Полный текст (308 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
[المقدمة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تعريف
عزيزي القارئ.. هذا كتاب آخر خطّة قلم مؤلّف مغربي- أندلسي- يثبت تماسك هذه الأمة وتلاحمها.. إلّا يكن في حيّز المكان.. ففي تحاور الفكر والوجدان، المؤلّف سبق لنا الالتقاء به، فهو خاتمة تلك العصبة المباركة التي أخرجت لنا كتاب (المغرب في حلي المغرب) الذي قدّمت (الذخائر) أحد أجزائه وهو الخاصّ بمدينة الفسطاط.
وأما الكتاب فإنّ عنوانه التصويريّ الشاعريّ (المقتطف من أزاهر الطّرف) يوحي ببعض ما فيه، فهو روضة تزهو فيها خمائلها الاثنتا عشرة، ولعله قصد أن تكون الخمائل بعدد شهور السّنة، وأن روضته تظل طوال الفصول- ورغما عنها- مورقة نضرة، يجد المتأمّل فيها كلّ ما يسرّ ناظره ويمتع سمعه، وينعش روحه من ثمار هذه الروضة وأزهارها.
الثمار والأزهار هنا قطوف من المنظوم والمنثور، من فصيح وملحون، من مختلف الأنواع والمستويات، لمبدعين شتّى من مختلف البلدان والطبقات، أطلق عليها المؤلّف عديدا من الأسماء والصفات.
€
стр. 2
ذلك بعض ما يوحى به عنوان الكتاب، أما ما لا يوحي به، مما تجده في ثنايا صفحاته وبين سطوره، فهو مواصلة ذلك الحوار الطّيب المثمر بين عقول هذه الأمّة في شرقها وغربها، الحوار والجدل- وربّما الخلاف- ولكنه خلاف يقطع بحريّة الفكر واستقلال الرأي، ويؤكد- في الوقت نفسه- روح الحرص على التكامل والوحدة.
لقد حدثتك- عزيزي القارئ- من قبل عن صنيع ابن شهيد ت ٤٢٦ هـ في (التوابع والزوابع) وهو يسعى إلى مساماة كبار شعراء المشارقة، ثم حدثتك عن صنيع ابن سناء الملك ت ٦٠٨ هـ في (دار الطّراز) وهو يسعى إلى مساماة كبار شعراء المغرب، في الموشحات خاصّة، ثم وهو ينظّر لفنّ التوشيح- المغربيّ النشأة على الأرجح- وها أنت ذا تجد في (المقتطف) ذلك الحوار بين ابن سعيد مؤلّف الكتاب والملك الناصر يوسف الأيوبي سلطان الشام، وفيه يقرّر الأول أن الموشح والزّجل طرازان ابتدأهما المغاربة- يعنى الأندلسيّين- ليقرر الثاني أنّ فنّ الدّوبيت إنما هو من إحسان المشارقة، ليتّفق الرجلان على أنّ المحاسن قد قسّمها الله تعالي على البلاد والعباد.
ألست معي في أننا أرسينا من قديم أسس الحوار والتفاهم حين كان الآخرون يؤسسون للصّراع والتصادم؟
عبد الحكيم راضي سبتمبر ٢٠٠٤
€
стр. 3
محقق الكتاب
الأستاذ الدكتور سيد حنفي حسنين- تخرج في كلية الآداب ١٩٥٥- حصل على الدكتوراه ١٩٦١- عيّن مدرّسا فأستاذا مساعدا ثم أستاذا للأدب العربي بآداب القاهرة ١٩٧٨.
- عمل أستاذا زائرا في جامعات أسبانيا وأمريكا اللاتينية.
- أعير إلى جامعة الملك سعود بالرياض.
- عمل مستشارا ثقافيا ومديرا للمعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد من ١٩٨٥- ١٩٨٨.
- عمل وكيلا للدراسات العليا بكلية الآداب من ١٩٨٢- ١٩٨٥.
- تولّى عمادة آداب القاهرة فرع بني سويف من ١٩٨٨- ١٩٩٧.
من أعماله العلمية:
- تحقيق ديوان حسّان بن ثابت- تحقيق كتاب (المقتطف) الذي نصدره فى هذه الطبعة- الفروسّية العربية في العصر الجاهلي ١٩٦٠- الشعر الجاهلي: مراحله واتجاهاته الفنية- شعر بشار بن برد بين النظرية والتطبيق- حسّان بن ثابت شاعر الرسول- أعلام العرب- له العديد من البحوث والدراسات- بالعربيّة والأسبانية- نشرت بالمجلات العلمية المتخصصة في مصر والخارج.
€
стр. 4
(بسم الله الرحمن الرحيم)
الجديد في مقتطف ابن سعيد
(مقدمة خصّ بها الأستاذ المحققّ طبعة الذخائر) حين قمت بتحقيق كتاب المقتطف من أزاهر الطرف لابن سعيد الأندلسى في الفترة من ١٩٧٦ إلى ١٩٧٨ كان اهتمامي محصورا في إظهار هذا النص مكتملا في أدق صورة يمكن أن يظهر بها بعد أن ترك فترة طويلة دون عناية حتى فقدت بعض أوراقه من مخطوطتي الاسكوريال ورفاعة رافع الطهطاوي، وكان علىّ أن أضمهما معا محاولا أن تكمل إحداهما الأخرى فأنقذ من الضياع واحدا من كتب ابن سعيد.
وحين انتهيت من إخراج هذا النص مطبوعا ومنشورا تكشّف لي جوانب من موضوعات هذا الكتاب لم تلق مني العناية الواجبة في تلك الدراسة التي قدمت بها النص وقتها، إذ وقفت عند بعضها وقوف المتعجل وأهملت بعضها وكانت تستحق مني بعض العناية.
لقد خصّص ابن سعيد الخميلة العاشرة من كتابه للدّوبيتيّات والمربّعات والمخمّسات، والخميلة الحادية عشرة للكان وكان والمواليا، والخميلة الثانية عشرة والأخيرة للموشّحات والأزجال، وقد أثار في نفسي هذا الترتيب بعد انتهاء طبع الكتاب سؤالا ظللت أبحث عن إجابة له
€
стр. 5
وهو: هل قصد ابن سعيد بترتيب هذه الخمائل الثلاث ترتيبا زمنيا؟
أي أنّ ظهور هذه الفنون في تاريخ الأدب العربى جاء على هذا التعاقب؟
نعلم أن الدوبيتيات والمربعات والمخمسات فن قديم يسبق فنون الخميلتين الأخريين، ولا جدال في هذا الرأي، ولكن الجدال يدور حول
أي فنون الشعر الملحونة أسبق؟
فالأندلسيون يرون أن فن الزجل سابق عندهم على الفنون المشرقية المشابهة، يقول ابن سعيد في المقتطف عن الموشّح والزجل:
هذان طرازان كان الابتداء بعملهما من المغرب، ثم ولع بهما أهل المشرق «١» ، ويقول في مكان آخر من كتابه: ولما عدت من العراق أنشدته (ويقصد الملك الناصر سلطان الشام) من محاسن الدوبيتيات ما أمر بكتبه. ثم قال لي: هذا طراز لا تحسنه المغاربة.
فقلت: يا خوند، كما أن الموشحات والأزجال طراز لا تحسنه المشارقة. والمحاسن قد قسمها الله على البلاد والعباد «٢» .
والنصان يدلان على شيئين:
١- أن الموشح والزجل في رأي ابن سعيد اختراع أندلسي.
٢- أن فن الدوبيتيات فن مشرقي لا تحسنه المغاربة.
وفي نص آخر يقول ابن سعيد عن المربعات: اشترك فيها المشارقة والمغاربة «٣» . وحين يستشهد ببعض نصوصه المشرقية يقول:
€
стр. 6
وأكثر ما يشتغل بهذا العجم وهو وزن مستنبط من أوزانهم، وكثيرا ما يطربون عليه في السماع ولا يلتفتون إلى غيره.
ويقصد ابن سعيد بالعجم الفرس، كما يقصد بأنهم يطربون عليه في السماع أي أنه مرتبط بالغناء، وهنا يلتقي بفن التوشيح في أول ظهوره بغضّ النظر عن الخرجة التي في نهاية الموشح، تلك الخرجة التي قد تكون بعامية أهل الأندلس أو باللغة الأعجمية أو الرومانثية «١» . وهى ظاهرة وإن كانت خاصة بالموشح لكننا نجد شبيها لها أو صورة من صورها في بعض مقطوعات شعراء المشارقة مثل أبى نواس في مقطوعته التي يمزج فيها الفارسية بالعربية وخاصة في الشطر الأخير من المقطوعة من مثل قوله «٢» :
يا غاسل الطّرجهار ... للخندريس العقار
يا نرجسي وبهاري ... بده مرا يك بار
والطّرجهار هو قدح الشراب، ومعنى الشطر الأخير: اعطني مرة واحدة.
وقد سمي هذا الشعر في المشرق بالملمّع تمييزا له عن سواه، وفيما بعد ظهرت في المشرق ازدواجات أخري بين اللغتين العربية والتركية، والعربية والكردية في الشعر العراقي خاصة.
€
стр. 7
وهنا نفطن إلى السبب الذي جعل ابن سناء الملك يجيء ببعض خرجات فارسية في موشحاته إلى جانب خرجاته بالعامية المصرية أو التي استعارها من الأندلسيين.
إنني بهذا الحديث لا أريد أن أثير قضية قديمة ناقشها الدارسون حول أصل الموشح، وهل هو ابتكار أندلسي، أو أن له أصولا مشرقية؟ ولكنني أحاول أن أقرأ نصوص ابن سعيد في مقتطفة، وهى نصوص لم يرد بعضها في كتبه الأخرى، مثل حديثه عن الدوبيتيات والمربعات، ومقارنته بين المشارقة والمغاربة في نظم هذين الشكلين من أشكال الشعر، وكان قد لفت نظري ما ذكره صفي الدين الحلّي في مقدمة كتابه: العاطل الحالي حين قال: فإني كنت أضفت إلى ديوان أشعاري فنّي الموشح والدّوبيت، لتحليتهما بالإعراب ونسجهما على منوال الأعراب، وأعريتة من الفنون الأربعة التي لحنها إعرابها، وخطأ نحوها صوابها «١» .
ويقصد بالفنون الأربعة: (الكان وكان) و (المواليا) و (القوما) و (الزّجل) . وما يلفت النظر في عبارة صفى الدين الحلي أن نسيج الموشح والدوبيب واحد، سواء في أنهما معربان، كما في صفتهما الأولي لتحليتهما بالإعراب، أو أن بناءهما من أصل مشترك فهما منسوجان على نول واحد، هو نول التقاليد الفنية للشعر العربي، ولذلك ضمهما إلى ديوانه الذي يضم سائر قصائده، فهناك إذن علاقة
€
стр. 8
في نظام بناء الفنين- سواء من حيث الشكل أو المضمون- بالإضافة إلى اللغة المعربة. ولهذا تظهر الحاجة إلى دراسة جادة لطبيعة تلك العلاقة من حيث وجودها الزمني ومدي الارتباط بين الفنين وخاصة أن ابن سعيد يقول مقابلا بينهما ومعلقا على الدوبيتيات في مقتطفة: هي التي ولع بها المشارقة كما تولع المغاربة بالموشحات «١» .
وقد يساعدنا على الإحساس بهذه المقابلة بعض نصوص من محاسن الدوبيتي المرصّع، ينسبه ابن سعيد إلى شريف شاعر معاصر له هو شرف العلا بن تاج العلا الحسيني «٢» يقول:
ودعتهم إذ حان بين ورحيل ... ناديتهم
الصبر إذا رحلتم غير جميل ... شيعتهم
لمّا رحلوا وما إلى الصبر سبيل ... أنشدتهم
لم يجر على الخد من الدمع قليل ... يا ليتهم
ويقول:
يا مترلهم بأي أرض نزلوا ... ولّوا وبقيت
لما كتموا سراهم وارتحلوا ... عاشوا وفنيت
أصبحت وحيدا بعدهم في الرّبع ... أحيا وأموت
أبكي وأقول لو يجيب الطلل ... بالحب شقيت
ألا نلاحظ هنا ظاهرتين لهما مشابه في الموشح:
١) هذه التقسيمات التي تشبه ما في الموشح وينتج عنها الإيقاع
€
стр. 9
المطلوب للغناء.
٢) أنه يسبق البيت الأخير ألفاظ (الإنشاد) كما في الدوبيت الأول، و (القول) في البيت الثاني وهو الذي يسبق الخرجة في الموشح، ثم نلاحظ أن فقرة تشبه الخرجة المعربة في الدوبيت الأول وهي يا ليتهم وفي الدوبيت الثاني بالحب شقيت.
حقيقة أن هذه الظاهرة ليست مطّردة ولكنها في المرات التي تأتي فيها لافتة لنظر الباحث.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على الدوبيتيات بل نراها أيضا في المربعات، ونجد في مقتطف ابن سعيد مربعا مجهول النسبة يقول «١» :
يا ساكني وادي زرود ... هل لي وصول
لمن أبي إلا الصدود ... عسي أقول
والله يا بدر التمام ... يمين صادق
ما حلت عن تلك العهود ... ولا أحول
فنراه بعد أن قال: عسي أقول، يأتي بما يشبه الخرجة المعربة في أسلوب بسيط أقرب إلى العامية في قوله: والله يا بدر التمام، يمين صادق، ما حلت عن تلك العهود، ولا أحول.
أنتقل بعد هذا إلى قراءة نصوص أخري في كتاب ابن سعيد تثير في نفسي تساؤلات عدة، وهي نصوص من الشعر العامي المشرقي والمغربي. ففي الخميلة الحادية عشرة المختصة بملح
€
стр. 10
(كان وكان) و (المواليا) ، يقول ابن سعيد عن (كان وكان) :
ويعرفونه أيضا: البطائحي، لتولع أهل البطائح به، وأكثر ما حفظته من الملاحين في دجلة «١» .
ويقول عنه صفي الدين الحلي: ومخترعوه البغداديون، ثم تداوله الناس في البلاد فلم يجارهم فيه مجار، ولم يدخل لهم مبار في غبار «٢» .
والواضح أن هذا الفن قد ظهر مبكرا في العراق منذ القرن الثالث أو بعده بقليل، وكان في بداية أمره فنا شعبيا، يقول صفي الدين الحلي عن ناظميه: لم ينظموا فيه سوي الحكايات والخرافات والمنصوبات والمراجعات، فكان قائلة يحكي ما كان وكان، ولفظه قالب لذلك، وقابل له، إلى أن كثر، واتسع طريق النظم فيه وظهر لهم مثل الشيخ العلامة قدوة الأفاضل جمال الدين بن الجوزي.
ونحن نعلم أن ابن الجوزي من علماء ووعاظ القرن السادس الهجري ت ٥٩٧ هـ، فنشأة هذا الفن هي نشأة شعبية، ثم تحول إلى فن ينظم فيه الشعراء في موضوعات أخري مثل الزهديات والحكم، كما فعل ابن الجوزي، وهنا تظهر العلاقة بينه وبين فن الزجل الأندلسي.
وقبل الحديث تفصيلا عن تلك العلاقة أريد أن أقف عند فن شعبي آخر هو (المواليا) فقد ذكره ابن سعيد مع فن (كان وكان) في خميلة واحدة. ويقول عنه «٣» : ويعرفونه أيضا بالحلّاوي لتولع أهل الحلة بعمله وبالغناء في طريقته، ويقول في موضع آخر: وسايرني من
€
стр. 11
نصيبين إلي الموصل عامر زرومي الفلاح الثعلبي، وكنت أسمع به أنه إمام هذا الفن، وله فيه ديوان مشهور بأيدي الناس وأكثره في عشق غلام من أولاد ردساء اليمرية من أعيان الأكراد، وتهتك في حبه، وسلم من القتل غير مرة.
ومعني هذا أن عامر زرومي الفلاح الذي كان إمام هذا الفن قد عاصر ابن سعيد واستمع إليه، وشد انتباهه بهذه المواليا التي كان يحس فيها بصدي الزجل الأندلسي.
وقد أورد ابن سعيد في مقتطفه نصوصا كثيرة من فني (كان وكان) و (المواليا) أكثر مما أورده من نصوص الزجل، علي الرغم من أنه ألف كتابه في المشرق سواء في مصر أو في حلب، وهي بيئة تعرف فنون الشعر العامي المشرقي، وكان الأولي أن يكثر من النصوص الزجلية ليقدمها إلي المشرقيين الذين كانوا يتوقون إلي سماعها، ولكن قراءة في بعض فقرات كتبها ابن سعيد تدل علي معرفة المشارقة بهذا الفن، وأنه كان لديهم فن يشبهه. يقول ابن سعيد معلقا على الزجل: والمشارقة لهم بهذا الفن غرام، ويعرفونه بالبليقي، وأشهرها في طريقته الحولي «١» ، ثم يروى بليقا أنشده الناس لهذا الشاعر، وهو بهذا القول يرى أن البلاليق هي نفسها الزجل، ونوع منه بصفة خاصة يسمي (الملاعب) والغريب أننا نجد في المقتطف نصا يرويه ابن سعيد كنموذج لفن (كان وكان) «٢» ، ويرويه في (المغرب) في الجزء الخاص بمصر الذى نشر بعنوان (النجوم الزاهرة في
€
стр. 12
حلي حضرة القاهرة) كنموذج لفن البليق «١» ، وهو النص الذي يقول:
السود مسكا وعنبر ... ما يحتمل تمعيك
والبيض ثوبا دبيقى ... والسمر قضبان الذهب
ويذكر ابن سعيد أنه سمعه من باعة الجميز على شط خليج القاهرة يتغنون به، وهذا يؤكد أن الفروق بين تلك الفنون العامية لم تكن محددة، فنص ابن سعيد في المقتطف يدل على أنه كان يري في البلاليق المصرية صورة أخري من الأزجال الأندلسية، بل إنها هي نفسها، وذلك حين يقول عن الزجل الأندلسي في مصر: ويعرفونه بالبليقي، وهو نفسه ما كان يراه في المواليا بصفه خاصة في العراق.
وهذا ما يثير التساؤل: فما هي طبيعة العلاقة بين تلك الفنون، ولماذا أدرك ابن سعيد وهو الخبير بالزجل الأندلسي أن هذا الفن ليس فنا تنفرد به الأندلس، بل هناك ما يشابهه في المشرق أو ما هو صورة مشرقية له.
حقيقة أنه لم يذكر شيئا عن أسبق تلك الفنون ظهورا في العالم الإسلامي في مشرقة ومغربه في هذا الوقت. ولكن الدراسات التي قام بها بعض الباحثين ومن بينهم المرحوم عبد العزيز الأهواني ثم من بعده د. إحسان عباس قد ذكرت أن بدايات الزجل كانت في القرن الخامس الهجري «٢» .
أما المواليا فيقول صفي الدين الحلي أن الذي اخترعه في أول أمره
€
стр. 13
أهل مدينة واسط تعلمه عبيدهم المتسلمون عمارة بساتينهم، والفعول، والمعامرة، والأبّارون فكانوا يغنون به فى رءوس النخيل، وعلى سقي المياه، ويقولون في آخر كل صوت مع الترنم: يا مواليا، إشارة إلى ساداتهم، فغلب عليه الاسم وعرف به، ويقول: ولم يزالوا على هذا الأسلوب حتى تسلمه البغاددة، فلطفوه ونقحوه، ورققوا ودققوا وحذفوا الإعراب منه، واعتمدوا على سهولة اللفظ ورشاقة المعني، ونظموا فيه الجد والهزل، والرقيق والجزل، حتى عرف بهم دون مخترعيه، ونسب إليهم وليسوا بمبتدعيه، ثم شاع في الأمصار، وتداوله الناس في الأسفار «١» .
ويقول صفي الدين الحلي أنه يشترك مع الزجل في بعض الخصائص ويختلف عنه في أخري، ومما يذكره من اختلاف استعمال البغاددة: الإمالة في المواليا. ولا شك أنه اختلاف ضروري لأنه نتيجة لاختلاف لهجة أهل العراق عن لهجة الأندلس. وهو ما لاحظه الدكتور إحسان عباس حسين وجد أن صفي الدين الحلي يقيس كلام الأندلسيين على كلام المشارقة في عصره، أو يقيسه على اللغة الفصحى في محاولته لاستخراج القواعد العامة للزجل الأندلسي ومدي اختلافه عن مثيله من الشعر العامي المشرقي.
ومن الأمور التي تلفت النظر في تاريخ الموشحات والأزجال أن يكون الاثنان اللذان شرحا قواعد هذين الفنين مشرقيين وهما: ابن سناء الملك الذي فسر قوانين التوشيح في كتابه (دار الطراز) ، وصفي الدين
€
стр. 14
الحلي في كتابه (العاطل الحالي) ، وكان منتظرا من ابن سعيد الذي عرف أنواع الشعر العامي في المشرق والمغرب أن يسهم في التفريق بين تلك الأنواع، والفقرات التي أشرنا إليها سابقا نقلا من كتابه المقتطف تثبت أنه إما أنه يخلط بين هذه الفنون، أو أنه كان يراها متقاربة أو متشابهة؛ لأن الزجل الأندلسى لم يكن له شكل ثابت أو موضوع ينظم فيه، بل نظم الزجالون في جميع الموضوعات التي نظم فيها الشعراء العرب قصائدهم الفصيحة اللغة.
ولا نستطيع أن نعد تلك الملاحظات الذي ذكرها ابن قزمان في مقدمة ديوانه أو التي سجلها ابن خلدون في مقدمته تمثل تعريفا واضحا لفن الزجل يجعلنا ندرك الفرق بينه وبين فنون القول الأخرى الملحونة التي ذكرها صفي الدين الحلي حين قال عنها- محاولا تحديد الفروق فيما بينها: فمنها ما يكون له وزن واحد وقافية واحدة، وهو (الكان وكان) ، ومنها ما يكون له وزن واحد وأربع قواف، وهو (المواليا) ، ومنها ما يكون له وزنان وثلاث قواف، وهو (القوما) ، ومنها ما يكون له عدة أوزان وعدة قواف، وهو (الزجل) «١» ويقول: ومجموع فنون النظم عند سائر المحققين سبعة فنون، لا اختلاف في عددها بين أهل البلاد، وإنما الاختلاف بين المغاربة والمشارقة في فنين منها ...
والسبعة المذكورة هي عند أهل المغرب ومصر والشام هذه: الشعر القريض، والموشح، والدوبيت، والزجل، والمواليا، والكان وكان،
€
стр. 15
والحماق، وأهل العراق وديار بكر ومن يليهم يثبتون الخمسة منها، ويبدلون الزجل والحماق بالحجازي والقوما، وهما فنان اخترعهما البغاددة للغناء بها في سحور شهر رمضان، خاصة في عصر الخلفاء الراشدين من بني العباس.
فإذا انتقل صفي الدين الحلي بعد ذلك إلى أقسام الزجل قال:
قسّمه مخترعوه على أربعة أقسام، يفرق بينها بمضمونها المفهوم، لا بالأوزان واللزوم، فلقبوا ما تضمن الغزل والنسيب والخمري والزهري:
(زجلا) ، وما تضمن الهزل والخلاعة والأحماض: (بلقيا) ، وما تضمن الهجاء والثلب (قرقيا) ، وما تضمن المواعظ والحكمة: (مكفرا) ...
وأطلقوا على كل ما أعرب بعض ألفاظه من هذه الفنون (المزنم) .
إن هذه التعريفات والتقسيمات التي وضعها صفي الدين الحلي لا تاريخ لدينا لنشأتها أو لتطورها، وإن كانت لدينا بعض أسماء المبكرين ممن نظموا فيها مثل ابن المقامر، والجلال، والعماد المرميط، وعلى بن المراغي، وهؤلاء جمعيا من العراق، والخولي من مصر.
ولكن الذي يلفت النظر في كلام صفي الدين الحلي أنه يقول إن الزجل هو لفظ عام لنوع من فنون الشعر العامي وتندرج تحته فنون أخري حسب موضوعاتها مثل البليق المصري الذي هو زجل يتضمن الهزل والخلاعة والأحماض، ولكن أليست أزجال ابن قزمان تتضمن هذا الموضوع أيضا.؟!
€
стр. 16
إن مجموع تلك الأسئلة التي تدور بخاطر قارئ كتاب المقتطف في خميلتيه الأخيرتين الخاصتين بالشعر العامي تجعلنا نتصور أن الرحلة المستمرة للشعراء والأدباء بين مشرق العالم الإسلامي ومغربه سواء للحج أو للتعلم أو للتجارة أو لأسباب سياسية جعلت فنون الشعر العامي تتداخل فيما بينها، وتتشابه ملامحها وتتأثر فيما بينها، حتى إننا نجد أن الفروق تتحدد في الفروق بين لهجات أقاليم العالم الإسلامي المختلفة.
وفي رأيي أن الفارق الوحيد هو الفارق اللغوي، ولذا يتعذر معرفة السابق من اللاحق، إلا إذا نظرنا إلى أن استقرار العرب في الأندلس وتكوينهم لخلافتهم المستقلة عن خلافة بغداد كانت لا حقة، وبالتالي فإن فن شعرهم العامي لا حق علي الشعر المشرقي.
أ. د/ سيد حنفى
€
стр. 17
الهوامش
((١) - المقتطف ص ٢٥٥.)
((٢) - السابق ص ٢٨٨.)
((٣) - السابق ص ٢٣٢.)
((٤) - السابق ص ٢٣٣.)
((٥) - العاطل الحالى ص ١.)
((٦) - المقتطف ص ٢٢٥.)
((٧) - السابق ص ٢٣١.)
((٨) - السابق ص ٢٣٧.)
((٩) - السابق ص ٢٣٩.)
((١٠) - العاطل الحالى ص ١١٥.)
((١١) - المقتطف ص ٢٤٤.)
((١٢) - السابق ص ٢٦٥.)
((١٣) - السابق ص ٢٣٩.)
((١٤) - النجوم الزاهرة ص ٣٧٢.)
((١٥) - انظر:- (الزجل فى الأندلس) للدكتور عبد العزيز الأهوانى- (تاريخ الأدب الأندلسى) مج ٢ عصر الطوائف والمرابطين للدكتور إحسان عباس.)
((١٦) - العاطل الحالى ص ١٠٦- ١٠٧.)
((١٧) - العاطل الحالى ص ٢.)
مصادر البحث ومراجعه:
١- تاريخ الأدب الاندلسي د. إحسان عباس ٢- الزجل في الأندلس د. عبد العزيز الأهواني ٣- العاطل الحالي- صفي الدين الحلي تحقيق حسين نصار ٤- المغرب في حلي المغرب- لابن سعيد الأندلسي تحقيق شوقي ضيف وزميليه ٥- المقتطف من أزاهر الطرف- لابن سعيد الأندلسي تحقيق سيد حنفي ٦- النجوم الزاهرة في حلي حضرة مصر والقاهرة لابن سعيد الأندلسي تحقيق حسين نصار
стр. 18
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
منذ عهد بعيد، يزيد على عشرين عاما، والأدب العربى بالأندلس يأسرنى أسرا شديدا، فأقبلت على جمع مصادره، وقراءة نصوصه التاريخية والفكرية والأدبية، ومتابعة نشاط الباحثين فى ميادينه عسى أن يحين وقت أفرغ له، وأدلى بنصيب فى أبحاثه، وكان يشغلنى طوال هذا الوقت ميدان آخر للبحث الأدبى، وهو ميدان الأدب العربى: جاهليّه وإسلاميّه وعباسيه، ولم أشعر أننى بعيد فى هذا عن الأدب الأندلسى، فقد رأيت أن أدب المشرق كان قائدا لأدب المغرب، ونموذجا له يحتذيه قبل أن يحدد لنفسه شخصيته، ويسكب فيه من روحه ويطبعه بطابعه.
وكان أن قيّض الله لى أن أزور الأندلس أكثر من مرة، وأن أعيش فى ربوعه أكثر من عام، غير مرتبط. فيه بدراسة معينة، أو الحصول على درجة علمية خاصة، فأخذت أجول بين مكتباته، وأجمع ما يقدر مثلى على جمعه من كتب وأبحاث باللغتين العربية والإسبانية، كما اتصلت بالمستشرقين الأسبان، وكان لى منهم أصدقاء، وتابعت ما يقومون به من أبحاث فى تراثنا المشترك.
وربما كانت زياراتى لمدن الأندلس العربية مثل طليطلة وقرطبة وأشبيلية وغرناطة ومالقة وبلنسية وغيرها من تلك المدن التى كنت أتنسم رائحة التاريخ فى شوارعها وحاراتها وآثارها الإسلامية أكبر الأثر فى إصرارى على أن أشارك فى هذا الميدان الأدبى، فقد كنت أشعر وأنا أدخل منازلها، وأدق بقدمى على بلاط. شوارعها
стр. 19
العتيقة أننى أوقظ. أهلا لى ناموا فترة القيلولة كى يستريحوا كعادتهم بعد غداء ثقيل، تلك العادة التى ورثها الإسبان منهم حتى اليوم.
لقد كنت أحس أننى قادم لزيارة ابن زيدون والأعمى التطيلى وابن قزمان وابن باجه وابن رشد، وكنت أتوهم أننى أسمع موسيقى تصدح من تلك البيوت الأندلسية التى ما زالت تحتفظ. بالطراز المعمارى العربى. وغناء الموشحات الأندلسية التى تطرب وترقص على حد تعبير ابن سعيد، وكأن عصا زرياب التى ابتكرها حين هاجر إلى الأندلس ليقود بها الفرق الموسيقية، ويشير بها إلى مجموعات المغنين كى تشارك بأصواتها ذوات الدرجات الصوتية المختلفة عصا ساحر يخرس بها كل صوت آخر غير صوت الموسيقى والغناء.
وقيض الله لى أيضا- وهذا من بالغ فضله وكرمه- أن أزور أمريكا اللاتينية وأعمل أستاذا زائرا ببعض جامعاتها مدة تزيد على ثلاث سنوات، وأدهشنى حقا أن العرب الذين قادوا الأسبان إلى هذه القارة الجديدة كرجال بحر وفلك قد أحسوا أنهم وجدوا فيها أرضا أخرى، ينقلون إليها حضارتهم كما فعلوا فى كل أرض نزلوا بها، ويستطيع العربى المعاصر الدارس لحضارة أجداده أن يلمح فى كل لفتة إنسان، وكل عادة غير مألوفة للأوروبيين أصولها العربية القديمة، كما يستطيع أن يرى فى بعض الطرز المعمارية ارتباطها بالنظام المعمارى العربى المألوف، أما الموسيقى والغناء وخاصة الشعبى منهما فهما الابنان الشرعيان للأندلس العربي المتحضر. نعم قد يكون للإسبان الفاتحين ذوى الأصول العربية، المحملين ببذرة الحضارة الأندلسية تأثير فى ذلك، ولكنه تأثير مشارك.
وأخيرا جاءت الفرصة، وقررت أن أحقق واحدا من كتب أحد أدباء ومؤرخى الأندلس العظام وهو على بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد المعروف بابن سعيد المغربى أو الأندلسى، واستشرت أساتذة لى وزملاء وهم الدكتور عبد العزيز الأهوانى والدكتور شوقى ضيف والدكتور محمود مكى، وكان رأيهم أن كتاب
стр. 20
«المقتطف من أزاهر الطرف» من مؤلفات ابن سعيد النفيسة، ومن المخجل أن يبقى هذا النص غير محقق أو منشور حتى اليوم.
واستعنت بالله، وعليه توكلت، وهذا هو النص يرى النور لأول مرة، فإن وفقت فبحوله وقوته، وإن أخطأت فبعجزى وتقصيرى وبالله التوفيق.
د. سيد حنفى حسنين الهرم- يوليو ١٩٧٨
стр. 21
تمهيد
١- العصر:
ولد علىّ بن سعيد المغربى»
فى عام ٦١٠ هـ بقلعة يحصب أو قلعة بنى سعيد بغرناطة. وبهذا يكون قد عاش معظم سنى القرن السابع الهجرى.
ولم تكن الحياة في هذا القرن سهلة أو مستقرة بالنسبة للعرب أو المسلمين، بل تميز القرن السابع الهجرى بأحداث جسام هزت العالم العربى والاسلامى هزا عنيفا. ففى المشرق سقطت بغداد عاصمة الخلافة الاسلامية فى عام ٦٥٦ هـ.
على يد التتار بقيادة زعيمهم هولاكو. وفى الشام ومصر كانت الحرب سجالا بين الصليبيين بقيادة ملوك أوربا ورجال كنائسها وبين المسلمين بقيادة الأيوبيين، وفى المغرب أخذت الحواضر الأندلسية الكبرى تسقط فى يد نصارى الأسبان واحدة تلو أخرى. ففى عام ٦٣٣ هـ تسقط. قرطبة، وتليها بلنسية فى عام ٦٣٦ هـ.، ثم مرسية فى عام ٦٤١ هـ، ثم أشبيلية فى عام ٦٤٦ هـ. وهكذا أخذت تسقط. الأندلس حاضرة بعد حاضرة، ورقعة بعد رقعة، وحصنا بعد حصن حتى لم يبق منها إلا مملكة غرناطة التى ظلت تقاوم فى عهد ملوكها من بنى الأحمر ما يقرب من قرنين
стр. 22
من الزمان إلى أن لقيت مصيرها المحتوم مثل أخواتها من الحواضر الأخرى فى عام ٨٩٧ هـ.
وإذا كان ملوك شمالى أفريقية قد حاولوا أن يؤخروا هذا الارتداد فترة من الوقت فى عهد المرابطين والموحّدين إلا أن صراعاتهم وخلافاتهم وتطاحنهم ما كان يؤدى إلى غير النتيجة التى وصل إليها حال الأندلس حين أخذت البيوتات الكبيرة تخرج منها أول الأمر متجهة إلى شمالى أفريقية الممتد من المغرب حاليا إلى مصر، ثم تبعها معظم سكان تلك الجزيرة الخضراء كما كان يسميها أهلها. لذلك لا نعجب أن يقف الشاعر الأندلسى «ابن العسال» مناديا قومه بالإسراع فى الرحيل، فيقول:
يا أهل أندلس حثّوا مطيكم ... فما المقام بها إلا من الغلط.
الثوب ينسلّ من أطرافه وأرى ... ثوب الجزيرة منسولا من الوسط.
ونحن بين عدوّ لا يفارقنا ... كيف الحياة مع الحيّات فى سفط.
ولست هنا فى مجال تعليل لما حدث فى المشرق أو المغرب، فهذا مجال بحث لمؤرخ مهتم بتاريخ هذه الفترة، غير أن ما يهمنى هو أن ابن سعيد عاصر بداية سقوط. المدن الأندلسية وأسهم فى بعض أحداثها قبل أن يغادر الأندلس مع والده فى عام ٦٣٩ هـ راحلا إلى المغرب فتونس فمصر فالشام فالعراق والحجاز، كما توغل فى أقصى الشرق فى رأى من الآراء، كما عاصر حوادث سقوط. بغداد عام ٦٥٦ هـ على يد التتار، وشاهد وسمع كثيرا من أهوال هذه الحوادث الجسام فى تاريخ القرن السابع الهجرى وتاريخ المسلمين فيه.
وكان من حسن حظ. ابن سعيد- فى الوقت نفسه- أنه وفى وسط غمرة هذه الأحداث المحزنة قد عاصر حدثا كان له أكبر الأثر فى تخفيف تلك الصدمات المتتابعة عليه وعلى المسلمين جمعيا، وهو إعادة فتح بيت المقدس نهائيا عام ٦٤٢ هـ على يد الملك الصالح أيوب، كذلك عاصر هزيمة الصلبيين فى حملتهم بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا عام ٦٤٨ هـ بسيوف المصريين حين أراد هذا الملك
стр. 23
غزو مصر، وكانت نتيجة الحرب خسرانه نحو ثلاثين ألف جندى من جنوده وقعوا بين قتيل وغريق فى مياه النيل وأسر الملك نفسه وسجن فى دار ابن لقمان بالمنصورة إلى أن افتدى بمبلغ عظيم من المال.
نشعر بفرحة ابن سعيد لهذا النصر حين طرب للقصيدة التى نظمها صديقه الشاعر المصرى جمال الدين بن مطروح مخاطبا ملك فرنسا المأسور ومسجلا حادث هزيمة الصليبيين فى قوله:
قل للفرنسيس إذا جئته ... مقال حقّ عن قؤول نصيح
آجرك الله على ما جرى ... من قتل عبّاد يسوع المسيح
دار «ابن لقمان» على حالها ... والقيد باق والطواشى «صبيح»
وكان لرحلات ابن سعيد فى مختلف الأقطار فى العالم الإسلامى الفسيح وإقامته فى حواضره المتعددة ذوات الطوابع المختلفة، وعادات أهله المتنوعة أثر فى حنينه الدائم إلى موطنه الأصلى- أرض الأندلس، كما استطاع بثاقب نظره أن يسجل ما يراه من مشاهدات فى هذه المجتمعات «١» ويوازن بينها وبين ما عرفه عن مجتمعه الأندلسى، وكانت النتيجة التى يخرج بها دائما هى الوحشة الشديدة إلى موطنه الأندلسى. يقول «٢»
أصبحت أعترض الوجوه ولا أرى ... ما بينها وجها لمن أدريه
عودى على بدئى ضلالا بينهم ... حتى كأنّى من بقايا التيه
ويح الغريب توحشت ألحاظه ... فى عالم ليسوا له بشبيه
إن عاد لى وطنى اعترفت بحقّه ... إن التغرّب ضاع عمرى فيه
ويقول معبرا عن هذا الإحساس أيضا:
هذه مصر فأين المغرب ... مذ نأى عنى دموعى تسكب «٣»
стр. 24
فارقته النفس جهلا إنما ... يعرف الشىء إذا ما يذهب
ولا يعنى ذلك أن إحساسه بالغربة فى مصر كان نتيجة لسوء معاملة أهلها له.
بل العكس صحيح، فقد شعر فيها بالأمن والأمان، وأكرمه حكامها ورجالاتها، وصاحب شعراءها ومفكريها، ووصف استمتاعه بالعيش فيها، ويدل على ذلك الخبر الذى جاء فى النفح عن مطارحته للشعر مع جماعة من أصدقائه من الشعراء المصريين كان من بينهم الشاعر زكى الدين بن أبى الإصبع والشاعر جمال الدين أبو الحسين الجزار ونجم الدين بن اسرائيل «١» كان القرن السابع زاخرا بالعلماء فى كل تخصص، وبالأدباء فى كل فرع.
وكانت هجرة الأندلسيين منهم إلى شمالىّ أفريقية وإلى المشرق موضع ترحاب فى معظم الأحيان من زملائهم فى تلك المناطق. وقيض الله له بعض الاستقرار فى تونس أيام الأمير أبى زكريا يحيى الحفصى رابع حكام الدولة الحفصية فيها، وفى فترات من حكم الدولة الأيوبية فى مصر والشام مما أتاح الوقت لهؤلاء الحكام كى يشجعوا العلماء والأدباء المقيمين والوافدين على تأليف كتبهم ونظم قصائدهم وموشحاتهم، واتسم العصر كما هو معروف بظهور طبقة من مؤلفى الموسوعات الذين صانوا تراث سابقيهم من الضياع حين قاموا بجمعه وتلخيصه وشرحه والترجمة لمؤلفيه. وكان بعض هؤلاء الملوك والحكام من الأدباء والشعراء، وقد أورد لهم ابن سعيد مقتطفات من شعرهم ونثرهم فى كتبه، ومن بينها كتابه «المقتطف» «٢» فهذا المستنصر بالله بن أبى زكريا الحفصى يفتح قصره للوافدين على أبيه من الأندلس من بين عالم وشاعر وأديب من أمثال حازم القرطاجنى الشاعر الناقد، وابن الأبّار القضاعى العالم المؤرخ صاحب «الحلة السيراء» والتيفاشى المؤرخ الأديب، وأبى العباس الغسانى لسان الدولة الحفصية وكاتبها ووزيرها وابن سعيد المغربى، وكذلك كان الأمر فى مصر والشام والعراق قبل سقوط بغداد. فقد ظهر
стр. 25
فيها عبد اللطيف البغدادى صاحب «الإفادة والاعتبار» وأبو شامة صاحب «الروضتين» وابن العديم- صديق ابن سعيد- صاحب «زبدة الحلب، وجمال الدين بن واصل صاحب «مفرّج الكروب فى أخبار بنى أيوب» وعز الدين ابن الأثير صاحب «الكامل فى التاريخ» وسبط بن الجوزى صاحب «مرآة الزمان» .
هذا إلى جانب كتب ابن سعيد نفسها وهى ما سوف نعرض لها فيما بعد.
وكان لكثرة الشعراء فى هذا القرن كثرة مفرطة أن ازدحمت كتب ابن سعيد بأسمائهم، منها ما هو معروف ومنها ما لا نعلم عنه إلا اسمه، وكذلك كانت كتب معاصريه.
٢- الرجل:
لست أول من يعرّف بابن سعيد الرجل، فقد سبق ابن سعيد نفسه إلى التعريف بأمره فى كتاب «المغرب» «١» وعرض علينا نماذج من شعره، ولكنه تعريف مختصر وناقص: مختصر لأنه صاحب الكتاب ومعروف لأهل عصره والكتاب ليس سيرة حياة بقدر ما هو تراجم لشعراء عديدين سبقوه أو عاصروه، وناقص لأنه كتبه وعمره سبع وثلاثون سنة. فقد ذكر أن مولده كان عام ٦١٠ هـ وأنهى تعريفه بنفسه فى العام الذى كان يكتب فيه مؤلفه وترجمته، وهو العام الذى سافر فيه من مصر إلى حلب فى صحبة كمال الدين بن أبى جرادة، واعتزامه لحج فى نفس السنة. وقد أرخ هذا الوقت بسنة ٦٤٧ هـ.
غير أن مؤرخين آخرين لحقوا بعصر ابن سعيد قد عرفوا به تعريفا أشمل، إذ كانت حياته كاملة أمامهم، وشهرته المدوية تشغل أذهانهم، وكتبه العديدة
стр. 26
أمام أنظارهم. وأهم هؤلاء المقرى فى «نفحه» «١» وابن شاكر الكتبى فى «فواته» «٢» وجاء المحققون المعاصرون «٣» ليعتمدوا على ما كتبه الأوائل وعلى كتب ابن سعيد نفسها ليعرضوا أمامنا سيرة حياة هذا الرجل وقيمة مؤلفاته من ناحيتيها التاريخية والأدبية. وبهذا أصاب ابن سعيد شهرة فى عصرنا لا تقل عن شهرته أيام معاصريه. وأصبحت كتبه عمدة فى النصوص الأندلسية وتراجم رجالها ممن ضاعت مع الزمن دواوين أشعارهم، وجوهر موشحاتهم وأزجالهم.
ونكتفى بتعريف مختصر لابن سعيد كما فعل لنفسه، غير أن ما هو أكثر أهمية الآن قيمة ما سجل ابن سعيد من تاريخ وأدب، وقيمة ابن سعيد نفسه كمؤرخ وأديب.
ولد علىّ بن موسى بن سعيد فى قلعة يحصب أو قلعة بنى سعيد بغرناطة عام ٦١٠ هـ. من أسرة عريقة فى النسب والمجد والرئاسة، أما نسبه فينتهى إلى عمار بن ياسر الصحابى الجليل، وأما جده الأكبر عبد الملك فكان مواليا للمرابطين حتى ثارت عليهم الأندلس عام ٥٣٩ هـ فامتنع فى قلعته واستمر ممتنعا بها حتى خضع لدولة الموحدين التى حلت محل المرابطين. وقد اتخذ عثمان بن عبد المؤمن ابنه أبا جعفر أحمد وزيرا له وكان شاعرا مرموقا. وكان محمد أخوه مقدما عند يحيى ابن غانية آخر ولاة المرابطين ثم استوزره الموحدون بعد أن خضع لهم وولوه أعمال اشبيلية وغرناطة. وشب ابنه موسى على مثاله يعمل مع الموحدين وتحت لوائهم، ثم خرج عليهم وتولى أعمال الجزيرة الخضراء من قبل بنى هود.
غير أن اضطراب الحياة فى الأندلس صعّب على موسى الحياة بربوعها وهو سليل الأسرة القوية، فخرج متجها إلى المشرق عام ٦٣٦ هـ يصحبه ابنه علىّ بنيّة أن
стр. 27
يحجا بيت الله، ويمرا بالمغرب ثم بتونس، وفى الأخيرة يكرمهما حكامها وأدباؤها وخاصة أبا العباس التيفاشى، ثم يرحلان إلى الإسكندرية عام ٦٣٩ هـ ويظلان بها لتعذر حجهما هذا العام. ويتوفى موسى عام ٦٤٠ هـ، ويبقى علىّ وحيدا يشقى بغربته ووحدته، وكان يخفف منها صلاته القوية برجال مصر وخاصة بجمال الدين ابن يغمور نائب السلطان الأيوبى فى مصر وحلب، ويؤلف له ابن سعيد كتابه «رايات المبرزين» .
وحين يفد القاضى والعالم والمؤرخ والوزير كمال الدين بن العديم عام ٦٤٤ هـ رسولا من الملك الناصر يوسف الأيوبى صاحب حلب والشام إلى السلطان الملك الصالح نجم الدين الأيوبى سلطان مصر يجمع الحظ بين الرجلين ويعجب كل منهما بالآخر، فيعرض ابن العديم على ابن سعيد السفر معه إلى حلب، ليقدمه إلى الملك الناصر الذى كان محبا للأدب والأدباء وكان شاعرا.
ويسافر ابن سعيد إلى دمشق، ومنها إلى الموصل وبغداد، ثم يعود إلى دمشق عام ٦٤٨ هـ ليلقى الملك توران شاه وهو فى طريق عودته إلى مصر ليخلف أباه الملك الصالح على عرشها، وقد أدناه توران شاه منه وأكرمه. ويؤدى ابن سعيد فريضة الحج التى كان قد خرج من الأندلس مع والده كى يؤدياها أول الأمر، ثم يعود إلى تونس عام ٦٥٢ هـ ويتصل بخدمة أميرها المستنصر الحفصى، إذ كان صديقا له منذ مروره عليه فى أول رحلته مع والده، ويبقى بها حتى عام ٦٦٦ هـ، ولكنه يرحل ثانية إلى المشرق، ولا نعلم الدافع إلى هذه العودة، وهى التى يذكر فيها بعض المؤرخين أنها ربما كانت التى دخل فيها إيران وأوغل فيها نحو الشرق «١» ولكن سرعان ما يعود إلى تونس مرة ثالثة فيبقى فيها حتى يوافيه أجله عام ٦٨٥ هـ «٢» وقد ترك ابن سعيد وراءه مؤلفات عديدة وصل إلينا بعضها، وفقد البعض
стр. 28
الآخر. وقام بحصرها محققوا ما نشر منها «١» ولا نستطيع أن نتعرض بتقويم لما لم يصل من كتبه على الرغم من وجود بعض إشارات إلى محتواها فى المصادر المختلفة؛ لأنها إشارات لا تدل على تقويم لهذه المؤلفات بقدر ما تدل على الموضوع الذى نتناوله.
أما ما وصل إلينا من مؤلفات فهى:
١- المغرب فى حلى المغرب:
وقد حقق قسمه الأندلسى د. شوقى ضيف فى جزئين، وحقق قسما آخر يختص بمصر د. محمد زكى حسن ود. شوقى ضيف ود. سيدة الكاشف كما حقق قسما يختص بالقاهرة د. حسين نصار تحت عنوان «النجوم الزاهرة فى حلى حضرة القاهرة» .
٢- المشرق فى حلى المشرق:
وهو قسيم المغرب وإن كان اهتمامه برجال المشرق وأدبائهم. وما زال مخطوطا حتى الآن.
٣- الغصون اليانعة فى محاسن شعراء المائة السابعة:
حققه الأستاذ إبراهيم الإبيارى وترجم ابن سعيد فيه لستة وعشرين شاعرا.
٤- القدح المعلىّ فى التاريخ المحلّى:
وقد وصل إلينا مختصرا بعنوان «اختصار القدح» قام به: أبو عبد الله محمد ابن خليل، وحققه الأستاذ إبراهيم الإبيارى.
٥- رايات المبرزين وغايات المميزين:
وهو مختارات من المغرب قام بها ابن سعيد نفسه ليقدمها إلى جمال الدين
стр. 29
ابن يغمور نائب السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب فى مصر والشام وقد حققه للمزة الأولى المستشرق جارسياجومس، ثم حققه مرة أخرى د. النعمان القاضى ٦- عنوان المرقصات والمطربات:
وقد نشر الكتاب مرة واحدة دون تحقيق بمطيعة جمعية المعارف بمصر عام ١٢٨٦ هـ- ١٨٦٩ م، وأقوم الآن بتحقيقه لأول مرة وإعداده للنشر. وهو مختارات من الشعر المشرقى والمغربى، تقوم على فكرة ابن سعيد فى المرقص والمطرب من الشعر «١» ٧- المقتطف من أزاهر الطرف:
وكان ما يزال مخطوطا حتى الآن- وها هو يظهر لأول مرة محققا «٢» ونستطيع أن نلاحظ على أعمال ابن سعيد أنها تتميز بصفة عامة بالآتى.
(١) أنها جميعا مختارات من نصوص وتراجم تخضع لذوق ابن سعيد الأدبى الخاص فيما يختار، ولم يقتصر اهتمامه على الشعر القصيدى المألوف، بل عرض علينا نماذج من الموشحات والأزجال، وفنون الشعر الأخرى، مثل فن «كان وكان» «والمواليا» «والبليق» إلى جانب المزدوجات والمربعات والمخمسات، وجميعها من تلك الأشكال التى اهتم المغاربة بالنظم فيها دون تحرج أو تمسك بقديم، كما عرض علينا من نماذج المشارقة أيضا ما يثير الإنتباه والدراسة.
(ب) اهتم ابن سعيد أن تكون ترجماته ونماذج أدبائه وشعرائه لمتأخرين منهم، وأعنى من القرن الرابع إلى القرن السابع الهجرى وكان كثير منها من القرنين الأخيرين.
وكأنه أحسن أن شعراء القرون الثلاثة الأولى من الهجرة قد استوفوا حقهم من التعريف والانتشار وشيوع دواوينهم وكتابانهم. كما كان اهتمامه برجال الأندلس وشمالىّ أفريقيا ومنها مصر هو الغالب على مؤلفاته بغض النظر عن كتابه «المشرق»
стр. 30
الذى خصصه تخصيصا. وقد أراد بذلك أن يشارك فى تعريف أهل المشرق بقرنائهم من أهل المغرب، بل وإظهار تفوقهم التفوق الذى يضعهم فى مجال المقارنة والفوز.
(ح) كان لمعاصرة ابن سعيد لكثير من شعراء القرن السابع الهجرى الذين قابلهم فى جولاته الكثيرة وسمع منهم قيمة فى توثيق ما رواه من شعرهم وأخبارهم، كما كان لمشاهداته لبيئات هؤلاء الشعراء وإلمامه بطبيعة مجتمعاتهم قيمة فى إيجاد الرابطة بين هذا النتاج الفنى وبين هذه المجتمعات المتعددة والمختلفة فى تقاليدها وعاداتها، وتستطيع أن تضع الباحث أمام مختلف بيئات العالم الإسلامي فى أندلسه ومغربه ومصره وشآمه وعراقه، وعلى الرغم من أن ابن سعيد لم يكن مؤرخا بالمعنى العلمى الحديث كابن خلدون مثلا إلا أنه كان رحالة فطنا دقيق الملاحظة، شمولىّ البصيرة.
وكما كان لهذه المعاصرة أهميتها كذلك كان لقرب عهده من شعراء وكتاب سابقين عليه من القرنين الخامس والسادس الهجريين قيمة حين استطاع أن يطلع على دواوينهم ومؤلفاتهم قبل أن نفقدها خلال مرورها عبر الأجيال. كما كان لصلته برجال عرفوا هؤلاء السابقين أهمية فى توثيق نصوصهم وأخبارهم.
ولهذا اكتسبت مؤلفات ابن سعيد قيمتها الحقيقية، لا من ناحية كمية النصوص التى احتوتها، ولكن من حيث نوعيتها وتعدد بيئتها وأهمية توثيقها وثبوت الأخبار التى ارتبطت بها.
(د) تغلب على شخصية ابن سعيد شخصية الرجل المسامر والنديم المحبب إلى قلوب سامعيه، فقد كان حلو المعاشرة خفيف الظل، فكه الروح، إلى جانب معرفته بأخبار الندماء وحكايات مجالس المسامرة، وقدرته على جذب المستمعين إلى حديثه، مما جعله محبوبا عند مسامريه سواء كانوا من أصحاب السلطة والنفوذ أو من أقرانه من رجال العلم والأدب، وأخباره فى مجالسه بتونس عند أمرائها الحفصيين أو رجالها مثل أبى العباس الغسانى، أو أحمد بن يوسف التيفاشى تدل
стр. 31
على ذلك، كذلك أخباره فى مصر والشام مثل اتصاله بابن يغمور وابن العديم أو بقرنائه من الشعراء والأدباء مثل الجزار والبهاء زهير وابن مطروح وابن أبى الاصبع وابن سابق، فكلها يؤكد ما قلناه عن هذه الشخصية المحببة إلى نفوس عارفيها، وقد سجل ابن سعيد فى كتبه أخبار من تلك المسامرات، ويكفى أن يقبل عليه رجل فى مثل شخصية السلطان توران شاه حين كان فى طريقه إلى مصر ليتولى السلطة بعد وفاة أبيه فيجعل من ابن سعيد نديما من ندمائه بعد هذا اللقاء القصير العابر.
(هـ) لم تكن شخصية ابن سعيد وهى ما تصورها حياته ومؤلفاته متزمتة أو متكلفة للوقار، فهو أديب يأخذ من أسباب اللهو والطرب أوفى نصيب، عاكف على مجالس الأنس ومجامع الشراب، يقتنص ساعات السرور ويحرص عليها ويعبر فى شعره عن كل ذلك. يقول «١» : دخلت تونس مع أبى العباس الغسانى حماما، فنظرنا إلى غلمان فى نهاية الحسن ونعومة الأبدان. فقلت مخاطبا له:
دخلت حمّاما وقصدى به ... تنعيم جسم فغدالى عذاب
فقلت لظى فاعترضت حوره ... وقلت عدن فنهانى التهاب
وأنت فى الفضل إمام فكن ... فى الحكم ممن حاز فصل الخطاب
فقال:
لا تأمن الحمّام فى فعله ... فليس ما يأتيه عندى صواب
فما أرى أخدع منه ولا ... أكذب إلا أن يكون السراب
يبدى لك الغيد كحور الدّمى ... ويلبس الشيخ برود الشّباب
ظنّ به النار فلا جنة ... للحسن إلا ما حوته الثياب
كذلك نجد له أبياتا أخرى تدل على عدم تحرجه مثل تلك التى قالها فى افتضاض بكر «٢» :
стр. 32
وخريدة ما إن رأيت مثالها ... حيث من الألحاظ بالايماء
فسألتها سمع الشّكاة فأفهمت ... أن الرّقيب جهينة الأنباء
وتبعتها وسألت منها قبلة ... فى خلوة من أعين الرقباء
فثنت علىّ قوامها بتعانق ... أحيا فؤادا مات بالبرحاء
ووجدتها لما ملكت عنانها ... عذراء مثل الدّرة العذراء
جاءت إلى كوردة محمرّة ... فتركتها كعرارة صفراء
وسلبتها ما احمرّ منها صفوه ... فجرى مذابا منجحّا لرجانى
(و) وتتحقق فى شخصية ابن سعيد كمؤرخ أنه كان أمينا فيما ينقل من سابقيه، وهى صفة أساسية فى المؤرخ الثقة، فلم يكن ينقل عن المصادر التى بين يديه ثم يخفى منقولاته كأنه كلامه الخاص؛ بل كان ينصف من نقل عنهم فيذكر أسماءهم، ويسجل نصوصهم بعباراتهم دون تدخل منه فى أسلوبها، فكان لمؤلفاته- وخاصة المغرب- قيمة تاريخية عظيمة لما احتوت من نصوص فقدت مصادرها وجهل أصحابها. وبلغ من أمانته انه إذا نقل نصا من كراريس لم يعرف مؤلفها أو نسى صاحبها قال: «ووقعت على كراريس فى تاريخ مصر» ، وبهذا لم تخل صفحة من المغرب لم يذكر فيها العلماء الذين أخذ عنهم أو الكتب التى نقل منها.
(ز) ولما كان ابن سعيد قد عاصر من ترجم لهم واختار النماذج من نصوصهم شعرية أو نثرية، فقد كان لروايته الشفوية قيمة فى توثيق الأخبار والنصوص.
والرواية الشفوية مصدر قيم من مصادر الكتابة التاريخية فى علم التاريخ الاسلامى، كما فعل فى روايته عن المؤرخ المصرى ابن عبد العظيم معاصره وصاحب تاريخ مصر «١» ، وكان أحيانا يروى بصيغة البناء للمجهول فقول: أخبرت- بضم الهمزة- أو ذكر لى «٢» .
стр. 33
وكان والده ممن روى عنهم ابن سعيد، فيقول مثلا: قال والدى أو أخبرنى أبو عمران بن سعيد «١» وهو اسم والده أو كنيته، كما كان ينقل نصا قائلا إنه «من تقييد سلفه» «٢» ، والسلف هنا هم أبوه ومن سبقه فى تأليف المغرب من أسرته.
وكان يلجأ أحيانا إلى سؤال أناس عاصروا من يريد أن يترجم لهم، فيأخذ الأخبار منهم، كما فعل مع الشاعر المصرى ابن العصار من شعراء الدولة الأيوبية، إذا أخذ أخباره عن الشاعر المصرى أبى الحسين الجزار وجماعة من فضلاء مصر كانوا فى صحبته «٣» فيقول ابن سعيد: «وقد أثبت فى هذا المكان ما اخترته من ذلك، وما استفدت بعده من ألسن أصحابه الذين سمعوا منه. «٤»
وإذا لم يكن النص الذى يستدل به ابن سعيد مسعفا له فى استظهاره لنتيجة ما، فإنه كان يلجأ إلى الاستنتاج معتمدا على قرينة لديه، كما فعل فى ترجمته لأبى الفتح بن البيتى، إذا لم يجد أن القرطبى قد حدد عصره فقال ابن سعيد «ودلت قرينة الكلام أنه من شعراء الفسطاط. فى المائة الرابعة» «٥» فإذا لم يجد القرينة فإنه يغلب الظن كما فعل فى ترجمته لعلي بن يونس المنجم المصرى حين قال عنه: «يغلب على ظنى أنه من شعراء المائة الرابعة» «٦» وقد بلغ من أمانة ابن سعيد فى روايته الشفوية أنه كان يروى النكتة اللاذعة حتى لومست أحد أقاربه كما فى نكتة ابن قادم القرطبى مع عمه «٧»
стр. 34
٣- التحقيق:
(١) نبذة تاريخية:
فى نوفمبر من عام ١٩٤٧ أرسل العالم المحقق المرحوم الأستاذ محمد بن تاويت الطنجى رسالة «١» إلى المرحوم الأستاذ الدكتور عبد العزيز الأهواني نقل له فيها جزءا من مقدمة مخطوطة مكتبة سوهاج لكتاب «المقتطف من أزاهر الطرف» وهى التى وضح فيها ابن سعيد منهجه فى تأليف كتابه، وذلك بناء على طلب من الدكتور الأهوانى الذى كان فى مهمة علمية بأسبانيا فى ذلك الوقف، وعثر أثناءها على أوراق مخطوطة مجهولة «٢» المؤلف كان دورنبرج فى فهرسته لمخطوطات الاسكوريال «٣» قد وضعها تحت عنوان «الخمائل» برقم [٢- ٤٥٥] إذا كانت الصفحات الأولى من المخطوطة مفقودة، فجعله يعتقد أن المخطوطة بهذه التسمية لأن مؤلفها قد قسمها إلى «خمائل» كل خميلة منها تحتوى على مجموعة من المقطوعات الشعرية والفقرات النثرية منسوبة إلى أصحابها.
وقد استطاع الدكتور عبد العزيز الأهوانى أن يقطع بأن كتاب «الخمائل» هذا كما سماه دورنبرج هو كتاب «المقتطف من أزاهر الطرف» لابن سعيد الأندلسى حين قارن بين محتواه وبين إشارات ابن خلدون فى الفضل الأخير من مقدمته الخاص بالموشحات والأزجال «٤» كذلك وردت نصوص منه فى كتابى المقرى «نفح الطيب، وأزهار الرياض» . وبهذا تكون قد ظهرت نسخة أخرى من هذا الكتاب إلى جانب نسخة مكتبة سوهاج التى صورتها دار الكتب كما صورها معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية.
стр. 35
وفى عام ١٩٤٨ نشر الدكتور عبد العزيز الاهوانى مقالا باللغة الإسبانية فى مجلة الأندلس «١» بعنوان: «المقتطف من أزاهر الطرف- لابن سعيد» سجل فيه مجموعة من الملاحظات عن هذا الكتاب وعن موقف ابن خلدون فيه. كما أتبعه ببحث آخر بعنوان «ابن خلدون والأدب» نشره بمناسبة مهرجان ابن خلدون عام ١٩٦٢ «٢» ، يتضمن ما سبق أن أشار إليه فى مبحثه الأول مع إضافات إليه. وكان أهم الملاحظات التى سجلها الدكتور عبد العزيز الأهوانى هى:
١- أنه كان بين يدى ابن خلدون وهو يكتب فصله عن الموشحات والأزجال فى مقدمته كتاب ابن سعيد «المقتطف من أزاهر الطرف» ينقل عنه نقلا حرفيا دون تصرف أو تغيير.
٢- أن المقارنة بين نصى ابن خلدون وابن سعيد تدل على أن ابن خلدون قد أسقط الحجارى الذى استقى منه ابن سعيد أخباره، تلك الأخبار التى أوردها الحجارى فى كتابه «المسهب فى غرائب المغرب» كما تدل على أن ابن خلدون قد أسقط اسم ابن سعيد من أول الفصل ولم يشر إلى كتابه «المقتطف» الذى نقل عنه، وأنه وإن ذكر ابن سعيد بعد ذلك عدة مرات، فإن ذكره له هنالك يوهم القارئ أن ابن خلدون ينقل عن ابن سعيد أخبارا وينقل عن غيره ما سبق تلك الأخبار، على حين ان الكلام كله من المقتطف، سواء فى ذلك ما جاء فى نص ابن خلدون بعد قوله قال ابن سعيد» أو ما جاء قبل هذه العبارة.
٣- أن فى نص ابن خلدون بعض سطور تزيد على ما بين أيدينا من نسخة المقتطف، ولكن مراجعة هذه الزيادات اليسيرة يقطع بأن بعضها كان فى أصل المقتطف وسقط. من ناسخ المخطوط لأن ابن خلدون نفسه فى أحد هذه الزيادات قد أشار إلى ابن سعيد، أما البعض الآخر من هذه الزيادات فيرجح
стр. 36
الدكتور الأهوانى أنه أيضا كان فى الكتاب ثم سقط من النسخة التى وصلت إلينا لأنه يتفق مع سياق نص ابن سعيد.
٤- ويقول الدكتور الأهوانى أنه إذ ينشر الخميلة الثانية عشرة المشتملة على ملح الموشحات والأزجال فليس ذلك لأنه يريد تجريح ابن خلدون بقدر ما هو لإنصاف ابن سعيد، فقد أصبح من حقه على من ينقلون هذه الأخبار عن التواشيح والزجل بالأندلس من العلماء المحدثين أن يقولوا «قال ابن سعيد فى المقتطف» بدلا من قولهم «قال ابن خلدون فى المقدمة.» فضلا على ذلك أن نص المقتطف يصلح كثيرا من التحريفات والتصحيفات التى أصابت النص فى النسخ المطبوعة ٥- وأخيرا يعيد الدكتور عبد العزيز الأهوانى تقويمه للفصل الذى وضعه ابن خلدون تحت عنوان «أشعار العرب وأهل الأمصار لهذا العهد» فيقول إن هذا الفصل سيظل ذا قيمة تضطر الباحثين للرجوع إليه والاعتماد عليه، لأنه تعرض فيه لفنون الشعر العامى فى عصره هو، أى فى القرن الثامن الهجرى، وتوسع فيما نقل من نصوص عن المغرب، وسيظل له مع ذلك الإطار العقلى الذى وضع فيه ابن خلدون الفصل كله شاهدا على امتيازه وتفوقه وحسن إدراكه «١» .
ولم تكن المخطوطة بعيدة عن أيدى الباحثين والمحققين وخاصة من المهتمين بالأدب الأندلسى، فقد عاد إليها الدكتور احسان عباس مثلا فى تحقيقه لكتاب «نفح الطيب» للمقرى «٢» كما عاد إليها حين ألف كتابه «تاريخ النقد الأدبى عند العرب- نقد الشعر من القرن الثانى حتى القرن الثامن الهجرى» «٣» فى الفصل الخاص بمفهوم المرقص والمطرب من الشعر عند ابن سعيد كمفهوم من المفهومات النقدية التى يؤسس عليها ابن سعيد نظريته النقدية للشعر «٤»
стр. 37
وإذا كان كتاب ابن سعيد له مثل هذه الأهمية عند علمائنا القدماء وباحثينا المحدثين. فقد كان من الواجب علينا أن يظهر للنور محققا ومطبوعا كى يفيد به من يهتم بالأدب العربى متخصصا كان أو مثقفا «١» .
(ب) منهج التحقيق:
وصلت إلينا مخطوطتان لكتاب «المقتطف من أزاهر الطرف» لابن سعيد الأندلسى، الأولى محفوظة فى مكتبة آل رفاعة بجرجا بمحافظة سوهاج بصعيد مصر، وقامت بتصويرها دار الكتب المصرية، وقيدتها تحت رقم «٩٧٩٧ أدب» وعنها أخذ معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية صورة وقيدها تحت رقم «٣٠٣ أدب» أما المخطوطة الأخرى فهى فى مكتبة الاسكوريال بإسبانيا مقيدة تحت رقم «٢/٤٥٥» «٢» .
ولا نعرف غير هاتين المخطوطتين من كتاب ابن سعيد.
وتلك أهم خصائص المخطوطتين:
١- مخطوطة سوهاج.
وقد رمزنا إليها فى التحقيق بالحرف «ا» وتقع فى ٨٤ لوحة، واللوحة تضم صفحتين متقابلتين، رمزنا إليهما بالحرفين «و» للصفحة اليمنى منها و «ظ» للصفحة اليسرى. ويبلغ عدد الأسطر فى كل صفحة واحدا وعشرين سطرا. وهى بخط مغربى قديم، ولكنه خط حسن وواضح إلا فى بعض الصفحات فى الخميلتين الحادية عشرة وما وصل إلينا من صفحات الخميلة الثانية عشرة. فمعظمها لا يقرأ إما لأن الأحبار فقدت ألوانها
стр. 38
أو لطمس وقع فى كثير من كلماتها وتآكل جوانب أوراقها. وكان السبب فى هذا أن المخطوطة قديمة، ووسائل حفظها بدائية، إذ لم تتوفر لها الوسائل العلمية لصيانتها.
والمخطوطة بعد ذلك تعود إلى عهد قريب من عصر ابن سعيد، بل إن المرحوم الأستاذ رشاد عبد المطلب الذى كان أحد القائمين على معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية قد كتب على غلاف المخطوطة أنه يرجح بأنها بخط ابن سعيد نفسه. ولا أدرى الأسباب التى جعلته يقول بهذا الترجيح إلا أن يكون قدم النسخة التى ربما كانت من القرن السابع الهجرى أى من عصر ابن سعيد نفسه.
والمخطوطة شبه كاملة، إذ تنقصها بعض أوراق من الخميلة الحادية عشرة الخاصة بفنى «كان وكان» «والمواليا» كما تنقصها الخميلة الثانية عشرة كلها تقريبا «١» الخاصة بالموشحات والأزجال، إذ انتهت عند مقطع موشح ابن حزمون:
أو هل يرى ... عن هواك سالى
قلبى العليل «٢»
كذلك عملت عوامل البلى والتآكل فى الصفحة الأولى منها قبل وقت تصوير دار الكتب المصرية ومعهد المخطوطات لها، فخفى النصف الأيمن من الصفحة الأولى من المقدمة.
وقد اعتمدت في معرفة هذا الجزء على ما نسخه من مقدمتها الدكتور عبد العزيز الأهوانى أثناء إقامته بإسبانيا إذ كانت المخطوطة فى ذلك الوقت فى حالة أفضل مما وصلت به إلينا الآن. وقد ألحقنا بتحقيقنا صورة لجزء من خطاب الأستاذ الطنجى، وفيه ما اختصر من هذه الصفحة، وقد وضعناه بين أقواس لنبين فضل خطاب الأستاذ الطنجى فى هذا التحقيق.
стр. 39
كذلك لاحظت أثناء التحقيق أن أوراق المخطوطة ليست مرتبة ترتيبا صحيحا، إذ تقدمت أوراق منها وتأخرت أوراق، مما يدل على أنها كانت مبعثرة وجمعت دون نظام، وربما كان ذلك هو السبب فى أنها فقدت صفحات الخميلتين الأخيرتين منها.
وقد استغرق إعادة ترتيب أوراقها جهدا مضنيا، ولهذا قمت بتسجيل أرقام اللوحات على جوانب صفحات التحقيق، ووضعت أسفل كل رقم منها الحرف الذى اخترته لتمييز الصفحة اليمنى وهو «و» وتمييز الصفحة اليسرى وهو «ظ» مثال ذلك: ٣/و، ٣/ظ وها هو إعادة لترتيب أوراق المخطوطة حسب الأرقام المسجلة فى أعلا صفحاتها:
٢ و ٣٢ و/ ٤٣ ظ- ٨١ و/ ٣٢ ظ- ٣٧ و/ ٨٣ ظ- ٨٤ و/ ٣٧ ظ/ ٣٨ و ٣٩ و/ ٨١ ظ/ ٨٢ و/ ٨٣ و/ ٣٩ ظ/ ٤٠ و ٤٣ و/ وتلك نهاية ما وصل إلينا من هذه المخطوطة.
وهذه المخطوطة أكمل من الأخرى لا من حيث عدد صفحاتها فحسب، بل من حيث طبيعة مادتها، لأن ناسخ مخطوطة الاسكوريال كان يعطى لنفسه الحق فى حذف بعض الشعراء ومقطوعاتهم، وإسقاط فقرات من كلام ابن سعيد عنهم أو اختصار ما أورد المؤلف من نصوص نثرية.
أما ما لم نجده فى مخطوطة سوهاج ووجدناه فى مخطوطة الاسكوريال فيرجع إلى ضياع أوراق من الأولى، ويتضح ذلك من تسجيلنا على جوانب الصفحات مصدر كل نص شعرى كان أو نثرى ووروده أو عدم وروده فى كل من المخطوطتين حين رمزنا لهما بالحرفين ا، ب.
هذا وقد وجدت صعوبة شديدة فى التعريف بأسماء الأعلام فى كلا المخطوطتين لأن ابن سعيد لم يكن يذكرهم بأسمائهم، وإنما يذكرهم بكناهم أو بألقابهم فحسب
стр. 40
نظرا لشهرتهم بها فى عصره «١» أما اليوم فهذه الكنى والألقاب تتشابه عند مجموعات كثيرة من الكتاب والشعراء والمؤرخين والفقهاء والعلماء مما يصعّب على المحقق معرفة الاسم الحقيقى إلا من قرينة كأن يكون النص المنسوب إليه قد ورد فى أحد المصادر سواء فى ديوان أو كتاب، كذلك لجأ ابن سعيد إلى اختصار شديد للاسم مما يخفى معالمه مثل ذكره «للوجيه المنوى» ويقصد به ضيا بن عبد الكريم وجيه الدين المناوى.
ولهذا السبب نفسه لم نستطع أن نعثر على تعريفات لأسماء بعض من ورد ذكرهم فى كتابه، أو لأن أسماءهم لم ترد فيما بين أيدينا من كتب الأعلام والتراجم، وقد أشرنا إلى ذلك فى هوامش الصفحات.
٢- مخطوطة الاسكوريال:
وقد رمزت إليها فى التحقيق بحرف «ب» وهى بخط مغربى قديم أيضا، ولكنه أحدث من خط مخطوطة سوهاج، وورقها حديث أيضا «٢» على عكس أوراق مخطوطة سوهاج لأنها تعود إلى عصر ابن سعيد نفسه أو بعده بقليل، ويبلغ عدد الأسطر فى الصفحة ١٩ سطرا، والمخطوطة مملوءة بالأخطاء وبالتصحيفات التى وقع فيها ناسخها، كما أن بعض الصفحات البيضاء «٣» فى وسطها قد استغلها مغربى أكثر حداثة من عصر المخطوطة وسجل فيها أسماء الشعراء الذين سقطت أسماؤهم وبعض نصوصهم وكأنه كان بين يديه مخطوطة كاملة فأخذ يقارن بين النسختين وكأنه كان يستكمل نسخة ثالثة له.
следующие страницы →