلى همام الدين، فكان من أهل الحقيقة، ومن مشايخ الطرق، ومن دونه كانوا من أهل الوجاهة والرياسة، منهم من ولي الحكم ببلده، ومنهم من ولي الحسبة بها، ومنهم من كات تاجرا في صحبة الأمير شيخون، وبنى مدرسة بأسيوط ووقف عليها أوقافا، ومنهم من كان متمولا، ولا أعرف منهم من خدم العلم حق الخدمة إلا والدي، وسيأتي ذكره في قسم الفقهاء الشافعية، وأما نسبتنا بالخضيري، فلا أعلم ما تكون إليه هذه النسبة، إلا الخضيرية محلة ببغداد، وقد حدثني من أثق به، أنه سمع والدي رحمه الله تعالى، يذكر أن جده الأعلى كان أعجميا، أو من الشرق، فالظاهر أن النسبة إلى المحلة المذكورة.
وكان مولدي بعد المغرب، ليلة الأحد مستهل رجب، سنة تسع وأربعين وثمان مئة، وحملت في حياة أبي إلى الشيخ محمد المجذوب، رجل كان من كبار الأولياء، بجوار المشهد النفيسي فبرك عليّ، ونشأت يتيما، فحفظت القرآن ولي دون ثمان سنين، ثم حفظت العمدة، ومنهاج الفقه والأصول، وألفية ابن مالك، وشرعت في الاشتغال بالعلم من مستهل سنة أربع وستين، فأخذت الفقه والنحو عن جماعة من الشيوخ، وأخذت الفرائض عن العلامة فرضي زمانه، الشيخ شهاب الدين الشارمساحي، الذي كان يقال إنه بلغ السن العالية، وجاوز المائة بكثير، والله أعلم بذلك، قرأت عليه في شرحه على المجموع، وأجزت بتدريس العربية في مستهل سنة ست وستين، وقد ألفت في هذه السنة، فكان أول شيء ألفته شرح الاستعاذة والبسملة، وأوقفت عليه شيخنا شيخ الإسلام علم الدين البلقيني، فكتب عليه تقريظا، ولازمته في الفقه إلى أن مات، فلازمت ولده فقرأت عليه من أول التدريب لوالده، إلى الوكالة، وسمعت عليه من أول الحاوي الصغير إلى العدد، ومن أول المنهاج، إلى الزكاة، ومن أول التنبيه إلى قريب من باب الزكاة، وقطعة من الروضة من باب القضا، وقطعة من تكملة شرح المنهاج للزركشي، ومن أحيا الموات إلى الوصايا، أو نحوها، وأجازني بالتدريس والإفتاء من سنة ست وسبعين، وحضر تصديري، فلما توفي سنة ثمان وسبعين، لزمت شيخ الإسلام شرف الدين المناوي، فقرأت عليه قطعة من المنهاج، وسمعته عليه في التقسيم، إلا مجالس فاتتني، وسمعت دروسا من شرح البهجة، ومن حاشية عليها، ومن تفسير البيضاوي.
ولزمت في الحديث والعربية، شيخنا الإمام العلامة تقي الدين الشبلي الحنفي، فواظبته أربع سنين، وكتب لي تقريظا على شرح ألفية ابن مالك، وعلى جمع الجوامع في العربية، تأليفي، وشهد لي غير مرة بالتقدم في العلوم، بلسانه وبنانه، ورجع إلى قولي مجردا في حديث فاته، أورد في حاشيته على الشفا، حديث أبي الجمرا في الإسرا، وعزاه إلى تخريج ابن ماجة، فاحتجت إلى إيراده بسنده، فكشفت ابن ماجة في مظنته، فلم أجده، فمررت على الكتاب كله، فلم أجده، فاتهمت نظري، فمررت مرة ثانية فلم أجده،
стр. 5
فعدت ثالثة، فلم أجده، ورأيته في معجم الصحابة لابن قانع، فجئت إلى الشيخ وأخبرته، فبمجرد ما سمع مني ذلك، أخذ نسخته، وأخذ القلم فضرب على لفظ ابن ماجة، وألحق ابن قانع في الحاشية، فأعظمت ذلك وهبته، لعظم منزلة الشيخ في قلبي، واحتقاري في نفسي، فقلت: ألا تصبرون لعلكم تراجعون، فقال: لا، إنما قلدت في قولي ابن ماجة، البرهان الحلبي.
ولم أنفك عن الشيخ، إلى أن مات، ولزمت شيخنا العلّامة أستاذ الوجود محيي الدين الكافيجي، أربع عشرة سنة، فأخذت عنه الفنون، من التفسير والأصول والعربية والمعاني، وغير ذلك، وكتب لي إجازة عظيمة، وحضرت عند الشيخ سيف الدين الحنفي دروسا عديدة في الكشاف والتوضيح وحاشيته عليه، وتلخيص المفتاح والعضد، وشرعت في التصنيف في سنة ست وستين، وبلغت مؤلفاتي إلى الآن ثلاث مئة كتاب، سوى ما غسلته ورجعت عنه، وسافرت بحمد الله تعالى، إلى بلاد الشام، والحجاز، واليمن، والهند، والمغرب، والتكرور، ولما حججت شربت من ماء زمزم، لأمور منها: أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر.
وأفتيت في مستهل سنة إحدى وسبعين، وعقدت إملاء الحديث من مستهل سنة اثنين وسبعين، ورزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع، على طريقة العرب والبلغاء، لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة، والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة، سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها فيها، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي، فضلا عمن هو دونهم، وأما الفقه، فلا أقول ذلك فيه، بل شيخي فيه أوسع نظرا، وأطول باعا، ودون هذه السبعة في المعرفة، أصول الفقه، والجدل، والتصريف، ودونها الإنشاء والترسل والفرائض، ودونها القرآات، ولم آخذها عن شيخ، ودونها الطب، وأما علم الحساب، فهو أعسر شيء عليّ، وأبعده من ذهني، وإذا نظرت في مسئلة تتعلق به، فكأنما أحاول جبلا أحمله، وقد كملت عندي الآن آلات الجهاد بحمد الله تعالى.
أقول ذلك تحدثا بنعمة الله تعالى، لا فخرا، وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها في الفخر، وقد أزف الرحيل، وبدا الشيب، وذهب أطيب العمر، ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفا، بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية، ومداركها ونقوضها وأجوبتها، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها، لقدرت على ذلك، من فضل الله، لا بحولي، ولا بقوتي، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله.
وقد كنت في مبادي الطلب قرأت شيئا في علم المنطق، ثم ألقى الله كراهته في قلبي، وسمعت أن ابن الصلاح أفتى بتحريمه، فتركته لذلك، فعوضني الله تعالى عنه علم
стр. 6
الحديث، الذي هو أشرف العلوم، وأما مشايخي في الرواية سماعا وإجازة، فكثيرا ما أوردتهم في المعجم الذي جمعتهم فيه، وعدتهم نحو مئة وخمسين، ولم أكثر من سماع الرواية، لاشتغالي بما هو أهم، وهو قراءة الدراية» . ثم يذكر مصنفاته حسب الموضوعات، وسيرد الكلام عليها [١] .
عاش السيوطي حياة حافلة بالنشاط العلمي والاجتماعي، وقد شغل مناصب جليلة، وقامت بينه وبين منافسيه خصومات ودرس على كثرة من شيوخ عصره، كما أخذ الحديث عن نساء فضليات، وقد مر في ترجمته لنفسه أنه نشأ يتيما، وكفله كمال الدين ابن الهمام الذي كان وصيا عليه، فتعهده بالرعاية والتعليم، ومن ذلك أنه حفظ القرآن وهو دون
стр. 7
الثامنة من عمره، وحفظ كثيرا من المتون والكتب، في الفقه والنحو واللغة وغيرها من الفنون، وأتاحت للسيوطي كثرة أسفاره أن يأخذ عن مشايخ من مصر والشام والحجاز، بلغ عددهم كما يذكر السيوطي ست مئة نفس، وقد أجازه أكثرهم، يقول: «وأجاز لي خلق من الديار المصرية والحجاز وحلب، وقد جمعت معجما في أسماء من سمعت عليه أو أجازني، أو أنشدني شعرا فبلغوا نحو ست مئة نفس» [١] ، ومن شيوخه الذين أخذ عنهم ولازمهم مدة طويلة شهاب الدين الشارمساحي، وشرف الدين المناوي، ومحيي الدين الكافيجي، وجلال الدين المحلي، وعلم الدين البلقيني، وتقي الدين الشّمنّي، وعبد القادر ابن أبي القاسم الأنصاري السعدي، وغيرهم، أما النساء اللواني سمع منهن وأخذ عنهم الحديث فيذكر منهن: أم الهنا المصرية بنت القاضي ناصر الدين محمد البدراني، وعائشة بنت عبد الهادي، وزينب بنت الحافظ عبد الرحيم العراقي، وأم الفضل بنت محمد المقدسي، وأم هاني بنت الهوريني، وغيرهن [٢] .
لقد أجيز السيوطي للتدريس سنة ٨٦٦ هـ، وبدأ نجمه في الصعود، وصار يفتي من سنة ٨٧١ هـ، ثم أملى الحديث بالجامع الطولوني، وكان إملاء الحديث قد توقف بموت ابن حجر العسقلاني، فجدده السيوطي [٣] ، ويقول السيوطي إنه في سنة ٨٧٥ هـ، تنازع الناس في أمر الشاعر الصوفي عمر بن الفارض، واسهم السيوطي في هذا النزاع منحازا لابن الفارض، وعلى أثر ذلك لقيت مؤلفات السيوطي رواجا كبيرا، حتى إنها دخلت بلاد المغرب على يد ابن المجحود المصراتي، ووصلت كذلك إلى بلاد الروم والشام والحجاز وغيرها [٤] ، وفي سنة ٨٧٧ هـ بلغ رتبة الاجتهاد [٦] ، ثم عين في مشيخة الخانقاه البيبرسية سنة ٨٩١ هـ[٧] ، وكثر خصوم السيوطي كلما علت مكانته وذاع صيته، وكان أشد خصومه الشيخ السخاوي وابن الكركي، وكان السيوطي قد كتب مقامته (الكاوي في تاريخ السخاوي) ، وهي مقامة شديدة قاسية نال فيها من السخاوي وكتابه في التاريخ، ولم يبق له علما ولا قدرا، ومما قاله في وصف خصمه: «يا أرباب النّهى والألباب، وأصحاب المعارف والآداب..... ما ترون في رجل ألف تاريخا جمع فيه أكابر وأعيانا، ونصبه
стр. 8
لأكل لحومهم خوانا؟ ملأه بذكر المساوىء وثلب الأعراض، وفوّق فيه سهاما على قدر أغراضه والأعراض هي الأغراض، جعل لحم المسلمين من جملة طعامه وآدامه، واستغرق في أكلها أوقات فطره وصيامه، ولم بفرّق فيه بين جليل وحقير، ولا بين مأمور وأمير، ولا بين مرؤوس ورئيس، ولا بين رخيص القدر وغال نفيس، وامتد حتى إلى العلماء الأعلام، وقضاة القضاة ومشايخ الإسلام، وأرباب المناصب والحكام، وهو على هذا حقير نقير، لا يباع في سوق العلم بقطمير، لا نسبه في الأنساب عال، ولا حسبه إذا قوّمت الأحساب غال، ولا يزداد إلا جهلا على كر الأيام وممر الليالي» [١] ، وعلى هذا المنوال يمضي السيوطي في هجاء السخاوي والنيل منه، وكان السخاوي شديدا على السيوطي حين ترجم له في كتابه الضوء اللامع، وقد اتهم السيوطي بسرقة بعض مؤلفاته، والإغارة على كتب المكتبة المحمودية، واغتصاب الكتب القديمة التي لا عهد للمعاصرين بها، وكان من خصوم السيوطي الأشداء فضلا عن السخاوي كل من: أحمد بن الحسين بن العليف، والبرهان ابن الكركي، وأحمد بن محمد القسطلاني، والشمس الجوجري، والشمس الباني، وقد أفرد السيوطي لبعض خصومه مقامة أو رسالة في الرد عليه وهجائه أقسى هجاء، فألف عن ابن الكركي مقامة باسم: (الدوران الفلكي على ابن الكركي) [٢] ، وفي رسائله ومقاماته نجد ردوده على خصومه وإن لم يذكر في بعضها أسماءهم، من ذلك مقامة باسم: (طرز العمامة في التفرقة بين المقامة والقمامة) ، ورسالة باسم: (القول المجمل في الرد على المهمل) ، وغير ذلك، وكان ممن وقف ينافح عن السيوطي وينصره تلميذه ابن إياس (المتوفى سنة ٩٣٠ هـ) ، وجاء بعد ثلاثة قرون محمد بن علي الشوكاني (المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ) ليدافع عن السيوطي وينصفه ويرد على مزاعم السخاوي [٣] .
إن خصوم السيوطي لهم ما يبرر خصومتهم، فالسيوطي قد نال منزلة كبيرة في علمه وجاهه، وزاد حسد حساده وخصومة خصومه، حين عهد إليه الخليفة المتوكل على الله عبد العزيز، بوظيفة قاضي القضاة سنة ٩٠٢ هـ، يولي من يشاء ويعزل من يشاء، فكبر ذلك على القضاة وقالوا: «ليس للخليفة مع وجود السلطان حلّ ولا ربط، ولا ولاية ولا عزل، ولكن الخليفة استخف بالسلطان لكونه حديث السن.. فلما قامت الدائرة على الخليفة، رجع عن ذلك، وبعث أخذ العهد الذي كتبه للشيخ جلال الدين السيوطي..
وكادت أن تكون فتنة بسبب ذلك» [٤] .
стр. 9
وفي سنة ٩٠٣ هـ ثار عليه صوفية الخانقاه البيبرسية، وكادوا أن يقتلوه، فقد حملوه بأثوابه ورموه في الفسقية [١] ، وفي سنة ٩٠٦ هـ غضب عليه السلطان العادل طومان باي، وأراد أن يفتك به، فتوارى السيوطي، وبقي متواريا مئة يوم، وهي مدة سلطنة طومان باي [٢] .
وفي غمرة هذه الأحداث، واشتداد هجمة الخصوم والحساد، قرر السيوطي أن يعتزل التدريس والإفتاء، ويلزم بيته للتأليف والعبادة، وكتب في ذلك المقامة اللؤلؤية التي يبين فيها سبب اعتزاله، والسيوطي يؤرخ لنفسه في كتبه ويسجل كل حدث ينزل به أو يقرره هو، سجل جل هذه الأمور في كتبه ورسائله ومقاماته، نقرأ ذلك في: (المقامة المزهرية المسماة بالنجح إلى الصلح) [٣] ، يقول فيها: إنه تصدى للإفتاء سبع عشرة سنة، وبقي في الإفتاء والتدريس إلى أن بلغ من العمر أربعين سنة، وبعد ذلك أعتزل، وكذلك في رسالة (التنفيس في الاعتذار من ترك الإفتاء والتدريس) ، وفي مقامة: (الاستنصار بالواحد القهار) [٤] ، يذكر: أنه قاسى كثيرا من تصديه للفتوى، وناله بسبب ذلك ما يكون له عذر في ترك الإفتاء، وكذلك في مقدمة كتابه تنوير الحوالك، أما في: (المقامة اللؤلؤية) [٥] ، فيزيد الأمر إيضاحا ويذكر لذلك أسبابا، ويقدم معاذير كثيرة، مبينا اختلال الموازين في ذلك الزمان، وغلبة الجهال والسفهاء على أهل العلم والتقى، يقول بنبرة غاضبة حزينة: «يا معشر الأحباب الصلحاء، وألى الألباب النصحاء، ومن لاح له أمر فلام عليه ولحا، إلى كم تكثرون عليّ الكلام، وتكبرون لديّ الملام ... أليس هذا زمان الصبر، الصابر فيه كقابض على الجمر؟ رأينا فيه ما أنذر به الرسول، وصحت به الأحاديث والنقول لكل سئول، من آيات وعلامات، ما كانت تقع فيما مضى منامات، ويود كل لبيب لو أنه عند المنى مات، وما من آية إلا وقد أمر النبي، ﵊، بأن يلزم العالم عندها خاصة نفسه، ويجلس في بيته ويسكت، ويدع العوام من ذلك الشح المطاع، ودنيا مؤثرة، وهوى له ذو اتباع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وذلك عين الابتداع، قد مرجت الأمانات والعهود، وكثر القائلون بالزور والشهود، وجم الاختلاف، وقل الائتلاف، وكذّب الصادق، وصدّق الكاذب المائق، وخوّن الأمين وأتمن الخائن ومن يمين ... وتعلم المتعلم لغير العمل، وكان التفقه للدنيا وليس
стр. 10
له في الآخرة أمل، وأهين الكبير، وقدّم عليه الصغير، ورفعت الأشرار، ووضعت الأخيار، فلا يتبع العليم، ولا يستحى من الحليم.. «وهكذا يمضي السيوطي في بيان ما آلت إليه أمور الناس، والسوء الذي عمّ وطمّ، ويجد لكل ذلك مبررا لترك التدريس والعزلة ولزوم البيوت، يقول: «فلنجلس في البيوت، ولنلزم السكوت، ولنتّق الله في خاصة نفسنا، ولندع عامة الأمور إلى أن نحل برمسنا» ، ولم يكن السيوطي في هذا القرار مبتدعا، بل سبقه إلى ذلك جلة من العلماء، وهو يقتدي بالفضلاء من الأوائل، يقول:
«وكم من عالم قبلي قد قبل هذه الوصية، إذ رأى ما ليس له به قبل، وترك الإقراء والإفتاء، وأقبل على خاصة نفسه والعمل، وقد اقتديت بهم ونعم القدوة، وائتسيت بالحديث الذي هو لكل مؤمن أسوة، طالما قطعت نهاري في التدريس والإفتاء، واستغرقت أوقاتي في نفع الناس، وقتا فوقتا، ولم أسلم على ذلكم من يوليني أذى ومقتا، ويرميني كذبا وبهتا» [١] ، والمقامة طويلة ونفيسة سجل فيها ما كان يعانيه من أهل زمانه من حسد وجور وأذى، وأمور دعته إلى لزوم العزلة وترك مخالطة الناس.
لقد اعتزل السيوطي الناس، واعتزل مجالس السلطان أيضا، وترفع عن قبول هدايا السلاطين، ومما يروى أن السلطان الغوري، وكان ذا ثقافة عالية ومشاركة في الشعر والأدب والتاريخ، وله مجالس مشهورة عرفت بمجالس الغوري، وقد حاول السلطان أن يقرب السيوطي إليه، وأن يسترضيه مما لحق به من أذى في عهد سلفه، ولكن السيوطي آثر العزلة والبعد عن مجالس السلاطين، وكذلك الاعتذار عن قبول هداياهم، فقد أرسل إليه السلطان الغوري هدية هي ألف دينار وخصي، فرد المال، وقال لرسول السلطان: «لا تعد تأتينا قط بهدية، فان الله تعالى أغنانا عن مثل ذلك» ، وأما الخصي فقد أعتقه السيوطي وجعله خادما في الحجرة النبوية الشريفة [٢] ، وقد عزز السيوطي موقفه هذا بأن كتب رسالته: (ما رواه الأساطين في عدم التردد على السلاطين) ، وقد رويت باسم آخر هو: (رواية الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين) ، وروى نجم الدين الغزي أنه نظمها في منظومة لطيفة وأضاف إليها بعض الزيادات [٣] ، وهكذا تتسم حياة السيوطي بالعلم والعفة والترفع عن موائد الحكام وعطايا السلاطين.
وفي سنة ٩١١ هـ ودع السيوطي الدنيا بعد أن عاش فيها حياة عريضة خصبة حافلة بالنشاط والعطاء والعمل، وفارق الدنيا عن اثنين وستين عاما، وهو في أوج اكتماله العلمي
стр. 11
وازدهاره الثقافي والاجتماعي، ويقول الغزي في وفاته: «وكان له مشهد عظيم، ودفن في حوش قوصون خارج باب القرافة، وصلى عليه غائبة بدمشق بالجامع الأموي» [١] .
مؤلفات السيوطي
السيوطي عالم موسوعي كثير التأليف غزير الإنتاج، ألف في كل فن، واختلف من أحصى مؤلفاته في عدد هذه المؤلفات، وهي بطبيعة الحال تتفاوت بين المجلدات الكبيرة والرسائل الصغيرة، في موضوعات الثقافة العربية والإسلامية، فقد ألف في علوم القرآن، والتفسير، والحديث النبوي وعلومه، والفقه، واللغة وعلومها، والبيان والبديع، والتاريخ والتراجم والطبقات، والأدب وتاريخه، والتصوف، وتحريم علم المنطق، والطب، وغيرها.
وقد ذكر السيوطي مؤلفاته في كتابين، الأول: (التحدث بنعمة الله) وذكر من كتبه ٥٣٠ مؤلفا [٢] ، ثم في كتابه (حسن المحاضرة) حين ترجم لنفسه، قال: «وبلغت مؤلفاتي إلى الآن ثلاث مئة كتاب سوى ما غسلته ورجعت عنه) [٣] ، والمعروف أن السيوطي ألف كتابه التحدث بنعمة الله قبل كتابه حسن المحاضرة، فكيف تكون مؤلفاته في الأول ٥٣٠ كتابا ثم بعد ذلك في حسن المحاضرة ينزل العدد إلى النصف ٣٠٠ كتاب، هل هناك خطأ في العدد وهو ٦٠٠، وكتب الناسخ ٣٠٠، أم أن ما غسله بلغ نصف مؤلفاته، وهذا ما لا يعقل، وبين تأليف الكتابين مدة طويلة لابد وأنه ألف خلالها كتبا كثيرة، ومما يعزز هذا الفرض أن السيوطي ذكر في (فهرست مؤلفاته) الذي كتبه بعد حسن المحاضرة ٥٣٨ مؤلفا، وقسم هذه المؤلفات إلى موضوعات هي:
في التفسير: ٧٣ كتابا، وفي الحديث: ٥٢ كتابا، وفي المصطلح: ٣٢ كتابا، وفي الفقه: ٧١ كتابا، وفي أصول الفقه والدين والتصوف ٢٠ كتابا، وفي اللغة والنحو والتصريف ٦٦ كتابا، وفي المعاني والبديع ٦ كتب، وفي الكتب الجامعة ٨ كتب، وفي الطبقات ٣٠ كتابا [٤] .
واسترعت كتب السيوطي اهتمام العلماء في عصره وما بعده فأحصوها، فنجد أن كتبه قد نيّفت على الخمس مئة كما يذكر الغزي في الكواكب السائرة [٥] ، وابن العماد في
стр. 12
شذرات الذهب [١] ، وأوصل العدد إلى ست مئة مؤلف كل من ابن إياس [٢] ، وابن طولون [٣] والعيدروسي [٤] .
واهتم المعاصرون باحصاء مؤلفات السيوطي، فقد أحصى أحمد الشرقاوي إقبال للسيوطي ٧٢٥ مؤلفا [٥] ، ويؤخذ علي الباحث أنه أهمل كتابي السيوطي: (التحدث بنعمة الله) ، و (فهرست مؤلفاته) ، وأحصى أحمد الخازندار، ومحمد إبراهيم الشيباني في دليل مخطوطات السيوطي [٦] ٩٨١ عنوانا، وآخر من أحصى للسيوطي من المعاصرين هو إياد خالد الطباع في كتابه (الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي، معلمة العلوم الإسلامية) [٧] ، إذ جاء بأكبر عدد وهو ١١٩٤ عنوانا، مقسمة وفق الآتي:
الكتب المطبوعة ٣٣١ عنوانا.
الكتب التي مازالت مخطوطة ٤٣١ عنوانا.
الكتب المفقودة أو المجهولة المكان: ٤٣٢ عنوانا.
وفي هذه الكتب المؤلفات الكبيرة التي تكون مجلدات، وفيها الرسائل الصغيرة التي قد تكون ورقات، وقد امتاز السيوطي بكثرة التأليف، وتنوع الفنون والموضوعات، وحسن العرض والتبويب، مما استرعى انتباه القدامى والمحدثين، فأشادوا بفضله وجودة مؤلفاته، فقد أشاد به المقّري بقوله: إنه إمام الدنيا [٨] ، ووصفه الشوكاني: (بالإمام الكبير صاحب التصانيف) [٩] ، وأشاد بفضله وكتبه مجموعة من العلماء، منهم: ابن إياس [١٠] ، وابن العماد [١١] ، وعبد الحي الكتاني [١٢] ، أما المؤلفون المعاصرون فقد أشاد بمؤلفاته جمهرة كبيرة نذكر منهم: كراتشكوفسكي الذي يقول عنه: (أكثر المؤلفين قربا إلى جمهرة القراء، لأكثر من ثلاثة قرون، لا في البلاد العربية وحدها، بل في العالم الإسلامي عامة) [١٣] ، ويعبر
стр. 13
نيكلسون عن إعجابه بالسيوطي ومؤلفاته بقوله: (لو سئلنا أن نختار شخصا واحدا يعكس في ذاته الاتجاهات الأدبية للعصر الاسكندري في الحضارة العربية بشكل تام قدر المستطاع، لوقع اختيارنا على جلال الدين السيوطي) [١] .
وهذا التراث الضخم في شتى العلوم والفنون هو جهد رجل فرد، عالم فذ، نذر نفسه للعلم، وأخلص له، فوفقه الله سبحانه، وهداه إلى الطريق القويم.
إن عصر السيوطي هو العصر المغولي، الذي شهد تفتت البلاد الإسلامية، وخراب المدن، وسقوط الحضارة، وقد بدأ هذا التفتت والانحدار قبل سقوط بغداد، ثم ازداد ذلك بعد سقوط بغداد على أيدي المغول سنة ٦٥٦ هـ، حتى دخول العثمانيين مصر سنة ٩٢٣ هـ، وفي هذه الفترة التي بلغت القرنين ونصف، ساد حكم المغول البلاد الإسلامية من الهند شرقا، إلى بلاد الشام غربا، وقد رافق ذلك محنة أخرى، هي خروج المسلمين من الأندلس سنة ٨٩٧ هـ، وإحراق الكتب العربية، فقد أمر الكردينال (زيمتس) باحراق مكتبة غرناطة، وذهب في هذا الحريق أكثر من ثمانين ألف مجلد، من كتب التراث الإسلامي، وكان لهذا البلاء صدى في نفوس العلماء، بأن دعاهم حرصهم على تراث الأمة، أن اتجهوا إلى التأليف الموسوعي، والنقل عن الكتب ليحفظوا هذا التراث من الضياع، وليقدموا الفكر الإسلامي في تضاعيف كتبهم، وقد دأبت مجموعة كبيرة من المؤلفين على هذا الضرب من التأليف الموسوعي، الذي يحفظ تراث الأمة في التاريخ، والأدب، والتراجم، والمعجمات، وكان صفوة من هؤلاء العلماء في هذه الفترة، والذين قدموا مؤلفات نفيسة نادرة نذكر أهمها:
- ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ) في: تاريخ دمشق، ويقع في ٤٠ مجلدا كبيرا.
- ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) في: المنتظم في تاريخ الأمم، طبع منه ستة أجزاء، وألف ابن الجوزي نحو ٣٠٠ كتاب.
- ابن الأثير، عز الدين الشيباني (ت ٦٣٠ هـ) في: الكامل في التاريخ، ٢١٢ مجلدا، وله أسد الغابة في معرفة الصحابة، في ٥ مجلدات.
- ياقوت الحموي (ت ٦٢٦ هـ) في معجم الأدباء، في سبعة مجلدات. ومعجم البلدان في خمسة مجلدات كبار.
- ابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨ هـ) في: طبقات الأطباء.
- ابن خلكان (ت ٦٨١ هـ) في: وفيات الأعيان، في سبعة مجلدات.
- ابن الطقطقي (ت ٧٠٢ هـ) في: الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية.
стр. 14
- ابن منظور (ت ٧١١ هـ) في: لسان العرب، (٢٠ مجلدا) ، واختصر الحيوان، وتاريخ دمشق، والذخيرة لابن بسام.
- النويري (ت ٧٣٢ هـ) في: نهاية الأرب، طبع منه ثمانية عشر جزءا.
- أبو الفداء (ت ٧٣٢ هـ) في: المختصر في أخبار البشر.
- أبو حيان الغرناطي الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ) ، له كتب كثيرة في اللغة والتفسير والطبقات.
- الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) في: تاريخ الإسلام.
- ابن فضل الله العمري (ت ٧٤٨ هـ) في: مسالك الأبصار (٢٧ مجلدا) .
- ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ) في: أعلام الموقعين، وزاد المعاد، ومفتاح دار السعادة.
- ابن شاكر الكتبي (ت ٧٥٤ هـ) في: فوات الوفيات (٤٠ مجلدا) ، وعيون التواريخ (٦ مجلدات) .
- صلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤ هـ) في: الوافي بالوفيات (٣٠ مجلدا) .
- ابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ) في: مقدمته، وفي تاريخه.
- الفيروز أبادي (ت ٨١٧ هـ) في: القاموس المحيط.
- ابن جماعة (ت ٨١٩ هـ) ، بلغت مؤلفاته الألف كتاب.
- القلقشندي (ت ٨٢١ هـ) في: صبح الأعشى.
- المقريزي (ت ٨٤٥ هـ) في: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، والسلوك في معرفة الملوك، وإمتاع الأسماع.
- ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) في: الدرر الكامنة (٥ مجلدات) ، وتهذيب التهذيب (١٢ مجلدا) ، والإصابة في تمييز الصحابة (٩ مجلدات) .
- ابن تغري بردي (ت ٨٧٤) في: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (١٦ مجلدا) .
- السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) في: الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع (١٢ مجلدا) ، وله نحو مئتي مصنف.
- السيوطي (ت ٩١١ هـ) في مؤلفاته الكثيرة.
من ألف في المحاضرات والمحاورات وما أشبهها:
كتاب المحاضرات من كتب الاختيارات النوادر والطرائف والفوائد النثرية والشعرية، ولقد سبق السيوطي إلى هذا الضرب من التأليف كثرة من المؤلفين، على اختلاف أساليبهم ومناهجهم وتبويبهم، ولكنهم جميعا يلتقون عند فكرة المحاضرات والمحاورات والمسامرات والاختيارات، وتتضمن كتبهم مختارات من الأحاديث والقصص والنوادر والمقامات والطرائف والفوائد اللغوية والأدبية والتاريخية، ونماذج من الشعر على سبيل
стр. 15
الاستشهاد، وما إلى ذلك من فنون التأليف، وهذه الكتب لا تقوم على منهج واحد في التبويب والتصنيف، وإذا ما عرضنا لبعض هذه الكتب فسنجد الطبيعة المشتركة لهذا الجنس من التصنيف الذي يميل كلما مر الزمن إلى التنوع والموسوعية، فمنذ منتصف القرن الثالث بدأ هذا الضرب من التأليف، ويمكن أن نتخذ كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) بداية، فهو وإن كان فيه تبويب وتقسيم إلا أن منهجه كان يقوم على فكرة الاختيار والتنويع والاستطراد ودفع السأم بالفكاهة والطرائف والنوادر، لدفع الوهن والملالة عن القارىء أو السامع بعد الدرس الجاد، ويوجه كتابه لعامة الناس ليس لفريق دون آخر، ويبين ابن قتيبة منهجه في الكتاب فيقول: «ولم أر صوابا أن يكون كتابي هذا وقفا على طالب الدنيا دون طالب الآخرة، ولا على خواص الناس دون عوامهم، ولا على ملوكهم دون سوقتهم، فوفّيت كل فريق قسمه، ووفرت عليه سهمه، وأودعته طرفا من محاسن كلام الزهاد في الدنيا وذكر فجائعها والزوال والانتقال ... ولم أخله مع ذلك من نادرة طريفة وفطنة لطيفة، وكلمة معجبة، وأخرى مضحكة،.... لأروّح بذلك عن القارىء من كد الجد، وإتعاب الحق، فان الأذن مجّاجة، وللنفس حمضة» ، ثم يقول:
«وسينتهي بك كتابنا هذا إلى باب المزاح والفكاهة، وما روي عن الأشراف والأئمة فيهما، فإذا مرّ بك أيها المتزمت حديث تستخفه أو تستحسنه، أو تعجب منه، أو تضحك له، فاعرف المذهب فيه وما أردنا به» [١] .
ويمكن أن نصنف كتاب البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي (ت ٤٠٠ هـ) في جملة كتب المحاضرات هذه، فهو يسير على نمط كتاب ابن قتيبة، عيون الأخبار، فهو يتضمن ألوانا من المعرفة الأدبية واللغوية والتاريخية والفلسفية والإخبارية، والحكمة والفكاهة والنوادر، وينص التوحيدي على أن كتابه كتاب مختارات ومنوعات. فهو يقول: «ولا عليك أن تستقضي النظر في جميع ما حوى هذا الكتاب، لأنه كبستان يجمع ألوان الزهر، وكبحر يضم أصناف الدرر، وكالدهر يأتي بعجائب العبر» .
ومن هذه المصنفات كتاب زهر الآداب وثمر الألباب، لأبي إسحاق إبراهيم الحصري القيرواني (ت ٤٥٣ هـ) واسم الكتاب يدل على مضمونه، فهو كتاب يشتمل على منتقيات من الشعر والنثر، فيها الطرائف والنوادر، والأخبار والآراء البلاغية والنقدية وما إلى ذلك، يقول المؤلف في مقدمة الكتاب: «وبعد؛ فهذا كتاب اخترت فيه قطعة كاملة من البلاغات، في الشعر والخبر، والفصول والفقر، مما حسن لفظه ومعناه، واستدل بفحواه على مغزاه، ولم يكن شاردا حوشيا، ولا ساقطا سوقيا، ... وهو كتاب يتصرف الناظر فيه
стр. 16
من نثره إلى شعره، ومطبوعه إلى مصنوعه، ومحاورته إلى مفاخرته، ومناقلته إلى مساجلته، وخطابه المبهت إلى جوابه المسكت، وتشبيهاته المصيبة إلى اختراعاته الغريبة، وأوصافه الباهرة إلى أمثاله السائرة، وجده المعجب إلى هزله المطرب» ، ويقر المؤلف بأن ليس له في هذا إلا حسن الاختيار: «وليس لي في تأليفه من الافتخار، أكثر من حسن الاختيار، واختيار المرء قطعة من عقله، تدل على تخلفه أو فضله» [١] .
ومن هذه الكتب التي يدل اسمها على محتواها، كتاب: (محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء) للراغب حسين بن محمد الأصفهاني (ت ٥٠٢ هـ) ، وقد جمع فيه من العلوم والمعارف الإنسانية حشدا كبيرا، من ذلك: العلم، والعقل، والجهل، والأخلاق، والأبوة، والبنوة، والمدح، والذم، والهمم، والجهد، والصناعات، والمكاسب، والغنى، والفقر، والاستعطاء، والأطعمة، والشرب، والإخوانيات، والغزل، والزواج، والمجون، وخلق الناس، والملابس، والطيب، والديانات، والموت، والسماء والأزمنة والأمكنة والحيوانات، وغير ذلك، ويتناول هذه الموضوعات بأسلوب أدبي يذكر ما قيل في كل فكرة من آيات وأحاديث وشعر ومثل وحكاية وطرفة ونادرة، مع استطرادات وانتقالات من موضوع إلى آخر.
ومن هذا الضرب من التأليف كتاب: (المستطرف من كل فن مستظرف) لشهاب الدين محمد بن أحمد الأبشيهي المحلي (ت ٨٥٠ هـ) ، واسم الكتاب ينبىء عن مضمونه، فهو يحوي كل ظريف من الفنون والمعارف، فتجد فيه التمثل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويسوق الأخبار التاريخية، مع سرد اللطائف، والحكايات. والنوادر، والطرف، والحكايات، والمختارات الشعرية والنثرية، والأمثال، وما إلى ذلك.
والأبشيهي يشير إلى من سبقه من المؤلفين في هذا الضرب، والكتب التي نقل عنها ونسج على منوالها، وأهمها العقد الفريد لابن عبد ربه، وربيع الأبرار للزمخشري، ويبين طريقته ومحتوى كتابه فيقول: «أما بعد فقد رأيت جماعة من ذوي الهمم، جمعوا أشياء كثيرة، من الآداب والمواعظ والحكم، وبسطوا مجلدات في النوادر والأخبار والحكايات، واللطائف، ورقائق الشعر، وألفوا في ذلك كتبا كثيرة، وتفرد كل منها بفرائد وفوائد لم تكن في غيره من الكتب محصورة» .
ويبين طبيعة الكتاب ومن أفاد منهم ممن سبقوه: «فاستخرت الله تعالى، وجمعت من مجموعها هذا المجموع اللطيف، وجعلته مشتملا على كل فن ظريف، وسميته (المستطرف في كل فن مستظرف) ، واستدللت فيه بآيات كثيرة من القرآن العظيم،
стр. 17
وأحاديث صحيحة من أحاديث النبي الكريم، وطرزته بحكايات حسنة عن الصالحين الأخيار، ونقلت فيه كثيرا مما أودعه الزمخشري في كتابه (ربيع الأبرار) ، وكثيرا مما نقله ابن عبد ربه في كتابه (العقد الفريد) ، ورجوت أن يجد مطالعه فيه كل ما يقصد ويريد» .
أما مادة الكتاب وما اقتبسه من الكتب السابقة، فيوضحها في قوله: «وجمعت فيه لطائف وظرائف عديدة، من منتخبات الكتب النفيسة المفيدة، وأودعته من الأحاديث النبوية، والأمثال الشعرية، والألفاظ اللغوية، والحكايات الجدية، والنوادر الهزلية، ومن الغرائب والدقائق، والأشعار والرقائق، ما تشنف به الأسماع، وتقر برؤيته العيون، وينشرح بمطالعته كل قلب محزون:
من كل معنى يكاد الميت يفهمه ... حسنا ويعشقه القرطاس والقلم» [١]
ومن الكتب المتأخرة بعد زمن السيوطي، التي نهجت هذا النهج كتابا العاملي محمد بن الحسين الحارثي الهمذاني (ت ١٠٣١ هـ) المخلاة والكشكول، وفي اسم الكتابين دلالة على مادتهما، فالمخلاة: الكيس الذي يعلقه المتسول في رقبته، ويضع فيه ما يجود به عليه المحسنون، وكلمة المخلاة عربية فصيحة، فهي تعني ما يجعل فيه (الخلى) ، وهو العشب الرطب، ثم أطلقت على ما يجعل فيه العلف ويعلّق في عنق الدابة، أما الكشكول: فكلمة فارسية يطلق على الحقيبة التي تضم أنواعا من الحاجيات، ويقول في مقدمة الكشكول إنه جمع فيه: «ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، من جواهر التفسير، وزواهر التأويل، وعيون الأخبار، ومحاسن الآثار، وبدائع حكم، يستضاء بنورها، وجوامع كلم يهتدى ببدورها، ونفحات قدسية تعطر مسام الأرواح، وواردات أنسية تحيي رميم الأشباح، وأبيات تشرب في الكؤوس لسلاستها، وحكايات شائعة تمزج بالنفوس لنفاستها» .
ويبدو أن كتاب الكشكول هو تتمة لكتاب المخلاة، وكلاهما على نمط واحد في الاختيار، يقول في مقدمة الكشكول: «ثم عثرت بعد ذلك [٢] على نوادر تتحرك لها الطباع، وتهش لها الأسماع، وطرائف تسر المحزون، وتزري بالدر المخزون، ولطائف أصفى من رائق الشراب، وأبهى من أيام الشباب، وأشعار أعذب من الماء الزلال، وألطف من السحر الحلال.... فاستخرت الله تعالى، ولفقت كتابا ثانيا يحذو حذو ذلك الكتاب الفاخر، ويستبين به صدق المثل السائر، فكم ترك الأول للآخر» [٣] .
هذه الكتب وغيرها، يشبه بعضها بعضا إلى حد ما من حيث الاختيار وحسن
стр. 18
الانتقاء، والحرص على كل نادر وطريف ومفيد، من جيد الشعر، والنثر، والأخبار، والأمثال، والقصص، والحكايات، والحكم، مرصعة بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، والآثار المأثورة.
وقبل التعرف على كتاب المحاضرات للسيوطي يحسن أن نذكر ما وقفنا عليه من أسماء الكتب التي تحمل اسم المحاضرات، سواء اتفق المضمون أم اختلف، من ذلك:
- المحاضرات والمناظرات لأبي حيان التوحيدي (ت ٤٠٠ هـ) ، من كتبه التي فقدت [١] .
- محاضرات الأدباء، للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢ هـ) .
- محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار، لمحيي الدين محمد بن عربي (ت ٦٣٨ هـ) ، كتاب في الآداب والمواعظ والأمثال والحكم وسير الأولين والأنبياء [٢] .
- محاضرة الأوائل ومسامرة الأواخر، لعلاء الدين علي دده البوسني الموستاري، المعروف بشيخ التربة (ت ١٠٠٧ هـ) [٣] .
- محاضرة الأديب ومسامرة الحبيب، لعلي بن حسين الفرضي الحلي (ت بعد ١٣٢٨ هـ) .
معنى المحاضرة
ولم نقف بعد على معنى (المحاضرة) ، المحاضرة في الوضع اللغوي: المجالدة، وهو أن يغالبك على حقك فيغلبك عليه، ويذهب به، قال الليث: «المحاضرة أن يحاضرك إنسان بحقك فيذهب به، مغالبة أو مكابرة، وحاضرته: جاثيته عند السلطان، وهو كالمغالبة والمكاثرة» [٤] والمحادثة، تقول حاضر القوم: جالسهم وحادثهم بما يحضره، ومنه: فلان حسن المحاضرة، وألقى عليهم محاضرة [٥] .
والمحاضرة: صنف من أصناف العلوم الأديبة، وقد قسم الزمخشري العلوم إلى اثني عشر صنفا، المحاضرات أحد أصنافها، والأصناف هي: علم متن اللغة، وعلم الأبنية، وعلم الاشتقاق، وعلم الإعراب، وعلم المعاني، وعلم البيان، وعلم العروض، وعلم القوافي، وإنشاء النثر، وقرض الشعر، وعلم الكتابة، وعلم المحاضرات [٦] ، وينقل السيوطي عن بعض المؤلفين قوله: «ومراده بالمحاضرات، ما تحاضر به صاحبك من نظم
стр. 19
أو نثر، أو حديث أو نادرة، أو مثل سائر» [١] ويوضح طاش كبري زاده (ت ٩٦٨ هـ) المراد بالمحاضرة فيقول: إن علم المحاضرة، هو استعمال كلام البلغاء في أثناء الكلام في محل مناسب له على طريق الحكاية، وإن ذلك العلم يراد به تكوين ملكة يراد بها الاحتراز من الوقوع في الخطأ عند نقل الكلام عن الآخرين، على ما يقتضيه مقام التخاطب، من جهة معانيه الأصلية، ومن جهة خصوص ذلك التركيب نفسه [٢] .
يتضح من الأقوال السابقة أن المراد بالمحاضرات والمحاورات هو ما تتضمنه المجاميع الأدبية من مختار المنظوم والمنثور الذي يشتمل على الثقافة العربية والإسلامية، في مفهومها العام الشامل، ويصدق هنا مفهوم الأدب عن القدماء الذي أوضحه ابن خلدون في كلمته السائرة: (الأخذ من كل علم بطرف) [٣] ، ويريد بذلك: «الإجادة في فني المنظوم والمنثور، على أساليب العرب ومناحيهم، فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الكلمة، من شعر عالي الطبقة، وسجع متساو في الإجادة، ومسائل من اللغة والنحو، مبثوثة أثناء ذلك متفرقة، يستقري منها الناظر في الغالب معظم قوانين العربية، مع ذكر بعض من أيام العرب، يفهم به ما يقع في أشعارهم منها، وكذلك ذكر المهم من الأنساب الشهيرة والأخبار العامة، والمقصود بذلك كله أن لا يخفى على الناظر فيه شيء من كلام العرب وأساليبهم ومناحي بلاغتهم إذا تصفحه» [٤] .
ومما سبق نجد أن مفهوم المحاضرات يعني، ما يختاره المؤلف من ثمار العلوم والمعارف من لدن السابقين، وفق ذوقه واختياره، وكثيرا ما يهدف المصنف إلى الغاية التعليمية والتربية الخلقية، والتماس العبرة من تجارب السابقين، وما إلى ذلك.
كتاب المحاضرات والمحاورات
ونهج السيوطي في كتاب المحاضرات نهج من سبقه من المؤلفين، ولكن لكتابه نهجه الخاص وتميزه، ولكل كتاب من الكتب السابقة على كتاب المحاضرات أو اللاحقة، سمته ونكهته ومذاقه.
للسيوطي منهجه في التأليف بعامة يقوم على الأحاطة بكتب من سبقه من المؤلفين، والاطلاع على كل صغيرة وكبيرة من تلك الكتب، يقول مبينا منهجه في مقدمة كتاب الأشباه والنظائر [٥] : «ولم أزل في أيام الطلب أعتني بكتبها قديما وحديثا، وأسعى في
стр. 20
تحصيل ما دثر منها، سعيا حثيثا، إلى أن وقفت منها على الجم الغفير، وأحطت بغالب الموجود مطالعة وتأملا، بحيث لم يفتني منها سوى النزر اليسير، وألّفت فيها الكتب المطولة والمختصرة، وعلّقت التعاليق، ما بين أصول وتذكرة، واعتنيت بأخبار أهلها وتراجمهم، وإحياء ما دثر من معالمهم، وما رووه أو رأوه، وما تفرد به الواحد منهم من المذاهب والأقوال، ضعّفه الناس أو قوّوه، وما وقع لهم مع نظرائهم، وفي مجالس خلفائهم وأمرائهم، من مناظرات ومحاورات، ومجالسات ومذاكرات، ومدارسات ومسايرات، وفتاوى ومراسلات، ومعاياة ومطارحات، وقواعد ومناظيم، وضوابط وتقاسيم، وفوائد وفرائد، وغرائب وشوارد، حتى اجتمع عندي من ذلك جمل، ودونتها رزما، لا أبالغ وأقول وقر جمل» [١] .
وكأن هذا المنهج الذي وصفه السيوطي في التأليف، قد كتبه لهذا الكتاب، فهو متحقق فيه، ولا شك أنه يصف خبرته في التأليف عامة، بعد ممارسته هذا العمل الشاق الطويل في كتبه الكثيرة.
يقدم السيوطي لكتابه هذا بمقدمة موجزة يبين فيه طبيعة الكتاب ومنهجه. فيقول:
«هذا مجموع حسن، انتخبت فيه ما رقّ وراق من ثمرات الأوراق، والتقطت فيه من درر الكتب الجواهر، ومن شجرة الحدائق الأزاهر، مما يصلح لمحاضرة الجليس، ومسامرة الأنيس» [٢] .
ويريد السيوطي في هذا الكتاب أن يقدم النافع من ثمار الكتب التي أعجبته، ومن فنون شتى من المنظوم والمنثور، وتتضمن منتقيات أدبية وتاريخية ودينية، فيها طرف وفوائد مقتبسة، من سير الأنبياء، والخلفاء، والصحابة، والكتاب، والشعراء، ومجموعات من الرسائل الأدبية والمقامات، ومنتقيات من الأشعار، ونوادر، وملح أدبية وفوائد ثقافية وعلمية، وما إلى ذلك من ضروب المعرفة.
وقد نقل السيوطي من عشرات الكتب في مختلف الموضوعات والفنون، ومن هذه الكتب ما هو معروف لدينا، ومنها ما هو مفقود، وكذلك حفظ جملة صالحة من الأشعار التي لم تحوها الدواوين، أو الأخبار التي فاتت الكتب التي بين أيدينا، وقد نقل من هذه الكتب وفق ذوقه ومذهبه، وإذا نظرنا في هذه النقول والاختيارات، نجدها تتفاوت في طولها، فمنها ما هو قصير شديد القصر، لا يتجاوز بضعة أسطر، ومنها ما هو طويل شديد الطول يستغرق صفحات طوال، من ذلك بعض الرسائل والمقامات الطويلة التي تكاد تكّون كتبا، مثال ذلك (حكاية القاضي واللص) المنتقاة من الطبقات الكبرى
стр. 21
للسبكي، ومقامة (المفاخرة بين السيف والقلم) للإمام زين الدين عمر بن مظفر الوردي، و (المقامة اللازوردية في موت الأولاد) للسيوطي نفسه.
إن بعضا من كتب الاختيارات والمجاميع الأدبية يتخذ التبويب والتقسيم منهجا في مصنفاتها، نجد ذلك في الكتب مثل: بهجة المجالس لابن عبد البر، الذي قسم الكتاب إلى مائة واثنين وثلاثين بابا، والتذكرة الحمدونية، وقد قسم مؤلفها الكتاب إلى خمسين بابا، وكل باب يحتوي على عدة فصول، ومحاضرات الراغب الأصفهاني، الذي قسم كتابه إلي حدود وفصول وأبواب، وكذلك فعل الأبشيهي في المستطرف إذ قسم الكتاب إلى أربعة وثمانين بابا، كل باب فيه فصول، وكذلك فعل بهاء الدين العاملي في كتابه المخلاة إذ قسمه إلى جولات، بلغت أربعين جولة، وهكذا أكثر كتب المختارات.
أما السيوطي في كتابه المحاضرات فقد آثر أن يتحرر من هذه التقسيمات، بل جاءت مختاراته مقتبسات من كل كتاب، وبعد أن يتم ما أراده من حسن الاختيار من ذلك الكتاب ينتقل إلى كتاب آخر، وهكذا، فاختياره يقوم على تنوع النصوص من الكتاب الواحد، فنجده يذكر عنوانا مثل: (منتخبات من كتاب ... ) ، أو (مستحسنات من كتاب..) ، أو (منتقى من المصنف ... ) ، أو (ذكر مستحسنات انتقيتها من كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل ﵁ ، أو (في تاريخ ابن عساكر) ، وهكذا، وإذا انتهى من النقل ذكر ما يدل على الانتهاء، كأن يقول: (هذا كله في تاريخ ابن عساكر) ، أو (آخر المنتخب من تذكرة اليغموري) ، أو يقول في آخر المنقول: (انتهي) ، وهكذا، وكل ذلك يدل على أمانة السيوطي في النقل وعزو الآراء إلى أصحابها.
وهذه الأمانة في نقل النصوص وعزو كل منقول إلى صاحبه، صفة عرف بها السيوطي والتزمها في جميع كتبه، وهو ملتزم بها ويحرص على ذكرها، من ذلك أنه أفرد لها فصلا في كتابه (المزهر) بعنوان: (عزو العلم إلى قائله) [١] ، وينص على حرصه على عزو الآراء إلى أصحابها، وأنها عادة عرف بها، يقول في مقامة (الكاوي في تاريخ السخاوي) : «وقد علم الله والناس من عادتي في التأليف أني لا أنقل حرفا من كتاب أحد، إلا مقرونا بعزوه إلى قائله، ونسبته إلى ناقله، أداء لشكر نعمته، وبراءة من دركه وعهدته» [٢] .
وبذلك جعل السيوطي من كتابه مكتبة كبيرة ضمت كثيرا من كتب الأدب والتاريخ والتراجم والحديث والرسائل والشعر، ومنهج السيوطي هذا يقترب من منهج الحصري
стр. 22
القيرواني في زهر الآداب، مع فرق واحد هو أن السيوطي يختار من الكتاب الواحد مجموعة كبيرة من النصوص، وبعد أن يفرغ منها ينتقل إلى كتاب آخر.
إن اختيارات السيوطي تدل على ذوقه وحسن اختياره وثقافته، والكتب التي اختار منها متنوعة العلوم والثقافات، ففيها المجاميع الأدبية والإخبارية، والرسائل، والمقامات، والتراجم، وكتب الطبقات، والتفاسير، والمسانيد، والمعجمات، وكتب آداب التعليم ومكارم الأخلاق، والتعازي، والطرف والنوادر وغيرها.
ولا شك أن لكتاب السيوطي هذا قيمة أدبية كبيرة، وذلك لما تضمنه من منتقيات بعضها عزيز نادر اقتبسه من كتب ضاعت ولم تصل إلى زماننا، أو من كتب ما زالت مخطوطة أو مجهولة قابعة في بعض المكتبات الخاصة.
وقد نال هذا الكتاب مكانة خاصة في المغرب، ولعل ذلك- بالإضافة إلى ما تضمنه من ثقافة عامة عزيزة- لما حواه من أشعار أندلسية كثيرة حفظها وأحسن اختيارها، وكان من أثر هذه المكانة أن عمد أحد علماء العصر السعدي إلى اختصاره في كتاب اسمه:
(مختصر المحاضرات) ، والعالم الذي اختصره هو ييبورك بن عبد الله بن يعقوب السملالي المتوفى سنة ١٠٥٨ هـ[١] .
стр. 23
نسخ الكتاب المخطوطة
١- نسخة الأصل:
وهي نسخة دار الكتب المصرية رقم ٧٦١ من كتب الأدب، أوراقها ١٦٠ ورقة، والورقة الأخيرة مفقودة وفيها الخاتمة قياس ١٤ ٥٠، ٨ سم.
في الصفحة ١٦- ١٧ سطرا، وبعض الصفحات أقل من ذلك أو أكثر، فالصفحات غير متساوية، وبعض الصفحات فيها فراغات قد تبلغ نصف الصفحة، ولكن دون نقص في الكلام.
خطها نسخي غير متقن، ولكنه مقروء، وفي الكتابة اضطراب في التنسيق وشطب بعض العبارات لاستدراك الخطأ.
جاءت في صفحة العنوان أختام مطموسة وبعض التمليكات. وجاء فيها أيضا أكثر من رقم: نمرة ٧٦١، ونمرة ٧٨٦، ونمرة ٨٢١، ونمرة ٥٠٩، وشطب علي الأرقام الثلاثة الأخيرة، مما يدل على انتقال النسخة إلى أكثر من مالك وأكثر من مكتبة.
٢- نسخة ب:
نسخة مكتبة الأوقاف العامة ببغداد، رقمها (٢٩٧، تقع في ١٨٦ ورقة، قياس ١٦ ١١ سم، خطها نسخي جيد واضح، في الصفحة ٢٣ سطرا، وفي السطر ثلاث عشرة كلمة، وعلى الرغم من وضوح النسخة فقد سها الناسخ عن بعض الكلمات فأسقطها، وحرّف فيها، وأخطأ في النحو.
في صفحة العنوان تمليكات منها: (في ملك الفقير محمد أمين كوش أغا زادة) ، وتمليك آخر: (من ممتلكات الفقير إلى الله محمد أمين المفتي) ، وفيها بعض الكتابات، منها الآية هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
، كتبه أبو السعود ﵀ ثم هذان البيتان:
ما ضاع من كان له صاحب ... يقدر أن يصلح من شانه
فإنما الدنيا بسكانها ... وإنما المرء باخوانه
للنسخة خاتمة واسم الناسخ وتاريخ النسخ، كتبها محمد السنهوري سنة ٩٢٩ هـ، وهي قريبة من زمن السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ، ويحتمل أن يكون قد نسخها عن نسخة المؤلف لقرب العهد به، جاء في خاتمة الكتاب: (آخر الكتاب ولله الحمد والمنة على كل حال ونعمة، ووافق الفراغ من كتابته يوم الخميس المبارك ثامن شهر شوال عام تسع وعشرين
стр. 24
وتسعمائة، وعلقه بيده الفانية أقل عبيد الله وأحوجهم إلى مغفرة ربه محمد بن محمد بن أحمد السنهوري الشافعي الأزهري، حامدا لله تعالى ومصليا ومحتسبا) .
٣- نسخة ش:
نسخة دار الكتب الظاهرية بدمشق، رقمها (٣٣٠٧) ، عدد أوراقها ١٧٦ ورقة قياس ١٦ ١٠ سم، في الصفحة ٢٥ سطرا، وفي السطر ١٣ كلمة، بعض الصفحات فيها بياض، كتبت العناوين بخط كبير متميز، فيها خرجات في الحواشي وتصويبات.
النسخة جيدة خطها نسخي جميل، وهي قليلة الخطأ، وتتفق في الرواية مع نسخة الأوقاف، إلا أنها أقل خطأ وتحريفا منها.
لم يذكر اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، وجاء في الورقة الأخيرة خاتمة الكتاب وفيها قوله:
(وقد تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، غفر الله لكاتبه ومكتبه، والناظر فيه، والمؤلف له، والمسلمين أجمعين آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين) .
٤- نسخة ع:
نسخة المكتبة الوطنية بباريس، رقمها (٣٤٠٦) ، عدد أوراقها ١٩٦ ورقة، قياس ١٩ ١٢ سم، في الصفحة ٢٣ سطرا، وفي السطر ١٢ كلمة، خطها نسخي واضح، وهي نسخة جيدة فيها بعض الإضافات والتصويبات.
جاء في صفحة العنوان: (كتاب المحاضرات والمحاورات، تأليف العالم الأوحد، حافظ العصر، جلال الدين السيوطي، نفعنا الله به) .
كتبت النسخة سنة ١٠٧٦ هـ، الناسخ يونس بن حسن التربيني، وجاء في خاتمة الكتاب:
(تم كتاب المحاضرات والمحاورات بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، يوم العشرين من رجب الفرد سنة ستة وسبعين وألف، على يد الفقير يونس بن حسن التربيني، عفا الله عنه، آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه) .
صورة هذه النسخة في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، محفوظة تحت تسلسل ١١٦٨٢.
٥- نسخة ل:
نسخة المكتبة الوطنية بباريس رقم (٣٤٠٧) ، عدد أوراقها ٢٢٠ ورقة، قياس ١٧ ١٢ سم، في الصفحة ٢١ سطرا، وفي السطر ١٢ كلمة، خطها نسخي
стр. 25
واضح، وهي نسخة جيدة.
في صفحة العنوان تمليكات، منها: تمليك لعبد الكريم الحسيني، وتمليك لمحمد بن إبراهيم بن محمد، وآخر باسم: فاضل بن ظاهر. ومطالعة باسم: أحمد الغراوي الصالحاني.
هذه النسخة تشبه إلى حد كبير نسخة أوقاف بغداد، ولعلها منقولة عنها.
ليس فيها اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، وجاء في خاتمة الكتاب قوله:
(آخر الكتاب ولله الحمد والمنة، ونسأله التوفيق والعصمة، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين) .
صورة هذه النسخة في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، محفوظة تحت تسلسل ١١٦٨٤.
٦- نسخة ط:
نسخة المكتبة الملكية بالرباط، رقمها (٣٧٥٥) ، وهي نسخة ناقصة، المتوافر لدي منها ٩٩ ورقة، وبقية الأوراق مفقودة، قياسها ١٥ ١١ سم، في الصفحة ١٩ سطرا، وفي السطر ١٢ كلمة، خطها مغربي واضح، بعض كلماتها مشكولة، في بعض الصفحات طمس من أثر الرطوبة أو الحبر.
стр. 26
نص كتاب المحاضرات والمحاورات
لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ
стр. 27
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وهو حسبي وكفي [١] ، وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، هذا مجموع حسن انتخبت فيه ما رق وراق من ثمار الأوراق، والتقطت فيه من درر الكتب الجواهر، ومن شجر الحدائق الأزاهر، مما يصلح لمحاضرة الجليس ومشاهدة الأنيس، وسميته المحاضرات والمحاورات، والله المستعان وعليه التكلان.
قال الزمخشري [٢] في القسطاس: أصناف العلوم الأدبية اثنا عشر صنفا، علم متن اللغة، وعلم الأبنية، وعلم الاشتقاق، وعلم الإعراب، وعلم المعاني، وعلم البيان، وعلم العروض، وعلم القوافي وإنشاء النثر، وقرض الشعر، وعلم الكتابة، وعلم المحاضرات، قال غيره: ومراده بالمحاضرات ما تحاضر به صاحبك من نظم أو نثر، أو حديث أو نادرة، أو مثل سائر، انتهى. وفي الكامل للمبرد: من أمثال العرب، خير العلم ما حوضر به، يقول: ما حفظ فكان للمذاكرة.
من إنشاء الشهاب المراغي [٣] في ذكر العلم
العلم ألهمك الله الهداية إلى سنن الرشد والصواب، وأيدك بمدد الفضائل والآداب، جنّة يتقي بها الجنان وساوس الشيطان، وحلّة يتجمل بها الإنسان بين العوالم والأكوان، والأصحاب والإخوان، وصراط مستقيم على سواء السبيل، وحوض ماؤه تسنيم، يشفي ما بالصدور من أوام وغليل، وسراج وهاج يهتدي بنوره في ظلمات الجهالات، ومنهاج يسلك به مفازات الطاعات، وسواحل العبادات، وسلم يرتقى به من حضيض الأجسام، ومشابهة الأنعام، إلى مقام الملائكة الكرام، وفي ذلك كفاية لمن كان له قلب، والسلام./
ومن إنشائه ما كتب به إلى بعض إخوانه في عتاب الدنيا:
стр. 28
أما بعد، فان الله [١] مؤيد أهل الآداب بالتعظيم والتبجيل وفصل الخطاب، ومطلع نجوم سعودهم في سماء كل جيل على مر السنين والأحقاب، وقد اخترتك بالحكمة والتفضيل للوقوف على هذا الكتاب، وأخبرتك بما جرى بيني وبين الدنيا من أقاويل ورد الجواب، وذلك اني أجريت في بعض الأيام ذكر زخارفها والأباطيل بين خواص الأصحاب، وتذاكرنا كم لها من قتيل وصريع بسهام شهواتها ومصاب وسليم، بسلاسته سلسبيل، لمى ثناياها العذاب، وجلنا في ميادين مخادعتها بخيل التعجب أبعد مجال وولجنا في أبواب مختلفة من مكرها والاحتيال، وكيف تتزين لخطابها بجلابيب جمال المحال، وتجرر ذيول التذلل والاختيال، تلاعب من بنيها الأطفال، وتلهيهم بخشاخيش [٢] الانتقال من حال إلى حال، وتجذب بأزمة عقول الشباب والكهول من الرجال، إلى خواص غمرات الأهوال، لبلوغ الكواذب من الآمال، وتطمع الشيب من فسح الآجال، تمطيهم بعجزهم ركائب الحرص، فتراهم بين شد دائم وترحال./
ولم تزل كذلك حتى آذن النهار بالزوال، وأتى أتيّ الليل من جميع الجهات، وسال ومال بنا ركب السهر إلى معرس الهجوع، وهمّ كلّ منا إلى منزله بالرجوع، فلما أويت إلى مضجعي وطفقت سوام العيون في رياض الغمض ترتعي، هتف بي هاتفها [٣] من وراء حجاب، وخاطبتني مخاطبة الكواعب الأتراب، وأفحمتني من البلاغة بما يليق من الجواب، وأدارت عليّ حميّ العتاب، بكؤوس من التلطف وأكواب، ثم قالت: يا هذا أتتعرض لشتمي في الملا، وتتودد إلىّ في الخلا، وتذم من تيمك هواها وتسب من سباك على الوصف حسن مرآها، قلبك بفنون جمالها مفتون، وجنانك بليلى حبها مجنون، ما هذا من الإنصاف، ولا يعدّ من المحبين [٤] من اتصف بهذا الاتصاف، أما أنت المعرّض في فريضتك بذكري، أما أنت المعرض خدم جوارحك لخدمة قهري، أما أنت المتألم من صدودي وهجري، أما أنت المكنّي بأسماء مقصودك اسمي، أما أنت المتذلل لأوامري وحكمي، ألست القائل والعاذل بسمعك عن طريق العاذل: [الطويل]
أيجمل بي يا جمل طوع العواذل ... وحبك جار في جميع مفاصلي
ولو ملت يوما عن هواك تجردت ... سيوف صبابات أصبن مقاتلي
стр. 29
أذود الهوى عني وقلبي يطيعه ... فما حيلتي يا جمل والقلب خاذلي
وأحمل في حبّيك ما لا أطيقه ... وما فزت يوما في رضاك بطائل
ومن حكّمت فيه الغواني فانه ... جدير بحكم جائر غير عادل
ومن ثأره عند الذوائب والطلى ... فلا يرتجي نصر الظبا والذوابل
ومن راح في أسر اللواحظ لم يزل ... طليق جفون بالدموع الهوامل
ولا تحسبي يا جمل أنّي عاشق ... يزول غرامي فيكم بالتواصل
ولكنني أزداد بالقرب والنوى ... هياما وداء الحبّ ليس بزائل
حرام على قلبي السلوّ لأنني ... أراه بعيدا عن يد المتناول
وبيت كثير قل من يهتدي به ... وغير عجيب أن يفوه بباطل [١]
أيعشق من ملك الهوى رقّ عاشق ... مشاع لأدواء الغرام القواتل
لسهد ووجد واكتئاب ولوعة ... وفرط أسى باد وتعنيف عاذل
لقد فاز من حاز الغرام فؤاده ... لقد حاز أسمى رتبة للفضائل [٢]
وما العيش إلا صبوة وصبابة ... ومنزلة العشّاق أسمى المنازل [٣]
فلما نفثت فيّ من سحر لفظها الحلال، وملكت لبي بحلاوة/ المقال، جاريتها في الكلام، وناضلتها بما فضل في كنانة فكري من السهام. ثم قلت: قد كان ذلك أيام شبابي، ونشأتي في صهباء التصابي، والآن فقد نهاني رقيب المشيب عن مواصلة الحبيب، أما رأت عيناك يقق لمّتي [٤] ، وضعف حركاتي وقوتي، وفتور بوادر همّتي، أما سمعت أذناك بديع نسيبي في وصف مشيبي: [الطويل]
كبرت ولم أشعر وشابت مفارقي ... وفارقت لذّاتي وهنّ عجائز
ولانت قناتي بعد طول صلابة ... وليس لها يوما سوى الدهر غامز
فلو قيل لي يا شيخ قلت لعلّه ... سواي الذي يدعى وقلبي قافز
وكم رضت خيلا للأماني سوابقا ... لها من تصاريف التصابي مهامز
وجلت بميدان الشباب إلى مدى ... له الشيب عن نهج الغواية حاجز
стр. 30
وبارزت أيامي ببطش وإنها ... تشير إليّ الآن أين المبارز
وجدّت بي الآمال حتي كأنّها ... ركاب وحرصي تحتهنّ مفاوز
وما ذاك من جهل ولا من سفاهة ... ولكنه حكم على الشيب جائز
تفرقت الآراء والحرص واحد ... وكلّ امريء عن باحة السر عاجز [١]
وما العيش إلا بالحظوظ فكادح ... شقيّ وراض بالزهادة فائز
وعزّ جهول كالبهيمة هامل ... وخير خبير للفضائل حائز
وفي الشهب آيات فجار إلى مدى ... وللبعض منها في البروج مراكز
فقالت: نظمك صحيح، ولسان بيانك فصيح [٢] ، ولكن تملقك بالمقال قبيح، أما علمت أن الشّيب والشبان، والكهول والصبيان، ما منهم إلا من ورد ماء مدين [٣] محبتي، وقرت عمرة عمره من ميقات محجتي، وهجر أسرته بالمسارعة إلى هجرتي، ولو كشفت التراب عمن درج من الأتراب، لأخبرك لسان حالهم بما يغنيك عن سؤالهم، إن الجميع غدوا إلى جنابي، وراحوا ونصبوا حبائل نصبهم طلبا لمواصلتي وما استراحوا، وأعلنوا بسرّ هواي حين لاح لهم علم زخارفي وباحوا، وقضوا نحبهم، وأعينهم تفيض من الدمع حسرة عليّ، وتلهفا على ما خلفوه لديّ، ولكن الأجل محتوم، والرزق مقسوم، الطفل يتلطف في بكائه على فطام لبانه، واليافع يتأسف على مفارقة معاشريه وأقرانه، والكهل يتلهف على ما خلف لبنيه وعشيرته، والشيخ يندب زمان صبوته وشبيبته، والكل منهم كالنائم وإن كان يقظان، أو كالواقف في الماء وهو عطشان، ومثلي مضروب في القرآن، متلو في كل وقت وأوان: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ
[٤] ،/وتمام الآية معناه: قد اشتهر، والآن فقد حذرتك سطوتي، وخوفتك في غيرك ببطشي، فاجعل نصب عينك وصيتي، وكن من مصائد مصايبي على حذر، وفرّ إلى الله ما أمكن المفرّ، وإذا وردت موارد اللذات، ومناهل الشهوات، فاحسب المصدر، والأمل يطول، والزمان عثور عجول، وعثار الليالي والأيام تدرّ بحليب التبعات، والأنام على التمادي والدوام، والسعيد من الأنام من عوّد نفسه الزهد في هذا الحطام، ولجمها بلجام الصمت والصيام والسلام.
стр. 31
ذكر مستحسنات انتقيتها من طبقات ابن سعد
أخرج [١] من طريق ابن لهيعة، عن حيي بن عبد الله، قال: بلغني أن إسماعيل النبي ﷺ اختتن وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وأخرج من طريق ابن وهب عن حرملة بن عمران عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، قال: ما يعلم موضع قبر نبي من الأنبياء إلا ثلاثة؛ قبر إسماعيل، فانه تحت الميزاب بين الركن والبيت، وقبر هود فانه في حقف من الرمل تحت جبل من جبال اليمن عليه شجرة تندي [٢] ، وموضعه أشد الأرض حرّا، وقبر رسول الله ﷺ ، فان هذه قبورهم تحقّق.
وأخرج من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبي الأسود، قال: سمعت أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة يقول: ما وجدنا في علم عالم ولا شعر شاعر أحدا يعرف ما وراء معد بن عدنان بثبت.
وأخرج عن عروة قال: ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء معد بن عدنان [٣] ، وأخرج من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبته معد بن عدنان بن أدد، ثم يمسك، ويقول: كذب النسابون، قال تعالى:
وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً
[٤] .
قال ابن عباس: لو شاء رسول الله ﷺ أن يعلّمه لعلّمه. وأخرج عن ابن الكلبي قال:
كتبت للنبي ﷺ خمسمائة أمّ، فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا مما كان من أمر الجاهلية.
وأخرج عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير: متى سمّيت قريش قريشا؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها، وذلك التجمع التقرّش، فقال عبد الملك: ما سمعت هذا، ولكن سمعت أنّ قصيّا كان يقال له القرشي، ولم تسمّ قريش قبله.
وأخرج عن الكلبي قال: ولد عبد المطلب اثني عشر رجلا وست نسوة [٥] ، الحارث وهو أكبر ولده، وبه يكنّى مات في حياة أبيه، وعبد الله والد رسول الله [٦] ﷺ ، والزبير، وكان شاعرا شريفا، وإليه أوصى عبد المطلب، وأبو طالب، واسمه عبد مناف،
стр. 32
وعبد الكعبة، مات ولم يعقب، وأم حكيم، وهي البيضاء، وعاتكة، والعاتكة في كلام العرب الطاهرة، وبرّة، وأميمة، وأروى، وحمزة، وهو أسد الله وأسد رسوله، والمقوّم، وحجل وهو المغيرة، وصفية، والعباس،/ وضرار، وكان من فتيان قريش جمالا وسخاء، ومات أيام أوحي إلى النبي ﷺ ، ولا عقب له، وقثم، لا عقب له، وأبو لهب، واسمه عبد العزّى، ويكنى أبا عتبة، كنّاه عبد المطلب أبا لهب لحسنه وجماله، والغيداق، واسمه مصعب. قال الكلبي: فلم يكن في العرب بنو أب مثل بني عبد المطلب أشرف منهم ولا أجسم، شم العرانين، تشرب أنوفهم قبل شفاههم، وقال فيهم قرة بن حجل بن عبد المطلب [١] : [السريع]
اعدد ضرارا إن عددت فتى ندى ... والليث حمزة واعدد العبّاسا
واعدد زبيرا والمقوّم بعده ... والصتم حجلا والفتى والراسا [٢]
وأبا عتيبة فاعددنه ثامنا ... والقرم عبد مناف والحسّاسا [٣]
والقرم غيداقا تعدّ جحاجحا ... سادوا على رغم العدو الناسا
والحارث الفيّاض ولّى ماجدا ... أيام نازعه الهمام الكاسا
ما في الأنام عمومة كعمومتي ... خيرا ولا كأناسنا أنّاسا
قال: فالعقب من بني عبد المطلب للعباس، وأبي طالب، والحارث، وأبي لهب، وقد كان لحمزة، والمقوم، والزبير، وحجل أولاد لأصلابهم فهلكوا، والباقون لم يعقبوا، وكان العد دمن بني هاشم من بني الحارث، ثم تحول إلى بني أبي طالب، ثم صار في بني العباس.
وأخرج عن الواقدي قال: ترك عبد الله بن عبد المطلب أم أيمن [٤] وخمسة أجمال أوراك، يعني تأكل الأراك [٥] ، وقطعة غنم فورث ذلك رسول الله ﷺ ، فكانت أم أيمن فحضنته، واسمها بركة.
وقالت آمنة بنت وهب ترثي زوجها عبد الله/ بن عبد المطلب [٦] : [الطويل]
стр. 33
عفا جانب البطحاء من ابن هاشم ... وجاور لحدا خارجا في الغماغم
دعته المنايا دعوة فأجابها ... وما تركت في الناس مثل ابن هاشم
عشيّة راحوا يحملون سريره ... تعاوره أصحابه في التزاحم
فان يك غالته المنايا وريبها ... فقد كان معطاء كثير التراحم [١]
وأخرج عن عمرو بن سعيد [٢] أن أبا طالب قال: كنت بذي المجاز [٣] مع ابن أخي، يعني النبي ﷺ ، فأدركني العطش، فشكوت إليه، فقلت: يا ابن أخي قد عطشت، وما قلت له ذلك إلا وأنا أرى أن عنده شيئا إلا الجزع، قال: فثنى وركه ثم نزل فقال: (يا عمّ أعطشت) [٤] ، قلت: نعم، قال: فأهوى بعقبه إلى الأرض فاذا بالماء، فقال: (اشرب يا عم) ، فشربت.
وأخرج عن الزهري قال: قال رسول الله ﷺ : لو عاش إبراهيم [٥] لوضعت الجزية عن كل قبطي [٦] . وأخرج عن مكحول، أن رسول الله ﷺ قال في ابنه إبراهيم لما مات:
لو عاش ما رقّ له خال [٧] . وأخرج بسند صحيح من طريق معمر بن راشد عن الزهري قال: قال نبي الله ﷺ وهم يبنون المسجد [٨] : [الرجز]
هذا الجمال لا جمال خيبر ... هذا أبرّ ربّنا وأطهر
قال: وكان الزهري يقول: إنه لم يقل شيئا من الشعر إلا قد قيل قبله إلا هذا.
وأخرج عن محمد بن كعب القرظي قال: ما خالف نبيّ نبيا قط في قبلة ولا في سنّة، إلا أن رسول الله ﷺ استقبل بيت المقدس من حيث قدم المدينة ستة عشر شهرا ثم قرأ:
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
[٩] . وأخرج عن أبي سعيد الخدري قال: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين، يضحي في كل عام. وأخرج عن ابن عمر أنه سئل
стр. 34
عن الأضحية فقال: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين لا يدع الأضحى. وأخرج عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يعمل عمل البيت، وأكثر ما يعمل الخياطة.
وأخرج عن أنس بن مالك قال: إذا كان عندنا دباء [١] آثرنا به [٢] رسول الله ﷺ . وأخرج عن علي بن الأقمر قال: كان النبي ﷺ يأكل تمرا، فاذا مرّ بحشفة أمسكها في يده فقال له قائل: اعطني هذه التي بقيت، قال: (إني لست أرضى لكم ما أسخطه لنفسي) [٣] . وأخرج عن محمد بن جعفر: أن النبي ﷺ اعتمر من الجعرانة [٤] وقال: اعتمر منها سبعون نبيا.
وأخرج عن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك: كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ قال: أربعا، عمرته التي صده عنها المشركون عن البيت من الحديبية في ذي القعدة، وعمرته أيضا من العام المقبل حين صالحوه في ذي القعدة، وعمرته حين قسّم غنيمة حنين من الجعرانة في ذي القعدة مع حجته. وأخرج عن الشعبي قال: لم يعتمر رسول الله ﷺ / عمرة إلا في ذي القعدة. وأخرج عن ابن أبي مليكة قال: اعتمر النبي ﷺ أربع عمر، كلها في ذي القعدة.
ذكر مراثي النبي ﷺ
قال الواقدي عن رجاله: قال أبو بكر الصديق ﵁ [٥] : [المتقارب]
يا عين فابكي ولا تسأمي ... وحقّ البكاء على السيّد
على خير خندف عند البلا ... ء أمسى يغيّب في الملحد
فصلّى المليك وليّ العباد ... وربّ البلاد على أحمد
فكيف الحياة لفقد الحبيب ... زين المعاشر في المشهد
فليت الممات لنا كلّنا ... وكنّا جميعا مع المهتدي
وقال أبو بكر أيضا: [الكامل]
لما رأيت نبيّنا متجدلا ... ضاقت عليّ بعرضهنّ الدور
وارتعت روعة مستهام واله ... والعظم منّي واهن مكسور
أعتيق ويحك إنّ حبّك قد ثوى ... وبقيت منفردا وأنت حسير [٦]
стр. 35
يا ليتني من قبل مهلك صاحبي ... غيّبت في جدث عليّ صخور
فلتحدثنّ بدائع من بعد ... هـ تعيا بهنّ جوانح وصدور
وقال أبو بكر أيضا:/ [البسيط]
باتت تأوّبني هموم حشّد ... مثل الصخور فأمست هدّت الجسدا
يا ليتني حيث نبّئت الغداة به ... قالوا الرسول قد امسى ميتا فقدا
ليت القيامة قامت بعد مهلكه ... ولا نرى بعده مالا ولا ولدا
والله آسى على شىء فجعت به ... من البريّة حتى أدخل اللحدا
كم لي بعدك من همّ ينصّبني ... إذا تذكرت أنّي لا أراك ابدا
كان المصفّى في الأخلاق قد علموا ... وفي العفاف فلم نعدل به أحدا
نفسي فداؤك من ميت ومن بدن ... ما أطيب الذكر والأخلاق والجسدا
وقال عبد الله بن أنيس [١] : [الطويل]
تطاول ليلي واعترتني القوارع ... وخطب جليل للبلية جامع
غداة نعى الناعي إلينا محمدا ... وتلك التي تستكّ منها المسامع [٢]
فلو ردّ ميتا قتل نفس قتلتها ... ولكنه لا يدفع الموت دافع
فآليت لا آسى على هلك هالك ... من الناس ما أوفى ثبير وفارع [٣]
ولكنني باك عليه ومتبع ... مصيبته إنّي إلى الله راجع
وقد قبض الله النبيين قبله ... وعاد أصيبت بالرّزى والتبابع
فياليت شعري من يقوم بأمرنا ... وهل في قريش من إمام ينازع
ثلاثة رهط من قريش هم هم ... أزمّة هذا الأمر والله صانع
عليّ أو الصدّيق أو عمر لها ... وليس لها بعد الثلاثة رابع
فان قال منّا قائل غير هذه ... أبينا وقلنا الله راء وسامع
فيا لقريش قلّدوا الأمر بعضهم ... فانّ صحيح القول للناس نافع
стр. 36
ولا تبطئوا عنّا فواقا فانّها ... إذا قطعت لم يمن فيها المطامع
وقال حسان بن ثابت [١] : [البسيط]
والله ما حملت أنثى ولا وضعت ... مثل النبيّ رسول الأمة الهادي
أمسى نساؤك عطّلن البيوت فما ... يضربن خلف قفا ستر بأوتاد
مثل الرواهب يلبسن المسوح وقد ... أيقنّ بالبؤس بعد النّعمة البادي
وقال حسان [٢] : [البسيط]
آليت حلفة برّ غير ذي دخل ... منّي إليّة برّ غير أفناد
تا الله ما حملت أنثى ولا وضعت ... مثل النبيّ نبيّ الرحمة الهادي
ولا مشى فوق ظهر الأرض من أحد ... أوفى بذمّة جار أو بميعاد
من الذي كان نورا يستضاء به ... مبارك الأمر ذا حزم وإرشاد
مصدّقا للنبيين الألى سلفوا ... وأبذل الناس للمعروف والجادي
خير البريّة إني كنت في نهر ... جار فأصبحت مثل المفرد الصادي
وقال حسان [٣] : [الكامل]
ما بال عينك لا تنام كأنّما ... كحلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعا على المهديّ أصبح ثاويا ... يا خير من وطئ الحصى لا تبعد
يا ويح أنصار النبيّ ورهطه ... بعد المغيّب في سواء الملحد
جنبي يقيك التّرب لهفي ليتني ... كنت المغيّب في الضريح الملحد
يا بكر آمنة المبارك ذكره ... ولدته محصنة بسعد الأسعد
نورا أضاء على البريّة كلّها ... من يهد للنور المبارك يعتدي
أأقيم بعدك بالمدينة بعدهم ... يا لهف نفسي ليتني لم أولد
بأبي وأمّي من شهدت وفاته ... يوم الاثنين النبيّ المهتدي
فظللت بعد وفاته متلدّدا ... يا ليتني أسقيت سمّ الأسود
أو حلّ أمر الله فينا عاجلا ... في روحة من يومنا أو من غد
стр. 37
فتقوم ساعتنا فنلقى سيّدا ... محضا مضاربه كريم المحتد [١]
يا ربّ فاجمعنا معا ونبيّنا ... في جنّة تنبي عيون الحسّد
في جنّة الفردوس واكتبها لنا ... يا ذا الجلال وذا العلى والسؤدد
والله أسمع ما حييت بهالك ... إلا بكيت على النبيّ محمّد
ضاقت بالانصار البلاد فأصبحوا ... سودا وجوههم كلون الإثمد
ولقد ولدناه وفينا قبره ... وفضول نعمته بنا لم تجحد
والله أكرمنا به وهدى به ... أنصاره في كلّ ساعة مشهد
صلى إلاله ومن يحفّ بعرشه ... والطيبون على المبارك أحمد
وقال حسان [٢] : [البسيط]
يا عين جودي بدمع منك إسبال ... ولا تملّن من سحّ وإعوال
لا تعدماني بعد اليوم دمعكما ... إني مصاب وإني لست بالسال
فانّ منعكما من بعد بذلكما ... إياي مثل الذي قد غرّ بالآل
لكن أفيضي على صدري بأربعة ... إنّ الجوانح فيها هاجس صال
سحّ الشعيب وماء الغرب يمنحه ... ساق يحمله ساق بازلال [٣]
على رسول لنا عفّ ضريبته ... سمح الخليقة عفّ غير مجهال
حامي الحقيقة نسّال الوديقة فكّ ... اك العناة كريم ماجد عال
كشّاف مكربة مطعام مسغبة ... وهّاب عانية وجناء شملال
عفّ مكاسبه جزل مواهبه ... خير البريّة سمح غير نكّال
واري الزناد وقوّاد الجياد إلى ... يوم الطّراد إذا شبّت بأجذال
ولا أزكّي على الرحمن ذا بشر ... لكنّ علمك عند الواحد العالي
إني أرى الدهر والأيام تفجعنى ... بالصالحين وأبقى ناعم البال
يا عين فابكي رسول الله إذ ذكرت ... ذات الإله فنعم القائم الوالي
وقال حسان [٤] : [البسيط]
стр. 38
نبّ المساكين أنّ الخير فارقهم ... مع الرسول تولّى عنهم سحرا
من ذا الذي عنده رحلي وراحلتي ... ورزق أهلي إذ لم يؤنسوا المطرا [١]
ذاك الذي ليس يخشاه مجالسه ... إذا الجليس سطا في القول أو عثرا
كان الضياء وكان النور يتبعه ... وكان بعد الإله السمع والبصرا
فليتنا يوم واروه بمحنية ... وغيّبوه وألقوا فوقه المدرا
لم يترك الله خلقا من بريّته ... لم يعش بعده أنثى ولا ذكرا
ذلّت رقاب بني النّجار كلّهم ... وكان أمرا من أمر الله قد قدرا [٢]
وقال كعب بن مالك [٣] : [المتقارب]
يا عين فابكي بدمع ذرى ... لخير البرية والمصطفى [٤]
وبكّي الرسول وحقّ البكاء ... عليه لدى الحرب عند اللقا
على خير من حملت ناقة ... وأتقى البرية عند التّقى
على السيد الماجد الجحفل ... وخير الأنام وخير الله اللها [٥]
له حسب فوق كلّ الأنا ... م من هاشم ذلك المرتجى
نخصّ بما كان من فضله ... وكان سراجا لنا في الدجى
وكان بشيرا لنا منذرا ... ونورا لنا ضوؤه قد أضا
فأنقذنا الله في نوره ... ونجّى برحمته من لظى
وقالت أروى بنت عبد المطلب [٦] : [الوافر]
ألا يا عين ويحك أسعديني ... بدمعك ما بقيت وطاوعيني
ألا يا عين ويحك واستهلّي ... على نور البلاد وأسعديني
فان عذلتك عاذلة فقولي ... علام وفيم ويحك تعذليني
стр. 39
على نور البلاد معا جميعا ... رسول الله أحمد فاتركيني
فالا تقصري بالعذل عنّي ... فلومي ما بدا لك أو دعيني
لأمر هدّني وأذلّ ركني ... وشيّب بعد جدّتها قروني [١]
وقالت أروى أيضا [٢] : [الطويل]
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا ... وكنت بنا برّا ولم تك جافيا
وكنت بنا برّا رؤوفا نبيّنا ... ليبك عليك اليوم من كان باكيا
لعمرك ما أبكي النبيّ لموته ... ولكن لهرج كان بعدك آتيا
كأنّ على قلبي لذكر محمد ... وما خفت من بعد النبيّ المكاويا [٣]
أفاطم صلى الله ربّ محمّد ... على جدث أمسى بيثرب ثاويا [٤]
أبا حسن فارقته وتركته ... فبكّ بحزن آخر الدهر شاجيا
فدا لرسول الله أمّي وخالتي ... وعمّي ونفسي قصرة ثم خاليا
صبرت وبلّغت الرسالة صادقا ... وقمت صليب الدين أبلج صافيا [٥]
فلو أنّ ربّ الناس أبقاك بيننا ... سعدنا ولكن أمره كان ماضيا
عليك من الله السلام تحية ... وأدخلت جنات من العدن راضيا
قالت عاتكة بنت عبد المطلب [٦] : [البسيط]
عينيّ جودا طوال الدهر وانهمرا ... سكبا وسحّا بدمع غير تعذير [٧]
يا عين فاسحنفري بالدمع واحتفلي ... حتى الممات بسجل غير منزور [٨]
يا عين فانهملي بالدمع واجتهدي ... للمصطفى دون خلق الله بالنور
стр. 40
بمستهلّ من الشؤبوب ذي سبل ... فقد رزيت نبيّ العدل والخير [١]
وكنت من حذر للموت مشفقة ... وللذي خطّ من تلك المقادير
من فقد أزهر ضافي الخلق ذي فخر ... صاف من العيب والعاهات والزور
فاذهب حميدا جزاك الله مغفرة ... يوم القيامة عند النفخ في الصّور
وقالت عاتكة أيضا [٢] : [الكامل]
يا عين جودي ما بقيت بعبرة ... سحّا على خير البريّة أحمد
يا عين فاحتفلي وسحّي واسجمي ... وابكي على نور البلاد محمّد [٣]
أنّى لك الويلات مثل محمد ... في كلّ نائبة تنوب ومشهد
فابكي المبارك والموفّق ذا التّقى ... حامي الحقيقة ذا الرشاد المرشد
من ذا يفكّ عن المغلّل غلّه ... بعد المغيّب في الضريح الملحد
أم من لكلّ مدفّع ذي حاجة ... ومسلسل يشكو الحديد مقيّد
أم من لوحي الله يترك بيننا ... في كلّ ممسى ليلة أو في غد
فعليك رحمة ربّنا وسلامه ... يا ذا الفواضل والندى والسؤدد
هلّا فداك الموت كلّ ملعّن ... شكس خلائقه لئيم المحتد [٤]
وقالت عاتكة أيضا [٥] : [الطويل]
أعينيّ جودا بالدموع السواجم ... على المصطفى بالنور من آل هاشم
على المصطفى بالنور والحقّ والهدى ... وبالرشد بعد المندبات العظائم [٦]
وسحّا عليه وابكيا ما بقيتما ... على المرتضى بالمحكمات العزائم
على المرتضى للبرّ والعدل والتّقى ... وللدين والإسلام بعد المظالم
على الطاهر الميمون ذي الحلم والندى ... وذي الفضل والداعي لخير التراحم
أعينيّ ماذا بعد ما قد فجعتما ... به تبكيان الدهر من ولد آدم
فجودا بسجل واندبا كلّ شارق ... ربيع اليتامى في السنين البوازم