Полный текст (308 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الدكتور الأهوانى أنه أيضا كان فى الكتاب ثم سقط من النسخة التى وصلت إلينا لأنه يتفق مع سياق نص ابن سعيد.
٤- ويقول الدكتور الأهوانى أنه إذ ينشر الخميلة الثانية عشرة المشتملة على ملح الموشحات والأزجال فليس ذلك لأنه يريد تجريح ابن خلدون بقدر ما هو لإنصاف ابن سعيد، فقد أصبح من حقه على من ينقلون هذه الأخبار عن التواشيح والزجل بالأندلس من العلماء المحدثين أن يقولوا «قال ابن سعيد فى المقتطف» بدلا من قولهم «قال ابن خلدون فى المقدمة.» فضلا على ذلك أن نص المقتطف يصلح كثيرا من التحريفات والتصحيفات التى أصابت النص فى النسخ المطبوعة ٥- وأخيرا يعيد الدكتور عبد العزيز الأهوانى تقويمه للفصل الذى وضعه ابن خلدون تحت عنوان «أشعار العرب وأهل الأمصار لهذا العهد» فيقول إن هذا الفصل سيظل ذا قيمة تضطر الباحثين للرجوع إليه والاعتماد عليه، لأنه تعرض فيه لفنون الشعر العامى فى عصره هو، أى فى القرن الثامن الهجرى، وتوسع فيما نقل من نصوص عن المغرب، وسيظل له مع ذلك الإطار العقلى الذى وضع فيه ابن خلدون الفصل كله شاهدا على امتيازه وتفوقه وحسن إدراكه «١» .
ولم تكن المخطوطة بعيدة عن أيدى الباحثين والمحققين وخاصة من المهتمين بالأدب الأندلسى، فقد عاد إليها الدكتور احسان عباس مثلا فى تحقيقه لكتاب «نفح الطيب» للمقرى «٢» كما عاد إليها حين ألف كتابه «تاريخ النقد الأدبى عند العرب- نقد الشعر من القرن الثانى حتى القرن الثامن الهجرى» «٣» فى الفصل الخاص بمفهوم المرقص والمطرب من الشعر عند ابن سعيد كمفهوم من المفهومات النقدية التى يؤسس عليها ابن سعيد نظريته النقدية للشعر «٤»
стр. 37
وإذا كان كتاب ابن سعيد له مثل هذه الأهمية عند علمائنا القدماء وباحثينا المحدثين. فقد كان من الواجب علينا أن يظهر للنور محققا ومطبوعا كى يفيد به من يهتم بالأدب العربى متخصصا كان أو مثقفا «١» .
(ب) منهج التحقيق:
وصلت إلينا مخطوطتان لكتاب «المقتطف من أزاهر الطرف» لابن سعيد الأندلسى، الأولى محفوظة فى مكتبة آل رفاعة بجرجا بمحافظة سوهاج بصعيد مصر، وقامت بتصويرها دار الكتب المصرية، وقيدتها تحت رقم «٩٧٩٧ أدب» وعنها أخذ معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية صورة وقيدها تحت رقم «٣٠٣ أدب» أما المخطوطة الأخرى فهى فى مكتبة الاسكوريال بإسبانيا مقيدة تحت رقم «٢/٤٥٥» «٢» .
ولا نعرف غير هاتين المخطوطتين من كتاب ابن سعيد.
وتلك أهم خصائص المخطوطتين:
١- مخطوطة سوهاج.
وقد رمزنا إليها فى التحقيق بالحرف «ا» وتقع فى ٨٤ لوحة، واللوحة تضم صفحتين متقابلتين، رمزنا إليهما بالحرفين «و» للصفحة اليمنى منها و «ظ» للصفحة اليسرى. ويبلغ عدد الأسطر فى كل صفحة واحدا وعشرين سطرا. وهى بخط مغربى قديم، ولكنه خط حسن وواضح إلا فى بعض الصفحات فى الخميلتين الحادية عشرة وما وصل إلينا من صفحات الخميلة الثانية عشرة. فمعظمها لا يقرأ إما لأن الأحبار فقدت ألوانها
стр. 38
أو لطمس وقع فى كثير من كلماتها وتآكل جوانب أوراقها. وكان السبب فى هذا أن المخطوطة قديمة، ووسائل حفظها بدائية، إذ لم تتوفر لها الوسائل العلمية لصيانتها.
والمخطوطة بعد ذلك تعود إلى عهد قريب من عصر ابن سعيد، بل إن المرحوم الأستاذ رشاد عبد المطلب الذى كان أحد القائمين على معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية قد كتب على غلاف المخطوطة أنه يرجح بأنها بخط ابن سعيد نفسه. ولا أدرى الأسباب التى جعلته يقول بهذا الترجيح إلا أن يكون قدم النسخة التى ربما كانت من القرن السابع الهجرى أى من عصر ابن سعيد نفسه.
والمخطوطة شبه كاملة، إذ تنقصها بعض أوراق من الخميلة الحادية عشرة الخاصة بفنى «كان وكان» «والمواليا» كما تنقصها الخميلة الثانية عشرة كلها تقريبا «١» الخاصة بالموشحات والأزجال، إذ انتهت عند مقطع موشح ابن حزمون:
أو هل يرى ... عن هواك سالى
قلبى العليل «٢»
كذلك عملت عوامل البلى والتآكل فى الصفحة الأولى منها قبل وقت تصوير دار الكتب المصرية ومعهد المخطوطات لها، فخفى النصف الأيمن من الصفحة الأولى من المقدمة.
وقد اعتمدت في معرفة هذا الجزء على ما نسخه من مقدمتها الدكتور عبد العزيز الأهوانى أثناء إقامته بإسبانيا إذ كانت المخطوطة فى ذلك الوقت فى حالة أفضل مما وصلت به إلينا الآن. وقد ألحقنا بتحقيقنا صورة لجزء من خطاب الأستاذ الطنجى، وفيه ما اختصر من هذه الصفحة، وقد وضعناه بين أقواس لنبين فضل خطاب الأستاذ الطنجى فى هذا التحقيق.
стр. 39
كذلك لاحظت أثناء التحقيق أن أوراق المخطوطة ليست مرتبة ترتيبا صحيحا، إذ تقدمت أوراق منها وتأخرت أوراق، مما يدل على أنها كانت مبعثرة وجمعت دون نظام، وربما كان ذلك هو السبب فى أنها فقدت صفحات الخميلتين الأخيرتين منها.
وقد استغرق إعادة ترتيب أوراقها جهدا مضنيا، ولهذا قمت بتسجيل أرقام اللوحات على جوانب صفحات التحقيق، ووضعت أسفل كل رقم منها الحرف الذى اخترته لتمييز الصفحة اليمنى وهو «و» وتمييز الصفحة اليسرى وهو «ظ» مثال ذلك: ٣/و، ٣/ظ وها هو إعادة لترتيب أوراق المخطوطة حسب الأرقام المسجلة فى أعلا صفحاتها:
٢ و ٣٢ و/ ٤٣ ظ- ٨١ و/ ٣٢ ظ- ٣٧ و/ ٨٣ ظ- ٨٤ و/ ٣٧ ظ/ ٣٨ و ٣٩ و/ ٨١ ظ/ ٨٢ و/ ٨٣ و/ ٣٩ ظ/ ٤٠ و ٤٣ و/ وتلك نهاية ما وصل إلينا من هذه المخطوطة.
وهذه المخطوطة أكمل من الأخرى لا من حيث عدد صفحاتها فحسب، بل من حيث طبيعة مادتها، لأن ناسخ مخطوطة الاسكوريال كان يعطى لنفسه الحق فى حذف بعض الشعراء ومقطوعاتهم، وإسقاط فقرات من كلام ابن سعيد عنهم أو اختصار ما أورد المؤلف من نصوص نثرية.
أما ما لم نجده فى مخطوطة سوهاج ووجدناه فى مخطوطة الاسكوريال فيرجع إلى ضياع أوراق من الأولى، ويتضح ذلك من تسجيلنا على جوانب الصفحات مصدر كل نص شعرى كان أو نثرى ووروده أو عدم وروده فى كل من المخطوطتين حين رمزنا لهما بالحرفين ا، ب.
هذا وقد وجدت صعوبة شديدة فى التعريف بأسماء الأعلام فى كلا المخطوطتين لأن ابن سعيد لم يكن يذكرهم بأسمائهم، وإنما يذكرهم بكناهم أو بألقابهم فحسب
стр. 40
نظرا لشهرتهم بها فى عصره «١» أما اليوم فهذه الكنى والألقاب تتشابه عند مجموعات كثيرة من الكتاب والشعراء والمؤرخين والفقهاء والعلماء مما يصعّب على المحقق معرفة الاسم الحقيقى إلا من قرينة كأن يكون النص المنسوب إليه قد ورد فى أحد المصادر سواء فى ديوان أو كتاب، كذلك لجأ ابن سعيد إلى اختصار شديد للاسم مما يخفى معالمه مثل ذكره «للوجيه المنوى» ويقصد به ضيا بن عبد الكريم وجيه الدين المناوى.
ولهذا السبب نفسه لم نستطع أن نعثر على تعريفات لأسماء بعض من ورد ذكرهم فى كتابه، أو لأن أسماءهم لم ترد فيما بين أيدينا من كتب الأعلام والتراجم، وقد أشرنا إلى ذلك فى هوامش الصفحات.
٢- مخطوطة الاسكوريال:
وقد رمزت إليها فى التحقيق بحرف «ب» وهى بخط مغربى قديم أيضا، ولكنه أحدث من خط مخطوطة سوهاج، وورقها حديث أيضا «٢» على عكس أوراق مخطوطة سوهاج لأنها تعود إلى عصر ابن سعيد نفسه أو بعده بقليل، ويبلغ عدد الأسطر فى الصفحة ١٩ سطرا، والمخطوطة مملوءة بالأخطاء وبالتصحيفات التى وقع فيها ناسخها، كما أن بعض الصفحات البيضاء «٣» فى وسطها قد استغلها مغربى أكثر حداثة من عصر المخطوطة وسجل فيها أسماء الشعراء الذين سقطت أسماؤهم وبعض نصوصهم وكأنه كان بين يديه مخطوطة كاملة فأخذ يقارن بين النسختين وكأنه كان يستكمل نسخة ثالثة له.
стр. 41
وواضح من تصفح مخطوطة الاسكوريال ومن مقارنتها بمخطوطة سوهاج أنه كان بين يدى ناسخها المخطوطة الكاملة، وأنه أراد أن ينسخ لنفسه نسخة مختصرة، مما دفعه إلى أن يحذف كثيرا من تعليقات ابن سعيد، وأن يورد النصوص فى بعض الأحيان بعد أن يحذف اسم صاحبها، كما جعله يتصرف تصرفا مشينا بالنص، فيحذف جملا من وسط المقطوعات الشعرية التى حدد ابن سعيد فى عنوان الخميلة عدد أبياتها مما جعل عدد الأبيات لايتفق مع ما هو منصوص عليه فى عنوان الخميلة «١» .
ويظهر أن الناسخ لم يكن مهتما بفنى «المواليا» و «كان وكان» فحذف قسما كبيرا مما جاء فى المخطوطة الأصلية التى ينقل عنها «٢» وتبدأ لوحات المخطوطة برقم «١٠٨» وتنتهى برقم «١٥٥» بترقيم الاسكوريال أى أنها تقع فى ٤٧ لوحة، وكل لوحة صفحتان، ويرجع سبب بدايتها برقم «١٠٨» أن اللوحات السابقة على هذا الرقم هى مخطوطة كتاب «السحر والشعر» للسان الدين بن الخطيب «٣» » .
وقد فقدت المخطوطة الثلث الأول منها، إذ تبدأ من الطبقة الثالثة المشتملة على الحكايات القصيرة «٤» والغريب أن ترتيب الخمائل فيها يختلف عن ترتيب الخمائل فى مخطوطة سوهاج على الرغم من أن المقدمة التى قدم بها ابن سعيد لكتابه تشتمل على منهجه فى التأليف وعلى ترتيب لخمائله وهذا الترتيب متفق مع نظام مخطوطة سوهاج، وغير متفق مع مخطوطة الاسكوريال. وهذا يدل على أن ناسخ هذه المخطوطة لم يكن بين يديه مقدمة الأصل كى يرتب الخمائل ترتيبا صحيحا، أو أن عوامل أخرى طرأت على المخطوطة بعد نسخها أدت إلى هذا الخلل فى ترتيب خمائلها وضياع الثلث الأول منها.
стр. 42
وهذا هو ترتيب خمائل مخطوطة الاسكوريال مقارنا بترتيب خمائل مخطوطة سوهاج «١» .
مخطوطة سوهاج «ا» مخطوطة الأسكوريال «ب» المقدمة غير موجودة ١- الخميلة الأولى « «٢- «الثانية « «٣- «الثالثة « «٤- «الرابعة هى الخميلة السابعة ٥- «الخامسة « «الثانية ٦- «السادسة « «التاسعة ٧- «السابعة « «الرابعة وينقص منها الطبقتان الأولى والثانية ٨- «الثامنة هى الخميلة الخامسة ٩- «التاسعة « «السادسة ١٠- «العاشرة « «العاشرة ١١- «الحادية عشرة « «الحادية عشرة ١٢- «الثانية عشرة « «الثانية عشرة ومن هذه المقارنة يتضح الآنى ١- أن المقدمة فى مخطوطة سوهاج قد سقطت من مخطوطة الاسكوريال.
٢- أن الخمائل الأول الثلاث من مخطوطة سوهاج قد سقطت من مخطوطة الاسكوريال، غير أن الخميلة الثانية لم تكن فى موضعها الصحيح، لأننا نجدها منسوبة إلى الخميلة الخامسة فى مخطوطة سوهاج
стр. 43
٣- أن الخمائل الناقصة فى مخطوطة الاسكوريال كانت تحمل أرقام ١، ٣، ٨، وإن كان من غير المعروف أى منها كان يحمل واحدا من هذه الأرقام الثلاثة.
٤- أن الخمائل الثلاثة الأخيرة [من الخميلة العاشرة إلى الخميلة الثانية عشرة] قد احتفظت فى مخطوطة الاسكوريال بأرقامها الصحيحة وبترتيبها الصحيح أيضا ٥- إن نقص الطبقتين الأوليين من الخميلة الرابعة يجعلها فى موضعها الصحيح بالنسبة لمخطوطة الاسكوريال ولكن ليس بالنسبة لمخطوطة سوهاج التى نصور الترتيب الصحيح الذى وضعه ابن سعيد لمؤلفه.
لهذا كله اتخذت مخطوطة سوهاج أصلا، وقابلتها بمخطوطة الاسكوريال.
٤- الدراسة:
- ١- يحمل كتاب ابن سعيد من حيث شكله أو إخراجه العام سمات عقليته المنظمة، المحبة للترتيب والتبويب، القادرة عليهما بإرادة الفنان الواعى، والأديب المتمكن.
لقد ألزم نفسه فى مقدمته بنظام لم يخرج عليه فى تأليف كتابه وهو نظام يتضح فى أهم كتبه وهو كتاب «المغرب» الذى وإن لم يكن صاحبه الأول «١» .
فقد كان من أعطاه طابعه الأخير، بل إن اهتمامه بمقدمات كتبه، وتضمينها خطته فى التأليف والهدف منها، يدل دلالة واضحة على هذه العقلية المنظمة، كما يدل أيضا على تلك النفسية المطمئنة التى تنصرف بكليتها إلى العمل الذى بين يديها دون تأثر بالأحداث التى تقع خارجها. فقد كانت الأحداث المحزنة تترى على
стр. 44
العالم الإسلامى فى مغربه ومشرقه من سقوط لمدن الأندلس فى أيدى المسيحيين واحدة بعد الأخرى، ومن اضطرابات سياسية فى شمالى افريقيا، ومن تصارع فى الشام بين الصليبيين والمسلمين، ومن اجتياح المغول لأقصى الشرق الإسلامى حتى وصلوا بغداد عام ٦٥٦ هـ ودمروا فيها كل مظاهر الحكم والحضارة، كل هذا حدث خلال حياة ابن سعيد.
وربما كان والده موسى هو الذى درّبه على هذا العمل المنظم، ولكن الذى لاشك فيه أنه لولا استعداد الابن الفطرى لهذا ما كان الوالد قد نجح فيما أراد لابنه.
كان ابن سعيد مؤرخا جوّالا، فكان يرى من الأحداث ما يقع، ويسمع من مشاهدى. عصره ما ينزل بالمسلمين من خطوب، وكان من الممكن أن يظهر تأثير كل ذلك فيما يكتب، ولكننا نلحظ عكس ذلك تماما فى مؤلفاته، إذ نراه معجبا فحسب بقصيدة قالها الشاعر المصرى ابن مطروح مثلا فى مديح الملك الأيوبى حين ينزل الهزيمة بالملك لويس الناسع وبحملته على دمياط، ولكننا لا نجده يشارك فى تصوير فرحته بهذا النصر وهو الشاعر المسلم، أو على الأقل تصوير ألمه لما يقع للمسلمين من هزائم فى كل مكان. قد يكون ديوانه المفقود فيه شىء من هذا ونحن لا نعلمه، ولكن الذى ألاحظه أن ما وصل إلينا من شعره فى بطون الكتب وهو ليس بقليل يجعلنا نحس بأن الرجل يقف موقف المتفرج أكثر منه من موقف المشارك من كل هذه الأحداث. أما شعره فهو إما حنين لوطنه الأول فى غرناطة أو تصوير لمتعته واستمتاعه بمظاهر الترف والحضارة فى مدن العالم الاسلامى التى تجول فيها، كما فعل وهو فى تونس أو فى مصر أو فى الشام «١» ، وقد تكون بعض قصائد المديح التى ينشرها فى ملوك العصر لا تخرج عن الهدف المصلحى منها وهى أن يكرمه هؤلاء الملوك وأن يجزلوا له فى العطاء.
ويظهر أن صديقه ابن العديم كان يعرف فيه ذلك، إذ حينما دعاه معه إلى حلب
стр. 45
ليقدمه إلى صاحبها الملك الناصر، وأنشد ابن سعيد الملك قصيدته التى مطلعها «١»
جد لى بما ألقى الخيال من الكرى ... لا بد للضّيف المسلمّ من القرى
قال ابن العديم: هذا رجل عارف، ورّى بمقصوده من أول كلمة، ويؤكد المعنى الذى قصده ابن العديم عن هذه الشخصية ما جاء فى بقية الخبر حين قال الملك له مداعبا: «إن شعراءنا ملقبون بأسماء الطيور. وقد اخترت لك لقبا يليق بحسن صوتك وإيرادك للشعر، فإن كنت ترضى به، وإلا لم نعلم به أحدا غيرنا، وهو البلبل. فقال [ابن سعيد] : قد رضى المملوك ياخوند، فتبسم السلطان: وقال له أيضا يداعبه! اختر واحدة من ثلاث: إما الضيافة التى ذكرتها أول شعرك، وإما جائزة القصيدة، وإما حق الإسم. فقال [إبن سعيد] ؛ ياخوند، المملوك مما لا يختنق بعشر لقم لأنه مغربى، فكيف بثلاث؟! فطرب السلطان وقال: هذا مغربى ظريف، ثم أتبعه من الدنانير والخلع الملوكية والتواقيع بالأرزاق مالا يوصف» «٢» .
وإذا كان ابن سعيد قد عاش حياته بين متعته وعلمه فقد أراد ذلك أيضا حين قرر أن لا يتزوج حتى يفرغ تماما لهما. يقول «٣» .
أنا شاعر أهوى التخلّى دون ما ... زوج لكيما تخلص الأفكار
لو كنت ذا زوج لكنت منغّصا ... فى كل حين رزقها أمتار
دعنى أرح طول التغرّب خاطرى ... حتى أعود ويستقرّ قرار
كم قائل لى ضاع شرخ شبابه ... ما ضيّعته بطالة وعقار
إذ لم أزل فى العلم أجهد دائما ... حتى تأتّت هذه الأبكار
مهما أرم من دون زوج لم أكن ... كلّا ورزقى دائما مدرار
стр. 46
وإذا خرجت لفرجة هنّيتها ... لا صنعة ضاعت ولا تذكار
وهكذا تفرغ ابن سعيد لميدان بحثه بعد أن ضمن أرزاقه، واطمأن إلى كافليها.
- ٢- ترجع أهمية كتاب ابن سعيد «المقتطف من أزاهر الطرف» إلى ما يأتى:
١- ان كثيرا من مختاراته لشعراء لم تصل إلينا دواوينهم، بل إن بعضهم لا تعرف عنهم إلا أسماءهم.
٢- انه اهتم فى كتابه باختيارات لشعراء عاصروه أو سبقوه بقليل، وخاصة من شعراء مصر والشام وشمالى أفريقيا فى الفترة الواقعة من القرن الرابع حتى القرن السابع الهجرى، وهى فترة ازدحمت بالشعراء، وكثر فيها الشعر كثرة مفرطة كما شاعت فى الشعر أساليب واتجاهات فنية تختلف عما كان عليه هذا الفن قبل القرن الرابع الهجرى، فالكتاب مادة خصبة للباحثين فى أدب هذه الفترة.
٣- إهتم ابن سعيد بذكر بعض أسماء الكتب التى أخذ منها مثل كتاب «الكمائم» للبيهقى، ومثل كتاب ابن سعيد نفسه «حلى الرسائل» مما يلقى الضوء على طبيعة هذه الكتب وما احتوت عليه من مادة أدبية.
٤- اهتم ابن سعيد اهتماما ملحوظا بالفنون الشعرية غير التقليدية، كما فعل فى الخميلة العاشرة التى اشتملت على الدوبيتيات والمربعات والمخمسات.
٥- إهتم ابن سعيد بالفنون التى اتسمت بالشعبية مثل الموشحات فى الخميلة الثانية عشرة، وبالفنون الشعبية العامية اللغة مثل فنى «المواليا» «وكان وكان» فى الخميلة الحادية عشرة، وفن الزجل فى الخميلة الثانية عشرة. وقد أورد ابن سعيد نصوصا من هذه الفنون لم ترد فى المراجع التى بين أيدينا، والمعروف عنها اهتمامها بمثل هذه النصوص، مثل كتاب «العاطل الحالى» لصفى الدين الحلى، فهى مادة جديدة إذن للباحثين فى هذا المجال.
стр. 47
وقد ظهرت بعض العيوب فى مؤلف ابن سعيد، منها أنه كان يحذف بعض الأبيات من المقطوعة سواء من أولها أو من وسطها أو من آخرها كى يصبح عدد أبياتها متفقا مع العنوان الذى وضعه لخميلته، كأن يكون العنوان خاصا بالأبيات المسدسة أو المسبعة أو المثمنة مثلا، مما أضرّ بالنص إضرارا فنيا. كذلك حذف بعض الجمل من الفقرات التى اختارها من الخطب والرسائل كى يتفق النص مع عدد الأسطر الذى قرره فى عنوان الخميلة مما أفقده الخاصة الأسلوبية لصاحبه، بل وأخرج النص عن صورته الحقيقية.
كذلك ظهر فى مؤلف ابن سعيد عيوب أخرى ليس له علاقة بها، إذ كان المتسبب فيها الزمن نفسه، فإن قدم مخطوطة سوهاج التى اعتمدناها أصلا قد بهتت الأحبار فى عدد ليس بالقليل من صفحاتها، كما طمست كلمات كثيرة فى بعض سطورها. وكانت الخمائل الثلاث الأخيرة الأوفى نصيبا بذلك، مما جعلنا لا نستطيع قراءة بعض الكلمات أو السطور منها «١» ، ولم تنفع مقارنة هذه الصفحات بمثيلاتها فى مخطوطة الاسكوريال، لأن ناسخ هذه المخطوطة أسقط منها من بين ما أسقط معظم نصوص «المواليا» «وكان وكان» من نسخته إما اختصارا أو عدم اهتمام منه بهذين اللونين من الفن.
كذلك لم نجد فى مقدمة ابن خلدون انه اهتم بهذين اللونين أيضا وكان اهتمامه فحسب بفنى الموشحات والأزجال، وكذلك فعل المقرى «٢» .
- ٣- حين يقرأ الدارس رسالتين أولاهما لأبى الوليد بن محمد الشقندى والأخرى لأبى محمد بن حزم الظاهرى فى تفضيل علم الأندلس وأدبه ورجالهما على علم المشرق وأدبه ورجالهما «٣» يدرك المدى الذى وصل إليه موقف الحضارة الأندلسية
стр. 48
الدفاعى عن نفسها تجاه حضارة المشرق الأم، وهو موقف من يحس بفضل حضارة أخرى عليه، ولكنه يريد أن يثبت أنه وإن كان مصدر حضارته من غيره، فإنه قد تفوق فيما أخذ وتميز فيما أبدع، وأصبح بعد ذلك صاحب شخصية مستقلة يمكن أن تطاول من كان السبب فى وجودها.
وهذا الموقف الدفاعى هو الذى جعل ابن دحية يؤلف كتابه «المطرب من أشعار أهل المغرب، للملك الكامل الأيوبى، ليعرف المشارقة بالشعر الأندلسى والمغربى «١» فجمع فى كتابه صورا مما «يهتز عند سماعه ويطرب، فى الغزل والنسيب، والوصف والتشبيب، إلى غير ذلك من مستطرفات التشبيهات المستعذبة ومبتكرات بدائع بدائه الخواطر المستغربة «٢» ، ولمح سير ملوك المغرب وملح أخبار أدبائه، ورقيق معانى كتّابه، وجزل ألفاظ خطبائه» «٣» وقد أخذ يذكر الأمثلة من الشعر التى تفوق فيها شعراء الأندلس، فيأتى مثلا بأبيات للحكم الغزالى ويقول: «هذا الشعر لوروى لعمر بن أبى ربيعة أو لبشار بن برد أو للعباس بن الأحنف ومن سلك هذا المسلك من الشعراء المحسنين لا ستغرب له، وإنما أوجب أن يكون ذكره منسيا أن كان أندلسيا، وإلا فماله أخمل، وما حق مثله أن يهمل» «٤» وإذا كان ابن دحية قد أطلق لفظ «المطرب» على لون من الشعر استأثر بإعجابه، فإننا نجد ابن سعيد يتسع فى هذه المصطلحات التى تقف عند طبيعة «الصورة الفنية» ويقسمها حسب ما تثيره فى النفس من إعجاب إلى خمسة أقسام:
المرقص، ثم يليها المطرب، فالمقبول فالمسموع، وأخيرا المتروك. يقول فى كتابه
стр. 49
«عنوان المرقصات والمطربات» «١» : فالمرقص ما كان مخترعا أو مولدا يكاد يلحق بطبقة الاختراع مما يوجد فيه من السر الذى يمكن أزمة القلوب من يديه، ويلقى منها محبة عليه وذلك راجع إلى الذوق والحس، مغن بالإشارة عن العبارة.
والمطرب ما نقص فيه الغوص عن درجة الاختراع إلا أن فيه مسحة من الابتداع ...
والمقبول ما كان عليه طلاوة مما لا يكون فيه غوص على تشبيه وتمثيل وما أشبه ذلك ...
والمسموع ما عليه أكثر الشعراء مما به القافية والوزن دون أن يمجّه الطبع ويستثقله السمع ... والمتروك ما كان كلا على السمع والطبع ... «٢»
وقد طبق ابن سعيد تقسيماته الخمسة على النثر أيضا، وإن لم يتخذ «الصورة الفنية» فيه أساسا لهذا التقسيم، ولكنه اتخذ الأسلوب وأنواعه فاصلا بين كل مصطلح وآخر يقول: «والنثر فى كلامهم يطلق على ما هو مقيد بالسجع وما هو غير مقيد، وجميع نثر القدماء داخل فى طبقة المقبول «٣» وما تحتها ... ولا نورد هنا إلا ما كان مقيدا بالسجع المسهل للحفظ مما هو داخل فى طبقتى المرقص والمطرب جريا على ما اعتمدنا عليه فى النظم» «٤» ويظهر أن ابن سعيد لم يكتف بهذه التقسيمات إذ نراه فى كتابه «المقتطف» «٥» يورد اصطلاحا آخر، وهو «الهزّاز من المرقص» وكأنه درجة أعلا من المرقص وأفضل، وكلها تقسيمات تعتمد على ذوق ابن سعيد الخاص، وعلى اهتمام شعراء عصره ونقادهم بقيمة «الغوص على التشبيه والتمثيل» وأن الأبيات التى تخلو منهما تقل قيمتها عند أدباء هذا العصر مهما كانت قيمتها عند السابقين عليهم. يقول د. إحسان عباس «وفى استعمال هذه المصطلحات الخمسة نظر
стр. 50
ابن سعيد إلى الشعر من ناحية «التأثير» وحسب، أى نظر إلى فعل الشعر فى نفس المتلقى وإلى رد الفعل لديه حين يتلقى الشعر ... وذلك انحياز إلى جانب المتعة فى الشعر» «١» وقد كان هذا هو منهج ابن سعيد فى اختياراته فى كتابه «المقتطف» .
стр. 51
(المقتطف من أزاهر الطرف لابن سعيد الأندلسى)
стр. 52
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
، صلى الله على سيدنا محمد.
[قال على بن] «١» موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد أما بعد حمدا لله الذى [جعل أزاهر الأدب] غضّة على مر الليالى والأيام [والصلاة على] سيدنا محمد نبيّه الذى فضله على جميع [أنبيائه وأتاه] جوامع الكلام، وعلى آله وصحبه [الطيبين الطاهرين] أعلام الهدى ودعائم الاسلام، [والدعاء] لسيدنا ومولانا الخليفة الإمام المستنصر [بالله المنصور] بفضل الله أمير المؤمنين أبو عبد الله «٢» [ابن الأمراء الراشدين] بعلوّ الآراء ونصر الأعلام.
[فإنى لما رحلت] من ذيل المعمور «٣» حيث البحر المحيط [بالمغرب الأقصى] وإلى صدر المشرق حيث البحر الفارسى [شافهت من] أعلام الأدب، وأطلعت من كتبه [ما يثقل على] الأسماع إذ يستقصى، وصدرت من [بغداد وقد] قلبت بها ستا وثلاثين خزانة [اقتطفت منها] جميع ما أظهر خاطرى استحسانه [وعدت إلى حلب] حيث لم تزل تنفق سوق الأدب وتفيأت عودا على بدء ظلال الملك الناصر الفاضل المفضل صلاح الدين أبى المظفر يوسف بن الملك العزيز ابن الملك الظاهر بن الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب «٤» وجعلت أحاضر فى مجلسه بما انتقيه مما جمعته/ من ذلك، وهو مع الساعات
стр. 53
يبسطنى بارتياحه، ويغبطنى باستحسانه واستملاحه. قال لى: هذا الذى جمعته بهذه الرحلة الطويلة، والاجتهاد الكلى أنت فيه كما جاء فى الأثر النبوى:
«منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا» ، أم عامل بما قيل: تجمّع الفكر على قليل المحفوظ خير من تفرقه على كثير الملحوظ فإن ذلك داع إلى أن تبقى سلاح المذاكرة مصقولة، وأيدى المحاضرة غير مغلولة. ومع هذا هل تجعل عمره مقترنا بعمرى أم تجعله مقترنا بعمر الدهر، لتذكر به إذا نسيت، وتخبر إذا مت، فعلمت ما أشار إليه من تقييد العلم بالكتاب، وقلت كان والدى «١» قد جمع كتاب المشرق فى حلى المشرق وكتاب المغرب فى حلى المغرب، وجل جهدى فى تكميل هذين الكتابين على ما رسم لى. قال: وما الذى رسمه لك؟ قلت: إنه متى ذكر بلد ابتدىء فيه بالحلى البلاديّة بما هو داخل فى علم الجغرافيا، فترسم صورته ثم تذكر من حيوانه ونباته ومعدنه، وما يتركب من ذلك إلى ما يتعلق بوصف الأنهار والمتنزهات بما تتحلى به الحاضرة، ثم يعقب ذلك بالحلى العبادية، فيذكر أول من حل بذلك البلد ويؤتى بتاريخه على النسق إلى الوقت الذى صنف فيه الكتاب، ويذكر من أرباب رياستيه السيفية والقلميّة ومن انضاف إلى ذلك من الأعلام فى فنون الجد والهزل ما يمتع الجليس بنكت النثر والنظم والحكايات، ويعمر المجلس النبيل فقال: هذا مقصد جليل، ولا يرتهن فى الوفاء به إلا من جال أقطار الغرب والشرق، وشافه أعلامهما، وطالع خزائن مصنفاتها، وأعين على ذلك مع ما ذكر بالقوة الحافظة والفكر الوضاء، ورزق من الفصاحة والبلاغة ما يلخص به المتعقد، ويختصر الطويل، ويحسن العبارة بالألفاظ الصقيلة والمعانى النبيلة، وقد أعطى والدى القوس باريها، والدار بانيها، فكيف يكون لسانك فيمن تذكره من الماضين والمعاصرين؟ فقلت: قد عهد إلى ألا انقل فيما أجد فيه ذم أحد بنثر ولا بنظم، ولا أصنع مثل ذلك لحنق على أحد أو لفضول لسان دون ترة أو غير معرفة كما صنع ان ابن حيان «٢» فى
стр. 54
المتين، والفتح «١» فى القلائد. فقال والله إن هذا لحسن، رحم الله الموصى وأعان الموصى.
وقد ترك والدك فى هذه الوصية عنوانا على حسبه وكرم أدبه، وإنما افكر فى الحديث الصحيح الذى أخرجه البخارى وهو قول رسول الله ﷺ «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» ، والحديث الذى أخرجه أيضا وهو قوله ﷺ «إن من شرار الناس الذين يكرمون/ إتقاء ألسنتهم» .
وقد جاء فى صحيح الترمذى: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو فليصمت» وجاء فى كتب المسيحيين أن المسيح ﵇ مرّ مع أصحابه على جيفة خنزير، فقال أحدهم: ما أنتن ريحه، وقال الآخر: ما أقبح صورته، فقال المسيح: ما أحسن بياض أسنانه. فقال له شمعون الصفا يا نبى الله، وصفوا قبائحه ووصفت محاسنه، فقال: كل امرىء ينفق مما عنده، وإن لسانا عوّد الخير لا ينطق إلا بخير، فقلت يا مولانا، وحق نعمتك لا صنفت من هذه الفنون التى اجتمعت لى مصنفا إلا طرزت خطبته بهذه المراسم الجليلة السلطانية.
فقال: ايه وما الذى تعتمد عليه فيما تصنفه؟ هل تكون فيه كما قال المتنبى «٢»
يشمّر للّج عن ساقه ... ويغرقه الموج فى الساحل
أو كما قال غيره
ولك أبدأ الأمر الذى أنا موقن ... بأنّى منه لست أمضى لآخر
فقلت يا خوند «٣» ، هكذا يجرى لى دائما كلما شرعت فى مصنف لم تسمح نفسى بأن أجعله صغيرا، وآخذ فى استيفاء ما اجتمع من مواده، وأبخل ان أسقط منها إلى أن أضجر وتقع السآمة فى بعض مسافاته. قال: ولهذا قال رسول الله ﷺ : «إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» وقال ﵇/ «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق» . فقلت: وفى بعض
стр. 55
الأحيان يخطر بفكرتى قول القائل: من ألّف فقد استهدف، فيحملنى على ألا أضيف شيئا. فقال: يا سبحان الله: لم تقتض ذلك الحكمة التى ظهرت فى بناء الماضى للآتى، وتصنيف السالف للخالف، وإنما ذلك قول عاجز أراد أن يعجز المصنفين، كما أن البخيل أراد أن يبخل الناس، فقال! إن الصنيعة لا تكون صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع.
وانت إذا استفزك ذلك المعجز بتلك اللفظة، وثناك عن قصدك، كنت قد ضيعت مقدار نفسك فى هذه الصناعة، وكتمت من علمها ما أمرت بإظهاره.
وقد جاء فى صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينبغى لمن عنده شىء من العلم أن يضيع نفسه» . ثم قال: وبعد هذا كله فكم تقدر من سفر فى الكتابين اللذين أوصاك والدك بتكميلهما؟ قلت: مع الاختصار يكونان من عشرة أسفار. قال: هذا مصنف ملوكى لا ينسخه إلا ملك أو من له همة ملوكية وقليل ما هم، ولكن إن أردت أن تكمل مصنفاتك فى عمرك، وتجول فى الأقطار فى حياتك وتذكر بها بعد وفاتك، فاعتمد على قول ابن عباس رضى الله عنه: العلم أكثر من أن يؤتى على آخره، فخذوا من كل شىء أحسنه.
وقد قال يحيى بن خالد «١» : الناس يكتبون أحسن ما يسمعون/ ويحفظون أحسن ما يكتبون، ويحدثون بأحسن ما يحفظون، فاعزم على ان تثبت فى طيارات مصنفاتك أحسن ما تحفظ، إن الشىء عندك كثير، فإن استوفى أمد حياتك تصنيف ما رسم لك من هذا، وكانت فيه فضله لما بقى، استدركت بالغربلة الثانية أو الثالثة ما تريده على حسب انفساح العمر، ونوع أجناسه، لينفرد كل مصنف بفن يستوفى ملح أغراضه. فقد قال عتبة بن أبى سفيان لمعلم ولده «٢» : ولا تخرجهم من علم إلى علم فإن ازدحام العلوم فى السمع مضلة
стр. 56
للفهم، فقلت: قد حصل لى بهذا المجلس المبارك ما رفع عنى حجاب الحيرة، فكم خبطت عشواء لا اهتدى إلى صباح، فالحمد لله الذى أنعم علىّ بكم من كل جهة.
فقال: وبقيت فائدة بها تمام الغرض عملا بقول الصديق رضى الله عنه: إكثار الكلام ينسى بعضه بعضا، وذلك أن تحذو على ما رسمته لأدباء الخزانة فيما يعتمدون عليه متى أمرتهم بتصنيف فيما يتحرك له خاطرى وهو أن يكون المصنف فى سفر واحد، والكراريس التى يحتوى علهما اثنتى عشرة على عدد شهور العام، ويكون خطها مما يعمل فيه حساب طول العمر وتغير حاسة البصر، وتكون أسطار كل صفحة منها ثلاثة عشر. هذا انتهاء حجمه إذا كان/ كبيرا، فإن كان متوسطا كان انتهاؤه إلى ثمانى كراريس، فإن كان صغيرا كان انتهاؤه إلى أربع.
وهذا الرسم يسهل جمعه على مؤلفه ويقرب حفظه ولحظه على من صنف له.
فقبلت الأرض وانصرفت بهذه الفوائد، وشرعت فى ضم ما تشرد عندى من الشذور والوسائط والفرائد، وجعلت ألخص وأختصر كل مجموع لم يكمل تصنيفه وقد كملت عندى مواده، فقرب المرام بذلك الرسم الناصرى، وظهر النجاح على طريقة متبعة، وكان من تلك المصنفات
كتاب بواسم الخمائل ونواسم الأصائل
كنت قد جمعت فى مواده كل ما اقتطفته من زهرة، ووقعت عليه من لطيفة، وجعلته منوعا من نكت النثر والنظم والحكايات والأوزان المولدة المعربة والعامية المستعملة بالمشرق، والمستعملة بالمغرب، وقدرت أن يكون فى عشرين سفرا من الأسفار الناصرية، فعدت بتلك الوصية إلى مواده وغربلتها إلى أن حصل لى فى الخلاصة الأولى منها سفر من الرسم الناصرى، واعتمدت فى ترتيبه وتبويبه على أن يكون فى أربعة فصول، عدد فصول العام، لكل فصل منها ثلاث خمائل، عدد
стр. 57
شهور كل فصل، تحويها ثلاث كراريس، لكل خميلة كراسة، وكل خميلة مشتملة على أربع طبقات إلا الخمائل الأخيرة التى تشتمل عليها الفصل الرابع، فالخميلة الأولى فى الكلام القصير، وحدّه من سطر إلى أربعة، والخميلة الثانية فى الكلام المتوسط، وحدّه من خمسة أسطار إلى ثمانية، والخميلة الثالثة فى الكلام الممتع، وحده من تسعة أسطار إلى اثنى عشر. وتتميز الطبقات بحسب السطور، فالطبقة الأولى من الكلام القصير ماله سطر والثانية ماله سطران، والثالثة ماله ثلاثة، والرابعة ماله أربعة. والطبقة الأولى من الكلام المتوسط ماله خمسة أسطار والثانية ماله ستة والثالثة ماله سبعة، والرابعة ماله ثمانية. والطبقة الأولى من الكلام الممتع ماله تسعة أسطار والثانية ماله عشرة والثالثة ماله أحد عشر والرابعة ماله اثنا عشر. فالفصل الأول فى أزاهر النثر التى تكون من الكلام بمنزلة الملوك من الأنام، والأعياد من الأيام، والصنائف من الأعلام وهو مشتمل على ثلاث خمائل، كأنما أقتطعت من أرض بابل. فالخميلة الأولى فى الكلمات القصيرة التى هى كالدرر النثيرة وهى بعد هذا على أربع طبقات على ما رسم. والخميلة الثانية فى الكلمات المتوسطة التى هى بالأسماع مرتبطة، وهى أيضا على أربع طبقات كما رسم. والخميلة الثالثة فى/ الكلمات الممتعة التى ليست عن المحاضرة ممتنعة وهى أيضا أربع طبقات. والفصل الثانى فى أزاهر النظم التى تكون من نوادر الشعر بمنزلة الوسائط من العقود، والخيلان من الخدود، والأعلام من البرود، ونشوات الراح من العنقود، وهو يشتمل على ثلاث خمائل كأنما اختلست من وشى الخمائل. فالخميلة الأولى فى الأبيات المفردة والمزدوجة والمثلثة والمربعة. والخميلة الثانية فى الأبيات المخمسة والمسدسة والمسبعة والمثمنة.
والخميلة الثالثة فى الأبيات المتسعة والمعشرة والإحدى عشرية والإثنى عشرية.
والفصل الثالث فى أزاهر الحكايات التى تكون بمنزلة قصب السبق من الغايات، وهو مشتمل على ثلاث خمائل كأنما خلع عليها حلل البكر والأصائل.
فالخميلة الأولى فى الحكايات المختصرة التى هى بمنزلة الورد من أزاهر الروضة
стр. 58
النضرة وهى أيضا على أربع طبقات كما رسم. والخميلة الثانية المتنفسة التى هى على التوسط مؤسسة وهى أيضا على أربع طبقات. والخميلة الثالثة فى الحكايات الممتعة التى تكون قوة الحفظ فيها متسعة، وهى أيضا على أربع طبقات. والفصل الرابع فى أزاهر الأوزان المولدة التى تحكى رونق الخدود الموردة، وهو مشتمل على ثلاث خمائل أبهج من جلوة العرائس فى مذهبات الغلائل. فالخميلة الأولى فى الدوبيتيّات والمربعات والمخمسات.
والخميلة الثانية فى كان وكان ومواليا، والخميلة الثالثة فى الموشحات والأزجال.
واقتضى اختصار هذا الكتاب وترتيبه ألا يذكر عند كل زهرة من أين اقتطفت لأن ذلك يطول، وعن الغرض يحول، وله مكان مخصوص به من كتاب «العنوان» فى تسمية من لقيته من الأعلام، وطالعته من الكتاب، وما دخلته من البلدان إلا فى النادر. كما أنّى حذفت ما يقع على الأشعار المرقصة والمطربة والمقبولة من الكلام، إذ لذلك كتاب مفرد سميته «كتاب الماشطة» التى تجلى بها عرائس الأشعار فى منصة المفاخر، وتحلى بتزيينها فى الأسماع والخواطر.
ولما كمل هذا المجموع كمال البدر فى إشراقه، واهتز اهتزاز الغصن فى أوراقه، وكان اخراجه للوجود سميته «المقتطف من أزاهر الطرف» وبالله الإعانة والتوفيق والهداية إلى سواء الطريق.
стр. 59
الخميلة الأولى المشتملة على الكلمات القصيرة
الطبقة الأولى: من النثر والتقصير
البخارى «١» : إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكمة وحكما نوح: الصبر سجن المسرة داود: من بلغ السبعين اشتكى من غير علة سليمان: ليكن أصدقاؤك كثيرا وليكن صاحب سرك منهم واحدا من ألف المسيح: يباعدك من غضب الله ألا تغضب، صلى الله على سيدنا محمد وعليهم.
الصديق: صنائع المعروف تقى مصارع السوء الفاروق: لأن أجد فى بيتى أفعى جاربة «٢» خير من أن أجد عجوزا لا أعرفها ذو النورين «٣» : يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن على أبو السبطين «٤» : من آيقن بالخلف جاء بالعطية الحسن: حسن السؤال نصف للعلم الحسين: صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك، فأكرمه عن ردك
стр. 60
عبد الله بن الحسن بن الحسن: من أعظم الخطأ العجلة قبل الامكان، والأناة بعد الفرصة.
ابنه محمد القائم على المنصور: لا يحمل أمير القوم إلا إذا أيقن بالموت محمد العيص بن عبد الله بن الحسن بن عبد الله المذكور: العافية هى الملك الهنىّ، وطلب الملك هو الموت الوحى «١» إسماعيل السفاك بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن عبد الله المذكور: قتال الأعداء المخالطين أولى من قتال الأعداء المنابذين.
محمد بن صالح بن موسى بن عبد الله المذكور: أفرّ من الجفون وأكرّ فى الحرب الزبون محمد بن أبى جعفر بن أبى هاشم من ولد موسى بن عبد الله: إذا صادف معروف محله، ينبغى لك أن تعد ذلك من نعم الله عليك سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن الذى فر من وقعة فخ «٢» إلى المغرب:
إنما أحسب روحى بعد وقعة فخ ربحا، وأبخل التجار يخاطر بالربح الحسين قتيل فخ، ابن على العابد بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى: من طلب المعالى لا يرهب العوالى.
إبراهيم الغمر بن الحسن بن الحسن السبط: من تمنى اختلاف الدّول بلى بالندم على الأول محمد بن طباطبا من ولد إبراهيم الغمر القائم فى زمان المأمون، قال لأبى السرايا:
أوصيك أن تستتم الغضب لربك ولا تقدم إقدام متهور، ولا تضطجع اضطجاع متهاون.
стр. 61
يحيى بن الحسين بن القاسم الرسى القائم بصعدة وهو من ولد طباطبا: لا تعجلوا بالجواب قبل أن تنتهوا إلى أعقاب الخطاب.
أبو الحسن الأصبهانى محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن طباطبا: ما كاتبتك معارضا ولا مقارضا لكن ليقال جاوبه ابن المعتز.
أبو الفتوح بن جعفر السليمانى من ولد سليمان بن داود بن الحسن المثنى: إن من عقوق جدنا علىّ وصفه بالعجز عن الخلافة والنيل من قوم ارتضى تغريمهم زيد الجواد بن الحسن بن الحسن: من جاد بماله بخل بعرضه، ومن بخل بماله جاد بعرضه.
الحسن بن زيد بن محمد بن زيد الجواد: من أراد الشهرة فليزهد فى العواقب.
زين العابدين على بن الحسن: إياك ومعاداة الرجال فإنك لن تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم.
ابنه الباقر محمد: صلاح من جهل الكرامة فى هوانه الكاظم موسى بن جعفر الصادق بن الباقر: أتصحبوا من كان أحسن يوميه عنده شرهما زيد بن زين العابدين: المروءة إنصاف من دونك، والسمو إلى من فوقك الشرف الحسينى البلخى: من قصرّ حسامك عن حسامه فلا تسامه معاوية أول خلفاء بنى أمية: من طلب عظيما خاطر بعظيمته.
ابنه يزيد: إن من غلب أبوه عليّا وغلب هو الحسين لغلاب عمر بن عبد العزيز: التقىّ ملجم السفاح أول الخلفاء العباسيين: الأناءة محمودة إلا عند إمكان الفرصة.
المنصور: إذا مدّ عدوك يده إليك فاقطعها إن أمكنك وإلا قبّلها
стр. 62
المهدى أعدل الناس من أنصفهم من نفسه، وأجورهم من ظلمهم لغيره.
الهادى: من لى بحياة لا تنقطع وملك لا يسلب وشباب لا يبلى المأمون: لو علم الناس مقدار لذتنا بالعفو/ لتقربوا إلينا بالذنوب المعتصم: إذا نصر الهوى بطل الرأى الوائق: من أحب أن يتقرب إلينا فلا يقل ولا يدل المستعين: الدنيا مومس استمتع بها ولا تتخذ منها نسلا المعتز: الملك فى الشباب بخ على بخ المعتمد: إذا عدم أهل التفضل هلك أهل التحمل المعتضد: لا أحب أن أهب قليلا ولا تحتمل الحال التى دفعت إليها الكثير المكتفى: الخمول مع الصحة خير من النباهة مع العلة المقتدر: لم يملكنا الله الدنيا لننسى نصيبا منها، ولا أن نضيّق على من فى ظلالنا المطيع: طول العمر فى الملك فوق كل لذة الطائع: اختلاف الدول هو العذاب الأليم فى الدنيا المستظهر: لا أخذ الله بيد من أراد العزّ بذلّ غيره الراشد: فتح قرية بسيف خير من فتح إقليم بانقياده المقتفى: المبغض المجاهر عندى خير من المحب المداهن المستنجد: الخديم السوء الكافى لى المسهّل، يجمع المكاره معا ويحمل لمنفعته.
ابن المعتز: النمام جسر الشر
стр. 63
الطبقة الثانية: من النثر القصير
[الرسول ﵇] «١» : ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت إدريس ﵇: تحتمل الملوك كل شىء إلا ثلاثة أشياء:
إفشاء السر، والقدح فى الدول، والتعرض للحرم قال سليمان بن وهب «٢» : ما انتفعت بشيء فى حق خدمة الملوك وحق نفسى إلا بمثل قول الإدريس ﵇. وأورد ما تقدم. وقوله:
[إدريس ﵇] «٣» : إياك وخدمة من شبع من الرئاسة وملّ من السياسة، فإنه يرى كبير ما تصنعه فى حقه صغيرا، وصغير ما يصنعه فى حقك كبيرا.
داود ﵇: لا تستبدلن بأخ لك قديم أخا مستفادا ما استقام لك، ولا تستقل أن يكون لك عدوّ واحدا [و] «٤» لا تستكثر أن يكون لك ألف صديق.
المسيح ﵇: لا ينبغى للسلطان أن يغضب، إنما يأمر فيطاع، ولا ينبغى له أن يعجل فليس يفوته شىء ولا ينبغى أن يظلم فإنما يدفع الظلم به. صلى الله على سيدنا محمد وعليهم.
стр. 64
الصديق رضى الله عنه «١» : إن أقواكم عندى الضعيف حتى أعطيه حقه، وإن أضعفكم القوى حتى آخذ له بحقه.
الفاروق رضى الله عنه: عليكم بإخوان الصدق تعيشوا فى أكنافهم فإنهم زينة فى الرخاء وعدة للبلاء.
ذو النورين رضى الله عنه: رؤية القبر مبكية، لأنه أول منزل من منازل الآخرة، وآخر منزل من منازل الدنيا، فمن شدّد عليه فما بعده أشد، ومن هوّن عليه فما بعده أهون.
أبو السبطين «٢» رضى الله عنه: لا خير فى صحبة من إذا حدثك كذبك، وإذا حدثته كذّبك، وإن ائتمنته خانك، وإن ائتمنك اتهمك، وإن أنعمت عليه كفرك، وإن أنعم عليك منّ عليك.
معاوية: ثلاثة ما اجتمعت فى حر: مباهتة الرجال والغيبة للناس والملال لأهل المودة. رضى الله عنهم أجمعين.
يزيد: أمس شاهد فاحذروه، واليوم مؤدب فاعرفوه، وغد رسول فاكرموه، وكونوا على حذر من هجوم الأجل.
عبد الملك: السياسة هيبة الخاصة مع مودتها، ورهبة العامة من الإتصاف واحتمال هفوات الصنائع.
الوليد: والله لأجمعن المال جمع من يعيش أبدا ولأفرّقنه تفريق من يموت غدا
стр. 65
سليمان: قد أكلنا الطيب وركبنا الفاره وامتطينا العذراء فلم تبق لى لذة إلا صديق تسقط بينى وبينه مئونة التحفظ.
عمر: ما أطاعونى فيما أردت من أمور الآخرة حتى بسطت لهم طرفا من الدنيا باعوا به دينهم.
هشام: إن خالد بن صفوان «١» أدلّ فأمل، وأوجف فأعجف، ولم يترك لأوبة مرجعا ولا لصلح موضعا.
الوليد: لم أر أحلى من جنى عافية الصبر لولا مرارة ما أنفقت عليه من العمر، وقطعت فيه من مسافة التسويف.
السفاح: إن القدرة تصغر الأمنية/ لقد كنا نستكثر أمورا نستقلها لأخير أصحابنا المنصور: ليس العاقل من يتحرز من الأمر الذى يقع فيه حتى يخرج منه، إنما العاقل يتحرز من الأمر الذى يقع فيه، يخشاه حتى لا يقع فيه.
الرشيد: لا تتكل على أن تقول كان أبى الرشيد، واعمل ما يتكل عليه من يقول كان أبى المأمون.
المأمون: إياكم والوقوع فى الملوك بحضرتنا وإن كانوا مباينين لنا، فإن المرتبة نسب تجمع أهلها، فشريف العرب أولى بشريف العجم.
المتوكل: إذا خرج توقيعى إليك بما فيه مصلحة للناس فأنفذه ولا تراجعنى فيه، وإذا خرج بما فيه حيف
стр. 66
على الرعية فراجعنى فإن قلبى بيد الله المنتصر: لذة العفو أهيب من لذة التشفى، لأن لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة التشفى يلحقها ذم الندم.
الراضى: الذل صعب، وأصعبه ما جرى على الملوك والبخل قبيح وأقبحه ما جرى من الملوك.
المستكفى: من يذل الملوك قتلوه، ومن يظهر الاستغناء عنهم أخملوه، ومن يكذب عندهم حقروه.
القائم: كنت لا أحفل بشكوى الغريب لأنى لا أتوقع ذلك حتى بليت بالغربة فصرت لا أرحم إلا الغريب.
المقتدى: طراز الدنيا المال،/ وطراز الأخرى الأعمال، ومن جمع بين الطرازين حاز النعيم المنصرم والنعيم الدائم.
الراشد: أحق الناس بالذم الملوك لأنهم أقدر الناس على اكتساب المكارم واجتناب الرذائل.
المستنجد: عملت حساب لذتى قبل الخلافة، فما وصلت إلىّ حتى قضيت نهمتى من الأمور التى لا تليق بها.
المستضىء: من تعرض لطلب ما لم يعط، فقد عرّض عقله للتهمة ونفسه للتعب.
ومن أولاد الخلفاء العباسيين ابن المعتز: احذر منزلتك من الفساد عند سلطانها بمثل ما اكتسبتها به من الجد والمناصحة، واحذر أن يحطك التهاون عما رقاك إليه التحفظ.
стр. 67
ومن العلويين:
عبد الله بن الحسن به المثنى: الكامل العقل يرى الرأى بعدما يفكر، والناقص العقل لا يراه بديهة ولا بعد أن يفكر.
أبو فليتة «١» أمير مكة من ولد عبد الله المذكور: إنى وجدت الرقاب ثلاثا: رقبة ملكتها بالمنن، ورقبة ملكتها بالصفع، ورقبة لم ينفع فيها إلا السيف
стр. 68
الطبقة الثالثة: من النثر القصير
البخارى: الكذب غير جائز على ابن آدم إلا فى ثلاث خصال:
رجل كذب امرأته ليرضيها، ورجل كذب فى خديعة حرب ورجل كذب بين امرأين مسلمين ليصلح بينهما «١» .
المسيح: صلى الله على نبينا وعليه:/ العبر ثلاثة: المنطق والنظر والصمت، فمن كان منطقه فى غير ذكر الله فقد لغا، ومن كان نظره فى غير اعتبار فقد سها، ومن كان صمته فى غير فكر فقد لها عمر رضى الله عنه: من أفضل ما أعطيت العرب الأبيات يقدمها الرجل بين يدى حاجته فيستعطف بها الكريم ويستنزل بها اللئيم، والشعر أدنى مروّة الشريف وأعلى مروّة الوضيع.
على رضى الله عنه: أوصيكم بأربع، لو ضربتم إليها آباط الابل كنّ لها أهلا. لا يرجونّ أحد منكم إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحى أحد إذا لم يعلم الشىء أن يتعلمه.
معاوية: لا تستفسد الحرّ فسادا لا تصلحه أبدا، وذلك بأن لا تشتم له عرضا، ولا تضرب له ظهرا، فإن الحر لا ترضيه الدنيا عوضا عن هذين، ولكن خذ ماله، ومتى شئت أن تصلحه فمال بمال.
стр. 69
عبد الملك: تفقّد كاتبك وحاجبك وجليسك فإن الغائب يخبره عنك كاتبك، والمتوسم يعرفك بحاجبك، والخارج من عندك يعرفك بجليسك السفاح: ما أعدكم شيئا ولا أوعدكم إلا وفّيت: بالوعد والإيعاد. والله لأعملن اللين حتى لا تنفع إلا الشدة.
ولأغمدنّ سيفى إلا فى إقامة حد أو بلوغ حق، ولأعطينّ حتى أرى العطية ضياعا «١» .
المنصور: اسمع من أهل التجارب ولا تردنّ على ذوى الرأى من ثقاتك النصيحة فتمنعها لرهبتهم منك [وأنت] «٢» أحوج ما تكون إليها ثم لا تكون لك عليهم حجة.
عبد الله بن الحسين بن الحسن: احذر الجاهل وإن كان لك ناصحا كما تحذر عداوة العاقل إذا كان غاشّا، فيوشك أن يورطك الجاهل بمشورته، فيسبق إليك مكر العاقل، وتورط الجاهل محمد [الباقر] «٣» بن زين العابدين: إن الله خبّأ رضاه فى طاعته، فلا تحقرن من الطاعة شيئا فلعل سخطه فيه، وخبأ أولياءه فى خلقه، فلا تحقرن أحدا فلعل ذلك الولىّ.
ابنه جعفر الصادق: أهلك الله ستة بستة، الولاة بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق «٤» بالجهل، والفقهاء بالحسد.
стр. 70
على الرضا بن الكاظم بن الصادق: الزاهد متبلغ بدون قوته، مستعد ليوم موته، متبرم بحياته، غائب عن الناس وهو فيهم حاضر، مع ما قدم من عمله، وهو غائب عنه، يحاسب نفسه ويرجو ربّه.
محمد بن الحنفية: أشد الناس زهدا من لا يبالى بالدنيا فى يد من كانت وأخسر الناس صفقة من باع الباقى بالفانى، وأعظم الناس قدرا من لا يرى الدنيا قدرا لنفسه.
عبد الله بن جعفر: يا بنيّة، إياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق، وإياك والمعاتبة فإنها تورث الضغينة، وعليك بالزينة، واعلمى أن أزين الزينة الكحل، وأطيب الطّيب الماء «١» .
عبد الملك بن صالح العباسى: قال لأمير غزاه: اعلم لتك مضارب الله لخلقه، فكن بمنزلة التاجر الكيّس إن وجد ربحا وإلا احتفظ برأس المال، وكن من احتيالك على عدوك أشد حذرا من احتياله عليك.
مسلمة بن عبد الملك بن مروان «٢» : لا أزال فى فسحة من أمر الرجل حتى أصطنع عنده يدا، فإذا اصطنعتها لم يكن لى همّ إلا ربّها، فإن ربّ الصنائع عند الأحرار أصعب من ابتدائها.
سعيد بن العاص بن أمية «٣» : الولاية نظهر المحاسن والمساوئ، وقلما شاتمت
стр. 71
مذ كنت رجلا لأنى لا أشاتم إلا أحد رجلين، إما كريما فأنا أحق أن أحتمله، وإما لئيما فأنا أولى من ترفع نفسه عنه.
زياد «١» : إن تأخير جزاء المحسن لؤم، وتعجيل عقوبة المسىء دناءة، والتثبت فى العقوبة ربما أدى إلى سلامة منها، وتأخير الإحسان ربما أدى إلى ندم لم يمكن صاحبه أن يتلافاه الحجاج: إن امرأ أتت عليه [ساعة] «٢» من عمره ولم يذكر بها ربه ولم يستغفر من ذنبه، ولا أفكر فى معاده لجدير أن تظهر له/ حسرته يوم القيامة.
أبو مسلم «٣» : كان أقوى الأسباب فى خروج دولة بنى أمية عنهم كونهم أبعدوا أولياهم ثقة بهم وأدنوا أعداءهم تألفا لهم، فلم يصر العدو بالدّنو صديقا وصار الصديق بالبعد عدوا
стр. 72
الطبقة الرابعة: من النثر القصير
البخارى: من كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته ومن فرّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب الآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة «١» .
المسيح صلى الله على نبينا محمد وعليه: يا بنى إسرائيل، لا تكلمّوا بالحكمة عند الجهّال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم يا بنى اسرائيل، الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فاتبعوه، وأمر بين غيه فاجتنبوه، وأمر أختلف فيه فردوه إلى الله .
الفاروق رضى الله عنه: كتب إلى معاوية ﵀: أما بعد، فإنى لم لم آلك فى كتابى إليك ونفسى خيرا، إياك والاحتجاب، وإيذن للضعيف وأدنه ينبسط لسانه ويجترىء قلبه، وتعهد الغريب فإنه إذا طال حبسه وضاق إذنه ترك حقه وضعف قلبه وإنما أبطل حقه من حبسه «٢» .
ذو النورين رضى الله عنه: إنى والله ما أتيت الذى أتيت وأنا أجهله، ولكن منعتنى نفسى، وأضلتنى رشدى وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا تعادوا فى الباطل» ، وأنا أول من اتعظ واستغفر الله،
стр. 73
فأشيروا علىّ فإنه لا يردنى الحق إلى شىء إلا صرت إليه «١» .
أبو السبطين رضى الله عنه «٢» : لقد أفسدتم على رأيى بالعصيان، وملأتم جوفى غيظا حتى قالت قريش: ابن أبى طالب رجل شجاع ولكن لا رأى له فى الحرب، ولله درهم، من ذا يكون أعلم بها منى، والله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ولقد نيّفت اليوم على الستين ولكن لا رأى لمن لا يطاع.
الحسين رضى الله عنه: إن حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم فلا تملّوا النعم فتحور نقما، إن المعروف مكسب حمدا، ومعقب أجرا، فلو رأيتم المعروف رجلا، رأيتموه حسنا جميلا، يسر الناظرين ويفوق العالمين، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجا مشوها تنفر منه القلوب والأبصار.
الصادق «٣» : الصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذى حسب أو دين، والله ينزل الرزق على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر المصيبة، ومن أيقن بالخلف جاء بالعطية، ولو أراد الله بالنحلة خيرا ما أنبت لها جناحين.
الرضى: القناعة تجمع إلى صيانة النفس وعز القدر طرح مؤن الاستكثار والتعبد لأهل الدنيا، ولا يسلك
стр. 74
طريق القناعة إلا رجلان: إما متقلّل يريد أجر الآخرة، أو كريم يتنزه عن لئام الناس.
العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن على بن أبى طالب؛ قال فى تعزية:
إنى لم آتك شاكا فى عزمك. ولا زائدا فى علمك ولا متهما بعهدك، ولكنه حق الصديق، وقول الشفيق. واستبق السلوة بالصبر، وتلقّ الحادثة بالشكر، يحسن لك الذخر، ويكمل لك الأجر.
عبد الله بن جعفر بن أبى طالب: عليك بصحبة من أن صحبته زانك، وإن خفضت له صانك، وإن احتجت إليك عانك، وإن رأى منك خلة سدّها، أو حسنة عدها، وإن كثرت عليه لم يرفضك، وإن سألته أعطاك، وإن سكتّ عنه ابتدأك ابن عباس: لا يزهدنك فى المعروف كفر من كفره، فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه، وإنى والله ما رأيت أحدا أسعفته فى حاجة إلا أضاء ما بينى وبينه، ولا رأيت أحدا رددته عن حاجة إلا أظلم ما بينى وبينه.
ابنه [علىّ] «١» : من لم يجد مسّ نقص الجهل فى عقله، وذلة المعصية فى قلبه، ولم يستبن موضع الخلة فى لسانه عند كلال حدّه عن حد خصمه، فليس ممن ينزع عن ريبه، ولا يرغب عن حال معجزة ولا يكترث لفضل ما بين حجة وشبهة.
стр. 75
السديد منصور بن نوح صاحب بخارى «١» : لابد للملك بعد الغلمان والخدم والأولياء والوزير والكاتب والولاة والعمال من فقهاء يحفظون دينه، وأطباء يتعاهدون صحته، وندماء يجلبون أنسه، ومطربين يغذون روحه، وأدباء وشعراء يخلدون ذكره.
أبو الحسن بن سمجور صاحب خراسان «٢» : ينبغى للملك أن يبنى أمره مع عدوه على أربعة أوجه: اللين والبذل والكيد والمكاشفة، ومثل ذلك الجرح الذى أوله التسكين فإن لم ينفع فالانضاج والتخليل، فإن لم ينفع قسط «٣» فإن لم يغن فالكى وهو آخر الدواء.
سبكتكين صاحب غزنة «٤» : أنا أبنى أمرى على ستة: تجنب الكسل، وكتمان السر، وجمع المال من وجهه، وبذله فى حقه، ورفع الوضيع الذى لا يعرف بعد الله أحدا غيرى، وبث الجواسيس فى تعرف أوليائى وأعدائى.
следующие страницы →